محمّد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

حرب البذور الزراعية – المقاومة في العراق وسوريا

بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن توقّف هدير المدافع وأزيز الطائرات – على حد تعبير الكاتبة البريطانية فرانزي سوندرز- دخل العالم مرحلة جديدة. بالإضافة إلى سؤال الدولة القوية بجيشها، صعدت الأسئلة الملحة المتعلقة بالاقتصاد، والزراعة، والدواء، والتنمية.

مصير أرباح الشركات الزراعية العالمية مرتبطاً بتفكيك الدول المركزية والعميقة
مصير أرباح الشركات الزراعية العالمية مرتبطاً بتفكيك الدول المركزية والعميقة

واحد من هذه الأسئلة كان سؤال الزراعة، كم تستورد البلاد، وكم تصدّر، وكم تتمكّن من إشباع الطلب المحلي من السلع الغذائية الأساسية، من القمح والشعير والحبوب والخضروات؟ كان ذلك واحداً من أساسيات الحرب الباردة؛ من يطعم العالم بشكل جيد؟ الزراعة القائمة على التعاونيات، وبنوك البذور المحلية، وإدارة الدولة للعملية الزراعية، أم الاستثمار والقطاع الخاص، والشركات العالمية، وهندسة الجينات بغضّ النظر عن الآثار المتعلّقة بصحّة البشر؟
في نهايات القرن الماضي، كان مصير أرباح الشركات الزراعية العالمية مرتبطاً بتفكيك الدول المركزية والعميقة، التي تدير إنتاج غذائها بنفسها.
لكي تتمكّن هذه الشركات من بيع أسمدتها ومبيداتها لا بد من أن تبيع بذورها، ولكي تبيع بذورها لا بد من أن تفلس الدول من رصيد بذورها الزراعية، ولكي تبيع بذورها كل عام، لا بد من أن تبيع بذوراً عقيمة لا تستخدم إلا في موسم واحد. حروب عدّة شنّت – بسلاح أو من دون سلاح – كانت شركات البذور واحدة من فيالقها.


المقاومة في العراق

27% من مساحة العراق الكلية صالحة للزراعة
27% من مساحة العراق الكلية صالحة للزراعة

27% من مساحة العراق الكلية صالحة للزراعة، ونصفها يروى بالأمطار. إلى عام 2002م - حسب تقرير الفاو – كان المزارعون العراقيون يحصلون على البذور من مصدرين رئيسين؛ محصول العام السابق الذي تشرف الدولة على استخلاص البذور منه، وتدير عملية التوزيع على المزارعين، أو التبادل المباشر بين المزارعين. كانت تلك العملية تجلب للدولة إنتاج 1.4 مليون طن من محصول الحبوب.
كان المسؤول عن معالجة البذور وترخيصها وتنميتها واكتشاف الأنواع الجديدة وتخزينها، المؤسّسة العراقية لتنمية البذور، ومركز تكنولوجيا البذور، ومؤسّسة ما بين النهرين للبذور. كانت هذه جميعاً - مع الدولة - تمتلك 17 مركزاً للبذور، داخل كل منها أيضاً وحدات تخزين. تتم إدارة المؤسّسات الثلاث عبر المجلس الوطني للبذور، ويتم توزيع البذور عبر الشركة الوطنية للتوزيع. كانت هذه الجهات مجتمعة تعلن في كل عام، عن أصناف جديدة للبذور (عمليات تهجين وليس تعديل جيني)، شيء مشابه للجدول أدناه في نهاية الثمانينات:

 


