عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

ما الذي حدث لثروة بن علي وعائلته؟

أعلنت قناة "لا ليبر بلجيكا" أن هناك أكثر من 10 مليارات يورو من أصول الليبيين المجمَّدة قد اختفت وهي عملية يلفّها الكثير من الغموض بالنظر  إلى طبيعة الحسابات التي اختفت منها الأموال وهي حسابات مُجمَّدة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول جدّية البنوك الأوروبية في تجميد الأموال وإعادتها إلى الدول المعنية. كما أن عملية استرجاع الأموال من البنوك الأوروبية تبقى مسألة مُعقَّدة جداً ومُتشعّبة مثلما وصفها المنسّق المقيم للأمم المتحدة في تونس وهو يؤكّد التساؤلات المطروحة حول مدى تعاون الجهات الأجنبية في مسألة إعادة الأموال.

قيمة الأموال المهرَّبة من تونس بين سنتني 1987 و2011 تقدَّر بـ33.9 مليار دولار
قيمة الأموال المهرَّبة من تونس بين سنتني 1987 و2011 تقدَّر بـ33.9 مليار دولار

لا يزال التونسيون يتذكّرون جيّداً تلك المشاهد التي عرضها التلفزيون الرسمي لأموال قيل أنها للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعائلته كانت مُخبأة في القصر الرئاسي. المشاهد تم عرضها عندما زار فريق من الهيئة العُليا المستقلة لتقصّي الحقائق حول الرشوة والفساد إبان الثورة قصر الإقامة الخاص ببن علي في منطقة سيدي ظريف المحاذية للقرية السياحية في سيدي بوسعيد للاطّلاع على محتوياته، مشاهد لأموال من جميع العملات قُدِّرت بمئات آلاف الدولارات، ألماس، ذهب، هدايا من رؤساء و ملوك إلى جانب الأحجار الكريمة التي وجِدت هناك. أثارت المشاهد دهشة جانب من التونسيين لكنها دفعت جانباً آخر للتساؤل حول معقولية أن يترك الرئيس السابق سيولة بهذا الحجم في قصره، لكنّ جانباً آخر ذهب أكثر من ذلك إلى اتّهام هيئة تقصّي الحقائق بافتعال أشياء من أجل التظاهُر بكشف الحقائق. منذ ذلك الوقت بدأ الجدل يتضاعد حول مقدار ثروة بن علي وعائلته. جزء كبير من هذه الثروة لا يزال في البنوك الأوروبية مثلما هي الحال مع الكثير من الدول مثل ليبيا، فيما نجحت بعض الدول في استرداد غالبية أموالها المجمَّدة في الخارج مثل الفيلبين والبيرو ونيجيريا.


قرار المصادرة و المرسوم عدد 13

بعد شهرين من هروب الرئيس الأسبق أصدرت الحكومة التونسية مرسوماً يقضي بمُصادرة أملاك كل مَن ذُكِر إسمه في المرسوم، شمل المرسوم أكثر من 114 شخصاً وهم عائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وبعض من رجال الأعمال الذين لهم علاقة وثيقة بالعائلة الحاكِمة وقتها. تكوّنت لجنة سُمّيت في ذلك الوقت باللجنة الوطنية لتقصّي الحقائق حول الرشوة و الفساد، وذلك للبحث في مدى عُمق الفساد الذي نَخَر الدولة التونسية على مدى 23 سنة.

في مارس آذار 2011 فوجيء التونسيون بمشاهد من داخل قصر الإقامة في سيدي ظريف لأموالٍ وكمياتٍ كبيرةٍ من الذهب والمعادن النفيسة، اكتشفتها الهيئة قُدِّرت بـ171 مليون دولار، لكن المحامي عماد الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق أنيس بوغطاس أكّد لرصيف 22 أن ما تمّ تصويره هو بمثابة مسرحية سيِّئة الإخراج وذلك لإثبات أن الهيئة تقوم بعملها على أكمل وجه "هذه مسرحية.. لا يمكن للرئيس السابق أن يضع ثروة بذلك الحجم داخل قصره، فيما سيحتاجها؟ فيما سيحتاج سيولة بذلك الحجم؟"، لكن أحد أعضاء اللجنة المحامي عماد بالخامسة يردّ على هذا الاتّهام، بالخامسة الذي رفض الظهور في وسائل الإعلام منذ 2011 تمكّننا بعد جهد كبير من إقناعه بالحديث لرصيف 22 يعتقد أن مَن يتّهم اللجنة بصناعة الأحداث لا يعي تماماً الظرف الذي كانت تعيشه تونس في ذلك الوقت "لقد كان كل شي تحت الراقابة في ذلك الوقت، البنك المركزي تحرسه تشكيلات أمنية من كل الاختصاصات، فكيف يمكن الدخول إلى البنك المركزي وحمل أموال من هناك إلى قصر الرئاسة من أجل أن تأتي اللجنة وتكتشفها، لقد تطلَّب الأمر 4 ساعات فقط لفتح خزنة الأموال لأننا لم نكن نمتلك الرقم السرّي".

