المنطق وراء المُعجزة الصينية وأُفق التنمية

يعود اسم الصين إلى مُعتقدٍ خاطئ عند الصينيين القدماء، سابقٌ لوجود الخرائط الواضحة للعالم ولمنطقة شرق آسيا، يقول إن بلادهم تتوسّط العالم، أو إنها تتوسّط مُحيطاً ما أو مساحة واسعة ما. غير أنها علوم الجغرافيا أفهمت الصينيين في ما بعد أنهم أحد أطراف هذا العالم، وليسوا مركزه.

الشخصية الصينية

بين عامي 1992 و2012 شهدت الصين مرحلة توطيد التنمية الاقتصادية

تتوارث عائلات الصين أسماءها، فتقدّمه على إسم الفرد، كدلالةٍ لرفعة الشؤون العامة على تلك الخاصة. "نحن نتوارث الشرف والاجتهاد، ونحترم الجماعة، لذلك نقدّم أسماء عائلاتنا على أسمائنا"، يقول الصينيون. ويضيفون: "نقدّس أجدادنا، ونشعر بالامتنان لهم، ونقدّس العائلة".
لا يوجد الكثير من المؤمنين دينياً في الصين. يقول بروفيسور صيني من جامعة شاندونغ "نحن نعبد أجدادنا"، ونحترم آباءنا والأكبر سناً. ويُعيد ذلك إلى البراغماتية التي تتمتع بها الشخصية الصينية كمنطلقٍ لهذا الفَهم، المبني على ثقةٍ بالعلاقات الإنسانية أكثر من الثقة بالماورائيات. يشدّد البروفيسور حرفياً: "لا نذهب كثيراً إلى المعابد، وذلك من مُنطلق براغماتي".
العدد الهائل للسكان في النصف الثاني من القرن العشرين، دفع بالحكومة الصينية التي كانت تهمّ بإطلاق مرحلة الانفتاح والاإصلاح الاقتصادي، إلى اعتماد سياسية الحد من النَسل سنة 1970، والتي عُرِفت بسياسة الطفل الواحد، والتي مكّنت الصين من ضبْط كثافتها السكانية عند 1،4 مليار نسمة تقريباً في الوقت الراهن.
ويمكن لمن يزور الصين أن يتحقّق من تقبّل الناس لهذه السياسة واستيعابهم لضروراتها، خصوصاً في المدن الكبرى، أما في الأرياف، فإن الخروقات تحصل، والتفلّت من حَزْم القوانين سِمة مفهومة للريف أينما كان.
وتمزج الثقافة الصينية بين التقاليد العريقة للبلاد المُتربّعة على آلاف السنوات من الحضارة، وبين مُستلزمات العَصْرنة، حيث تقوم فلسفتها الحديثة على أربع خصائص، هي: البراغماتية، الاعتدال والوسطية، دور الإنسان في المجتمع، توحّد الإنسان والطبيعة.
فالبراغماتية، أو الذرائعية الصينية، تعود في جذورها إلى الثقافة الزراعية التي طبعت نشاط المجتمع الصيني بطابعها منذ زمنٍ سحيق. حيث كانت الصين بلداً زراعياً يعتمد في معيشته على مساحاته الواسعة من المبذورة بتعب وإصرار العمال الصينيين، الذين مرّت عليهم عصور لم تكن تكفي معها محاصيلهم الأتاوات التي كانت تُفرَض عليهم.
لقد تراكمت البراغماتية عبر التاريخ في ألباب الصينيين، الذي اجتهدوا في الزراعة، لكنهم كانوا ضعفاء أمام المصائب، الأمر الذي طوّر لديهم الحِكمة التي قادتهم إلى البراغماتية، للاستجابة للمصاعب والمصائب.
في الصعوبات لا يذهب الصينيون إلى المحاكم مباشرةً، بل إلى وسيط، حيث يفضّلون استمرار العلاقات بين الناس، على التقاضي. يقولون إنهم بغنى عن طلب المساعدة، إلا في اللحظة الأخيرة. لا يهملون سيادة القانون، لكن الروابط بالنسبة إليهم أهم من ذلك.
