أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

الثابت والمُتغيّر في جمهورية أردوغان الجديدة

بنظام دستوري رئاسي تحظى فيه مؤسسة الرئاسة بالهيمنة على عملية صناعة القرار السياسي، وفي وسط التجاذبات الإقتصادية بين الصين والولايات المتحدة وروسيا، يبدو أن الدور التركي الإقليمي التنافسي مع إيران وإسرائيل سيزداد في المنطقة.

الثابت والمُتغيّر في جمهورية أردوغان الجديدة
الثابت والمُتغيّر في جمهورية أردوغان الجديدة

رغم الدفاع المستميت لدنكوارت روستو عن الشرعية المؤسّساتية في النظام التركي الكمالي، إلا أن الجمهورية الأولى التي أسّست حكمها العلماني على شرعية الاستقلال حين تنافس أبطال الحرب على قيادة البلاد، لم تتمكّن طيلة عقودها التسعة السابقة من بناء شرعيّة مؤسّساتية حقيقية خارج شرعيّة المؤسّسة العسكرية.

كانت سياسة حزب الشعب الجمهوري صارِمة تجاه خصومها السياسيين في النَسَق السياسي: الإسلاميين والشيوعيين خصوصاً. ومنذ ثورة الشيخ الكردي سعيد بيران وتمرّدات الطُرق الصوفية غداة سقوط نظام الخلافة، انتقل النظام إلى فرض حال الطوارئ وملاحقة المتمرّدين عسكرياً، إضافة إلى نهج سياسة إقصائية تجاه التيارات التي قاومت المبادئ الستة الجمهورية التي صوّت عليها الشعب بإقبال كبير.

رسخت الحياة السياسية الإنقلابية طيلة تاريخ تركيا المعاصر، هيمنة المؤسّسة العسكرية على الطبقة السامية من النظام الدستوري في البلاد، كما استأثر الكماليون طيلة هذا التاريخ بتوجيه السياسات الإعلامية والتربوية التي تتحكّم في بناء الثقافة السياسية الوطنية.

ومهما كان دفاع الإسلاميين الأتراك منذ عهد عدنان مندريس عن وجودهم السياسي، فإن نمط المشروعية السياسية ظل دوماً خاضعاً لبناء دستوري اختطّه كمال أتاتورك ودافعت المؤسّسة العسكرية عن وجوده، ويتأسّس هذا النظام على القواعد التالية:

  • نخبوية العمل السياسي.
  • دور السياسات الاقتصادية الحاسِم سياسياً في الانتخابات.
  • دور الشعارات الدينية في توجيهِ عواطف الناخبين.

ارتبطت السياسة الكمالية إلى حدٍ بعيدٍ برؤيةٍ فوقيةٍ للفكر التنويري الذي تقصر عنه غالبية الشعب. السياسة الكمالية كانت سياسة نخبوية ارتبطت بصفوة عسكرية علمانية التكوين وبطبقة البيروقراطيين الذين ساهموا في تأسيس حركة الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة.

في دستور 1924 كان النظام البرلماني متأسّساً على دمج المؤسّسة البرلمانية مع السلطة التنفيذية حسب المادة 5 من دستور 1924. وفي ظلّ نظام الحزب الوحيد الذي يقوده كمال أتاتورك بشعبيّته الواسعة كان النظام البرلماني ينسجم مع رؤية الكماليين للديمقراطية النخبوية، فاختيار الحكومة يوكل إلى وكلاء الشعب، الذين يجب أن يكونوا مؤمنين بالقِيَم والمبادئ التي تؤسَّس عليها الجمهورية.

تحت ظل كارزمية أتاتورك لم تكن العلاقة بين السلطات الثلاث واضحة المعالم، فالمعارضة التي تخوّف منها النظام كانت قادمة من خارج ساحة التدافع السياسي السلمي، بل كانت معارضة مسلّحة في جزء كبير منها (الكرد) ومقاطعة في جزئها الآخر للنظام الجمهوري الجديد (النورسي والسليمانيين).

في دستور 1961 كان تأثير الصراع السياسي مع النخبة الجامعية والبيروقراطية واضحاً في الديباجة وفي مواد الدستور الأولى التي حاولت مزج رؤيتين حقوقيتين متمايزتين في تلك المرحلة: الليبرالية والإشتراكية. وعلى مستوى تنظيم السلطة ظل النظام البرلماني ضمانة سياسية لتلك الرؤية النخبوية التي تعزّزت بعدم الثقة في الانتخابات التعدّدية لسنة 1950 التي أتت بحكومة مندريس المائلة مع مطالب طبقات بسطاء الفلاحين.

من جهةٍ أخرى، أسّس دستور 1961 لمكانة المؤسّسة العسكرية في حماية مبادئ الكمالية من خلال مجلس الأمن القومي الذي سيصبح الرأس الفعلية للنظام الدستوري منذ هذه الفترة بنصّ القانون.

