عقل صلاح

كاتب فلسطيني وباحث مُختص بالحركات الأيديولوجية

قرارات المجلس المركزي الفلسطيني بين النظرية والتطبيق

إن القرارات السابقة صيغت بلغة فضفاضة ومُلتبسة فكلها تعتمد بشكل أساسي على اتفاق أوسلو، ففي حال انتهى اتفاق أوسلو تصبح جميعها نافذة، لكن في ظل التمسّك بأوسلو لا يمكن تطبيق أي من هذه القرارات. لقد نصّ اتفاق أوسلو على البت في القضايا العالقة مثل القدس والحدود واللاجئين بعد أقل من ثلاث سنوات من توقيعه، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بتطبيق ما ترتّب عليها من التزامات في الاتفاق في الوقت الذي قامت فيه السلطة بتنفيذ كل التزاماتها.

في الـ28 المنعقدة في رام الله، انعقد المجلس بحضور 87 عضواً من أصل 111 عضواً
في الـ28 المنعقدة في رام الله، انعقد المجلس بحضور 87 عضواً من أصل 111 عضواً

في ضوء التطوّرات الأخيرة حول القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل من قِبَل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في دورته الثامنة والعشرين في 14-15 كانون الثاني/يناير من العام الجاري من أجل مواجهة القرار. سيتم تسليط الضوء في هذه الدراسة على بعض قرارات المركزي التي تتعلّق في علاقة السلطة بإسرائيل ومدى جدّية السلطة الوطنية في تطبيق هذه القرارات.

المجلس المركزي الفلسطيني هو هيئة انبثقت عن المجلس الوطني الفلسطيني، حيث تقرّر تشكيله في الدورة الثالثة عشر للمجلس الوطني في آذار/مارس عام 1977. وتكوّن المجلس المركزي حينها من رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية، وممثلين عن الفصائل والقوى الفلسطينية باستثناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي وذلك بسبب عدم انضمامهما لمنظمة التحرير، والاتحادات الطلابية، واتحاد المرأة واتحاد المعلمين، واتحاد العمال؛ إلى جانب ممثلين عن أصحاب الكفاءات؛ بالإضافة إلى ستة مراقبين، ويرأسه رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون. وفي عام 1996 تم ضمّ عدد من الأعضاء الذين يمثلون رؤساء اللجان الدائمة في المجلس التشريعي وهيئة مكتب رئاسة المجلس التشريعي، بالإضافة إلى رؤساء الكتل البرلمانية فيه.

ويختصّ المجلس المركزي في اتخاذ القرارات في القضايا والمسائل التي تطرحها عليه اللجنة التنفيذية في إطار مقرّرات المجلس الوطني، ومناقشة وإقرار الخطط التنفيذية المُقدّمة إليه من اللجنة التنفيذية، ومتابعة تنفيذ اللجنة التنفيذية لقرارات المجلس الوطني، والاطّلاع على حُسن سير عمل دوائر المنظمة، وتقديم التوصيات اللازمة بذلك إلى اللجنة التنفيذية. ومن أبرز القرارات التي اتّخذها المجلس، اختيار ياسر عرفات رئيساً لدولة فلسطين في عام 1983، وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993.

ينعقد المجلس المركزي بشكل دوري مرة كل ثلاثة أشهر، كما يمكن أن يُعقَد في دورات استثنائية بدعوة من رئيسه أو بطلب من اللجنة التنفيذية أو من ربع أعضاء المجلس. وعقد المجلس منذ عام 1985 وحتى بداية عام 2018 حوالى 28 دورة. وقد عقد المجلس في عهد الرئيس محمود عباس 11 دورة كان آخرها الدورة الثامنة والعشرين في بداية العام الجاري.

