محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

حقوق المواطنة في الدول الديمقراطية

في محاولة نحو تأسيس هذه المُقاربة لمفهوم المواطنة، من ناحية المبدأ، على فرضيّة التعارُض والتضاد بين المجتمع المدني وتعبيره السياسي، وذلك بين الدولة الديمقراطية من جهة، والمجتمع الجماهيري القطيعي وتعبيره السياسي، والدولة التسلّطية ذات الطابع الشمولي من جهة أخرى. وذلك لأن هذا التعارُض يُشكّل التعارُض الرئيس الذي يحكم سائر التعارُضات الاجتماعية والسياسية الأخرى، في المجتمعات التي تعيش في كَنَفِ هذه الدولة.

حقوق المواطنة في الدول الديمقراطية
حقوق المواطنة في الدول الديمقراطية

بداية علينا الاعتراف بأن قِوام المواطنة منظومة من الحقوق الطبيعية الثابتة والحقوق المدنية المُكتسَبة والالتزامات المُتبادَلة، والحريات الأساسية، وتتحدّد في ضوئه وعلى أساسه الهوية الوطنية، فماهيّة مجتمع ما هي ما يُنتجه هذا المجتمع بالفعل على الصعيدين المادي والروحي. ومن ثم فإن مفهوم المواطنة مُرادِف لمفهوم المشاركة في الإنتاج الاجتماعي وفي الشأن العام والمساهمة في صوغ مستقبل الوطن؛ وهو، على صعيد الفرد نزوع أصيل إلى الكليّة التي تتعيّن في المجتمع المدني والدولة الديمقراطية، وفي الجماعة الإنسانية التي هي مستقبل الجميع.

في محاولة نحو تأسيس هذه المُقاربة لمفهوم المواطنة، من ناحية المبدأ، على فرضيّة التعارُض والتضاد بين المجتمع المدني وتعبيره السياسي، وذلك بين الدولة الديمقراطية من جهة، والمجتمع الجماهيري القطيعي وتعبيره السياسي، والدولة التسلّطية ذات الطابع الشمولي من جهة أخرى. وذلك لأن هذا التعارُض يُشكّل التعارُض الرئيس الذي يحكم سائر التعارُضات الاجتماعية والسياسية الأخرى، في المجتمعات التي تعيش في كَنَفِ هذه الدولة.

تأمين الدولة التسلّطية لروافدها العنصرية

فالدولة التسلّطية في سياق تأمين كافة روافدها من أجل إعادة إنتاجها، تحوّل المجتمع إلى سديم بشري غير منسوج، أو إلى "جماهير" أو كتل من أفراد سلبيّين ومُنعزلين وخائفين، وينتج ما يُسمّى بمجتمع الرعيّة وتقوم العلاقة بينه وبين السلطة علاقة الراعي بالرعيّة. فتختزل الدولة (الوطن) بالسلطة، ويختزل المجتمع المدني (مملكة الحرية) إلى كتلة سلبية من الأفراد الذين يعيشون حالة من القطيعية، وتنتفي صفة المواطنة عن المواطن الذي هو عِماد الدولة (القانون) وعنصر الديمقراطية.

من هنا فإن العلاقة النوعيّة التي تميّز الدولة الديمقراطية من الدولة التسلّطية، قائمة على حدِ المواطنة، التي هي صفة ينالها الفرد من الناس ليتمتّع بـ"المشاركة الكاملة في دولة state لها حدود اقليمية". و"التزامات مُتبادَلة بين الأشخاص والدولة، فالشخص يحصل على حقوقه السياسية والمدنية نتيجة انتمائه إلى مجتمع معيّن، ولكن عليه في الوقت نفسه واجبات يتحتّم عليه أن يؤدّيها"، ما يعني إنها تشكّل التعبير القانوني عن الوجود السياسي للوطن (الدولة) والمواطن معاً، فهي بالتالي حجر الزاوية لتطوير الدولة والوطن ابتداءً من نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وامتداداً إلى النهوض الثقافي والارتقاء الحضاري، ما يعني بالمستوى الآخر إن افتقاد المواطن للمواطنة بمدلولاتها المدنية والسياسية والقانونية هي الوجه الآخر لافتقاد الدولة بمدلولاتها المعنوية والرمزية وليس فقط المادية، فالمواطنة صفة موضوعية لا تقبل التفاوت والتفاضل، كالإنسانية سواء بسواء، فليس بين أبناء الوطن الواحد وأعضاء المجتمع المدني الواحد والدولة الديمقراطية الواحدة مَن هو مواطن أكثر من الآخر، أو إنسان أكثر من الآخر؛ ومن ثم فلا سبيل إلى أي نوع من أنواع الامتيازات المعروفة في الدولة التسلّطية.

