كيم وترامب.. بعد الجنون المُصطَنع، رقصٌ فوق الجمر

"ما حصل كان أمراً خيالياً"، هكذا كان انطباع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب لقائه الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون. قد يكون في عبارة ترامب شيئاً من المُبالغة، وهو أسلوب مُعتاد في خطابه، لكنّه هذه المرة يُعبّر عن حقيقة ومعنى لقاء لم يكن يمكن تصوّره، أو توقّع نتائجه، بعد سبعين عاماً من العلاقات المشتعلة بين واشنطن وبيونغ يانغ. علاقات محمومة في كثيرٍ من الأحيان، ومنفرجة في أحيانٍ أخرى، ومتوتّرة دائماً.

تحوّلت العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ خلال عام واحد إلى مُغازلة ترامب لكيم

لكن لا بدّ من أن وراء هذا "الخيال" منطق يحكمه. أدوار صنعت تفاصيل مشهد 12 حزيران، ورسمت ابتسامات كيم وترامب. هذه الابتسامات الصعبة على وجه الرئيس الكوري الشاب والقاسي، والمُحمّلة بظفر كسب الصفقات على وجه غول الأعمال الأميركي الذي لم يخرج العالم بعد من صدمة وصوله إلى البيت الأبيض.
نموذجان غريبان من القادة. أقرب سلوكياً إلى الرسوم المبالغ فيها لشخصيات الكاريكاتور السياسي منهما إلى نموذج رؤساء الدول المُعتاد. على طرفيّ نقيض ربما، لكنهما ثنائي مُتشابه في الرقص على حافّة الهاوية، إلى درجةٍ تصبح معها عبارة "زرّي النووي أكبر من زرّك" مقبولة على السّمع في العلاقات الدولية، وليس في برنامجٍ تلفزيوني فُكاهي.
الآن وبعد هدوء التحليلات والتأويلات والقراءات للقاء التاريخي بين الرجلين، قد يكون الوقت قد حان للنظر خلف هذا اللقاء وبعده. خلفه في عُمق الأعوام السبعين من تاريخ الصراع بين الدولتين، وأمامه في أفق الأعوام المُقبلة، حيث لكلٍ منهما مصالحه ورؤاه وارتقاباته من هذه الخطوة. وبين ما هو في بطن الماضي، وعلى كفّ المستقبل، ضرورةٌ تفرض نفسها، تحت عنوان الدور الصيني الذي شارك بفاعلية في صوغ هذا السيناريو، ومعناه السياسي والاستراتيجي.

 


