أردوغان بين فكيّ "أس 400" وباتريوت

تشهد المرحلة الحالية حلقة جديدة من حلقات التنازُع الأميركي-التركي المستمر منذ ما قبل وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. والتي تعود بداياتها إلى فترتي حُكم سلفه باراك أوباما، وربما تجد جذوراً لها في وعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ وصوله إلى السلطة، وبداية تبلور مشروعه السياسي الذي يُعدّ ناجحاً حتى اليوم.

  • أردوغان بين فكيّ "أس 400" وباتريوت

الأيام الأخيرة شهدت ضربةً معنوية غير عابرة لمكانة أردوغان الشعبية، تمثّلت بخسارته بلديتيّ أنقرة وإسطنبول. الأمر الذي اعتبر مؤشّراً سلبياً على مستقبله السياسي، خصوصاً في ظلّ الضغوط الأميركية التي يتعرّض لها، وعدم قُدرته على خلق هامشٍ واسعٍ للمناورة بين الأميركيين والروس، مع عدم وضوح الأفق بالنسبة لتبدّل الإدارة الأميركية من عدمه في الانتحابات الرئاسية المقبلة في واشنطن، فضلاً عن النهج الأميركي الذي سيُتّبع حيال تركيا بعد تلك الانتخابات.
وتعود الخلافات الأميركية التركية في السنوات الأخيرة إلى مجموعة من الملفات، يمكن إيجاز أكثرها تأثيراً بأربعة:

1- قضية القس الأميركي أندرو برانسون الذي اعتقلته تركيا عام 2016 بتهمة التجسّس ودعم حركة المُعارِض التركي الداعية فتح الله غولن، والذي اضطر أردوغان إلى الاستسلام للضغوط الأميركية الهائلة التي تعرّض لها وإطلاق سراحة في أكتوبر من عام 2018، من دون أن يحقّق مطلبه في مقابل ذلك، والذي تمثّل بقيام واشنطن بتسليم غولن لأنقرة.
2- الخلاف التركي-الأميركي حول الموقف من الوحدات الكردية المقاتلة في شمال سوريا. حيث فشل أردوغان في هجومه على مدينة عفرين للقضاء على القوات الكردية المدعومة من واشنطن، وقد سبّب هذا الخلاف تصدّعات كبيرة في العلاقات بينه وبين الإدارة الأميركية، خصوصاً وأن موقفه من هذه القضية شكّل فرصة للروس للاستثمار على هذه الخلافات واجتذابه أكثر إلى جانبهم.

3- التقارُب التركي الإيراني في مسارات التسوية السياسية في سوريا من ناحية، ومن ناحية ثانية الاتهامات الأميركية لأردوغان بمُساعدة طهران للالتفاف على العقوبات الأميركية. حيث قضت محكمة أميركية بسجن مصرفي تركي لإدانته "بالتآمر" لانتهاك العقوبات الأميركية على إيران.