خلال الحرب على العراق عام 2003م، كانت أولى الضربات الموجّهة إلى أراضيه تستهدف بنك البذور الأكبر في الدولة، و"للمصادفة" كان ذلك البنك في أبو غريب، حيث أقامت قوات الاحتلال لاحقاً سجناً للعراقيين.
بعد تأسيس مجلس بريمر، قضى القرار رقم 81 بمنع المزارعين العراقيين من استخدام بذور محلية للزراعة، وأن عليهم استخدام بذور مستوردَة (تجارية عقيمة تُسمّى محميّة، وعلى الأغلب مُعدّلة جينياً) من الشركات العالمية (كارجيل، مونسانتو، سنجينتا، باير، إلخ). على كل المزارعين توقيع اتفاقية مع هذه الشركات (Technology User Agreement)، ودفع رسوم سنوية لها عن براءة الاختراع إضافة إلى ثمن البذور العقيمة التي تشتريها منها.
كُلّف بالمشروع دانييل أمستوتز، المدير التنفيذي لكارجيل، وكان الهدف من كل ذلك، استبدال البذور العراقية "التقليدية"، بالبذور المستوردَة، وعام بعد عام أن يفلس العراق من بذوره الخاصة، ويغرق إلى الأبد في دوّامة شراء البذور من الشركات والاعتماد الكلّي عليها في غذائه، الذي لن يرى الضوء من دونها، فالأرض لا تُنبت شيئاً من العدم !
بعد قصف بنك البذور عانى المزارعون العراقيون من شحّ مخزون البذور، استورد العراق بعد الحرب بعض الجينات الوراثية لبذوره المُخزّنة في الخارج، وقام باحثو العراق بتكثير عدد منها، لجأ عدد من المزارعين إلى التكثير اليدوي، بقيت المؤسّسات التقليدية للدولة (المذكورة سابقاً) موجودة، وإن تراجع نشاطها، ودخل على هذا السوق بعض الشركات الخاصة التي عقدت صفقات مع شركات أميركية لاستيراد البذور.
صدر القانون 50 عام 2012م، الخاص بالبذور والتقاوي والذي يدعو إلى تسجيل واعتماد وحماية الأصناف الزراعية المستنبَطة من قِبَل باحثي العراق، والاستمرار في دعم المزارعين بالبذور.
مع أن الحرب التي تعرّض لها العراق كانت حرباً قاسية، إلا أنه يمكن القول أن العراق قاوم معركة البذور والمشروع لم يمر بشكل عام، ومع كل هذه الحروب بقي العراق خالياً من زراعة البذور المعدّلة جينياً. حسب تصريحات رسمية أوقف العراق استيراد بذور البطاطا عام 2010م نظراً لاكتفائه من البذور المحلية، وأوقف استيراد بذور عباد الشمس عام 2017م.


المقاومة في سوريا

حقّقت الزراعة السورية اكتفاءً ذاتياً في القمح والحمّص والعدس
حقّقت الزراعة السورية اكتفاءً ذاتياً في القمح والحمّص والعدس

32% من مساحة سوريا صالحة للزراعة، تعمل الجمعيات التعاونية في 45% من هذه المساحات. وتعود أصول هذه النسبة الواسعة للتعاونيات إلى الثورات الفلاحية التي خاضها السوريون ضد الاستعمارَين الفرنسي والعثماني، وإلى عصر الوحدة بين مصر وسوريا وقرار 134 القاضي بتوزيع الأراضي على المزارعين ضمن عقود مع الدولة. يُعتبر القطاع الزراعي من القطاعات المؤثّرة في الناتِج المحلي الإجمالي السوري (تراجعت النسبة ما بعد 2005 بسبب اتّساع قطاعات أخرى في الاقتصاد السوري).