تأسّست اللجنة بموجب مرسوم مؤرَّخ في 18 شباط/ فبراير وهي معنية بالتقصّي في عمليات الفساد والرشوة طيلة عهد بن علي، وقد تمكّنت من العثور على رقم حساب مُشفَّر في لبنان تمتلكه زوجة الرئيس السابق ليلى الطرابلسي يحتوي على أكثر من 8 ملايين دولار، و قد تمكّنت تونس من استرجاع المبلغ في سنة 2013.


ماهي قيمة الأموال التي تركها بن علي و عائلته

بعد إقرار المنشور عدد 13 المعني بمُصادرة أملاك بن علي و عائلته، تأسّست اللجنة الوطنية للتصرّف في الأملاك والأموال المعنية بالمصادرة في 14 تموز/ يوليو سنة 2011، تتكوّن أساساً من الوزراء (وزير المالية، وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية ووزير العدل ومحافظ البنك المركزي ...) تمكّنت اللجنة من حَصْر ِ ما يعتبره البعض حصراً نهائياً للممتلكات:

قائمة الأملاك المصادَرة

الوحدة

عدد قرارات المصادرة

نوع الممتلكات

486 شركة مصادرة

736  قرار مُصادَرة

الشركات المصادَرة

لم يتم تحديد قيمتها

461 قرار مُصادَرة

العقارات

82.588 مليون دولار

55 قرار مُصادَرة

المحافظ المالية

370 مليون دولار+ 41 لم يتم التفويت فيها إلى الآن

100 قرار مُصادَرة

السيارات

285 مليون دولار

100 قرار مُصادَرة

السيولة المصادَرة

لم يتم تحديد قيمتها

27 قرار مُصادَرة

المنقولات

495 مليون دولار

---------------

الديون

المصدر : اللجنة الوطنية للتصرّف في الممتكلات و الأموال المصادَرة


تناقُص ثروة بن علي و عائلته : فساد أم إهمال؟

عند بداية البحث في هذا الموضوع كان سؤال بعينه يُفتّش عن إجابةٍ، هل هناك هيئة أو وزارة أو تقرير تمكّن من إحصاء ثروة بن علي وعائلته كاملة؟ في إجابته على هذا السؤال يقول أنيس بوغطاس "لا يمكن حَصْر ثروة بن علي لأنه لا توجد إرادة سياسية لإحصاء هذه الثروة، الإحصاء الذي قامت به لجنة المصادَرة منقوص كما لم تقم اللجنة باختبارات حقيقية لتقييم المنقولات".

من جهة  أخرى يعتقد المحامي عماد بالخامسة أن التعاطي مع الأملاك المصادَرة كان بأيادٍ مُرتعِشة ما أفقد الدولة ثروات طائلة وتسبَّب في انهيار قيمة الممتلكات المصادَرة كما أن أحد القصور أصبح مرتعاً للمجرمين وقطّاع الطُرق.


يُضيف بالخامسة "كان من الأجدى تعيين أكّفاء على رأس الشركات المصادَرة لتنميتها وتطويرها بدل مؤتمنين عدليين ومتصرّفين قصائيين ليسوا أصحاب اختصاص، اليوم هناك العديد من الشركات أفسلت، العديد من السيارات التي لم يتم التفويت فيها وفقدت نسبة كبيرة من قيمتها، اليخوت التي تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات قد نخرها الملح في الموانئ، هناك ملفات أحلناها على القضاء لم يتم البتّ فيها حتى الآن".


