عبّاس الزين

صحافي وكاتب سياسي.

رؤية بن سلمان تتعثّر: أين الواقع من أهداف 2030؟

بعد مرور سنتين على إعلان الرؤية الاقتصادية، تبدو معالم الفشل ظاهرة وواضحة، لا في تحليل النتائج، بل في الأهداف المُعلَنة التي كان بن سلمان قد ذكرها سابقاً، والتي تُظهرها الأرقام، وما يُبنى عليها في المستقبل.

تدفع الحكومة السعودية على الصعيد الاقتصادي ضريبة ارتهانها للسياسات الأميركية في المنطقة
تدفع الحكومة السعودية على الصعيد الاقتصادي ضريبة ارتهانها للسياسات الأميركية في المنطقة

ظهر وليّ العهد السعودي، محمّد بن سلمان، على الساحة السياسية في المملكة السعودية، من بوابة الاقتصاد، عندما أطلق في نيسان العام 2016 ما عُرِف بـ"رؤية 2030"، التي تشمل أهدافاً اقتصادية واجتماعية استراتيجية، سيسعى إبن سلمان وفريق عمله إلى تنفيذها، حتى العام 2030.

حينها كان بن سلمان، وليّاً لوليّ العهد، ومع تروجين إعلاميين غربي وسعودي محلي، للرؤية وسياساتها، استطاع بن سلمان أن يسلك طريقاً، يُعتَبر وعراً نوعاً ما في السعودية، وهو طريق استلام الحُكم. إلا أن الدعم الأميركي الذي ترافق مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أزال جميع الأشواك، وأوصل إبن سلمان إلى ولاية العهد، بعد الإطاحة بجميع مُنافسيه، إما قتلاً أو سجناً أو تهديداً.

بعد مرور سنتين على إعلان الرؤية الاقتصادية، تبدو معالم الفشل ظاهرة وواضحة، لا في تحليل النتائج، بل في الأهداف المُعلَنة التي كان بن سلمان قد ذكرها سابقاً، والتي تُظهرها الأرقام، وما يُبنى عليها في المستقبل. جميع المؤشّرات، تدلّ على أن بن سلمان، يسير بسياسات تتناقض في خطواتها العملية، مع ما هو مُعلَن من الرؤية، بحيث أن فشلها بات ذاتياً، يكمن في العقلية التي تديرها.


ارتفاع معدّلات البطالة رغم "سَعوَدة القطاعات"

أبرز ما تضمّنته رؤية 2030، كان العمل على خفض معدّلات البطالة عند الشباب السعودي، لكنّ المعدّلات واصلت ارتفاعها، مسجلةً أرقاماً قياسية، عند 12.9 بالمئة في الربع الأول من العام الحالي، وفق بياناتٍ نشرتها الهيئة العامة للإحصاء في السعودية (رسمية)،  وهو المعدّل الأعلى لها على مدى تسعة عشر عاماً أي الفترة التي بدأت فيها تلك البيانات بالصدور. وقد ارتفعت معدّلات البطالة  أكثر من درجةٍ مئويةٍ منذ إعلان وليّ العهد السعودي لرؤيته، بعد أن كانت في نيسان العام 2016 حوالى 11.6%، وفق بياناتٍ صادرة عن الهيئة ذاتها.

سياسةُ سَعوَدة القطاعات، بمعنى توطينها وجعل أولوية التوظيف المُطلَقة للمواطن السعودي، لم يكن لها أيّ تأثير إيجابي في خفض معدّلات البطالة الآخذة بالارتفاع، ففي الوقت الذي تفقد فيه القطاعات العامة والخاصة معظم عامليها الأجانب وخبراتهم، فإن نسبة البطالة عند الشباب السعودي، لا تزال ترتفع، ما يشي بأن المشكلة لا تكمُن في وجود العمالة الأجنبية مكان العمالة المحلية، بل في المنهجية الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة السعودية.

وفقاً لهيئة الإحصاء السعودية (رسمية) فإن 234.2 ألف عامل أجنبي خرجوا من سوق العمل خلال الربع الأول من العام الحالي، بنسبة تراجع 2.25% في أعداد العمالة الوافدة، عن الربع الأخير من العام الماضي، وهي الفترة التي بلغت فيها نسبة البطالة رقمها القياسي الأخير.

