عبّاس الزين

صحافي وكاتب سياسي.

عن «الفرنسي الخام» ودونيّة المشاهد «العربي»!

تزامنت الاحتجاجات في فرنسا (بعيداً عن أسبابها)، مع العديد من «التحليلات» (للأسف تم تعريفها هكذا) التي أطلقها الكثير من المضلَلين والمضللِين، لتبرئة «العنصر الأوروبي الخام» من «همجية المتظاهرين المهاجرين المندسين» في التخريب والهدم. واستعان هؤلاء، بالتقدم التقني والعلمي الذي وصلت إليه الدول الأوروبية، عبر قراءة تحمل في خلفيتها مفهوم غريب بأن «التقدم الغربي مرده إلى هذا العنصر الأوروبي الخام الراقي». يعني ربطة العنق والعِطر و«الكرواسون» عوامل ناتجة عن التقدم التقني والعلمي!

الصورة المرفقة، توضح هي الأخرى، جزءاً من السياسة الدعائية الأيديولوجية الواسعة، التي استُخدمت داخل أوروبا وخارجها للترويج للسياسة الاستعمارية
الصورة المرفقة، توضح هي الأخرى، جزءاً من السياسة الدعائية الأيديولوجية الواسعة، التي استُخدمت داخل أوروبا وخارجها للترويج للسياسة الاستعمارية

لا ترتبط عقلية «العنصر الأوروبي» بشكل مباشر في «التقدم» والطفرة بكافة المجالات الذي شهدته بلاده، فلذلك عوامل سياسية وعسكرية مستمرة، وليس «الرقي» أو التهذيب منها. تلك الميزات تتواجد في كافة المجتمعات بغض النظر عن تطورها التقني من عدمه. لذلك، جاء انتشار التسجيل المصوّر تحت عنوان «شرطية فرنسية تطلب من المتظاهرين عدم تخريب بلادهم كما فعل العرب»! كمثل واضح وصريح عن وصول «دونية» البعض إلى مستوياتٍ خطيرة تبعث على الكآبة. ومع أن التسجيل مفبرك في ترجمته، و«الشرطية» هي في الأصل متظاهرة، ترتدي سترةً صفراء واضحة، ولم تأتِ على ذكر العرب بتاتًا! لكن، لنفترض انه حقيقي، ولنتبنَّ معذورين «غباء» المروجين له.

أيّ عربٍ دمروا بلدانهم؟ حسن نصرالله ورجال المقاومة دمّروا حلب وحمص؟ هل عبد الملك الحوثي ورجاله استهدفوا صنعاء والحديدة وتعز بطائراتهم الحربية ودمروها؟ أم الحشد الشعبي اجتاح بغداد ونهبها في ليلة مظلمة؟ أليس محمد بن سلمان وحكام الخليج والجماعات الإرهابية المسلحة المدعومة من حكومة هذه الشرطية، هم من خربوا ويخربون في بلادنا! يا أخي من هم العرب! أليست الطفلة اليمنية التي ماتت جوعاً كرمى لعيون شركات الأسلحة الغربية «الراقية»، من العرب! طفل قانا أليس عربياً! أطفال سوريا الشهداء والمشردين بسبب رغبة هذا الغرب في نشر «الديمقراطية» أليسوا عرباً! لتعرف الأجوبة عليك فقط أن «ترفع رأسك يا أخي» كما يقول، جمال عبد الناصر، لتشاهد دماء العرب على يد تلك الشرطية وحكومتها!

حسنًا لا بأس، لنعد إلى أصل الفكرة. لقد مارس الأوروبي همجيته واستعلاءه مروجاً لشعارات منها ما هو ديني «ماورائي» ومنها ما هو «تقدمي تنويري»، بحيث يُحدَّد الأسلوب استناداً للجهة المستهدفة (استغلال الثغرات مثلاً)، بالإضافة إلى مستلزمات التعبئة الشعبية والاجتماعية المطلوبة للقيام بالغزو. وفيما لا يمكن تبني هذا الربط بين «همجية المتظاهر» وبين تطور بلاده، فإنّ «الحداثة الأوروبية» بصورتها ومفهومها الحالييَن، لم تنفصل ببروزها تاريخياً واستمراريتها حالياً، لم تنفصل عن حقبة الاستعمار، وما تخللها من قمعٍ ونهب، تحت عناوين دينية وتقدمية تنويرية برّاقة وساحرة.

في إحدى خطبه، يقول الأميركي، الأفريقي الأصل، مالكوم إكس، موجهاً كلامه للأميركيين من أصل أوروبي «عندما جاء أجدادكم إلى أفريقيا كنا نملك الأرض، وكانوا يحملون الصلبان، أما الآن فنحن نحمل الصلبان، وهم يملكون الأرض». وفي السياق ذاته، يشير الباحث السوري أحمد دعدوش، في كتابه «قوة الصورة: كيف نقاومها؟ وكيف نستثمرها؟»، يشير إلى أنه بعد اكتشاف الأوروبيين للقارة الأميركية وبدء حركة الاستيطان، اقترنت إبادة «الهنود الحمر»، التسمية أطلقها الغزاة الأوروبيون، برؤية «توراتية وعلمانية» مزدوجة. فسمى «المتدينون البيوريتان»، إحدى طوائف البروتستانت أنفسهم عبرانيين، وزعموا أنهم في مهمة مقدسة لتطهير أرض الميعاد من الكنعانيين. ولم يختلف الأمر كثيراً لدى «العلمانيين» الذين قدموا لإزاحة «الهمج» عن طريق «العقلانية والتنوير».

