عبد اللّه بدران

مدير مكتب الميادين في العراق

أميركا وأبعاد معركة الحدود العراقية السورية

العراق أمام تحديات تفرض خططاً استراتيجية ومواجهات تكتيكية.. استراتيجياً فهو بحاجة لبذل المزيد في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت بفعل سياسات قلقة ولعقود طويلة..

ينتشر 5 آلاف عسكري أميركي في العراق بشكل رسمي بطلب حكومي

أصرت الولايات المتحدة الأميركية على ضرورات سياسية وميدانية في عراق 2003 كان على رأسها:
١-الدستور وسرعة كتابته وضرورات الفدرلة
٢-المنظومة العسكرية والأمنية وعقيدتها الجديدة
٣- منظومة إدارة سياسية حولت النظام من جمهوري إلى برلماني
٤-التركيز على أن النظام السياسي المزمع إقامته سيكون نموذجاً للديمقراطية تتوق إليه مجتمعات المنطقة وفي الوقت عينه يكون ضامناً لبقاء العراق حليف واشنطن في مواجهة من يراه الأميركيون إرهابيا.
ثبت للأميركيين ويثبت يومياً أن العراق درس معركة فشلوا في استيعابه مرة بعد أخرى وأن ما تحقق هو شطر نظريتهم الأول وهو الفوضى واما الخلاقة فلا سبيل لإعفائهم من الفشل.. وبنظرة عامة على العراق اليوم.. فإن صناعة القرار السيادي في الشأن السياسي ما تعلق منه بالداخل العراقي أو بالإقليم يشوبها غبش وتلفها الشكوك. إذن فإن المحور لم يأو إلى ركن شديد لأن في وسطه ثمة ما يقلق.. فبحسابات الانتحاء السياسي فإن العراق الرسمي هو الوحيد الذي قَبِل إمضاء اتفاقية استراتيجية للتعاون مع الولايات المتحدة دون دول المحور ظنا من الساسة العراقيين أنهم قادرون على حمل الأميركيين على الإيفاء بالتزاماتهم ثم لم تلبث أن أكدت أزمة داعش كذب الظنون ومرارة الاستغفال ..

ما يحسب فشلا أميركيا:

-نظام سياسي حليف لمحور المقاومة وليس لواشنطن.. وإن كان على طريقة مكره أخاك لا بطل فإرادة العراقيين ومواقفهم من أحداث المنطقة يتعذر تجاوزها فضلا عن مغالبتها..
-أما المنظومة العسكرية فحوت الحشد الشعبي بغطاء رسمي وفصائل مقاومة بغطاء شعبي لدى جمهورها
-وأما الدستور الذي أريد له أن ينتج فيدرالية ـ فاوضت لأجلها واشنطن حسين كامل وقت تمرده على نظام صدام حسين- فمن كتبه ودعا للتصويت له.. اعتبر أنه كتب على عجالة وهو -حمّال أوجه-
من هذا المنطلق وبما أن الصراع مفتوح في الشرق الأوسط وما زال –وإن تقاربت مداخل التسويات وتباعدت مخرجاتها- ثمة ما يزعج الأميركيين الذين لم ينجحوا في استغلال احتلالهم للعراق بإنشاء نظام حليف أو بتكوين مجموعات ضغط محلية فاعلة بما فيها الأحزاب الكردية التقليدية.. وبالمناسبة: فإن اللعب الأميركي بالورقة الكردية في عقابيل داعش دلف مكشوفا إلى ساحة الأحداث ووردها مستنكرا وكر راجعا إلى الأميركيين يحمل استياء حليفهم التركي من الأغراء للكرد بالتحرك للانفصال وأمام أوضاع عسيرة كهذه قرر الأميركيون أن يلبسوا الأمور على ما التبست.. أن يعودوا سياسياً عبر ما هو أوضح من اللمسات.. إلى الضمانات.. ضمانات لقرار عراقي على الأقل لا يكون والقرار الأميركي في مفترق طرق..
المعركة الأميركية اليوم عند الحدود.. والتسوية أي تسوية للأوضاع في سوريا لابد أن يكون العراق جزءاً من مفاعيلها -صانعا ومتأثراً- لا تتسق والرؤية الأميركية لكل من الدور العراقي والمستقبل السوري.. فالخطة الأميركية تقضي باقتطاع المنطقة من الحدود السورية العراقية واصلة إلى عمق الغرب السوري للحيلولة دون قيام اتصال بري بين سوريا وإيران وبالتالي قطع أحد شرايين المقاومة وهذه الرؤية يمكن سوقها تفسيرا للضربة الجوية التي تعرضت لها إحدى فصائل الحشد عند الحدود..
هنا وبالعودة للذاكرة – بوصفها أكبر محرض على الفعل – تتأكد صحة النصائح التي أسداها من تم لومهم على تحذيرهم للعراقيين من محض الأميركيين ثقة تتجاوز مداها تكون ركيزتها صفقات يمضيها طرفان –عراقي وأميركي- وشواهدها إطاحة نظام صدام أو الحث على كتابة الدستور أو بإبرام الاتفاقات الأمنية أو تصيير العراق حليفاً جديداً.. ضمن رؤية أميركية تهمل كل حقائق التأريخ والجغرافيا وتصر على اختلاق كيان عراقي جديد يكون حليفا.. هكذا ببساطة..
ما يهم الإدارة الأميركية اليوم سوريا.. ليس العراق واحداً من أولوياتها الآن –نفضت يدها منه أو تكاد الا حده الغربي وليس حدوده هو ما يشغل البال.. فثمة بندقية حليفة لطهران هناك نجحت ونجحت فقط لأنها تحركت بسياسة الأمر الواقع وبالطريقة الأميركية نفسها.. سبق ذلك كله معركة أعصاب وصراع إيرادات وحرج عراقي أمام واشنطن وغزل أميركي لبغداد.. تارة بشكل رسمي وأخرى عبر حلفاء محليين.. وثالثة عبر الغارات..
في العراق ينتشر 5 آلاف عسكري أميركي بشكل رسمي بطلب حكومي.. لكن ما فات قد فات بورقة دسها العراقيون سراً في جيب الأميركي دون أن يطلبها حتى "لسنا مع سياسة المحاور" لكن الوجود الأميركي على الأرض العراقية حقيقي والهدف أبعد من حرب العراقيين ضد داعش.. بدلالة أن الحسم العسكري ضد داعش لم تعقبه المغادرة الأمريكية.. والوجود العسكري هذا على أشده يمثل شريطاً موازياً للحدود العراقية السورية بلحاظ الخرائط..