في الدورة الثامنة والعشرين المنعقدة في رام الله، انعقد المجلس بحضور 87 عضواً من أصل 111 عضواً، حيث تعذّر حضور عدد من الأعضاء وذلك بسبب إما اعتقالهم أو منعهم من قِبَل سلطات الاحتلال، وحضر نحو 60 عضواً مراقباً. وقد اعتذرت حركتا حماس والجهاد عن المشاركة في الاجتماع. فقد بيّنت حركة حماس أسباب رفضها بأنها قد طلبت أن يكون الاجتماع خارج الأراضي المحتلة حتى تتمكّن جميع القوى والفصائل الفلسطينية من المشاركة، إضافة إلى أنها طلبت أن يسبق هذا الاجتماع اجتماع للإطار القيادي الموحّد من أجل مناقشة القضايا التي سيتم التطرّق إليها في اجتماع المركزي وغيرها من الأمور التي لم تلق موافقة من قِبَل الرئيس عباس ورئيس المجلس الوطني الزعنون. فيما ينبع رفض حركة الجهاد حضور الاجتماع من موقفها السياسي الرافض لاتفاق أوسلو وجميع إفرازاته بما فيها الانتخابات التشريعية، فهي ترى أن عقد الاجتماع في رام الله المحتلة سيمنح للاحتلال فرصة تحديد من سيسمح له الحضور من الأعضاء حتى من حركة فتح، إضافة إلى عدم قيام الرئيس عباس برفع العقوبات عن القطاع قبل انعقاد المركزي.

وتمثل الهدف من هذه الدورة التي أطلق عليها دورة "القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين" في إعادة النظر بمسألة الاعتراف بدولة إسرائيل، حتى تعترف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس وبعودة اللاجئين وفق القرار 194. ومن أبرز القرارات التي صدرت عن المجلس والتي تناولت العلاقة مع إسرائيل:

  • أن الاتفاقيات الموقّعة في أوسلو، والقاهرة، وواشنطن، بما اشتملت عليه من التزامات لم تعد قائمة.
  • تعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وإلغاء قرار ضمّ القدس الشرقية ووقف الاستيطان.
  • وقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله.

إن القرارات السابقة صيغت بلغة فضفاضة ومُلتبسة فكلها تعتمد بشكل أساسي على اتفاق أوسلو، ففي حال انتهى اتفاق أوسلو تصبح جميعها نافذة، لكن في ظل التمسّك بأوسلو لا يمكن تطبيق أي من هذه القرارات. لقد نصّ اتفاق أوسلو على البت في القضايا العالقة مثل القدس والحدود واللاجئين بعد أقل من ثلاث سنوات من توقيعه، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بتطبيق ما ترتّب عليها من التزامات في الاتفاق في الوقت الذي قامت فيه السلطة بتنفيذ كل التزاماتها.

وفي ما يخص قرار تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل لحين اعترافها بالدولة الفلسطينية فهذا لن يحدث، لأن اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية يعني أن تمنحها السيادة الكاملة على أرضها والشرعية على المستوى الدولي. وهذا القرار قد جاء متأخراً 22 سنة، فقد اعترفت منظمة التحرير بدولة إسرائيل وفي المقابل اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير وليس في الدولة الفلسطينية، فكان الأجدر في المجلس المركزي سحب الاعتراف بإسرائيل وليس تعليقه.

لقد تم اتخاذ قرار في الدورة 27 للمجلس المركزي عام 2015 بقطع التنسيق الأمني مع إسرائيل وذلك لتنصّلها من جميع الاتفاقيات وازدياد وتيرة الاستيطان وتهويد القدس. إلا أن هذا القرار بقي حبراً على ورق ولم يتم تنفيذه من قبل اللجنة التنفيذية. وبعد ثلاث سنوات أقرّ المركزي إعادة تفعيل القرار الذي اتخذ في الدورة السابقة أي وقف التنسيق الأمني مجدداً. إلا أن الوقائع على الأرض تؤكّد مقولة الرئيس عباس بأن التنسيق الأمني مقدّس حتى بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ففي مكالمة هاتفية للرئيس عباس في 27كانون الثاني/يناير2018، مع زعيمة حزب ميرتس زهافا غالؤون أكّد خلالها بأن التنسيق الأمني مازال مستمراً، وأكّدت صحيفة يديعوت احرنوت الإسرائيلية بأن الكشف عن منفّذي عملية نابلس تم بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية. لقد اختزلت الوظيفة الأساسية للسلطة بالتنسيق الأمني الذي يتطوّر بشكل ملحوظ في مقابل انهيار جميع مناحي الحياة للشعب الفلسطيني بسبب الفقر والبطالة و.... فقد صرح أحد المفاوضين الإسرائليين السابقين مع الفلسطينيين زلمان شوفال بأن السلطة ورئيسها بحاجة للتنسيق الأمني لاستمرارها.