نهر دماء على خط العرض 38

إنه فصل جديد من الحكاية الدموية لشبه الجزيرة الكورية، حيث سُفِكَت دماء ملايين البشر بعد الحرب العالمية الثانية (يُقارب العدد الأربعة ملايين ضحيّة بين قتيلٍ وجريح). جنودٌ من شمال كوريا وجنوبها، ومن أميركا واليابان والصين، وغيرهم من حلفاء الولايات المتحدة. وضعف هؤلاء، ملايين الضحايا من المدنيين الكوريين.
فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فصلَ خط العرض 38 بين الاتحاد السوفياتي الذي دخل إلى شمال كوريا ودعم إنشاء نظامٍ شيوعيٍ فيها، وبين الولايات المتحدة التي كانت تسيطر على الجزء الجنوبي منها. في ما عُرِف بـ"الأزمة الكورية" التي كانت أزمةً دوليةً بارزة بين أزمات الحرب الباردة.
اجتياحات مُتكرّرة لهذا الخط شهدها عاما 1950 و1951، شمالاً من قِبَل الأميركيين وحلفائهم (قوة مؤلّفة من 16 دولة)، وجنوباً من قِبَل الصينيين وحلفائهم. إلى أن رست الأحوال في شبه الجزيرة الآسيوية على واقع "لا غالب ولا مغلوب"، وسط توتّر سياسي دائم، يفرز حمم توتّرات عسكرية بين الفينة والأخرى. وفق مبادرة لوقف إطلاق النار قدّمها الاتحاد السوفياتي، وتم الاتفاق عليها بين الأمم المتحدة والصين في 27 يوليو/تموز 1953، في قرية "بانمونغوم" الواقعة على خط العرض 38.
لقد كان للموقف الصيني في تلك الأزمة أثر بالغ في تثبيت وقف إطلاق النار بين الكوريتين. فهي التي أعادت الأميركيين إلى جنوب خط العرض 38 باستخدام القوّة العسكرية، الأمر الذي أتاح بقاء النظام الشيوعي في الشمال طوال السنوات السبعين الفائتة، وهذه نقطة مهمة لفهم الدورين الصيني والأميركي اليوم.
لكن الأجواء المشحونة للحرب الباردة عادت لتسود العلاقات الأميركية - الكورية الشمالية في مطلع عام 1968، يوم أَسَرت بيونغ يانغ السفينة الأميركية "يو أس أس بويبلو لمدة 11 شهراً، مُعتبرةً إياها سفينة تجسّس انتهكت مياهها الإقليمية. ثم في العام 1988 أدرجت واشنطن بيونغ يانغ على لائحة الإرهاب، مُتّهمةً إياها بالتورط في إسقاط طائرة ركاب كورية جنوبية في العام السابق.
وشهدَ العام 1994 انفراجاً بين الجانبين، بعد زيارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إلى بيونغ يانغ، وتوقيع اتفاق ثنائي بين الدولتين في العام نفسه، بعد استلام كيم يونغ إيل مقاليد الحُكم، تعهّدت كوريا الشمالية بموجبه بتفكيك برنامجها النووي العسكري مقابل بناء مفاعلاتٍ مدنية. ثم تبعه قرار الرئيس الكوري تجميد التجارب الصاروخية في العام 1999، لتخفّف الولايات المتحدة عقوباتها على بيونغ يانغ.
لكن التوتّر عاد إلى العلاقات بين الطرفين، بعد عامين فقط، يوم صنّف الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن كوريا الشمالية ضمن "محور الشر"، مُتّهماً هذه الأخيرة بامتلاك برنامج تخصيب يورانيوم بدرجةٍ عالية. ردّت بيونغ يانغ على المُقاربة الأميركية الجديدة للعلاقات معها، فأجرت عام 2006 تجربتها النووية الأولى.
لقد بقيت كوريا الشمالية إحدى الدول الأكثر حدةً في الإعراب عن مُناهضتها لمحاولات التدخّل الأميركي في شؤون شرق آسيا عموماً، وشبه الجزيرة الكورية بصورةٍ خاصة. وبعد وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة الأميركية، تفاقمت الأمور بين الجانبين، حيث شهد العامان الأخيران نزالاً إعلامياً مجنوناً بين ترامب وكيم يونغ أون، وصل إلى حد التهديد باستخدام الأسلحة النووية، والتباهي بقدرات كل منهما على تدمير أراضي الآخر. ومع تأكيد ترامب في الشهر الأول من عام 2017 بأن بيونغ يانغ لن تكون قادرة على إنتاج أسلحة نووية قادرة على ضرب الأراضي الأميركية وتوعّده كوريا الشمالية بالنار والغضب، ردّ كيم بالتأكيد أن قدرات بلاده تصل إلى كلِ بقعةٍ في الولايات المتحدة، وأطلقت في العام نفسه صاروخين عابرين للقارات.
واستمر كِباش التجارب النووية والصاروخية والقنابل الإعلامية الأميركية طوال العامين الماضيين، حتى أوصل اشتداد الأزمة إلى مرحلة الإنفراج الحالية، التي توّجت بلقاء الرئيسين في 12 حزيران 2018. لكن ذلك لم يجرِ قبل أن يرسل ترامب في أواخر عام 2017 قاذفاته المُدمّرة إلى سواحل كوريا الشمالية.
لقد سبق هذا الانفراج المُستجدّ، انفراج كوري-كوري، في بداية العام الحالي. يُضاف إلى ذلك، جهد صيني وسعي حثيثين لدعم التهدئة في هذه المنطقة المجاوِرة لها، والمتعلّقة بأمنها القومي بصورةٍ مباشرة.

 


الدور الصيني والعلاقات الكورية الصينية

لم تترك الصين كوريا الشمالية طوال 70 عاماً من المواجهة مع الولايات المتحدة. لقد كانت بكين طوال هذه السنوات العُمق الاستراتيجي والسياسي الحامي للنظام الشيوعي في شمال كوريا. وهي منعت عن هذا الأخير تدخّلات عسكرية وحملات سياسية ودبلوماسية في أكثر من مناسبة. لكن العقد الأخير جلب معه مخاطر حتّمت على الصين اعتماد أسلوبٍ مختلفٍ في التعاطي مع قضية حليفتها كوريا الشمالية.