اليوم وبعد فشل آخر عقب الغارة المجهولة التي استهدفت عراقيين عند الحدود فإن ثمة رسائل عدة:
الأولى: أن هناك حالة ضعف في تبني الغارة.. لا يمكن أن تنفذ الغارة دون علم غرفة التحالف الأميركي المركزية.. وبالتالي لا يمكن أن تكون طائرة مجهولة لدى من يملك تغطية سماء تلك المنطقة..
الثانية: لا يمكن اعتبار الغارة رسالة كافية لمن يصر على الإمساك بالحدود.. لطهران أو لحلفائها.. فلا الهدف الأول ولا الهدف الثاني من الحرب قد تحقق – لم تتحطم الآلة العسكرية ولا الإرادة- بل على العكس تماما.. فإن من تعرض للضربة سواء كتائب حزب الله العراق كفصيل مقاوم أو ألوية في الحشد الشعبي أعلن صراحة عن الضربة واستعاد قوته واستدعى قواه لتعزيز الحدود.. لتبدأ حلقة أخرى من التجارب الأمريكية: الحث على توزيع الأدوار في السيطرة على الحدود بين القوات الرسمية.. وهذا قد يكون حقاً مشروعاً لموقف رسمي عراقي.. لكنه قطعاً ليس كافياً لأمن قومي عراقي.. ولا رادعاً لهجمات متكررة يوميا هناك.. ولا هو قرار عراقي خالص - توزيع الأدوار في السيطرة على الحدود بين القوات الرسميةـ إنما يراد انتزاع استحسان أميركي محدود يضمن سكوت الأميركيين مؤقتا..
عسكريا هذه المنطقة تشكل أمناً قومياً لإسرائيل.. ومن هناك يمكن اللعب بالأعصاب بين طرفين تقليديين في الخصومة يستدعون حلفائهم.. طهران وتل أبيب.. سارعت قوات حرس الحدود العراقية –كقوة رسمية- لإنشاء سياج يبدأ من مثلث العراق والأردن وسوريا.. ليبدأ بعدها الحشد الشعبي بإنشاء مستلزمات التحصين عند الحدود.. فيما كانت القوة المستهدفة قد أرسلت فعليا تعزيزاتها إلى الحدود.. إذاً فالأدوار أكبر من أن تردعها غارة أو تشوش عليها رسائل انزعاج متكررة.. هي مسألة أمن قومي عراقي وعربي وتفاعلاته أبعد من أمن البلدين ..
-قد يلجأ الأميركيون لأوراق قديمة بتفعيل جديد.. الإقليم للمنطقة الغربية من العراق وعوامل إقامته الاقتصادية متوفرة لكن ذلك يحتاج أولاً لأن يتقدم إقليم كردستان خطوة –وهو أمر مستبعد- بعد الفشل في خطوات ما بعد الاستفتاء.. لذا فإن الأمر بحاجة ما يمكن وصفه إعادة الدورة السياسية التي ابتدأت بعد الاحتلال أو حتى قبله –منذ العام 1991 وهو إقامة مناطق حظر جوي على طيران العراق الحربي بقرار أممي- وأمر كهذا أشبه بالمستحيل أو المستحيل به أشبه .. الوضع هنا في حاجة لـ:
-موقف رسمي عراقي مبني على أساس واقع أن الأمن مشترك مع سوريا باعتبار الحدود المشتركة وباعتبار العدو الواحد وباعتبار أن خللاً فكرياً تقوده بعض التيارات يجب أن يعالج.. أما اجتزاء الأزمة العراقية والنحو بها على أنها في موضع الحل أن استلم الإسرائيليون ما يمكن اعتباره حياداً عراقيا في ملفات المنطقة أو رسائل طمأنينة.. فهذا خطر ليس في ترويجه فقط أو إيجاد قبول به.. بل هو ضاغط رهيب لعمل أي قوى تحرر ..
-يسبق ما سبق مسؤولية سياسية هي على عاتق الأحزاب ذات القواعد الشعبية الواسعة.. ذلك أنها ملزمة بضرورة وشرعية تاريخية من شرعية ووضع العراق ودوره الذي من اللزام أن يلعبه في ملفات المنطقة.. إن لا تتقوقع داخلياً بشكل قطري وأن تغادر الإيمان القاطع عندها وفكرة "ما يريده الأميركيون نص مقدس".. حتى وأن كان العراق في أضعف حالاته اليوم.. فالعراق لا يزال يملك العزيمة ويملك البترول ويملك المناورة السياسية وليس وكيلاً محلياً لمن يريد أن يدير شؤون الدنيا.. وهذا يتأتى من الثقة بالنفس.. مع ضرورات رفع حالة الإحباط الاجتماعي المتولد بفعل بقاء الحال على مراوحة التكرار..