تُطرَح تساؤلات عديدة، حول مَن يَشغل مكان العامل الأجنبي في سوق العمل؟ وهل طرد العمالة الأجنبية من الشركات يأتي ضمن سياسة السَعوَدة التي اتّبعتها الحكومة أم أنها ضمن سياسة خاصة بتلك الشركات للتقليل من الأعباء المالية في ظل الأزمة الاقتصادية؟ الأجوبة يمكن الاستدلال عليها في مقاربة ارتفاع نسبة البطالة عند الشباب السعودي، بالتوازي مع انخفاض نسبة اليد العاملة الأجنبية، الأمر الذي يتنافى بشكلٍ كاملٍ مع "رؤية 2030"، لكنه يتكامل مع أزمةٍ اقتصاديةِ تعيشها السعودية، تدفع الشركات إلى الاستغناء عن العمالة الأجنبية، بهدف التقليل من الأعباء المالية، لا لاستبدالها بعمالةٍ محليّة، كما نصّت رؤية 2030.


تعثّر طرح "أرامكو" وتباطؤ نمو الاقتصاد غير النفطي

أخذت رؤية بن سلمان على عاتقها أيضاً، التقليل من الاعتماد على الإيرادات النفطية، والذهاب باتجاه تنمية قطاعاتٍ أخرى، لا سيما وأن نمو القطاع الاقتصادي غير النفطي كان قد وصل إلى الصفر تقريباً في المملكة.

يأتي قرار خصخصة شركة "أرامكو" النفطية في هذا السياق. الحكومة السعودية أرادت بيع حصّة 5% من أصول الشركة المُقيَّمة بتريليوني دولار، لكنّ صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية كشفت مؤخّراً عن توقّفٍ تام ٍتشهده استعدادات الطرح الأولي العام للشركة، وذلك بعد عامين من التحضير، وسط شكوك قوية بعدم إتمامها نهائياً. وعلى الرغم من أن الطرح سيجلب نحو 100 مليار دولار، فإنه جلبَ معه أيضا تدقيقاً عالمياً لم يسبق له مثيل في سجلّات الشركة وتاريخها، بحسب ما نقلته الصحيفة الأميركية عن مسؤولين في الحكومة السعودية.

توقّف استعدادت طرح "أرامكو" يتزامن مع حدثين، يمكن من خلال قراءة تأثيرهما استنباط أسباب تأجيل أو إلغاء الطرح. الحدث الأول، هو قانون "العدالة ضد رُعاة الإرهاب"، المعروف اختصاراً بـ"جاستا"، الذي كان قد أقرّه الكونغرس الأميركي في سبتمبر 2016. القانون وبحسب بنوده يُقلّص حصانة الدول أو الأشخاص الأجانب، ويعطي صلاحيات للمحاكم الأميركية، بالنظر في قضايا ودعاوى تُرفَع ضد دولة أجنبية كانت لها علاقة بأحداثٍ إرهابية، ما يُتيح لأهالي ضحايا 11 سبتمبر 2001، بمُقاضاة مسؤولين سعوديين أمام القضاء الأميركي، انطلاقاً من المشاركة السعودية فيها، الأمر الذي شكّل تهديداً مباشراً للمصالح الاقتصادية السعودية في الولايات المتحدة، ومن ضمنها طرح "أرامكو" للاكتتاب، لا سيما وأن بورصة نيويورك كانت المرشّحة الأبرز لإدراج أسهم عملاق النفط السعودي فيها.

الحدث الثاني، يتمثّل بالضغوطات  التي مارسها الرئيس الأميركي مؤخراً على السعودية، لزيادة إنتاجها النفطي، بهدف تعويض انخفاض الإنتاج النفطي الإيراني في السوق العالمية، بعد فرض العقوبات الأميركية على طهران. ففي الوقت الذي تسعى فيه الرياض، إلى دعم أسعار النفط، والوصول إلى أعلى سعر مُمكن، من خلال اتفاقات خفض الإنتاج، فإن زيادة إنتاجها النفطي ستؤدّي إلى انخفاض الأسعار العالمية، وهو ما سيؤثّر على سعر أسهم "أرامكو" المُدرَجة للبيع في البورصة، وسيُقلّل من نسبة الأرباح.

في المقابل، سجّل نمو القطاع الخاص السعودي غير النفطي أدنى مستوى له في نيسان الماضي، منذ آب 2009. وبحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية الاقتصادية، فإن نموّ الاقتصاد غير النفطي في السعودية، لم يتخطَّ أكثر من 0.6%، وهو رقم ضئيل جداً بالنسبة إلى خطط "الحكومة الطموحة"، ما يجعل الرؤية القائمة على تنوّع الاقتصاد السعودي والابتعاد عن الإيرادات النفطية كمصدرٍ وحيدٍ لتعزيز وضع المالية العامة فاشلة حتى الآن.