 


التحوّل نحو الشرعية الشعبية في دستور 1982 وصيغه المعدّلة

رغم أن الصياغة الأولية لدستور 1982 جاءت متوافقة مع رؤية جديدة حكمت الانقلاب العسكري الذي دعمه الأميركيون القلقون آنذاك من النفوذ السوفياتي وسقوط شاه إيران، فإن الإنفراج السياسي الذي رافق سياق صوغ هذه الوثيقة جعلت منه أساس البناء الدستوري الحالي لتركيا أردوغان.

احتفظ دستور 1982 في صياغته قبل تعديل ماي 2007 بانتخاب رئيس الدولة من البرلمان (مادة 102)، وبضرورة حصول الحكومة المعيّنة من الرئيس على ثقة البرلمان (مادة 110) مع استقرار دور مجلس الأمن القومي في مكانه قبل تعديلات سنة 2001 حسب المادة 118 من هذا الدستور[1].

ورغم أن هذا الدستور قد صيغ تحت إرادة المؤسّسة العسكرية إلا أن التيارات المحافظة تمكّنت بعد تاريخ طويل من الصراعات الحزبية منذ حكومة أوزال من تعديله، حيث تمكن الإسلاميون من التحوّل نحو نظامٍ هجينٍ ينحو عن الرئاسية الشعبية وتحييد دور المؤسّسة العسكرية في الحياة السياسية.

 


الدستور الرئاسي:

في الدستور الجديد نلاحظ أن مؤسّسة مجلس الوزراء والمؤسّسة العسكرية كانتا أبرز هيئتين تعرّضتا للتحجيم. الانتقال نحو النظام الرئاسي بعد سلسلة التعديلات التي اختطّها حزب العدالة والتنمية منذ سنة 2001 تبدو مُنسجمة مع التحوّل نحو هذا النمط الدستوري.

العوامل الأساسية التي كانت سبباً في تعزيز دور المؤسّسة البرلمانية كانت مرتبطة بتاريخ جماعة الاتحاد والترقّي وبنخبة العسكر والبيروقراطية التي قادت الانقلاب على نظام السلطنة. عزّز دستور انقلاب 1961 مكانة المؤسّسة البرلمانية كسلطة تنفيذية والمؤسّسة العسكرية كمؤسّسة حامية للطبقة الأولى من أحكام الدستور.

ظلّت طيلة هذه الفترات المتعاقبة العوامل الاقتصادية والدينية عاملاً أساساً في تحديد الأحزاب الحاكمة منذ عهد مندريس. كان الفلاحون التقليديون متعاطفين بشدّة مع سياسات حكومة الحزب الديمقراطي، كما كانت السياسات الاتحادية الخارجية الدينية التي تحالفت مع القومية في سنوات السبعينات عاملاً أساساً في نجاح حركة نجم الدين أربكان. ولعب المعطى الإقتصادي في حكومة أوزال عاملاً أساساً في نجاح حزب الوطن الأمّ ذي النزعة الإسلامية المحافظة.

تحدّدت البنية الدستورية البرلمانية للدولة التركية في هيمنة المؤسّسة العسكرية على السياسات التربوية والاجتماعية وحتى الخارجية أحياناً، بينما ينشط الإسلاميون وغيرهم من الأحزاب العلمانية في الرِهان على السياسات الإقتصادية المتبنية أحياناً لشعارات دينية محافِظة تحاول الحصول على شرعيّة شعبية رضيت مُرغَمة بهذه التوليفة.

التعديلات الدستورية الجديدة وحتى تلك التي سبقتها ارتبطت بانكماش دور المؤسّسة العسكرية التي عانت من الفساد ومن شيخوخة النُخبة ومن سياساتها الإقتصادية الفاشلة، وبنجاح الإسلاميين في اكتساب ثقة الناخبين اقتصادياً ودينياً خصوصاً بعد انخراط الأتراك في مسلسل الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي الذي أدّى إلى انفراجٍ سياسي أوسع بعد الانفراج السياسي الذي طالبت به أميركا داعمة انقلاب 1980.

انتقلت الشرعية من النمط النخبوي العسكري إلى شرعية شعبية فعلية خصوصاً بعد سقوط الانقلاب، لذلك كان حزب الشعب الجمهوري أول مُناهضي المحاولة التي قادتها طبقة عسكرية جديدة مُتحالفة مع الإسلاميين ومع غيرهم.

النظام الرئاسي يرتبط إلى حدٍ كبيرٍ بكارزميّةِ أردوغان وبمحاولة بناء دولة جديدة، غير أنه سيفتح النظام الذي يحظى قائده بتأييد شعبي كبير تركيا على مرحلة مُشابهة لتلك التي تم فيها تأسيس تركيا الكمالية، حين أّدت المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد أتاتورك سنة 1926 إلى اعتقال الصحفيين ومحاصرة المعارضين وتأسيس محاكم عسكرية لمحاكمة الإنقلابيين وإعلان الحرب على الكرد وإعدام زعماء ثورة الشيخ سعيد بيران.