أحد أعضاء منظمة أنا يقظ وهي منظمة تختصّ في مكافحة الفساد، يوسف بن بلقاسم قال لرصيف 22 إن رئيسة لجنة المصادرة السابقة أكّدت أن المصالح الحزبية قد طغت على أعمال المصادَرة، حتى أن هناك حرباً خفيّة بين أكبر حزبين في البلاد من أجل السيطرة على بعض الضيعات. كما أكّد بن بلقاسم أن أعمال المصادَرة والتصرّف والتسيير في الأملاك قد شابها العديد من عمليات الفساد أهمها ما تورَّط به مدير شركة "كروس تورز" الشركة المعنية بالتصرّف في السيارات المصادَرة والذي تمّت إقالته ويواجه اليوم قضايا فساد.


قرير دائرة المحاسبات : فساد في الأملاك المصادَرة

في تقريرها رقم 30 رصدت دائرة المحاسبات بعض الإخلالات والإشكاليات إضافة إلى سوء تصرّف قد يرقى فساداً، كما أكّدت دائرة المحاسبات أن لجنة المصادَرة لم تتمكّن إلى حدود 2016 من مصادرة جميع الأملاك المعنية بالمصادَرة، ويقول التقرير في مقدّمته "لم تتوصّل لجنة المصادَرة إلى موفى شهر فيفري 2016 إلى مصادرة كل الأملاك المعنية بالمصادَرة حيث لم تتم مصادرة 27 عقاراً و4 سيارات ومساهمات في رأس مال 11 شركة وأرصدة بنكيّة بما قيمته 900 ألف دولار، وأدّى التأخير في إصدار بعض قرارات المصادَرة إلى تفويت أشخاص معنيين بالمصادَرة في ممتلكات من دون وجه حق شملت 5 عقارات بقيمة 130 ألف دولار وحصصاً في 3 شركات بلغت إحداها 79 ألف دولار و13 سيارة، فضلاً عن سحب مبالغ مالية من الحسابات البنكيّة بما قيمته 88 ألف دولار"، هذا إضافة إلى أن لجنة المصادَرة لا تمتلك معلومات شاملة ومحينة تخصّ الممتلكات المصادَرة التي تُعدّ 541 عقاراً و142 سيارة و18 يختاً، ما جعلها غير قادرة على تأمينها ما تسبَّب في تعرّض البعض منها إلى التخريب. استنتاجات يؤيّدها المحامي أنيس بوغطاس "أعتقد أن أكبر فساد عاشته تونس هو الفساد في الأملاك المصادَرة".


رغم ذلك فإن الهيئة العُليا لمكافحة الفساد لم تستقبل أيّ ملف يتعلّق بالفساد في الأملاك المصادَرة حسب ما أكّدته عضوة الهيئة نعيمة بوليلة لرصيف 22.



الأموال المهرَّبة إلى الخارج

لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للأموال المهرَّبة، في هذا أيضاً لم تتمكّن الدولة التونسية على مدى 7 سنوات من حصر الأموال المهرَّبة إلى الخارج التي يمتلكها الرئيس الأسبق وعائلته، لكنّ تقريراً لمنظمة النزاهة المالية العالمية Global Financial Integrity صدر في ديسمبر 2015  أكّد أن قيمة الأموال المهرَّبة من تونس بين سنتني 1987 و2011 تقدَّر بـ33.9 مليار دولار وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية التونسية.

ويشير التقرير إلى أن تونس تحتل المرتبة 57 عالمياً في قيمة الأموال المهرّبة، حيث يتم تهريب 1600 مليون دولار سنوياً. وقد تقدّمت تونس بشكايات إلى عدّة دول لتجميد هذه الأموال، وقد تمت إعادة التجميد أكثر من ثلاث مرات إلا أن تونس لم تحرز تقدّماً في استرجاع هذه الأموال، ويقول عضو منظمة أنا يقظ يوسف بن بلقاسم "لا يوجد حصر للأموال الموجودة في الخارج والتي تعود للدولة التونسية، سينتهي التجميد في جانفي 2019 وإذا لم تتحرّك الدولة لإعادة التجميد ستعود هذه الأموال إلى بن علي وعائلته".