الدولة الديمقراطية وحقوق المواطنة

الواقع أن الدولة الديمقراطية دولة حق وقانون لجميع مواطنيها على السواء أولاً وأساساً. وعدم التفاوت والتفاضُل في المواطنة وفي الإنسانية هو الأساس الواقعي لمساواة المواطنين أمام القانون.

بذلك يمكننا القول أن المواطنة لا تُبنى إلا في بيئة سياسية ديمقراطية – قانونية تستند إلى جملة من الحقوق والواجبات، ما يعني الاعتراف المبدأي والأساسي بالتناقُضات والتعارُضات والحق بالاختلاف والتعدّد والمُغايرة بكل المعاني، ما يشكّل ضرباً من تجاوز كل أشكال الاستفراد بالسلطة والقرار أو الاستهتار بقُدرات المواطنين وإمكانياتهم العقلية والعملية وتنوّعهم. والقاعدة العريضة التي تحتضن مفهوم المواطنة في الفضاء السياسي والاجتماعي، هي قاعدة العدالة والمساواة.

نعم كلما التزم المجتمع بهذه القِيَم ومُتطلّباتها، أدى ذلك إلى الاعتراف بحق ومشروعية الاختلاف والتنوّع والتعارُض التي تربط بين مكوّنات الوطن الواحد وتعبيراته، التي تجد السُبل الديمقراطية والمشروعة القانونية في التعبير عن نفسها بالمعنى الثقافي والسياسي. فمُقتضى العدالة الاعتراف بوجود التعدّدية في الفضاء الاجتماعي والسياسي وتنظيم العلاقة بين هذه التعدّديات على أسُس المواطنة المُتساوية.

يبقى أن المواطنة الحقيقية لا تتعالى على أحد، ولا تشّكل نفياً لحقائق التركيبة الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع، وإنما تتعامل مع هذا الواقع من منطلق الاعتراف بحقائقه الثابتة، وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعدّدية في الفضاء الوطني. فالأمن والاستقرار والتحديث والإصلاح، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة متساوية مُصانة بنظام وقانون يحول دون التعدّي على مُقتضيات المواطنة الواحدة المتساوية ومتطلّباتها.

كيف تتشكّل الثقافة الوطنية؟

 على ضوء ذلك تتشكّل الثقافة الوطنية في خطوطها الرئيسة وآفاقها وأولوياتها من الثوابت وطبيعة التفاعُل والمُثاقفة التي تكون بين مجموع التعدّديات المتوافرة في الفضاء الوطني. وعلى هذا فإن الثقافة الوطنية هي التي تكون تعبيراً عن حال التنوّع والتعدّد الموجودة في الوطن، فليست ثقافة فئة أو مجموعة، وإنما هي ثقافة الوطن بكل تنوّعاته وأطيافه وتعبيراته. ويكون دور الدولة ومؤسّساتها في هذا الإطار هو توفير المناخ القانوني والسياسي والاجتماعي وبناء الأُطُر والمؤسّسات القادرة على احتضان جميع التعبيرات لكي تشارك في صوغ مفهوم الثقافة الوطنية وإثراء مضامينها بقِيَم المجتمع والعصر. وبهذا المعنى تشكّل الثقافة الوطنية التعبير الموضوعي عن مكوّنات المجتمع المُتنوّعة والمُتعدّدة القائمة والمُعبّرة عن حقيقة اجتماعية تاريخية.