4- الإصرار التركي على شراء منظومة "أس 400" الصاروخية من روسيا، في مقابل التهديدات الأميركية بفرض عقوبات وإلغاء صفقات سلاح، ثم إبداء الأتراك رغبتهم في الحوار حول نقاط الخلاف، واستمرار الرفض الأميركي، وتواصل التهديدات.
وإذا كان العنوانان المرتبطان بالتقارُب مع إيران، والقضية الكردية في شمال سوريا، هما موضوعان لهما سياق طويل الأمد نظراً لارتباطهما بالرؤى البعيدة للدول المهتّمة بهما، فإن قضيتيّ القس الأميركي وشراء منظومة الصواريخ الروسية تحوزان أولوية الاهتمام اليوم. حيث تلوح في الأفق قضية أخرى شبيهة بقضية برانسون، فيما تستمر قضية الـ"أس 400" بالتفاعُل مُهدّدةً بتفجير العلاقات التركية-الأميركية.
فالنسبة للأميركيين، يحتجز أردوغان دبلوماسيين أميركيين بتهم مُلفّقة، في سياق ما يصفه بمواجهة التجسّس، والمحاولات الأميركية لترويضه أو الإطاحة به. وفي هذا المجال، قدّم الحزبان الديمقراطي والجمهوري مشروع قانون لحماية مواطني ودبلوماسيي الولايات المتحدة من المُلاحقات السياسية، ويلزم هذا القانون فيما لو أقرّ الرئيس ترامب بفرض عقوبات على جميع المسؤولين الأتراك الذين نفّذوا هذه الاعتقالات التي يعتبرونها غير مشروعة، بما في ذلك منعهم من السفر إلى الولايات المتحدة، وتجميد أصولهم.
ويحمل مشروع القانون الرقم S. 1075، وشارك في تقديمه السيناتور الجمهوري عن ولاية ميسيسيبي روجر ويكر، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية ماريلاند بن كاردين، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية إلينوي ديك دوربين، إلى جانب السيناتور عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو، والسيناتور عن ولاية كارولينا الشمالية توم تيليس، والسيناتور عن ولاية ماريلاند كريس فان هولن.
ويستند هؤلاء إلى مُعطيات يقولون إن تركيا تدرج على تكرارها من دون أدلّة، منها الحُكم على العالِم الأميركي في وكالة "ناسا" سيركان جولج بالسجن لمدة خمس سنوات، باتهامات حول تورّطه في الإرهاب. إلى جانب احتجاز إثنين من موظّفي القنصلية الأميركية في إسطنبول باتهامات ذات دوافع سياسية بحسب الرؤية الأميركية.
ويحظى مشروع القانون بتأييد الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهو يُنذر تركيا بأنه بإمكانها إما حسم هذه القضايا بسرعة وإطلاق سراح المواطنين والموظفين الأميركيين أو مواجهة عواقب حقيقية. ويُتيح المشروع لواشنطن استخدام الأدوات المناسبة لتغيير الموقف التركي وتسوية هذه القضايا.
ويعتبر النواب الأميركيون الذين طرحوا هذا المشروع أردوغان حاكِماً ديكتاتورياً بحسب ما صرَّح أحدهم (ديك دوربين) لوسائل الإعلام الأميركية، ويُصوّبون على واقع حقوق الإنسان في تركيا خلال حُكمه. بالإضافة إلى تشكيكهم بانتماء أردوغان إلى منظومة الناتو كـ"حليف"، حيث يقول ماركو روبيو: :"يجب على الحكومة التركية أن تفي بالتزامها وأن تتصرّف كحليفٍ للناتو إذا أرادوا الاستمرار في معاملتها كحليف".
وعلى خلفيّة هذه القضية، تلوح في الأفق عقوبات أميركية جديدة ضد تركيا، حيث ينصّ مشروع القانون على فرض عقوبات على المسؤولين عن "الاعتقالات غير المشروعة للمواطنين الأميركيين والموظفين الدبلوماسيين". ويدعو الرئيس ترامب إلى حثّ تركيا "على استعادة ضمانات اتباع الإجراءات القانونية الواجبة واحترام الحريات الأساسية لجميع أفراد شعبها ، والذين يقع الآلاف منهم ضحايا للمحاكمات ذات الدوافع السياسية والاحتجاز لأجل غير مُسمّى". لكن هذه القضية ليست الأكثر خطورة في الوقت الراهن، فهناك قضية داهِمة تتفاعل بسرعة، إنها أزمة الـ"أس 400".