لقد لعبت الصين دور الوسيط الفاعِل في تقريب وجهات النظر بين بيونغ يانغ وواشنطن، وهذا الدور أفضى في نهاية المطاف - إلى جانب عوامل عديدة أخرى- إلى الانفراج الأخير الذي عبّر عنه لقاء الرئيسين الكوري والأميركي.

ترى الصين في المسألة الكورية أنها منفذ لرياحٍ كانت آتية لا محالة. فالولايات المتحدة أعلنت مراراً عن أن تركيزها الاستراتيجي انتقل إلى منطقة شرق آسيا، كما أن خطابات ترامب منذ تولّيه الرئاسة لا يخلو أي منها من التشديد على أن الصين هي الخطر الأبرز على مستقبل تفوّق القوّة الأميركية بين الدول الكبرى. إنها الدولة التي يخشى منها على المستويين الاقتصادي والسياسي، وأبعد من ذلك، على المستوى الثقافي، إذا ما تابع النموذج الصيني نجاحه وأصبح أكثر إغراءً لدولٍ كبرى أخرى.

كما أن بكين لا تطمئن للمناورات العسكرية المتكرّرة التي دأبت الولايات المتحدة على إجرائها مع كوريا الجنوبية واليابان، بحجّة مواجهة الخطر الكوري الشمالي. ففي هاتين الدولتين لاتزال تحتفظ الولايات المتحدة بقواعد عسكرية متقدّمة، ما يجعل الصين من منظورٍ جيوسياسي مُحاطةً بطوقٍ أميركي دائري شبه كامل عبر قواعد وحلفاء (كوريا الجنوبية، تايوان، أوكيناوا الفلبين، اليابان)، باستثناء النافذة الكورية الشمالية التي ترتفع قيمتها الاستراتيجية بالنسبة إلى بكين بحسب هذا المعيار تحديداً.

وبموازاة ذلك كله، ترتبط الصين مع كوريا الشمالية بعلاقاتٍ اقتصادية متينة تجعلها الوجهة الأهم للاستيراد الكوري، وتعود في أصلها إلى الظروف السياسية والاقتصادية التي حكَمت بيونغ يانغ، وصعوبة حصولها على الموارد من الدول الحليفة لأميركا، واضطرارها إلى الاعتماد بصورةٍ كبيرةٍ على بكين، حتى وصلت نسبة استيرادها من الصين إلى حوالى 85% من مُجمل وارداتها عام 2015، وهو ما ترجم تصاعداً في حجم التعاون الثنائي في العامين الأخيرين 2017 و2018.

وقد حاول ترامب مِراراً تقديم عروضٍ للصين، تستهدف تعويضها عن خسائرها جرّاء سلوكها درب التخلّي عن بيونغ يانغ، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فبكين تُدرك الأهمية الجيواستراتيجية للحفاظ على الورقة الكورية بيدها، وعدم المخاطرة بورقةٍ استراتيجيةٍ من أجلِ مكسبٍ تكتيكي سريع.

لكنها في المقابل آخر مَن يُريد مواجهةً مع الولايات المتحدة عند حدودها المباشرة. وإن كانت الصين تحاول على الدوام الابتعاد عن نسق المواجهات والتصريحات المُتوتّرة التي تشكّل موضةً لقادة العالم هذه الأيام، فإن شؤون المحيط القريب هي الأولى بالخطاب المُتّزن والواقعي الذي تعتمده القيادة الصينية. وهذا يُفسّر إلى حدٍ بعيدٍ السعي الصيني المتواصل لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وبيونغ يانغ، وصولاً إلى لقاء الرئيسين، وما تلاه من مؤشّراتٍ إيجابيةٍ في السياقِ نفسه.

إن من شأن الحرب في شبه الجزيرة الكورية أن تعود بكارثةٍ عن صعود الصين الاقتصادي والسياسي، وطموحاتها المستقبلية، وسلّم المؤشّرات الإيجابية المرتفعة الذي تحقّقه منذ سنوات، فضلاً عن خطر تدفّق اللاجئين من كوريا الشمالية عند أول طلقة رصاص بين الأميركيين والكوريين، الأمر الذي لن تستطيع بكين تحمّله لفترةٍ طويلة.