وبعد اتخاذ المجلس المركزي للقرارات سابقة الذكر تمت إحالتها إلى اللجنة التنفيذية لتطبيقها، ولغاية الآن لم تجتمع اللجنة التنفيذية لوضع خطة لكيفية تنفيذ قرارات المركزي، الذي اجتمع هو الآخر بعد أربعين يوماً من قرار ترامب. إن اتخاذ مثل هذه القرارات لم يكن يتطلب اجتماع أية هيئة رسمية من هيئات منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، وإنما كان يتوجّب اتخاذها فوراً من قِبَل الرئيس عباس كردّ فعل مباشر على قرار ترامب، ولو اتّخذ الرئيس هذه القرارات مباشرة لدعمت موقفه وساندته جميع القوى والفصائل الفلسطينية بما فيها الإسلامية، ولحظيَ بتأييد شعبي واسع. إلا أن تأخّر اجتماع التنفيذية يدلّ على عدم الجدّية في التطبيق العملي، وأن هذه القرارات اتّخذت من أجل امتصاص النقمة الجماهيرية وإثبات أن السلطة تتحرّك في اتجاه مقاطعة إسرائيل ولكن من الباب النظري وليس العملي.

 


تأثير تطبيق قرارات المركزي

في حال تم تطبيق القرارات سابقة الذكر، ماذا ستقدّم هذه القرارات للشعب والقضية الفلسطينية؟

بالنسبة إلى قرار إلغاء اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات، هذا يعني انتهاء السلطة الفلسطينية التي قامت أساساً على الاتفاق، أي حل السلطة الفلسطينية والتحلّل من جميع الاتفاقيات التي تم توقيعها مع إسرائيل. وهو من أهم القرارات وأكثرها تأثيراً على إسرائيل وعليه ستتحمّل إسرائيل مسؤوليتها الكاملة عن احتلالها للضفة الغربية وسيتحوّل من احتلال بلا كلفة إلى احتلال يدفع ثمن احتلاله.

بينما تعليق الاعتراف بإسرائيل لن يؤثّر على الاحتلال شيئاً ولن يقدّم للفلسطينيين شيئاً، وهو بالدرجة الأولى تابع لاتفاق أوسلو وفي حال اتفاق أوسلو لم يعد قائماً فلن يكون هناك اعتراف بإسرائيل تلقائياً. أما في ما يخصّ التنسيق الأمني، فحتى لو تم قطعه حالياً فلن تتأثّر إسرائيل بشكل كبير وذلك يعود إلى اعتمادها على عملائها الذين قامت بتجنيدهم في مختلف مفاصل العمل السياسي الرسمي والشعبي خلال سنوات أوسلو، فهي لديها بنك معلوماتي خاص في الضفة إلى جانب الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

ومن أجل قطع التنسيق الأمني الذي يُعتبَر من إفرازات أوسلو بشكل جدّي وليس بشكل نظري، يجب قطعه بالتزامن مع محاربة ظاهرة العملاء وملاحقتهم ومعاقبتهم على جرائمهم كما يحدث في القطاع، حيث تقوم الأجهزة الأمنية التابعة لحماس بملاحقة ومعاقبة العملاء ما أدّى إلى محاصرة هذه الظاهرة، فبنك المعلومات الإسرائيلي في القطاع شحيح جداً مقارنة مع الضفة.

