أحلام بيضون

أستاذة جامعية وباحثة في القانون الدولي

رؤية قانونية في قضية خاشقجي

ليس جمال خاشقجي أول إعلامي، أو سياسي، أو حتى إنسان بريء يتعرّض لجريمة قتل أو اغتيال، إنما لجريمة خاشقجي خصوصيّتها ومُلابساتها وظروفها التي جعلت الرأي العام العالمي يستبشعها، ويجعل وسائل الإعلام تتناولها كحدثٍ رئيسي طيلة عشرين يوماً، منذ وقوعها حتى الآن، وإلى وقت آخر غير محدّد بعد، طالما أن حقائق ما جرى حتى الأساسية منها لم تنجلِ بعد. فما هي خصوصيّتها، ومُلابساتها، وظروفها؟

لجريمة خاشقجي خصوصيّتها ومُلابساتها وظروفها التي جعلت الرأي العام العالمي يستبشعها (أ ف ب)
لجريمة خاشقجي خصوصيّتها ومُلابساتها وظروفها التي جعلت الرأي العام العالمي يستبشعها (أ ف ب)

ليس جمال خاشقجي أول إعلامي، أو سياسي، أو حتى إنسان بريء يتعرّض لجريمة قتل أو اغتيال، إنما لجريمة خاشقجي خصوصيّتها ومُلابساتها وظروفها التي جعلت الرأي العام العالمي يستبشعها، ويجعل وسائل الإعلام تتناولها كحدثٍ رئيسي طيلة عشرين يوماً، منذ وقوعها حتى الآن، وإلى وقت آخر غير محدّد بعد، طالما أن حقائق ما جرى حتى الأساسية منها لم تنجلِ بعد. فما هي خصوصيّتها، ومُلابساتها، وظروفها؟

1-خصوصيّة الجريمة

حصلت الجريمة داخل قنصلية بلد المَجني عليه، ما يثير مسائل قانونية تتعلّق بموضوع حرمة المقار الدبلوماسية، وتطرح قضية مشروعيّة اقتحامها.

من المعروف أن وضعيّة السفارات والقناصل مرعية باتفاقيتيّ فيينا لعام 1961 وعام 1963، واللتان تمنحان الحصانة للدبلوماسيين، والموظّفين الرسميين، ووسائل نقلهم، وبيوتهم، ومقر القنصلية والسفارة، والحقائب الدبلوماسية. والحصانة الدبلوماسية تعني أنه لا يجوز اقتحام المقار الدبلوماسية والقنصلية، ولا توقيف أو عرقلة أعمال الدبلوماسيين، وذلك من باب حفظ العلاقات الطيّبة بين الدولتين المعنيتين، واحتراماً لمبدأ السيادة، وعملاً بمبدأ التعامل بالمثل، ولأن القنصلية أو بيت السفير أو القنصل تتبع نظرياً لسيادة الدولة الضيفة، وبالتالي تخضع لقوانين ذلك البلد، من دون أن يعني ذلك انتهاك قانون البلد المضيف، أو القانون الدولي.

ويطلب فوق ذلك من الدولة المُضيفة أن توفّر الحماية للمقار المذكورة، ولأشخاص الدبلوماسيين، ووسائل تنقّلهم وحقائبهم. ولا يسمح للبلد المُضيف أن يدخل المقار الدبلوماسية أو القنصلية إلا بإذن الدولة الضيفة. بالإضافة لذلك هم يتمتّعون بالحصانة القضائية، أي التي تجعلهم بمنأى عن الملاحقة.

ولكن ماذا لو أن سلطات البلد المُضيف علمت أو اشتبهت بأن جريمة ما قد وقعت داخل مقر دبلوماسي؟ هل يحقّ لها التدخّل أو لا؟ وهل يحقّ لها توقيف الجناة أو المشتبه بهم؟ وإذا حق لها ذلك هل يحق لها محاكمتهم، ومن ثم معاقبتهم؟

إن الإشتباه بحصول جريمة داخل جدران المقر الدبلوماسي، يسمح للسلطات المحلية بالتنسيق مع سلطات الدولة الضيفة، أو صاحبة التمثيل، بأن تجري التحقيقات اللازمة، وتقوم بالإجراءات المطلوبة. ولكن ماذا يحصل لو رفضت الدولة صاحبة المقر التعاون، ورفضت السماح لسلطات الأقليم بالقيام بالإستقصاءات والتحقيقات التي تتطلّب دخول المقر لتعقّب الجريمة والمجرمين؟

في هذه الحال الأخير، يطلب من الدولة الضيفة أن تقوم هي بنفسها بذلك، فإن تقاعصت أو تمنّعت، فإن المسألة ستتعقّد ويمكن أن يؤدّي ذلك إلى نزاع بين الدولتين، وقَطْع العلاقات الدبلوماسية وطَرْد الدبلوماسيين.