الصورة المرفقة بالمقال، توضح هي الأخرى، جزءاً من السياسة الدعائية الأيديولوجية الواسعة، التي استُخدمت داخل أوروبا وخارجها للترويج للسياسة الاستعمارية. وهي لوحة للفنان البروسي، جون جاست، رسمها في عام 1872، وسماها بـ«التقدم الأميركي». ويظهر في الرسمة، «الفتاة الأوروبية الشقراء»، وهي تحمل في إحدى يديها كتاباً يرمز إلى «التقدم العلمي»، وتمسك بأسلاك التليغراف باليد الأخرى في إشارة إلى «التقدم التقني»، وتتوسط رأسها «نجمة السلام والتفوق». تتجه الفتاة قادمة من الشرق الأوروبي «المستنير» كما في يمين اللوحة إلى السكان الأصليين «الهمج البدائيين والظلاميين» كما في يسار اللوحة. ورسم جاست السكان الأصليين، وهم يهربون مستسلمين أمام «الحداثة الأوروبية التقدمية»، أي أن السكان الأصليين استسلموا أمام الحداثة والتقدم الأوروبيتَين، لا تحت وطأة السيف والبارود والإبادة. لكنّ الوقائع تؤكد، أن تلك «الحداثة» القادمة من «الشرق الأوروبي» تسببت بمقتل أكثر من 8 مليون شخص من السكان الأصليين، بعد نهب أرضهم وثرواتهم وحرق قراهم، في إحدى أفظع الإبادات الجماعية على مر التاريخ.

هذا تعريف بسيط جدًا عن «العنصر الأوروبي الخام» من دون زوائد أو «فوندايشن» (لزوم التماشي مع فرنساوية الحدث). فعجيب كيف ينصدم البعض من أوروبي يحطّم واجهة دكّان أو يحرق سيارة! يا «زَلَمِي» أجداد هذا الأوروبي وأجداد جيرانه وأجداد رفاقه، كانوا يتاجرون بفروة رأس السكان الأصليين لمستعمراتهم، ويسوقون الأفارقة عبيداً ويتاجرون بأعضائهم! والحال أيضاً هكذا في شرق أسيا وجنوبها وغربها. هناك حضارات تم دفنها وإبادتها بسيف ومدفع هذا «الأوروبي الخام»! يا أخي صدمتك من تحطيم «الأوروبي الراقي» لزجاج الدكّان ومحاولة دفع «التهمة» عنه لـ«رقيّه»، هذه دونية أم جهل أم حقارة! ألم يكن الأوروبي والفرنسي تحديداً، يدّعي «الرقي» عندما اجتاح بلادنا بعد الحرب العالمية الأولى ومكث فيها أكثر من 20 سنة بين ناهبٍ وقاتلٍ، ألم يدّعِ هذا الفرنسي «الرقي والتقدم» بقتله لأكثر من مليون جزائري طالبوا بحريتهم!

من الضروري التشديد، على أن المذكور آنفاً، لا ينطلق من اتهام المتظاهر في فرنسا بـ«المنهجية»، فهذا التعريف لا يدعم الفكرة ولا نتبناه، لأننا لا نناقش أسباب الاحتجاجات، أكانت سياسية أو اقتصادية، مع الإشارة -بما يخدم الطرح- إلى أن أهم أسبابها، يرتبط بمصادر «الإنتاج الغربية»، والقائمة بمعظمها على سياسات «الهيمنة والنهب»، والتي تبدو بعيدة عن أولويات المتظاهر الفرنسي، المطالب بتوزيع عادل للثروة، من دون الالتفات إلى مصدرها، إلا أن هذا الموضوع يحتاج إلى نقاشٍ في سياقٍ مختلف. أيضاً، ما ذكرناه، لا ندين فيه، أو نتهم، أو نحمّل المتظاهر وزرَ الغزوات ونتائج الاستعمار. كل ما في الأمر، أننا نقارب الموضوع بطريقةٍ أشمل، انطلاقاً من «عزّة نفسٍ» خاصة، وحصراً، ضدّ وجهة النظر التي تقول إن «الفرنسي الخام الراقي بريء من الهمجية»، فقط لأنه ينتمي لـ «أوروبا المتقدمة»! غير أسفين على «رخص» البعض، الذي تبجّح قائلاً إن «المتظاهر المخرّب في فرنسا عربي» استناداً لـ«طريقة التكسير غير الحضارية»! وهنا نطرح بعض الأسئلة: ما العلاقة العلمية والمنهحية بين «التقدم العلمي التقني» وبين «الرقي الإجتماعي والإنساني»؟ يعني هل هذه حقيقة مثبتة يمكن الترويج لها والانطلاق منها لجلد «الذات العربية المتخلّفة»؟ وفي الأصل، أين يتعارض «التكسير» أو ما يمكن وصفه بـ«العنف الثوري» مع الرقي والحضارة بغض النظر عن الحالة الفرنسية الماثلة؟