أما الاعتدال والوسطية، فهما حكمة صينية قديمة أيضاً، تقول إن على الصيني الإمساك بطرفي أية مسألة، واستخدام نقطة الوسط لإنتاج الحل. هذه ثقافة نمت مع الوقت، فلاءمت الاعتقاد الخاطئ الذي يستبطنه إسم الصين. المكان المتوسّط لمساحة أكبر. الوسط الذي يفرض الوسطيّة، والوسطيّة هي الهدف الذهبي للصين على الدوام..
وينسحب هذا المَيْل إلى الوسطيّة على كل الأداء الصيني، سياسياً واقتصاديا واجتماعياً... هو باختصار المَيْل التلقائي للعامة وللمسؤولين في التعاطي مع قضايا البلد والعالم.
وبالنسبة إلى دور الإنسان في المجتمع، فإن الروابط العائلية والهَرمية الاجتماعية الصلبة، تشكّل ركيزة أساسية لهذا الدور. تلك الهَرمية هي التي تستجيب لمُتطلبات المجتمع. إنه نظام مُتكامِل يفرض وجود العاطفة بين الآباء والأبناء، ويحكم علاقات الملوك بالحاشية، والأزواج بالزوجات، والكبار بالصغار، ويضع الثقة معياراً للعلاقة بين الأصدقاء. هكذا يريدون للإنسان أن يتصرّف في المجتمع.
في الفلسفة الصينية يجب أن يتّحد الإنسان بالطبيعة، وأن يعمل بموجب النصيحة القائلة: "لا تترك العالم إلا بعد أن تفعل ما يتّفق مع العصر الحاضر". وفي هذه الفلسفة دعوة إلى التحديث الدائم والمستمر لكل الأفكار والوسائل والطروحات. فالصين تمشي وِفْقَ حكمة أن "تفعل الأشياء بما يتماشى مع الاتجاه وليس معارضته".
وتسير الصين في العصر الحالي وِفْق التزامٍ بأفكار كونفوشيوس، الذي بنت على إسمه عشرات المعاهد الثقافية حول العالم، والتي تصدّر الثقافة واللغة الصينيتين. ويبدو مسار الصين مُتأثّراً بكونفوشيوس أكثر مما هو بلاو تسي. هذان الفيلسوفان صاحبا التأثير الأبرز على الشخصية الصينية. ففي حين يشدّد كونفوشيوس على ضرورة الاجتهاد والعمل، يركّز لاو تسي على التناغُم مع الطبيعية، وترك الأمور لأعنّتها، والطفو على الوقت.
والكونفوشيوسية هي نظام صيني أخلاقي وفلسفي تشكّل وتطوّر من تعاليم كونفوشيوس، وهي نشأت كدروسٍ "أخلاقية-اجتماعية-سياسية "خلال الفترة المعروفة بفترة "الربيع والخريف"، ولكن في وقت لاحِق طوّرتها أسرة "هان" الملكية، وأدخلت عليها عناصر ميتافيزيقية وكونيّة لتصبح إيديولوجية الدولة الرسمية للصين.
إن جوهر الكونفوشيوسية هو النزعة الإنسانية، والإيمان بأن الكائنات البشرية قابلة للتعلّم وللتحسين. وخاصةً بكل ما يتعلّق بالبناء الذاتي، وتحقيق المُثُل الشخصية والاجتماعية. وهي تركّز على زراعة الفضيلة والحفاظ على الأخلاق، والإحسان، البر والمُجاملة، والتضحية من أجل الآخرين، وهي تتضمّن نظاماً لقواعد التصرّف الصحيح داخل المجتمع. وتنصّ على أنه ينبغي للمرء أن يتخلّى عن الحياة الفردية، إذا لزِمَ الأمر، من أجل الحفاظ على القِيَم الأخلاقية الأساسية، وفيها تشجيع على عدم إظهار المشاعر الحقيقية، والحفاظ على الودّ والطاعة ورعاية المجتمع قبل الاهتمام بالشأن الفردي والأُسَري. وهي لا تحتوي على اعتقاد بإلهٍ خارقٍ مُجسّد.