في حال خاشقجي تمنّعت السلطات السعودية أول الأمر، ثم لم تلبث أن سمحت للسلطات التركية بالدخول، وذلك تحت ضغط الرأي العام الدولي، وتدخّل الدول التي لها تأثيرها على حكّام السعودية، ولأن السلطات المعنية في ذلك البلد، كانت تظنّ، أن المسرحية المنفّذة والتي تضمّنت قتل خاشقجي وإخفاء جثمانه، قد تجعل مهمّة الأتراك فاشلة في بحثهم عن الأدلّة في اختفاء الرجل، أو التحقّق مما حصل.

النقطة الثانية ذات الأهمية هو أن خاشقجي مواطن سعودي، وأكثر من ذلك هو شخصية رسمية، أي أنه شغل سابقاً عدّة مناصب رسمية، بما فيها منصب سفير، وما تعرّض له حصل داخل قنصلية بلاده، وعلى أيدي سعوديين. تذرّعت السلطات السعودية بهذه النقطة لتجعل من نفسها المعنية الأولى والأخيرة بقضية خاشقجي، فهل يحقّ لها ذلك؟ وإذا كانت قد سمحت للمحقّقين الأتراك بدخول قنصليتها للتأكّد من عدم وجود خاشقجي داخلها، فلأنها كان تعرف أن خاشقجي لم يعد موجوداً فعلاً فيها، بالمقابل فقد تأخّرت حتى تسمح لذات السلطات بدخول بيت القنصل الذي اشتبه بإخفاء الجثة أو بعض أجزائها فيه.

يكون الجواب، أن المقار الدبلوماسية رغم أنها تُعتَبر تابعة للدولة الضيفة نظرياً، وتطبّق فيها قوانينها الوطنية، غير أن ذلك لا يعني أن تلك المقار والأرض المُقامة عليها، تنفصل تماماً عن اقليم الدولة الأمّ، أيّ الدولة المُضيفة، بل هي تبقى خاضعة لسيادة تلك الدولة، لذلك يحق للدول المُضيفة، أن تطرد ساعة تشاء الدبلوماسيين وتعلنهم أشخاصاً غير مرغوب بهم من دون أن تعلن الأسباب. أما عن مقر السفارة فهو لا يمنح الحصانة إلا لتسهيل عمل الدبلوماسيين. وشرط احترام قوانين البلد المُضيف، وقواعد القانون الدبلوماسي وغيرها من قواعد القانون الدولي.

بناء عليه ليس مسموحا أن تتحوّل المقار الدبلوماسية والقنصلية إلى مكان لارتكاب جرائم فظيعة، وتبقى محميّة بالقانون الدولي. من هنا يحقّ للسلطات التركية إجراء التحقيقات اللازمة، لتعقّب الجريمة والمجرمين، حتى لو كانوا الدبلوماسيين أنفسهم، وحتى محاكمتهم، إنما تعطى الأولوية للدولة الضيفة بأن تنفّذ العقوبة التي تصدر نتيجة حُكم محكمة الدولة المُضيفة. غير أن المسألة هنا لا تتعلّق بالدبلوماسيين أنفسهم، بانتظار التحقيق وجلاء دور القنصل وغيره في تلك الجريمة. إلى ذلك الحين، فإن أشخاصاً عسكريين برُتَبٍ عالية يتبعون لأجهزة المخابرات السعودية والأمن الداخلي، أُحصي منهم خمسة عشر شخصاً، هم من جاؤوا خِلسة إلى تركيا، وهذا بحد ذاته يُعتبر عدواناً على أمن ذلك البلد وانتهاكاً لسيادته، وقد قاموا بارتكاب جريمتهم وغادروا.

من هنا نحن أمام جريمتين الأولى تتعلّق باستدراج شخص مدني وقتله داخل حرَم القنصلية، والثانية تتعلّق بانتهاك سيادة بلد صديق.