-دور أوسع لقوى التحرر –أيا كان من يمثلها في العراق اجتماعياً أو سياسياً أو فصائل- هذا الدور الذي يمكنه أن يضطلع بمسؤولية حمل أو تمثيل دور العراق وبالمناسبة فإن هذه القوى منها القومي والناصري وآخرون دورهم اكتفى بأداء ثانوي ولا يغفر لهم غيابهم أو اكتفائهم ببيانات مكتوبة في كل مناسبة..
وإذاً فإن العراق أمام تحديات تفرض خططاً استراتيجية ومواجهات تكتيكية.. استراتيجياً فهو بحاجة لبذل المزيد في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت بفعل سياسات قلقة ولعقود طويلة.. وتكتيكياً لاستكمال ما فرضته وقائع الأحداث في الميدان العراقي ومن أبرزها استيعاب فصائل الحشد الشعبي على أن التخطيط بعيد المدى ينبغي أن يكون مبنياً على أساس مصلحة وطنية لا يمكن بحال أن تستبعد مبادئ الأمن القومي ومتطلباته والتي لا تقف عند الحدود العراقية السورية.. وهنا لا بد من إيضاح ما يأتي:
إن مصلحة العراق تكمن في أن يكون موجوداً عند الحدود.. وأن يكشف هذه المنطقة وأن لا يكتفي بواقع أن الأميركيين نشطوا عندها لضرورات الأمن القومي لحلفائهم وأن يتحرك بشكل واضح وصريح وبقوة مغادراً سياسات لم تجن نفعاً لا معه ولا مع من اندفع أكثر منه على قاعدة أن 99 بالمئة من أوراق اللعبة بيد الأميركيين. 
المبادرة التي غابت عن أي قرار عراقي.. في الشأن الداخلي أو بشأن ما يحيطه –ترك حالة رد الفعل المزمن منذ سنوات الغياب العراقي عن المشهد الدولي والتي سبقت عام 1991.. مبادرات يقدمها لملفات تتجاوز الحدود إلى فلسطين وقضيتها واليمن والأزمة الخليجية وليبيا.. ذلك أن العراق ليس أمعة تخطط له "دكاكين" حديثة الاستقلال.. وهنا التساؤل المطروح والذي يفرض نفسه:
من سيتصدى لهذه المهام.. من هذا الذي يقنع شعبه ومحيطه وقوى دولية بتحكم واقعي عقلاني لكل هذه الفوضى وانعدام الثقة والتشكيك؟
البداية تكون من أكثر من حقيقة:
-مصالحة كبرى يفرضها واقع أن العراق بحاجة لأهله وترابه وكامل حدوده كما هم بحاجة له كاملاً غير منقوص السيادة والحدود ولا المجتمع
-إن أمن الحدود العراقية كأمن أي شارع في عاصمته يقتضي حضوراً للدولة العراقية.. وأمن الحدود لن يقف عند سياج ترابي أو ساتر مكهرب
-البحث عن حقيقة أن "المجتمع الدولي – أو القانون الدولي" - والعراق كان محل تجربة من الاثنين- كلاهما أثبت ما قاله "هارولد لاسكي": "القانون هو الآخر ليس محايداً فحزب الأغلبية عمالاً أو رأسماليين هو من يتولى التشريع للقانون برؤياه الاجتماعية وما على القضاء إلا أن يطبق.. فأين الحياد في ذلك؟".. وإن كانت واشنطن قد أغارت على العراق من خارج مجلس الأمن لدعوى أمنها القومي.. فحري أن يتخذ العراق موقعه ويمارس دوره في حفظ أمنه القومي من داخل حدوده..
ففي علم السياسة قيل: إن السياسات الخارجية لأية دولة إنما هي انعكاس لسياساتها الداخلية..


 
}