أما في ما يتعلّق بالبذور، فقامت سياسة الدولة على التنسيق مع التعاونيات والفلاحين عبر المؤسّسة العامة لإكثار البذور، وهي المسؤولة عن بيع وإكثار وتوزيع وتصدير البذور، واستيرادها إن لزم. حسب تقرير قسم الزراعة في الولايات المتحدة (USDA) عام 2013م ، فإن الدولة السورية أمّنت 70% من البذور اللازمة للمزارعين، وجرى تأمين ال 30% المُتبقية عبر التبادل بين المزارعين، القطاع الخاص. الأمر الذي يعني أن الشق الأعظم من البذور السورية تحت إدارة الدولة ، والشق الأعظم من العملية الزراعية تحت إدارة التعاونيات. تمتلك المؤسّسة العامة لإكثار البذار مراكز غربلة، ومحطات حقلية، ومستودعات تخزين للبذور، ومختبرات أنسجة ومختبرات جودة.
حادثتان خلال الحرب الكونية على سوريا كانتا على صلة ببذورها؛ بنك البذور في حلب الذي تُديره منظمة إيكاردا، ومشروع قانون الرئيس السوري "الأمان الحيوي للكائنات الحيّة المُعدّلة وراثياً ومنتجاتها"، والذي أوعز به إلى وزارة الزراعة .
بنك البذور في حلب يُخزّن 141000 عيّنة جينية للبذورمن سوريا والأردن وإيران وتركيا ولبنان، يتم تخزين هذه البذور التي تصلح للزراعة في المناطق الجافة، لغايات استخدامها في المستقبل، مستقبل المناخ الجاف. نسخ من جميع هذه العيّنات محفوظة أيضاً في "قبو نهاية العالم"، بنك بذور سفالبارد في المحيط المتجمّد الشمالي. تدير منظمة إيكاردا العمل البحثي على هذه البذورفي سوريا. للمرة الأولى – وبسبب سيطرة المسلحين على البنك - يُفتح "قبو نهاية العالم"، كي تستكمل إيكاردا أبحاثها، ومن ثم إعادتها للقبو مجدّداً (الحفاظ دائماً على نسختين في الوقت الواحد). كما نقلت إيكاردا عدداً من عيّنات بنك حلب إلى لبنان وتركيا، وهي الآن تعمل على إعادة بناء الرصيد السابق.
رصد الإعلام الغربي جرائم المسلحين في سرقة معدّات المكان ومحاولات تحويله إلى مستودع أسلحة. إلا أن الإعلام نفسه لم يتناول المخازن الكثيرة للمؤسّسة العامة لإكثار البذار، والتي تمتلك وحدات تبريد كثيرة في حلب، وفي مدن أخرى. وهذه المستودعات ومحطات التبريد تحتفظ بالبذور اللازمة للزراعة، وليست كما بنك بذور حلب (إيكاردا) تلزم فقط للجانب البحثي.ليس هنالك إحصائيات دقيقة بخصوص حجم الضرر الذي لحق بهذه المستودعات، وبالتالي ليس هنالك تصوّر دقيق لحجم المهمات المطلوبة من الدولة السورية لإعادة إعمار زراعتها الكثيفة بالشكل المطلوب. يُذكر أن الولايات المتحدة عام 2002م قصفت بنك البذور الوطني في كابول، وأطلقت يد مجموعة من اللصوص للسطو على المكان.


ما أرادته الشركات الزراعية للعراق أرادته لسوريا
ما أرادته الشركات الزراعية للعراق أرادته لسوريا

المفارقة المهمة هنا، أنه في ظل كل ذلك، يُعلن الرئيس السوري في عزّ الأزمة عام 2012م، عن قانون يمنع أو يُقيّد بيع أو استيراد أو زراعة البذور المُعدّلة جينياً نظراً لضررها الصحي، والبيئي. وتنظيم إجراءات المراقبة والتفتيش والإتلاف والحجز وتحديد المخابر المعتمدة لإجراء التحاليل اللازمة ونظام الاعتراض على النتائج بناء على اقتراح اللجنة،وتحديد شروط إدخال وإخراج ونقل وإنتاج وتداول واستخدام الكائنات الحية المُعدّلة وراثياً ومنتجاتها بالتنسيق مع الجهة المختصّة ومنح الموافقة المُسبَقة بناء على اقتراح اللجنة.
ما أرادته الشركات الزراعية للعراق أرادته لسوريا، ويبقى مشروع المقاومة مستمراً على كل الجبهات، ومنها جبهة البذور الزراعية، والأمن الغذائي.