الإصلاح الاقتصادي وسياسة الانفتاح

في عام 1978 أطلقت الصين مشروع الإصلاح الاقتصادي وسياسة الانفتاح، بعد مرحلةٍ صعبة واجهتها البلاد، وتعثّرت فيها رؤى ماو تسي تونغ الاقتصادية، إلى أن وجدت الصين تركيبتها السحرية للتنمية التي تستجيب لأكبر عدد سكان في دولة على وجه الأرض.
ومنذ ذلك الحين، مرّت تجربة البلاد الاقتصادية بمراحل مُتراكمة النتائج. شكّلت المرحلة الأولى من 1978 وحتى 1992 فترة "الإقلاع الاقتصادي". وهي بَنَت اقتصاداً مخطّطاً قائماً على أسُسٍ ثقافية متينة بديلة للتصلّب الثقافي الذي قبَع خلفه المجتمع الزراعي الصيني لعصورٍ متتالية، بل يمكن وصف التغيير الذي أصاب أنماط التفكير التقليدية بالثورة الثقافية التي انتشلت المزارعين من هوّة عدم الاكتفاء، حيث كانت المحاصيل لا تكفي الأُسَر للموسم المقبل، وانتشلت الصناعيين من كساد الأسواق وسوء تصدير البضائع، ووضعت البلاد على سكّة التطوّر السريع جداً في العقود التي تلت، من خلال تطوير الكفاءات الُمنخفضة وصَقْلها بالمهارة، وإتاحة حرية تنقّل الأفراد والموارد عبر البلاد، وهو أمرٌ لم يكن مُتوفراً قبل ذلك.
لقد كان نصيب من الناتج المحلي الإجمالي عام 1978 يضع الصين في المرتبة ما قبل الأخيرة عالمياً. مع معدّل بطالة مُرتفع جداً إلى حدود 19%، و250 مليون إنسان يعيشون في فقر مُدقْع، وكثافة سكانية تصل إلى 3.6 أفراد في المتر الواحد في المناطق الحضرية.
لقد كانت الأحوال الزراعية والصناعية وأحوال النقل والقطارات في وضعٍ بالغِ السوء في بداية السبعينات من القرن العشرين. وعلى مدى السنوات التالية، وضِعت الخطة الاقتصادية الأولى عام 1978 مُتضمّنةً الإصلاح الريفي، ثم تلاها عام 1982 الاعتراف بقوّة السوق، ثم في 1987 دُمِجَ الاقتصاد المُخطّط مع اقتصاد السوق، لتبدأ التركيبة الصينية الفريدة بالتبلور. حتى انتهت المرحلة الأولى عام 1992 والصين تنطلق بسرعةٍ فائقةٍ صعوداً.
بين 1992 و2012، شهدت الصين مرحلة "توطيد التنمية الاقتصادية". بدءاً من عهد الرئيس دنغ شياو بينغ، الذي وضع سلسلة من الخطط التي أوصلت البلاد للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية WTO عام 2001، مُعتمدةً نظام "السوقية الاشتراكية"، أو اقتصاد السوق الاشتراكي.
خلال هذه المرحلة شهدت الصين تحوّلاً كبيراً على المستويات الزراعية والصناعية والتجارية، بالإضافة إلى قطاع النقل. لتصبح واحدة من القوى الكبرى في هذه المجالات، ولتعمّق تجربة السوق الحرّة.
لقد حقّقت بكين نِسَب نموٍ عالية جداً بين عامي 2000 و2010 فاق 10% سنوياً، ثم حقّقت 8% كمعدل نمو إجمالي سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2011 و2015، في حين بلغ المتوسّط العالمي 2،8%. كان ذلك أشبه بمُعجزة اقتصادية، وقد وُصِف كذلك. وخلال 14 سنة فقط ارتفع الناتِج المحلي الإجمالي من 1 تريليون دولار، إلى عشرة تريليونات.
وبحسب أرقام البنك الدولي، فقد شكّل حجم الاقتصاد الصيني 13،3% من الاقتصاد العالمي عام 2014. وتحسّن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كثيراً خلال هذه المرحلة.
لقد أبرزت تلك المرحلة نجاحاً كبيراً للخصائص الأربعة التي تتمتّع بها الشخصية الصينية والتي ذكرناها سابقاً. وتالياً فإن خطّة الانفتاح والإصلاح كانت قد نجحت بوضوح. وقد تركّز هذا النجاح خلال السنوات الثلاثين الفائتة على نواحٍ مُحدّدة أكثر من غيرها، وهي: زيادة الثروة، وزيادة حرية الناس وتوسيع الانفتاح.