خلال هذا البحث ورغم كميّة التقارير التي تمّ إصدارها في هذا الغرض إلا أنه لا توجد وثيقة رسمية تحتوي على تقييم شامل لجميع ممتلكات بن علي وعائلته داخل تونس، إلا أن منظمة الشفافية الدولية قدَّرت في سنة 2014 ثروات أسرة بن علي خارج تونس بـ13 مليار دولار يمتلك الرئيس  الأسبق وحده خمسة مليارات دولار منها إلا أن تونس لم تستردّ حتى اليوم شيئاً منها.


هل هناك تعاون من الجهات الأجنبية لإعادة الأموال؟

تخضع الحسابات البنكيّة الثقيلة إلى تراتيب مُعقّدة في الدول الأوروبية ما يعني أن تجميدها أيضاً يخضع لتراتيب مُعقّدة وأهمّها مدى القوّة القانونية للملف المقدَّم من الدولة الضحية لإثبات أن هذه الأموال فاسدة. لكن التجميد هو مرحلة أولى من مراحل أخرى، يليها الاسترجاع وهو مسلسل طويل يفرض على الدول التي تتبع أموالها.

ليبيا مثلاً وحسب تصريحات رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج لوكالة سبوتنيك الروسية وصل حجم الأموال المجمّدة في الخارج إلى ما يُقارب 67 مليار دولار. في حين يقول تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إن قيمة الأموال المهرّبة من تونس ومصر وليبيا واليمن تُقدّر بـ152 مليون دولار تم استرجاع ملياري دولار فقط، ويقول التقرير في أحد نقاطه إن أسباب بطء استرجاع الأموال يعود إلى غياب التعاون من قِبَل الجهات القضائية الدولية، كما تسعى الدول التي تحتوي على الأموال المجمَّدة إلى تأخير إرجاع الأموال إلى أكثر من 10 سنوات قبل أن تُعيدها بشكلٍ رسمي.

لكن الأغرب ما أعلنته قناة "لا ليبر بلجيكا" أن هناك أكثر من 10 مليارات يورو من أصول الليبيين المجمَّدة قد اختفت وهي عملية يلفّها الكثير من الغموض بالنظر  إلى طبيعة الحسابات التي اختفت منها الأموال وهي حسابات مُجمَّدة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول جدّية البنوك الأوروبية في تجميد الأموال وإعادتها إلى الدول المعنية. كما أن عملية استرجاع الأموال من البنوك الأوروبية تبقى مسألة مُعقَّدة جداً ومُتشعّبة مثلما وصفها المنسّق المقيم للأمم المتحدة في تونس وهو يؤكّد التساؤلات المطروحة حول مدى تعاون الجهات الأجنبية في مسألة إعادة الأموال.


دول نجحت نسبياً في استعادة أموالها

الأسبابٍ داخلية أيضاً تتعلّق بالإرادة السياسية وعدم جدّية مساعي استرجاع الأموال لم تحرز الدول العربية نجاحاً في استعادة أموالها، إلا أن دولاً أخرى نجحت إلى حدٍ نسبي في استعادة أموالها مثل الفيلبين التي نجحت في رفع عدّة دعاوى في المحاكم السويسرية من أجل استرداد أموال الرئيس السابق فرديناند ماركوس. وقد سعت الفيلبين إلى إثبات أن أصول ماركوس كانت ناجمة عن اختلاس ونهب الخزينة العامة، و في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1997 أيّدت المحكمة العُليا الاتحادية السويسرية طلب كوسندى. وفي نيسان/ إبريل 1998 تم نقل الودائع من سويسرا إلى حساب الضمان في البنك الوطني الفيلبينىي، وهو ما جعل المحكمة العليا الفيلبينية تُصدِر قراراً بمُصادرة ما يتعلّق بودائع ماركوس في سويسرا.

ونجحت هذه الخطوات بتحويل 624 مليون دولار إلى مكتب وزارة المالية الفيلبينية كجزء من ودائع ماركوس في الخارج وذلك في عام 2004.

بعد التقرير الذي نشرته منظمة النزاهة العالمية والذي يُثبت من دون أدنى شك تواصل تهريب الأموال من دولٍ عديدة في العالم تعاني مشاكل اقتصادية مثل تونس التي يُهرَّب منها ما يُقارب الـ 1.6 مليار دولار سنوياً، مصر 3.9 مليار دولار وليبيا 1.18 مليار دولار. أصبح من الواضح  الآن أن الأولوية لمكافحة تهريب الأموال ما يجعل عملية استعادة الأموال المجمَّدة تصبح أكثر صعوبة.