بالنسبة للجريمة الأولى، هي جريمة موصوفة، تُعتَبر الدولة السعودية معنية كون الضحية يحمل جنسيتها، وكون المجرمين، الفاعلين يحملون جنسيتها، وكونها حصلت داخل قنصليتها في إسطنبول.

الدولة التركية معنية فيها بقدر ما تشكّل جريمة ضدّ الإنسانية، وبقدر ما تشكّل انتهاكاً لقوانينها الوطنية، ولمبادئ القانون الدولي، وخرقاً لانتظامها العام.

كذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية معنية بها، كون جمال خاشقجي كان لاجئا سياسياً فيها، وكونه أحد العاملين في إحدى صحفها الرئيسية، وعليها حمايته، وعدم تسليمه أو إرساله إلى مكان يشكّل خطراً عليه.

والسلطات البريطانية معنيّة فيها، كون خاشقجي يحمل جنسيتها.

كما أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي معنيان فيها، كونها تشكّل انتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان، ولقواعد القانون الدولي الخاص والعام.

بالنسبة للجريمة الثانية فإن تركيا تُعتَبر المعنية الأولى كون ذلك يشكّل انتهاكاً لسيادتها، وقوانينها الوطنية،

والقانون الدبلوماسي، وقواعد القانون الدولي العام.

كذلك فإن الأمم المتحدة معنية بها، كونها تُسيء إلى القانون الدولي، وتضع القانون الدبلوماسي والعلاقات الدولية في خطر، وتعرّض الأمن والسلم الدوليين للتهديد كونها تحتمل نشوب نزاع بين الدولتين المعنيتين مباشرة أي السعودية وتركيا.

2-ملابساتها

قضية خاشقجي هي أبعد من عمل فريق من المخابرات والأمنيين السعوديين، إذ يظهر من المُعطيات الأولية، ومن سياق الأحداث، أن أكثر من جهة ضالِعة بالجريمة. لقد جرى توجيه خاشقجي من سفارة بلاده في الولايات المتحدة إلى قنصلية بلاده في تركيا، كذلك الأمر قد تم توجيهه إلى تركيا من قِبَل قنصلية بلاده في لندن.

هنا تثار مسألتان، الأولى تتعلق بالسلطات السعودية، وتؤكّد على تدبير أمر ما لخاشقجي بسبب انزعاج معيّن من شخصه، وهو مَن شغل مستشاراً سابقاً في جهاز المخابرات، ومَن شغل مناصب دبلوماسية وسياسية رفيعة، وبالتالي هو يحمل حقيبة من الأسرار، بالإضافة إلى أنه كان بصدد إنشاء حزب يُسمّى "الديموقراطية للبلاد العربية"، وفضائية تسمّى "صوت العرب"، كان مُنتظراً أن تنافس الجزيرة من حيث الأهمية، وكان في المراحل الأخيرة لتشكيل ذلك. وهذا بطبيعة الحال لن يستسيغه حاكم كمحمّد بن سلمان الذي لا يتحمّل أيّ رأي معارِض ولو كان بسيطاً، فكيف لو كان على هذا المستوى، وتدعمه قطر دولة يعتبرها عدوّة له.

إن توجية جمال خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول، تعتبر قرينة قوية على أن الأمر كان مُخطّطاً له، فقد حدّد مسرح الجريمة، وحدّد الهدف، وحدّد التاريخ، وشكّل الفريق الذي سينفّذ، وهذا يتبيّن من العدد الكبير لفرقة الموت التي حضرت إلى إسطنبول، والمعدّات التي حملتها، وتسريح الموظفين الأتراك من القنصلية تمهيداً لتنفيذ الجريمة، ولاستبعاد الشهود، واستدعاء خاشقجي على عَجَل لاستلام أوراقه.

