انتخابات لبنان والخيارات الكبرى للدولة

يميّز لبنان عن سائر دول الشرق الأوسط، قِدَم الديمقراطية وتداول السلطة فيه منذ نشأته. وتعود أسباب هذا التميّز المُبكر إلى جملة من الأسباب، أهمها تركيبته الفريدة التي سمحت لأبنائه بالانفتاح على العالم، والتفاعُل مع الحضارات ومع الوحدات السياسية والقوى الكبرى المُمثّلة لهذه الحضارات عبر سنوات طويلة.

اعتمد قانون الانتخاب الجديد النظام النسبي لأول مرة في تاريخ لبنان
اعتمد قانون الانتخاب الجديد النظام النسبي لأول مرة في تاريخ لبنان

لقد كانت لكلٍ من المكوّنات اللبنانية علاقة مُميّزة مع واحدة من القوى الكبرى على الأقل، وقد ساعدت هذه القوى في تسريع تطوّر هذه المكوّنات، على مستويي العِلم ونقل التجارب.
لكن النظام السياسي اللبناني الذي استفاد من جانب مما سبق، عانى حتى اليوم من غدّة خبيثة تمنعه من التطوّر المستمر، ومن بناء دولة المؤسّسات العادِلة. فقد شكّلت الطائفية – وانعكاساتها السياسية- العامل الأبرز في إعاقة آمال اللبنانيين عن التحقّق، وهدر الجهود المبذولة في هذا المجال.
ويُشكّل التنوّع المجتمعي مصدر غنىً بارزاً للبنان، الذي يؤدّي وجود 18 طائفة فيه (معظمهم من المسيحيين والمسلمين) إلى اختزان ثقافات وتجارب عالية القيمة. فضلاً عن تجربة حزبية عريقة منذ تأسيس الدولة، حتى تمثّلت اليوم بحوالى 86 جمعيةً سياسية تشمل مختلف الأفكار والعقائد المعروفة في العالم. لكن دخول الانتماءات الفرعية على هذه التجربة، أفرغها من الجزء الأكبر من مفاعيلها الإيجابية، وحوّلها إلى مصنع أزمات مُتكرّرة ومستمرة. فأنتجت مع عوامل أخرى حروباً أهلية متقطّعة ومُدمّرة.
وقد أنتجت التجربة اللبنانية على أثر الحرب الأهلية (1975-1990) نظاماً سياسياً يقوم على الديمقراطية التوافقية، بحيث أُعيد في "اتفاق الطائف 1989" توزيع الصلاحيات على الرئاسات الثلاث، وثبت العرف الذي يقضي بإعطاء رئاسة الجمهورية للمسيحيين الموارنة، ورئاسة البرلمان للمسلمين الشيعة، ورئاسة الحكومة للمسلمين السنّة. وبالإضافة إلى ذلك، أخذ هذا التوزيع بعين الاعتبار عدم إعطاء صلاحيات لأية رئاسة تؤدّي بها إلى التسلّط على الآخرين، وبالتالي تسلّط الطائفة التي تنتمي إليها على الطوائف الأخرى. وبالفعل فإن قدرة أشخاص السلطة وطوائفهم على السيطرة والتفرّد بالقرار لم تعد مُمكنة، لكن الأثر المُعاكِس كان بإبطاء عجلة الدولة، وشيوع المُحاصصة، وتجذّر الطائفية، وتعزيز المحسوبيات على حساب دولة المؤسّسات. لكن ذلك كله لم يكن وليد مرحلة "الديمقراطية التوافقية" بالأساس، وبالتالي لا يمكن تحميلها وِزر الأمر كله. لكن الأكيد أن هذه "التوافقية" باتت تحتاج إلى تنقيتها من تلك الموبقات أعلاه، حتى تصل إلى تحقّق مفهوم "التوافق على الصالح العام" فقط.
ويزيد من فَداحة المشكلة، ارتباط معظم الأحزاب اللبنانية بقوى خارجية تعمل ضد المصلحة السيادية اللبنانية، وتعارض في مضمون أدائها السياسي تحصين الدولة وحماية الشعب من الأخطار المُحيطة بهما، وخصوصاً الخطر الإسرائيلي الذي يُهدّد لبنان منذ نشأة الكيان الإسرائيلي وحتى اليوم، في أرضه وجوّه وبحره وثرواته وسلامة أبنائه.