النسخة الجديدة من الانفتاح: مُبادرة الحِزام والطريق

لقد أطلق هذه المرحلة الرئيس هو جين تاو عام 2013 في شهر أيلول- سبتمبر، وهي تقوم على إعادة إحياء خطوط التواصل الصينية مع العالم، عبر مشروعات هائلة من البُنى التحتية ونقل البضائق من الصين إلى أوروبا وبالعكس، من خلال طريق الحرير الذي يمرّ بآسيا الوسطى، ويصل بكين ببرلين، شاملاً كل الدول التي تقطع في محيطه، أو التي ترغب بالمشاركة في هذه الانطلاقة الضخمة. أما مشروع الحِزام فهو عبارة عن طريق حرير بحري يلتفّ حول جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وصولاً إلى أوروبا.
لا يُقصي المشروع أياً من الدول الراغبة في الانضمام إليه، حتى تلك التي لا تقع على خارطة الحِزام والطريق بشكلٍ دقيق. لقد أرادت الصين التعبير عن انفتاحها بفتحِ مسارٍ يمكن أن يشمل معظم العالم، وهي ترحّب بالبقية.
في المقابل، تشعر الولايات المتحدة بخطر هذا المشروع على مصالحها في آسيا، وعلى نفوذها العالمي ومكانتها الاقتصادية، الأمر الذي دفعها لإطلاق "طريق الحرير الجديد"، وهو عبارة عن مبادرة لإحياء الخطوط الممتدّة بين دول وسط آسيا التي ترتبط بعلاقاتٍ وثيقةٍ مع واشنطن، في مسعى لضمان مصالحها هناك، ومواجهة المشروع الصيني.
هذا ليس كل ما تحاول واشنطن فعله لعرقلة توجّه الصين نحو القمّة الاقتصادية للعالم، بل إن تركيز الاستراتيجية الأميركية انتقل بصورةٍ أساسية من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا منذ بداية عام 2012. وما القضايا التي بدأت تزيد حرارةً في محيط الصين إلا مؤشّرات تتفاعل يومياً لتنفجر في لحظة معينة، كفوضى خلاّقة لتطويق الصين وحصار نموها المُخيف.
لقد أسّست الصين مع روسيا ودول "بريكس"، "مصرف بريكس" برأس مال أوّلي يصل إلى 100 مليار دولار. وهي تحالفت مع روسيا في السياسة والاقتصاد، وتحوّل نَسْج أفضل العلاقات في مختلف المجالات معها، ما يمكّن الدولتين من مواجهة تفوّق الولايات المتحدة العالمي. كما أسّست الدولتان مع شركاء آخرين "بنك آسيا للاستثمار في البُنى الأساسية". المؤسّستان المذكورتان قد تكونان بدائل فتيّة لصندوق النقد والبنك الدوليين، يوماً ما. بالإضافة إلى نسجها تحالفات أخرى ضمن منظمة شنغهاي، وغيرها من الروابط والمنظمات القارية والاقليمية والدولية.


المنطق خلف "معجزة الصين"

إن الدروس المُستخلَصة من التجربة الصينية تقول إن التحرّر العقلي يوفّر حافِزاً قوياً للنمو الاقتصادي، كما يقول إن الجَمْعَ بين المبادئ الاشتراكية والاقتصاد المُخطّط، وبين اقتصاد السوق أمر ممكن، إذا تم الالتزام بشروط مُحدّدة، ووضع مصلحة الدولة والمجتمع فوق مصلحة الأفراد، وإتاحة الفرصة للسوق لإنتاج المواد وتخصيصها.
وتقول التجربة أيضاً إن سلسلة الخطط الخمسيّة التي تجاوزت 12 خطة خمسيّة صينية، يمكن أن تؤدّي إلى تراكُم الإنجازات بصورةٍ متواصلة، وتحافظ على نمو مُستَدام لأكثر من أربعين سنة متواصلة.
فقد وضعت الخطة الخمسيّة الثانية عشر للتنمية 2010-2015 هدف تحقيق نمو مُستقر بنسبة 7% سنوياً، وزيادة العُمران من 47% إلى 51.5%، وزيادة مساهمة القطاع الخدماتي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة أربع نقاط مئوية، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، ومُحاصرة التضخّم عند 4% أو أقل من ذلك.
فيما تضع الصين أهدافاً غير اقتصادية أيضاً، منها زيادة استخدام الطاقة غير الأحفورية 11.4%، وخَفْض استخدام الطاقة لكل وحدة إنتاج بنسبة 16%، وتقليص انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون 17% لكل وحدة، زيادة مساحات الغابات بنسبة 21.66%، وخَفْض الملوّثات العضوية وثاني أوكسيد الكبريت بنسبة 8% لكلٍ منها.
وكدرسٍ أخير من التجربة الصينية، يمكن القول إن الإصلاح هو عملية مُعقّدة، مُنتظِمة ومطلوبة، وهي ليست سحراً أو مُعجزةً ترتبط بالماورائيات، بقدر ما هي مجموعة منظمّة ومُمنهَجة من الإجراءات، ترتكز على تحوّل ثقافي إيجابي، وتستند إلى رؤية طموحة وشريفة، إنها نهج خطوة-خطوة تحت قيادة أمينة.
لكن هل سيترك المنافسون هذه التجربة من دون محاولة إسقاطها؟ بسؤالٍ آخر هل ستترك الولايات المتحدة الصين ماضيةً في النمو غير المتوقّف منذ 40 عاماً، من دون وقفها بأية وسيلة؟ هذا ما أجاب عليه بروفيسور باحِث من وزارة التجارة الصينية -كان يتحدّث إلى وفدٍ أجنبي- قائلاً: "نحن في الماضي بنينا سوراً حول بلادنا، ليس طمعاً في أحد، بل رغبةً في السلام وحماية أنفسنا، ونحن اليوم نتحضّر لحماية أنفسنا، بوسائل العصر".