بعد تعديل سنة 1928 كان واضحاً أن الكمالية قد حسمت موقفها من اللائكية السياسية والإجتماعية لتبدأ مرحلة الحزب الوحيد وسقوط النظام الثنائي الصوري الذي حاول أتاتورك بناءه غداة خلع السلطنة العثمانية.

هل ستستخدم الأردوغانية الشرعية الشعبية للتأسيس لتعددية سياسية حقيقية؟

لاتبدو الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بالموقف من الأحزاب المعارضة بالقدر الذي سترتبط أساساً بالموقف من المعارضين الإسلاميين ومن العلويين ومن الكرد؟

 


إنعكاسات التحولات التركية الجديدة على السياسة الخارجية التركية:

بنظام دستوري رئاسي تحظى فيه مؤسسة الرئاسة بالهيمنة على عملية صناعة القرار السياسي، وفي وسط التجاذبات الإقتصادية بين الصين والولايات المتحدة وروسيا، يبدو أن الدور التركي الإقليمي التنافسي مع إيران وإسرائيل سيزداد في المنطقة.

 أمام الجمهورية الجديدة مواقف داخلية حاسمة ستؤثر على مشروعها الإقليمي داخل المنطقة:

  • الموقف من الكرد: أمام أردوغان فرصة تاريخية لن تتكرر في الزمن المنظور لإعطاء موقف واضح من القضية التي شكلت الخاصرة الأضعف في تاريخ تركيا المعاصرة، حيث لعبت المزايدات السياسية على وراثة النزعة الكمالية دوراً مهما في تعميق الأزمة.

صيغة السياسة الجديدة في التعامل مع الكرد ستكون عنوان العلاقة مع كرد العراق وسوريا ومع الوجود التركي في الجوار، وستحدد حجم التدخلات العسكرية المحتملة في المنطقة.

  • الموقف من الإسلاميين المعارضين: سواءاً كانوا من ورثة أربكان أو من أتباع كولن، فمواقف الإسلاميين الحقيقية من الديمقراطية والتعددية لا تظهر إلا مع أقرانهم ومنافسيهم الحقيقيين في "زمن الإسلاميين" وصعود الشعار الديني.

السياسة الجديدة في هذا المجال ستنعكس على سياسة تركيا تجاه الإسلاميين في المنطقة سواءاً كانوا من الإخوان المسلمين في مصر أو من إسلاميي إيران، أو حماس وحزب الله والفصائل السورية المعارضة للنظام.

  • الموقف من العلويين ومن حقوقهم الدينية والثقافية سينعكس على سياسة تركيا الجديدة تجاه الأقليات والمنظومة الحقوقية الغربية ومن ثم على العلاقة مع الغرب وعلى مسار الديمقراطية الجديد في ظل حكم أردوغان، وعلى مسار الإنضمام للإتحاد الأوربي.

من جهة أخرى تفتح التجاذبات الإقليمية المجال واسعاً لتركيا للبحث عن توسيع دائرة نفوذها على صعيد محاور مختلفة:

  • محور حلفاء صفقة القرن: حيث يوفر إعتراف تركيا بإسرائيل مجالاً مهما للعب دور الوسيط أو بحث إمكانية الإنضمام إلى صيغة معدلة من صيغ الصفقة التي يبدو أن تركيا لا زالت مستبعدة منها.
  • محور الدول المعتدلة: والتي لم يتم إشراكها لحد الآن في الصفقة على الأقل ظاهرياً، حيث تسعى تركيا لتوطيد علاقاتها مع قطر والأردن وسلطنة عمان.
  • محور الدول الممانعة: والتي تلعب الشراكة الروسية وتذبذب العلاقة مع الحليف الأميركي دوراً مهماً في تعضيدها خصوصاً مع صعود الدور الصيني والروسي إقتصادياً، وازدياد الضغوط على العملات المحلية التي تعيش أسوأ أزماتها منذ الإستقلال.

في هذا السياق توفر العلاقة مع حماس سياسياً ومع إيران إقتصادياً ومع روسيا إستراتيجياً قدرة الأتراك على بناء علاقات وثيقة مع هذا المحور.

 

 

[1] مسطرة مراجعة الدستور خضعت هي الأخرى لرؤية نخبوية مرتبطة أساساً بالبرلمان في دستور 1924 في المادة 102 التي استثنت النظام الجمهوري من إمكانية التعديل، بمقابل ذلك حمل دستور 1961 مجموعة من القوانين المرتبطة بنظام الجمهورية وبتاريخ الكمالية في تركيا حسب المادة 153 مواد غير قابلة للتعديل ، فيما أبقت المادة 155 على الطابع البرلماني لإمكانية مراجعة الدستور فيما جاء دستور 1982 ليضيف إمكانية اللجوء إلى استفتاء الشعب إذا رغب في ذلك رئيس الجمهورية أو لم يتدخّل في مسطرة المراجعة حسب المادة 175 من دستور 1982.