القوى السياسية الرئيسة

في ظلّ هذا النظام السياسي المُتعثّر، يعيش الكثير من الأحزاب اللبنانية انفصاماً في خطابها المعبّر عن مشروعها السياسي، فتجدها تُنادي بدولة المؤسّسات ورفض الطائفية وضرورة الإصلاح، وتُمارس في الواقع سياسةً مُعاكِسة تماماً، تعزّز الطائفية وتبيح الفساد.
وعلى العكس من مواثيقها، تمارس معظم الأحزاب اللبنانية سياسة رعاية مصالح الطوائف المُشكّلة لها، فيما تعاني الأحزاب غير الطائفية من مشكلات تنظيمية مُعقّدة، ومن تدهور كبير في منسوب جماهيريتها. وكلما زادت حماوة الاستحقاقات الدستورية، أو الملفات المفتوحة للنقاش في البلد، يشتدّ العَصَب الطائفي وتُعاد الكرّة ضمن دوّامة لا تنتهي.
وقد شكّل العام 2005 نقطة تحوّل في الحياة السياسية اللبنانية بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وعودة الأحزاب المسيحية الرئيسة إلى نشاطها عقب خروج الجيش السوري من لبنان. لكن هذا الخروج أدّى أيضاً إلى غياب الضابط الخارجي الذي كان يرعى انتظام العلاقات بين الأحزاب كافة. فانقسم لبنان بين فريقي 8 و14 آذار، انضوى في الفريق الأول الفريق المؤيّد لمحور المقاومة، بينما جمع الفريق الثاني حلفاء الدول الخليجية والغرب.
وإن كان عدد الأحزاب والجمعيات السياسية اللبنانية يُقارب 86 حزباً وحركة وتياراً وجمعية سياسية، فإن التنظيمات المؤثّرة في الحياة السياسية بصورةٍ فاعِلة لا يتعدّى عددها 15، أبرزها: تيّار المستقبل، حركة أمل، حزب الله، القوات اللبنانية، التيّار الوطني الحر، الحزب التقدمي الاشتراكي، الكتائب اللبنانية، تيّار المردة، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب الشيوعي اللبناني، الحزب الديمقراطي اللبناني وحزب البعث العربي الاشتراكي. وهي أحزاب تمتلك تجربةً طويلة في السياسة المحلية، إلى جانب كونها تتمتّع بعلاقاتٍ خارجية تُساعد في تقوية نفوذها وحمايتها ضمن التوازنات الدقيقة قي هذا البلد.
لكن التجربة الحزبية في لبنان وعلى قِدَمها، فإنها تبقى عاجزة عن تداول السلطة بصورةٍ ديمقراطية سليمة ضمن نظام يسير بنجاح، حتى داخل أطرها الحزبية نفسها. فنجد الكثير منها يعتمد التوريث السياسي، الذي يتجاوز مواثيقها ليُرسّخ الهوية العائلية فيها.
ويلعب النظام الانتخابي المنصوص عليه في قوانين الانتخاب المُتعاقِبة دور المُسهّل لهذا التوارث العائلي، وحتى الحزب. فلا نلحظ اختلافاً كبيراً بين أعضاء المجالس النيابية المُتعاقبة.