تهوّر سياسات إبن سلمان الداخلية وهروب المُستثمرين

تفتقر الحكومة السعودية لمقوّمات قيادة عناصر  الاقتصاد غير النفطي، بسبب اعتمادها التاريخي على الإيرادات المالية السهلة والسريعة من المبيعات النفطية، بالإضافة إلى غياب الإدارة القادِرة أو الراغِبة في تنفيذ خطط التنوّع الاقتصادي. إلى جانب ذلك، شكّل التهوّر السياسي غير المسبوق، لوليّ العهد محمّد إبن سلمان، والذي أطاح بثقة المُستثمرين في الاقتصاد السعودي، العامل الأبرز المؤثّر على نمو الاقتصاد السعودي غير النفطي.

خلال الأشهر الماضية، اعتقل وليّ العهد، عشرات الأمراء ورجال الأعمال ممّن لديهم تأثير اقتصادي ومالي كبير، ليس فقط سعودي محلي، بل دولي، مثل الوليد بن طلال وغيره من رجال الأعمال ضمن الأسرة الحاكِمة وخارجها. وأطلق بن سلمان في ما بعد سراح معظمهم، بعد مساومة حريّتهم مقابل جزء من أموالهم أو أسهمٍ في شركاتهم أو تنازُلاتٍ سياسية.

حملة الاعتقالات التي أدارها بن سلمان بدعمٍ ضمني من الرئيس الأميركي، نتج منها هروب المستثمرين بأموالهم خارج المملكة، بالتوازي مع مخاوف دولية من الاستثمار داخلها. في الفترة التي تلت الحملة بدأ أغنياء السعودية بنقل ثرواتهم  خوفاً من الوقوع في قبضة السلطة، حيث أن عدداً من أثرياء المملكة باعوا حصصهم الاستثمارية الموجودة حتى في بقيّة دول الخليج، بينما أجرى بعضهم مُحادثات مع البنوك ومديري الأعمال لنقل الأموال خارج البلاد، في حين قامت شركات أجنبية عديدة بتأجيل مشاريعها الاستثمارية داخل المملكة أو بإلغائها.

ونذكر في هذا المجال، أن رؤية 2030 تهدف إلى رفع نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من إجمالي الناتج المحلي من 3.8% إلى المعدّل العالمي و هو 7.5%،  إلا أن حملة الاعتقالات تسبّبت في توقّف الكثير من المشاريع الاستثمارية، وإحجام الشركات الأجنبية عن توظيف رؤوس أموالها في مشاريع جديدة داخل المملكة، ما أدّى إلى انخفاض نسبة الاستثمارات الأجنبية. ووفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي صدرت في يونيو الماضي، فإن تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر انخفضت إلى 1.4 مليار دولار في 2017 من 7.5 مليار دولار في 2016، ومن 12.2 مليار دولار في عام 2012 في أدنى مستوى لها منذ 14 عاماً، في حين أن المرحلة الأولى من الرؤية تقتضي زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 18.7 مليار دولار بحلول الـ 2020!


استثمار الحكومة في قطاعات إنتاجية خارجية:

إلى جانبٍ التهوّر الذي اتّبعه بن سلمان في سياسته الداخلية، فإن مئات مليارات الدولارات استثمرتها السعودية خلال السنتين الأخيرتين، داخل الولايات المتحدة، في القطاعات كافة، لا سيما العسكرية منها، كما ظهر في لقاء وليّ العهد السعودي، محمّد بن سلمان، مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في آذار الماضي، حين استعراض الأخير للأسلحة التي بدأت الشركات الأميركية بتصنيعها للسعودية، معتبراً أن الأموال التي تدفعها السعودية لقاء ذلك مجرّد "فُتات"، وهو ما قابله إبن سلمان بابتسامةٍ، تخفي خلفها مشاركته المباشرة في جريمة تدمير الاقتصاد السعودي!