تذكر موسوعة الكتاب الدولي أن المواطنة هي عضوية كاملة في دولة أو في بعض وحدات، وهذه الموسوعة لا تميّز بين المواطنة والجنسية مثلها مثل دائرة المعارف البريطانية المناصب العامة. وتؤكّد أن (المواطنين لديهم بعض الحقوق، مثل حق التصويت وحق تولّي المناصب العامة. وكذلك عليهم بعض الواجبات، مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم). وتعرف موسوعة كولير الأميركية كلمة المواطنة بأنها (أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالاً).

يبدو من تعريفات هذه الموسوعات الثلاث، أنه في الدولة الديمقراطية يتمتّع كل مَن يحمل جنسية الدولة من البالغين الراشيدن، بحقوق المواطنة فيها، وهذا الوضع ليس نفسه في الدول غير الديمقراطية حيث تكون الجنسية مجرّد (تابعيّة)، لا تتوافر لمن يحملها بالضرورة حقوق المواطنة السياسية هذا أن توافرت هذه الحقوق أصلًا لأحد غير الحكّام وربما للحاكِم الفرد المُطلَق وحده.

تطرح دراسة حديثة، حول مقوّمات المواطنة، رؤية تتلخّص في ما يلي:

أولاً: المواطنة تجسيد لنوع من الشعب، يتكوّن من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الآخر، ويتحلّون بالتسامُح تجاه التنوّع الذي يزخر به المجتمع.

ثانياً: من أجل تجسيد المواطنة في الواقع على القانون أن يعامل ويعزّز معاملة كل الذين يعتبرون بحُكم الواقع أعضاء في المجتمع، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوّع بين الأفراد والجماعات، وعلى القانون أن يحمى وأن يعزّز كرامة واستقلال واحترام الأفراد، وأن يقدّم الضمانات القانونية لمنع أية تعديات على الحقوق المدنية والسياسية، وعليه أيضاً ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف.

كما أن على القانون أن يمكّن الأفراد من أن يشاركوا بفاعليّة في اتّخاذ القرارات التي تؤثّر على حياتهم وأن يمكّنهم من المشاركة الفعّالة في عمليات اتّخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها. وإذا ألقينا نظرة على مدى اتفاق الباحثين العرب تجاه فَهْم مُصطلح المواطنة ودقّته في اللغة العربية للتعبير عن مُصطلح المواطنة في دائرة الحضارة الغربية، فإننا نجد مَن يؤصّل المُصطلح العربي ويوظّفه ليجعله مُعبّرا ًخير تعبير عن مفهوم المواطنة في العصر الحديث.

المواطنة وفق الترجمة العربية

إن الترجمة العربية لمُصطلح Citizenship بالمواطنة يمكن اعتبارها ترجمة مقبولة وموفّقة حيث رأى فيها الباحثون والمفكّرون العرب تأصيلاً للمفهوم وتقريباً له من ذهن الإنسان العربي، وربطه بفكرة الوطنية ذات الأهمية المركزية في العمل المشترك بين جميع المواطنين. ويتّضح هذا الفَهْم الإيجابي لمدلول المواطنة من استخدام عدد من الكتّاب منهم برهان غليون وعبدالكريم غلاب ووليم سليمان قلاده وغيرهم كثيرون لمبدأ المواطنة وسعيهم لتوظيفه من أجل تطوير الحياة السياسية العربية وصولًا إلى نُظم حُكم ديمقراطية. ويتّضح من عرضنا السابق أن مبدأ المواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقّد له أبعاد عديدة ومتنوّعة يتأثّر بالتطوّر السياسي والاجتماعي وبعقائد المجتمعات وبقِيَم الحضارات، ومن هنا يصعب وجود تعريف جامِع مانِع له، ولكن بالرغم من صعوبة تعريف مبدأ المواطنة، إلا أن ذلك لا يعني بأية حال من الأحوال أن مُصطلح المواطنة يمكن استخدامه من دون دلالة مُلزِمة.