الأنظمة الانتخابية

اعتمد لبنان منذ نشأته نظام الانتخاب الأكثري، الذي يُعطي الفائز بالأغلبية المُطلقة الحق بالمقعد النيابي بمجرّد فوزه بهذه الأغلبية، حتى لو بفارِق صوتٍ واحدٍ، ويُقصي في الوقت نفسه المرشّح الحاصِل على 49.9% من الأصوات، والذي كان يُعتبر جائراً في الحال اللبنانية القائمة على التوافق، وعلى التنوّع الكثيف في التركيبتين الاجتماعية والسياسية.
وشهد لبنان عدداً من قوانين الانتخاب الأكثرية منذ ستينات القرن الماضي، أكثرها شهرة ما عُرِف اصطلاحاً بـ"قانون الستين" بالإشارة إلى اعتماده لأول مرة عام 1960. وقد أُعيد اعتماد هذا القانون مُعدّلاً في الانتخابات الأخيرة عام 2009.
ومع وجود تطابُق بين كل القوانين السابقة بخصوص طريقة احتساب الأصوات وفرزها، نظراً لوحدة النظام الانتخابي، كانت الفوارق تتمثّل بحجم الدوائر وطريقة تقسيمها، وتوزيع المقاعد النيابية عليها، على أسُس سياسية وطائفية، وخدمةً لنتيجةٍ يُراد لها أن تكون متوقّعة، أو مضمونة.
فاللافت أن مفاوضات إقرار القوانين الانتخابية في لبنان تشبه إلى حدٍ كبير طُرق المفاوضات في تشكيل الحكومات، أي أنها تسعى إلى حسم النتيجة قبل الوصول إلى يوم الانتخابات، وقد دَرَجَ أن تصبح متوقّعةً إلى درجةٍ كبيرةٍ هوية الفائزين بمجرّد إقرار القانون الانتخابي.
حتى أن قوانين انتخابية تُسمّى باسم سياسيين مستفيدين منها، أو فُصّلت لأجلهم في السابق. لكن المرحلة الجديدة التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 صعّبت من مهمة الاتفاق على قوانين الانتخابات، وصعّبت أكثر من ذلك مهمة الوصول إلى قانون انتخاب عصريٍ وعادل.
لكن القانون الانتخابي الأخير الذي صدر عن مجلس النواب اللبناني في صيف 2017، والذي تُجرى على أساسه الانتخابات المقبلة في 6 أيار، اختلف عن سابقيه بصورةٍ واضحة.


قانون الانتخاب الجديد.. نسبية ولكن!

اعتمد قانون الانتخاب الجديد النظام النسبي لأول مرة في تاريخ لبنان، ولكن ضمن صيغة "ملبننة" وفريدة، لا يوجد مثيل لها حول العالم. ففي حين دَرَجَت الأنظمة النسبية في العالم على اعتماد دوائر موسّعة، يلحظ القانون الانتخابي اللبناني الجديد 15 دائرة انتخابية، في بلدٍ مساحته 10452 كلم مربع، وكثافته السكانية تقارب 5 ملايين فقط.
وقد تم تقسيم الدوائر مع الأخذ بالاعتبار الحسابات السياسية للقوى المُكوّنة لمجلس النواب الحالي، وللهواجس الطائفية لهذه القوى. وتكمن الإشكالية الكبرى في مطلب بعض القوى المسيحية الأساسية بأن ينتخب المسيحيون نوابهم، والمسلمون نوابهم. ولما كان هذا الطرح الطائفي قد رُفِض من قوى وازِنة مثل حزب الله وحركة أمل، فقد جرت تعديلات على القانون بحيث ضمّن القانون تنوّعاً طائفياً محدوداً في معظم الدوائر.
ويقوم القانون الجديد على القوائم الانتخابية، مع لحظ ضرورة ترشيح كل لائحة لمرشّحين في 40% من المقاعد في الدائرة الانتخابية الواحدة كحدٍ أدنى، مع توزيعهم على المذاهب التي توجد لها مقاعد في الدائرة. وأضاف القانون فكرة الصوت التفضيلي الواحد، بحيث يقوم الناخِب بختيار لائحة واحدة من اللوائح، وتفضيل نائبٍ واحدٍ منها.
وبذلك تكون آلية الفرز قد فرضت التنافُس ليس بين اللوائح فحسب، بل بين المرشّحين من اللائحة نفسها، الذين أصبحوا مُرغمين على جذب الأصوات لمصلحتهم ضمن اللائحة الواحدة.
وبذلك خلَطَ القانون الجديد الأوراق بشكلٍ هستيري، يُعبّر عنه بالمواقف السياسية غير المُنضبطة، والتي تزيد حملوتها وتفلّتها مع اقتراب يوم الانتخاب، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى وضع القانون الجديد الأحزاب أمام ضرورة خلط التحالفات السياسية بصورةٍ مُغايرة لما كانت عليه الاصطفافات منذ عام 2005. فلا نجد تحالفاً تاماً وشاملاً كل الدوائر الانتخابية بين حزبين سياسيين، مع استثناءٍ واحدٍ يمثله التحالف بين حزب الله وحركة أمل في كل الدوائر المرشّحين فيها، وهما بالمناسبة طرفا المقاومة الأساسيان.
وبعيداً من هذا الاستثناء، نجد الأحزاب الكبرى تتحالف في دوائر معيّنة، وتتخاصم في دوائر أخرى، كحالة انفصام فريدة تشبه فرادة الحياة السياسية اللبنانية. وهنا تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لتطوير هذا النظام الانتخابي في الدورات المقبلة، لتوسيع الدوائر، والاتجاه نحو تحالفات كبرى تقترب من نماذج التحالفات الانتخابية في الدول التي تعتمد النظام النسبي حول العالم.