قضية شراء منظومة "أس 400" الروسية

ترغب تركيا وبشدّة في الحصول على منظومة صواريخ "أس 400" الروسية، لكن دون ذلك عقبات خطرة، أهمها الموقف الأميركي الرافِض بصورةٍ تامةٍ لهذه الخطوة. تركيا من جانبها ترفض الضغوط الأميركية، الرامية لثنيها عن قرارها. وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو يقول إن بلاده قد تحصل على المنظومة الروسية مرة ثانية إذا لم تزوّدها واشنطن بصواريخ باتريوت، وأنها ستسدّ حاجتها من المقاتلات من جهة أخرى إلى أن تصنعها بنفسها إذا لم تحصل على مقاتلات إف 35 الأميركية. باختصار أنقرة تريد أن تربح من الجميع، لكن السُبُل تضيق أمام قيادتها السياسية مع نجاح واشنطن نسبياً الضغط على اقتصادات الدول التي تظهر رغبة في إدارة سياسة أكثر استقلالية، كما تفعل من خلال التلويح بمُعاقبة مصر في حال شرائها مقاتلات سو35 الروسية.
لكن الضغوط الأميركية تأخذ معنى جديداً من خلال مشروع قانون آخر تمّ إعداده لتمريره في مجلس الشيوخ، يتضمّن لغةً حادّة تجاه تركيا، إلى جانب أفكار أميركية عديدة لإعادة رَسْم السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، من أجل إحداث تغيير ما يملأ الفراغ الذي أحدثه انكفاء ترامب عن المنطقة باستثناء الشهور الأخيرة التي عاد من خلالها إلى النشاط في هذه المنطقة التي يتوقّع أن تشهد توتّرات بين القوى الكبرى. الأمر الذي يطرح تحديات جديدة أمام تركيا ورئيسها. وبحسب مجلة "Foreign Policy" الأميركية، فإن المشروع الجديد قدّمه السيناتور الجمهوري ماركو روبيو والسيناتور الديمقراطي روبرت مينديز، لإعادة رسم السياسة الأميركية في تلك المنطقة.
وإذا ما أخذنا المسألتين في فَهْمٍ واحد، أي مشروع سياسة خارجية أميركية جديدة في الشرق الأوسط والمحاولات الأميركية لثني تركيا عن امتلاك منظومة الصواريخ الروسية، وأضفنا إليها الإشارات الناتجة من نتائج الانتخابات البلدية التركية، نجد أن أردوغان يقف أمام مرحلةٍ دقيقة جداً في الداخل والخارج.
ففي الداخل يواجه الرئيس التركي تحدّي استعادة المعنويات المُرتفعة التي يحتاجها بعد خسارته في أهم بلديتين في تركيا. كما يواجه ظروفاً اقتصادية صعبة، وآخر ما يحتاج هو أن يسمع بعقوبات أميركية جديدة، حيث خسرت الليرة التركية حوالى 40% من قيمتها على أثر العقوبات الأميركية التي فُرِضَت بسبب قضية القس برانسون.
وفي الوقت نفسه، يتّهم مسؤولون في وزارتي الدفاع والخارجية الرئيس ترامب بالعجز عن توجيه إنذار نهائي صارِم إلى تركيا بوقف الصفقة مع روسيا وفق ما نقلت عنهم محطة "إيه بي س نيوز" الأميركية. ووفقاً لمسؤولين أميركيين اطّلعوا على المُحادثة الهاتفية التي جرت بين الرئيسين أردوغان وترامب في 22 فبراير/ شباط الماضي، فقد ردّ أردوغان على تهديد ترامب بفرض عقوبات على تركيا، بأن الكونغرس ينتهك السلطة التنفيذية للرئيس من خلال إصدار عقوبات ضد تركيا بسبب الصفقة. وأضاف هؤلاء المسؤولون بحسب القناة أن أردوغان أخبر ترامب أن احتمال فرض عقوبات من الكونغرس بموجب قانون مُكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات المعروف باسم "كاتسا Caatsa"، غير دستوري لأنه يسلب سلطتك التنفيذية". وردّ ترامب بأنه سيتحدّث إلى الكونغرس في هذا الشأن. ثم انتقل الرئيسان للحديث في موضوع آخر.
لكن تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على هامش قمّة وزراء حلف "الناتو" قبل أيام ألمح إلى احتمال انفراج في هذا الشأن، حين قال إن ترامب وعد أردوغان بتوليّ هذه القضية، مُضيفاً إن الأتراك غير قلقين بسبب تأكيدات ترامب. في حين أقرّ ترامب خلال مكالمة هاتفية مع أردوغان بأن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ بعدم بيع صواريخ باتريوت إلى تركيا ووعد أردوغان بأنه سيتولّى القضية. ويزيد من معنى هذا الكلام قوله: "طلبنا من الولايات المتحدة منظومة باتريوت الدفاعية، ولكن لم يأتنا الرد إلا بعد 6 أشهر، وكنا قد أنهينا تعاقدنا على المنظومة الروسية الدفاعية"، مشدّداً على أن "كلّ الاتهامات الموجّهة إلى تركيا ليست في محلها، والاتفاقيات مع روسيا لا تعدّ بديلًا لحلف شمال الأطلسي". وأخذه الأمر باتجاه الأمور التقنية والمالية، حيث أضاف: "يمكننا التوصّل إلى تفاهُم مع واشنطن بشأن أسعار منظومة باتريوت والأمور المتعلّقة بها، لكن يتوجّب موافقة الكونغرس الأميركي لتحقيق تقدّم بهذا الخصوص".
لكن الضغوط الأميركية مستمرة، مع تلويح بخطوات جديدة قد تكون أكثر إزعاجاً، حيث يتم تداول معلومات مفادها أن الولايات المتحدة ستنهي حظر السلاح الذي تفرضه على قبرص من ثلاثة عقود، وستحذّر تركيا من التنقيب عن مصادر الطاقة في جوارها. الساسة الأميركيون يؤكّدون أن تركيا لن تستطيع تحمّل عقوبات اقتصادية جديدة، الأمر الذي قد يجعلها تضطر للتوجّه لصندوق النقد الدولي، إضافة منعها من الحصول على مقاتلات F-35 الأميركية المتطوّرة، خصوصاً وأن تركيا تعاني من تضخّم خرج عن السيطرة، فضلًا عن الارتفاع الجنوني في معدّلات البطالة، وكذلك ترقّب أزمة طاحِنة بسبب الديون. هذا ما سيزيد من أزمة تركيا بعدما أعلنت واشنطن في آذار-مارس الماضي عن إلغاء مزايا تجارية تستفيد منها تركيا بموجب برنامج لدعم الدول النامية، ما مثّل ضربة جديدة لتجارة أنقرة الخارجية. فما هي خيارات أردوغان، التنازل عن صفقة إس 400 أم المواجهة؟
تبدو خيارات أردوغان محدودة، فإما أن يمضي قُدُماً في شِراء صفقة “إس 400” الروسيّة، وتشمل رزمة عقوبات قاسية في ظلّ تراجع الاقتصاد التركي وتوقّع انكماشه أكثر في الأشهر المقبلة، أو التّراجع عن هذه الصّفقة استعادة الرضى الأميركي، وإعادة إحياء صفقة الباتريوت بدلاً من أس 400، الأمر الذي سيؤثّر على العلاقات المُتحسّنة مع روسيا.
وبين هذا الخيار أو ذاك، يمضي أردوغان نحو المستقبل مُتسلّحاً بحقيقةٍ مُجرّبة مفادها إن هذه الأزمة ليست الأصعب في مساره السياسي، وقد تجاوز خلال السنوات الماضية ما هو أصعب منها، وأنه لايزال يسيطر على الوضع في بلاده، وخارجها يمتلك أصدقاء مثل الروس والإيرانيين يراكمون منذ سنوات عوامل الثقة معه.