إن قرارت المركزي لن تدخل حيّز التنفيذ وستلقى مصير سابقاتها من القرارات، وبالأخصّ القرارات التي تمسّ علاقة السلطة بإسرائيل وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أن الرئيس عباس مُتفرّد في اتخاذ القرار وقراره نابع من قناعته الشخصية التي يؤمن بها ألا وهي لا بديل عن طريق المفاوضات. لقد كان الرئيس السابق الشهيد ياسر عرفات مُتفرّداً أيضاً في اتخاذ القرارات إلا أن الثوابت الفلسطينية كانت تعتبر خطاً أحمر، فعندما تم الضغط عليه للتنازل عن القدس قام بإعطاء أوامر مباشرة لاندلاع انتفاضة الأقصى مقدّماً كل أنواع الدعم لكتائب شهداء الأقصى وغيرها، فالتفرّد في اتخاذ القرار لا يمنع أبداً من اتخاذ قرارات مصيرية لتغيير المعادلة.

إضافة لأن قرار الرئيس عباس غير مستقل وتابع للقرار العربي الرسمي الذي لن يخرج أبداً عن المظلّة الأميركية، فالرئيس لا يمتلك الإرادة السياسية لمواجهة هذه الدول التي تسعى وراء مصالحها وليس وراء إنصاف الشعب الفلسطيني. فبعض الدول العربية تسعى إلى بناء العلاقات مع أميركا وإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية، والبعض يرى من وجهة نظره بأن إيران هي التي تشكل خطراً على المنطقة وليس إسرائيل.

ومن المُعيقات التي ستؤدّي إلى عدم تطبيق القرارات هو اعتماد السلطة على المساعدات المالية الخارجية وعائدات الضرائب التي تجنيها إسرائيل. فبعد قرار ترامب قلّصت أميركا مساعداتها للسلطة وللأنروا من أجل الضغط على الرئيس لقبول القرار وعدم اتخاذ أية خطوات تجاهه. أما بالنسبة إلى عائدات الضرائب فتستخدمها إسرائيل كورقة ضغط على السلطة وفي حال قيام السلطة بأية خطوة تجاه إسرائيل ستوقفها كما فعلت في السابق. والدول العربية التي خفّضت من دعمها للسلطة في العام الماضي ستلتزم القرار الأميركي. وكل هذا في ظل الديون المُتراكِمة على السلطة والموظفين وارتفاع نسبة البطالة والفقر وانعدام الشفافية في التوظيف.

وفي ظلّ خطورة هذا القرار، لم تتّخذ السلطة قراراً بإتمام المصالحة ورفع العقوبات عن القطاع كبادرة للتوحّد من أجل مجابهة قرار ترامب الذي يستدعي توحّد كافة أطياف الشعب الفلسطيني. أضف إلى كل ما سبق بأن الحراك الشعبي الفلسطيني لم يكن يتناسب مع مستوى الحدث، ففي عام 2000 عندما أقدم شارون على تدنيس المسجد الأقصى اندلعت انتفاضة الأقصى. فعلى الرغم من أن قرار ترامب كان أكثر خطورة من اقتحام شارون لباحات المسجد الأقصى إلا أن التحرّكات الفلسطينية بقيت تحت سيطرة السلطة التي لا ترى بغير المقاومة الناعمة وسيلة للاحتجاج ولا تريد أن تتدحرج الأحداث لتصل إلى انتفاضة ثالثة، ويعود ذلك إلى ممارسات السلطة ومستوى الإحباط الذي وصل إليه الشعب الفلسطيني.

إذا كان قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لم يؤدِ إلى قطع العلاقات والتنسيق الأمني مع إسرائيل، ما هو الحدث الجلل الذي سيدفع بالقيادة الفلسطينية لتنفيذ مثل هكذا قرارت.