الملفات المؤثّرة في الانتخابات

واللافت في هذه الانتخابات أيضاً، أن الملفات المؤثّرة فيها تختلف بصورةٍ واضحةٍ عن المفات التي كانت مؤثّرةً في الدورتين السابقتين عام 2005 و2009، ففي الدورتين المذكورتين كان الصراع السياسي على أشدّه بين فريق المقاومة وفريق 14 آذار، وعلى عناوين تتعلّق باغتيال الرئيس الحريري، والعلاقة مع سوريا، ووجهة السياسة الخارجية للدولة، في جو من القُطبية الثنائية المتينة التي لم يحد عنها أحد من الأحزاب الكبرى.
بينما تشهد الانتخابات الحالية حضوراً أكبر للملفات المعيشية، الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتراجعاً للملفات السياسية، مع بقاء قوى معيّنة كتيّار المستقبل والقوات اللبنانية على خطابهما التصعيدي ضد المقاومة، وسوريا، لشدّ عَصَب الناخبين المسيحيين والسنّة، الذين تشير التقديرات المطروحة اليوم إلى أن اهتمامهم لم يعد منصّباً على مسألتي العلاقة مع سوريا وسلاح المقاومة.
وتحضر في هذه الانتخابات الصفقة السياسية بين تيّاري المستقبل والوطني الحر، التي أوصلت الرئيس ميشال عون إلى سدّة رئاسة الجمهورية، والرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. واستتبعت بعد ذلك بتفاهم شبه تام بين التيّارين على الملفات الاقتصادية، بعد أن كان التيّاران على طرفي نقيض في هذا المجال على وجه الخصوص، الأمر الذي عبّر عنه عون بإصدار كتاب "الإبراء المستحيل" الذي يوثّق لارتكابات فريق الحريري وصفقات حكوماته، والذي تم تجاوزه بعد هذا التحالف السياسي الحاكِم حالياً، والذي لم يُترجم انتخابياً في كل الدوائر، بل اقتصر على الدوائر التي يجد فيها الطرفان فائدة من تحالفهما.
ومن ضمن هذا السياق، يستعر الخلاف مع فريق المقاومة على ملفات مثل تأمين الكهرباء، وسلسلة الرتب والرواتب للموظفين، والخدمات والتوظيف في الدولة، وغيرها...
ويبقى ملف الكهرباء العنوان الأبرز في الانقسام السياسي اليوم، حيث يقف كل من حزب الله وحركة أمل والقوات اللبنانية وتيّار المردة والحزب التقدمي الاشتراكي، في مواجهة رغبة التيّار الوطني الحر وتيّار المستقبل بشراء الكهرباء من بواخر عائِمة أجنبية، لفترة محدودة، بينما يُنادي الفريق الرافض بضرورة بناء المعامل، وتأمين حلٍ نهائيٍ لهذه المشكلة المُزمنة في لبنان، ويُلمّحون إلى شُبهات فساد وسوء إدارة بخصوص استقدام الكهرباء من البواخر.
ولكن هذا الانقسام لا يشمل القوى نفسها عند الحديث عن الخيار الدفاعي اللبناني، فهنا نجد الاصطفاف يعود ليشبه اصطفافات الانتخابات السابقة، حيث يقف فريق المقاومة في مواجهة الفريق الذي كان يُسمّى بـ14 آذار، مع اعتماد التيّار الوطني الحر لخطابٍ مُسايرٍ للفريقين. فهو تارةً يؤيّد حق لبنان في المقاومة والحفاظ على قوّته والدفاع عن حقوقه، وتارةً أخرى يُرسل برسائل طمأنة للفريق الآخر المُتحالف معه حديثاً، توحي برغبته في تغيير الوجهة، وإن كان حتى اللحظة يُحافظ على ورقة التفاهُم التي وقّعت بين السيّد حسن نصرالله والجنرال ميشال عون عام 2006.