على كل لم تتأخّر السلطات السعودية أن اعترفت بمقتل خاشقجي، داخل القنصلية، على أيدي الفرقة المذكورة، على لسان ملكها، أي أعلى سلطة فيها. ولم تتأخّر بأن تعترف بأن الفرقة كانت مشكّلة أصلا من أجل خاشقجي، وإن كان السيناريو الذي قدّمته غير الذي نُفّذ، وإن كانت لم تعترف بمكان الجثة. بالنسبة للسيناريو المقدّم، فهو لا يقنع عاقل، فهناك تسريبات تؤكّد طريقة قتل الضحية والتنكيل بالجثة، غير مسألة شِجار وموت بطريقةٍ غير مقصودة. فلو كان الأمر كذلك، لماذا تم نكران الأمر في البداية، وعدم الاعتراف به إلا بعد مضيّ نحو عشرين يوماً؟ ولماذ لا يتم الإفصاح عن مكان الجثّة، أو لماذا تم التخلّص من الجثّة أصلاً؟

إن النكران، أو تأليف سيناريو لإخراج الجريمة لا يُجدي نفعاً هنا، ذلك أنه من المستحيل أن يتم أي أمر داخل المقار الدبلوماسية والقنصلية من دون معرفة رئيس البعثة الدبلوماسية، أو من دون معرفة سلطات بلاده العليا التي يمثلها وينطق باسمها. وبالتالي فإن فرقة الموت لا بدّ من أن يكون قد تم تأليفها على يد أشخاص معينين كالعسيري، رئيس المخابرات السعودية، كما تم الاعتراف بذلك، ولكن لا بدّ من أن يكون العسيري قد تلقّى الأوامر من قائده الأعلى وهو هنا محمّد بن سلمان الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلّحة، ووزير الداخلية...

أيضاً بما أن الجريمة ذات دوافع سياسية، فإنه لا بدّ من أن يكون بن سلمان قد أخذ بمشورة من يرتبط بهم في الخارج، وخاصة كوشنير صهر الرئيس الأميركي، والمخابرات الأميركية، وربما وزارة الخارجية، حيث سارع وزير الخارجية الأميركي لكي ينجد الأمير الحليف والمموّل، ويشير عليه بإخراج ما للجريمة، وينصحه بالاعتراف بها، كون الدلائل الثبوتية موجودة في حوزة الأتراك، وربما أيضاً في حوزة بلاده. وأيضاً لا نستبعد أن يكون لإسرائيل يد فيها، كونها توّرط الدولة السعودية وتكشفها أمام العالم، ربما لتمهّد لاستكمال ما خطّط له من خريطة جديدة للشرق الأوسط، تطال السعودية كما تطال وطالت غيرها من البلدان العربية، وكون تلك الخريطة لا يمكن تحقيقها من دون افتعال حوادث دامية في البلدان المُستهدفة.

3-ظروفها

إن الظروف الدولية التي تم فيها ارتكاب جريمة قتل السيّد جمال خاشقجي لعبت دوراً هاماً في جعل تلك الجريمة قضية تشغل بشكلٍ غير مسبوق الرأي العام الدولي. لقد احتلت عناوين الصحف، ومقدّمات نشرات الأخبار، حتى أن بعض الفضائيات جعلت منها الموضوع الأوحد، حيث تستمر في الاستعراض والتحليل، والاستماع للمراسليين، واستقبال المُختصّين بالتحليل السياسي والقانونيين طيلة اليوم.

إن جعل تلك الجريمة قضية رأي عام دولي ستكون له نتائج هامة على الصعيد القانوني، كما على الصعيد السياسي.

فعلى الصعيد القانوني لا يمكن أن تمرّ تلك الجريمة من دون عقاب، فقد شكّلت الجريمة ببشاعتها جريمة ضدّ الإنسانية، في وقتٍ يتم فيه استغلال قضية حقوق الإنسان للتدخّل في البلدان، فمبدأ "مسؤولية الحماية الدولية"، يحمي الأشخاص حتى تجاه حكوماتهم، أي أن السلطات السعودية لا يمكنها التذرّع بأن قضية خاشقجي تخصّها وحدها، كونه يحمل جنسيتها.

إن قضية خاشقجي قد فتحت كل ملف حقوق الإنسان في السعودية، والممارسات التعسّفية وغير الإنسانية التي ينفّذها محمّد بن سلمان ضدّ معارضيه، وأقاربه الأمراء، ورجال الدين، ورجال المال.