إن مصطلح المواطنة مثله مثل مفهوم الديمقراطية المُعاصرة والدستور الديمقراطي اللذين يمتّان بصلات وثيقة له، مفهوم يتطلّب وجوده إقرار مبادىء والتزام بمؤسّسات وتوظيف أدوات وآليات، تضمن تطبيقه على أرض الواقع. وإذا كان من المقبول أن تكون هناك بعض المرونة في التعبير عن هذه المُتطلّبات - من دولة إلى آخرى ومن زمن إلى آخر - من أجل الأخذ في الاعتبار قِيَم الحضارات وعقائد المجتمعات وتجربة الدول السياسية والتدرّج في التطبيق، إلا أن تلك المرونة لا يجوز أن تصل إلى حد الإخلال بمُتطلّبات مُراعاة مبدأ المواطنة كما استقرّ في الفكر السياسي الديمقراطي المعاصر، وما تم الاتفاق عليه من عناصر ومقوّمات مشتركة لابد من توافرها في مفهوم المواطنة. وكذلك لابد من وجود الحد الأدنى من الشروط التي تسمح لنا بالقول بمراعاة مبدأ المواطنة في دولة ما من عدمه. وتشمل هذه الشروط إلى جانب الحقوق القانونية والدستورية وضمانات المشاركة السياسية الفعّالة، الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكّن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية.

المواطنة في الدستور الحر

لعلّ القاسم المشترك - في وقتنا الحاضر- المُعبّر عن وجود قناعة فكرية، وقبول نفسي، والتزام سياسي بمبدأ المواطنة في بلد ما، يتمثّل في التوافق المجتمعي على عقد اجتماعي يتم بمُقتضاه اعتبار المواطنة وليس أي شيء آخر عداها هي مصدر الحقوق ومناط الواجبات بالنسبة لكل من يحمل جنسية الدولة من دون تمييز ديني أو عِرقي أو بسبب الذكورة والأنوثة، ومن ثم تجسيد ذلك التوافق في دستور ديمقراطي.

جدير بالتأكيد أن الدستور الديمقراطي دستور مختلف عن دساتير المنحة من حيث أنه يجب أن يرتكز على خمسة مبادىء ديمقراطية عامة:

أولها: لا سيادة لفرد ولا لقلّة على الشعب، والشعب مصدر السلطات.

ثانيها: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه.

ثالثها: عدم الجمْع بين أي من السلطة التشريعية والتنفيذية أو القضائية في يد شخص أو مؤسسة واحدة.

رابعها: ضمان الحقوق والحريات العامة دستورياً وقانونياً وقضائياً ومجتمعياً من خلال تنمية قدرة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني على الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان.

خامسها: تداول السلطة سلمياً بشكل دوري وفق انتخابات دورية عامة حرة ونزيهة تحت إشراف قضائي مستقل وشفافية عالية تحد من الفساد والإفساد والتضليل في العملية الانتخابية.

جدير بالتأكيد أن الجوانب المدنية والقانونية والسياسية من حقوق المواطنة وواجباتها ليست كافية للتعبير عن مُراعاة مبدأ المواطنة، هذا بالرغم من كونها إبعاداً لأزمة. فإلى جانب ذلك هناك أيضاً الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن ممارسة مبدأ المواطنة على أرض الواقع من دون توفير حد أدنى من هذه الحقوق والضمانات للمواطن حتى يكون للمواطنة معنى ويحق بموجبها انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الإيجابي مع مواطنيه.

عليه عندما يتحقّق انتماء المواطن وبالتالي ولاؤه في دولة ما، تنتقل المواطنة من كونها مجرّد توافق أو ترتيب سياسي تعكسه نصوص قانونية، لتصبح المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية يُعبّر أداءها من قِبَل المواطنين عن نضج ثقافي وإدراك حقيقي لفضيلة معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة من دون تمييز بينهم بسبب الدين والمذهب والعرق أو الجنس.