النتائج المُتوقّعة والخيارات الكُبرى للدولة

تشير قراءات الوقائع الانتخابية على الأرض، وطبيعة القانون الانتخابي إلى تغيّرات مُحتمَلة في التوازنات داخل المجلس النيابي المقبل. فهذا القانون يعطي فرصة الدخول إلى مجلس النواب لكل القوى التي تحصل على حاصِل انتخابي يؤهّلها لذلك. ومن بين هذه القوى حلفاء المقاومة الذين كان النظام الأكثري يُقصيهم عن البرلمان، بحُكم مواجهتهم للموجة الطائفية التي استحكمت في البلاد خلال الفترة السابقة.
ومن بين هؤلاء يتوقّع الخبراء الانتخابيون، كما تشير الإحصاءات المتوافرة حتى اليوم، إلى أنهم سيدخلون إلى المجلس النيابي بعددٍ وازنٍ. واللافت في هذا السياق أن هؤلاء الحلفاء للمقاومة موزّعون على كل الطوائف اللبنانية، ما قد يساهم في حال حصوله بإراحة المقاومة، وبإخراجها من الاتهامات التي تلقّتها في المرحلة السابقة بحصريّة تمثّلها شعبياً ضمن طوائف بعينها.
فعلى الساحة السنّية بات من المؤكّد فوز بعض حلفاء المقاومة، في دوائر اعتُبرت حتى الآن ضمن سيطرة تيّار المستقبل، مثل بيروت وصيدا، المدينتان اللتان سيطر المستقبل على تمثيلهما في المرحلة الماضية. في حين أن الساحة المسيحية تشهد معارك ستسمح بالتأكيد لحلفاء المقاومة بالتمثّل بنسبٍ كبيرة، بالإضافة إلى ضمان تحالف حركة أمل وحزب الله لمعظم مقاعد الطائفة الشيعية في البرلمان، إن لم يكن جميعها.
ويتوقّع المراقبون تراجعاً ملحوظاً لحجم تمثّل القوى المؤيّدة للغرب، التي كانت تمتلك أغلبية برلمانية في الدورتين السابقتين، وفي الحكومات المُنبثقة عن البرلمان. حيث تشير تقديراتهم إلى احتمال ارتفاع حصّتي حزب الله وحركة امل من 27 نائباً من أصل 128 هم مجموع أعضاء مجلس النواب، إلى حدود 38 نائباً في المجلس المقبل. في حين يحصل حلفاء المقاومة الآخرون على ما يقارب 32 نائباً، من ضمنهم نواب التيّار الوطني الحر. وهذا يعني حصول الفريق المؤيّد للمقاومة على أغلبية نيابية، ستُسهم في ما لو تحقّقت في إنهاء 13 عاماً من الحصار الداخلي على المقاومة، وتعطي قواها المقدرة على المناورة واليد الطولى في تشكيل الحكومة المقبلة وتسمية رئيسها.
وبالتالي وجود فرصةٍ تاريخية بانطلاقة جديدة وقوية للعهد الذي يرأسه الرئيس ميشال عون بعد الانتخابات النيابية، في ما لو تجاوز فريق المقاومة مأزقه الداخلي المُتمثّل بخلافات التيّار الوطني الحر وحركة أمل والتي زادت من توتّرها مواقف رئيس التيّار (وصهر عون) وزير الخارجية جبران باسيل ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري، والتي طالت ارتداداتها حزب الله خلال مرحلة الترشيحات، حيث رفض التيّار البرتقالي ضمّ مُرشّحي الحزب إلى لوائحه في دوائر معيّنة مثل دائرة جبيل وكسروان ذات الثقل الشعبي له، ولو من خلال مرشّح واحد. وعليه فإن الكرة بعد الانتخابات ستكون في ملعب رئيس الجمهورية، الذي يقف على تقاطعات مهمة بين فريقي المقاومة، وحلفائه الآخرين كتيّار المستقبل. ومن خلال الروحية التي ينتهجها عون بعد الانتخابات سوف يتحدّد مصير البلاد لأربع سنوات مقبلة، فإما تكون استمراراً للتناحُر والخلافات، أو أنها ستكون مرحلةً يسودها التفاهم واستيعاب كل القوى في الحُكم، ضمن النموذج التوافقي اللبناني. مع ترجيح صعود خيار المقاومة في لبنان على المستوى الاستراتيجي، بنتيجة هذه الانتخابات.