إذن، يسود الصراع الناعِم - حتى الآن - بين الصين والولايات المتحدة جو من الحذَر الشديد. فلا ترامب يستطيع المُبادرة إلى خطواتٍ أكثر حدة ضد الصين، التي قال عنها يوماً إنها "تغتصب" الولايات المتحدة اقتصادياً، ولا الصين في وارِد المُخاطرة بفتح باب التوتّرات على حدودها. فضلاً عن الشراكة الاقتصادية الوثيقة بين البلدين، والديون الأميركية للصين التي تُعتبَر الأعلى في العالم، وهي علاقة أكبر مَدين مع أكبر دائِن. لكن هذا المُعطى الأخير هو الدافع الأكبر وراء أسلوب ترامب تجاه الصين. فالرئيس الأميركي يحاول الاستفادة من مهاراته التفاوضية كإمبراطور أعمال، مُضافاً إليها مُعطيات القوّة الأميركية، وفيها القوّة العسكرية، والأحلاف السياسية، ورفع لواء حقوق الإنسان، والديمقراطية السياسية، وحقوق الأقليات. وهي ملفاتٌ لاتنفكّ المحاولات الأميركية عن تسويق صورةٍ صينيةٍ سلبيةٍ بخصوصها، وذلك بهدف إبقاء بكين تحت ضغط هذه الملّفات، للحصول منها على تنازلاتٍ تتعلّق أولاً بالشؤون الاقتصادية، لكنها لا تتوقّف عند ذلك.

 


أفق العلاقات بعد لقاء كيم وترامب

لقد تحوّلت العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ خلال عامٍ واحد من اتّهام كيم بأنه "يتسوّل الحرب"، بحسب ما صرّحت به المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي في أيلول- سبتمبر الماضي، إلى مُغازلة ترامب لكيم بعد لقائهما حين قال: "كيم رجل مرح ورائع، وتفكيره استراتيجي، وذكي جداً". هذا التقلّب السريع والحاد في الموقف، يُناسب شخصية ترامب، وربما شخصية كيم أيضاً. هناك من يقول إن المُتطرّفين الواقفين على أقصى التبايُن، يكونون في أقرب نقطة إلى اللقاء، كونهما مُتشابهين ضمن ظروفٍ مختلفة. فمتى وجد الدافع أو السبب لزوال الظروف المانعة، التقى المُتنقضان حُكماً، وبوقتٍ أسرع من لقاء أي قياديين مُعتدلين.
لكن ذلك لا يكفي للاطمئنان إلى هذا السلام الناتج من لقاء شخصين غريبي الأطوار. هو ودّ غير مُستدام بالنظر إلى المُعطيات الحاكِمة. فالمسألة هنا لا تتعلّق بتبادُل الاستئناس الشخصي، إنما هي أولاً وآخراً تتعلّق بمصالح كُبرى، وبصراعِ قوّتين عُظميين على قمّة العالم.
هو في لبّ الموضوع صراع الصين- أميركا، وليس ترامب وكيم. وهو يتمحور في مُندرجاته الأكثر تأثيراً حول سؤالٍ واحد: مَن هي القوّة التي سوف تُسيطر على اقتصاد العالم بحلول نصف القرن الحالي؟
لذلك كله، لا يبدو في الأفق أيّ حلٍ جذري للمسألة الكورية، بل حلٌ مرحلي يُعطي ترامب فضل التخلّص من ترسانة كوريا الشمالية النووية، والقول للصين: "أنا هنا وأستطيع إرغامك على الانصياع". وهو في المقابل، تأجيلٌ صيني لانفجار منطقة بحر الصين الجنوبي، واشتعال محيطها، ونزرع زريعةٍ من رئيس يَطيب له وصفه بالمتهوّر. وهو تهوّرٌ يصطنعه رجال الأعمال لإفهام الخصم أنهم غير متمسّكين بالصفقة، وأن خياراتهم مفتوحة، وأنهم قادرون على الأذى وتحمّل الأذى المُقابل.
وهي بالمُحصّلة، نارٌ أُطفِئت شعلتها، ورقصٌ فوقَ رمادٍ فاترٍ صُبّ على جمرها المُنذِر بالتجدّد، خصوصاً في أجواء صراعات الطاقة، والتجارة، والطموحات الشخصية المجنونة.

 


 
}