مئات المليارات السعودية تُستثمَر في القطاعات الأميركية، لا في قطاعات إنتاجية داخل المملكة، تسرّع الحركة الاقتصادية. وليس من قبيل الصدفة، أن يقابل ارتفاع نسبة البطالة في السعودية لأرقامٍ قياسية، انخفاض النسبة داخل الولايات المتحدة لأرقامٍ قياسية أيضاً، وصلت إلى 3.9% في نيسان الماضي. هذا يُعيدنا إلى ما قاله ترامب فور وصوله الولايات المتحدة، بعد زيارته السعودية في آب من العام الماضي. ترامب خاطب في حينها الأميركيين عبر "تويتر" بالقول: جئتكم بالوظائف! في إشارةٍ للعقود التي أبرمها مع السعودية، والتي وصلت إلى 450 مليار دولار، والتي سيتم استثمارها في القطاعات الإنتاجية الأميركية، في الوقت الذي كانت ترتفع فيه نسبة الشباب العاطل عن العمل داخل المملكة، لعدم توفّر قطاعات إنتاجية قادرة على احتضانهم.


هل سيبقى للنظام ما يدفعه لقاء الحماية الأميركية؟

تدفع الحكومة السعودية على الصعيد الاقتصادي، ضريبة ارتهانها للسياسات الأميركية في المنطقة. "الرشاوى" المالية التي تحصل عليها واشنطن مقابل حمايتها النظام السعودي، باعتراف الرئيس الأميركي نفسه، تثقل كاهل الاقتصاد السعودي برمّته، وتجعل المشاريع التي أعلن عنها إبن سلمان،  مجرّد أوهامٍ لا يمكن تطبيقها.

إذًا، البطالة، الفقر، الركود الاقتصادي، هروب المستثمرين وغيرها من الأزمات. تلك نتائج السنة الأولى لتوليّ محمّد بن سلمان، ولاية العهد، ونتائج سنتين من رؤية 2030. وفيما تأخذ النتائج السلبية اتجاهاً تصاعدياً، مع عدم وجود حلولٍ عملية، لدى الحكومة السعودية، فإن كل هذا لم يمنع وليّ العهد مؤخراً، من تعيين الألماني-الأميركي، كلاوس كلاينفيلد، الذي يحظى بماضٍ من الفضائح والفساد والرشا، مستشاراً له. في تماهٍ واضحٍ بين السيرة الذاتيه للمستشار، وسياسة إبن سلمان الاقتصادية.

الثابت الوحيد، وسط دوّامة الأزمات الاقتصادية التي تتّسع، أن محمّد بن سلمان، مستعد لأيّ شيء، مقابل الحفاظ على ملكه وسلطته، وهذا الـ"أي شيء"، وحده ترامب مَن يحدّده، لا بل يأمر به. دخول بن سلمان الحياة السياسية في المملكة وتولّيه الحُكم على بساط "رؤية 2030 " السحري، سيضعه في مواجهةٍ مع التأثيرت الاقتصادية الكارثية لتلك الرؤية ولسنوات حُكمه، إذا ما استمر في سياسته الاقتصادية على هذا المنوال الاستنزافي، في بلدٍ تخلّى عن الاقتصاد الريعي لصالح فرض الضرائب، التي دخلت حيّز التنفيذ مع بداية العام الحالي، وقد طالت الحاجيات اليومية للمواطن السعودي، ومنها القطاع النفطي الذي تُعتَبر السعودية المُنتِج الأكبر له عالمياً، حيث قرّرت السلطات السعودية مع بداية العام الحالي رفع أسعار البنزين بنسب تراوحت بين 82 و126%. وبالتزامُن مع رفع أسعار الوقود بدأت المملكة، تطبيق ضريبة القيمة المُضافة بواقع 5% على مجموعةٍ كبيرةٍ من السلع والخدمات.

بناءً على ما تقدّم، واستناداً إلى السياسة الاقتصادية المُدمّرة التي يعتمدها بن سلمان، غير آبهٍ بالمواطن السعودي ومستقبله، هل ستكون الولايات المتحدة قادرة على حماية النظام السعودي حتى العام 2030 من الغضب الشعبي والصراعات الداخلية داخل الأسرة الحاكِمة؟ أو هل سيبقى لدى هذا النظام وأركان حُكمه، ما يعطوه للولايات المتحدة لقاء تلك الحماية؟

أسئلة جديرة بالمُراقبة، خلال الفترة المُقبلة، في ظلّ الإخفاقات السياسة للنظام السعودي على الصعيد الإقليمي، بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تعيشها المملكة. عوامل عديدة ومُترابِطة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي، ممكن أن تسلب من النظام السعودي دوره الوظيفي في المنطقة، تحت الحماية الأميركية.