على الصعيد السياسي، المسألة أكثر التباساً وتعقيداً. لقد أفسحت تلك الجريمة في المجال أمام الدول لكي تبحث عن مصالحها، فتستفيد من التهديد والتشهير للوصول إلى أهدافها. فبالنسبة إلى تركيا، كان أول الغيث إفراجها عن القسّ الأميركي، الذي يُقال أنه هو مَن أفرغ الذهب من خزائن العراق، وكسبت تركيا مقابل ذلك تخفيف العقوبات الأميركية عنها، فارتفعت الليرة التركية مباشرة بعد ذلك الخبر. لكن السؤال لماذا هذه التسوية في تلك المناسبة بين تركيا والإدارة الأميركية؟! وحسب تقديري إن الإستخبارات التركية تمتلك دليلاً ما على ضلوع المخابرات الأميركية في القضية.

إن مخابرات الولايات المتحدة، يمكن أن تكون قد أشارت على إبن سلمان بالتصرّف على النحو الذي يتصرّف به تجاه معارضيه. إن خلق مشاكل داخلية لإبن سلمان، بالإضافة إلى مشاكل خارجية (قضية خاشقجي)، ستساعد الإدارة الأميركية على المزيد من الابتزاز له، وسرقة المزيد من أموال الشعب السعودي.

إن الدليل على هذا المنحى لدى الإدارة الأميركية، هو الكلام الذي يصدر على لسان الرئيس الأميركي، ففي المدة الأخيرة صرّح ترامب أكثر من خمس مرات على أن السعودية تمتلك كثيراً من المال، وأنه لا بد من أن تدفع مقابل حمايتها، وأنه لولا الحماية الأميركية، لما استمر الملك السعودي أسبوعين على العرش.

تبقى قضية تركيا مع العربية السعودية، والمسائل السياسية والاستراتيجية والتطرّفية العالقة بينهما، وطبعاً ستستغل السلطات التركية قضية خاشقجي للتوصّل إلى تنازلات ترضيها من قِبَل السعودية.

خلاصة:

إن الجريمة لا تكتمل عناصرها، وتتّضح حقيقتها إلا بالعثور على الجثة، وهنا تتحمّل السلطات السعودية مسؤولية ذلك، خاصة بعد الاعتراف بالقتل، والتحضير له، والاعتراف بأنه جرى التخلّص من الجثة بتسليمها إلى أحد العملاء المحليين. إذن أين ذلك العميل؟ وماذا صنع بالجثة؟

على صعيد تعقّب الجريمة والمجرمين، ومعاقبتهم، تعتبر المحاكم السعودية هي الصالحة، لكون الضحية سعودياً، وكون الجريمة حصلت داخل قنصليتها، وكون المنفّذين سعوديين، وكون من أعطى الأمر سعودياً. طبعاً يطبّق عندها القانون السعودي، ويُستعان بقوانين أخرى خاصة التركي حيث حصلت الجريمة على اقليمها.  لكن كون حقوق الإنسان مُنتهَكة في السعودية، وكونها تمتلك قانوناً يأمر بالإعدام، وبطُرُق فظيعة عفا عليها الزمن، وكون التحقيق لن يكون منصفاً، أو عادلاً، فلا بد من أن تتولّى النظر في تلك الجريمة محكمة دولية خاصة تنشأ لهذه الغالية، كما حصل بالنسبة للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان للنظر في قضية الحريري، أو المحاكم الدولية التي نظرت في الجرائم ضدّ الإنسانية في كل من يوغوسلافيا سابقاً، وروندا، وسيراليون وغيرها.

المحاكم التركية صالحة أيضاً للنظر في القضية، كون الجريمة قد تمّت على أرضها، وانتهكت المعاهدات الدولية، والقوانين الوطنية التركية. كما أن بإمكان الدولة التركية أن تداعي السعودية كونها انتهكت سيادتها، بإدخالها عناصر مجرمة إلى أرضها، ومن خلال مطاراتها، مما يتناقض مع النظام العام التركي، ويُسيء إلى أمنها.

أخيراً، كما أثارت الالتباس والتعقيد في التنفيذ، فإن الجريمة التي تعرّض لها الإعلامي جمال خاشقجي، ستثير كثيراً من النزاعات القانونية، سواء حول الصلاحية، أو حول المحاكم الصالحة للنظر فيها، أو حول تنفيذ الأحكام، رغم ما تقدّم وبينّاه أعلاه في ما خصّ الصلاحيات والقوانين التي يجب تطبيقها، فالقضية هي قضية قانون دولي خاص بامتياز، بالإضافة إلى أنها تثير مسائل تتعلّق بالقانون الدولي العام.