بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنانة السورية لينا شماميان

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. مزيجٌ من ذائقاتِ وأمزجةٍ متعددة وخليط من ثقافاتٍ حيّة تتلاقى وتتلاقح في بلاد (الشام)، في بلاد الشام الثريّة بموروثها الحضاري والثقافي. من أُسرتِها المتعددة الجذور إلى غربتها الباريسية يمتدُّ مشوار ضيفتنا التي صار صوتها جسراً بين الوطن والمنفى الطوعيّ وبين المُقيمين والغائِبين وصِلة وصلٍ بين العشّاق المنتظرين الأحبّة الذين تأخّروا. غنّت (الشام) أحلامها وأوجاعها وأنشدت عذابات مواطنيها حيثُ كانوا ونقلت رسالة الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى كلّ من لم يصمَّ أُذنيه عن معاناتهم. فنّانةٌ شاملة، تكتب تلحّن تُغنّي وتطيرُ من صوتها أسرابُ يمام وتُقرعُ فيه أجراس الصلاة في محاريب الشوق والحنين. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعد باستقبال الفنانة السورية المتوهِّجة "لينا شماميان" أهلاً وسهلاً شرّفتِ "بيت القصيد"

لينا شماميان: أهلاً بك وشكراً على التقديم

زاهي وهبي: تستأهلين، تستأهلين أكثر. كيف هو اللقاء مع (بيروت) بعد فترة غياب؟ مؤخراً كان عندكِ حفلة في (بيروت) بعد انقطاع عدّة سنوات، كيف كان اللقاء بعد الغياب؟

لينا شماميان: أوّل حفلة لي كانت في 2009 وبعدها في 2011، ثمّ بعدها في 2017 رجعت في مهرجان (بيت الدين) ضمن فعاليّة مشاركة مع الفنانين "شربل روحانا" و"نصير شمّا"، لكن اليوم رجعت وللمرة الأولى أكون أُنظِّم مع فريق العمل، مع الدكتور "ماهر صبرا" مدير أعمالي، والحفل بالكامل في مدينة لا أعيش فيها. فكان في البداية هناك نوع آخر من الحماس ومن الترقّب لكن عندما صعدت على المسرح والتقيت الجمهور أحسست بأنّ (بيروت) مهما ابتعدنا عنها لا تغيب. (بيروت) دائِماً كريمة، هذه هي الجملة التي قلتها لي، قلت لي: (بيروت) كريمة وتُحبّكِ. فكنت مسرورة جداً أن أعود وأقف على منصّة في (بيروت)

زاهي وهبي: إن شاء الله دائِماً. ابتعادكِ عن (دمشق) وعن (بيروت)، إقامتكِ في (فرنسا) هلّ أثَّرت على علاقتكِ بجمهوركِ؟ بمستمعيكِ؟ بمحبّيكِ؟ كيف صار شكل العلاقة عن بُعد؟

لينا شماميان: كلّ شيء له جانب سلبي وجانب إيجابي، يعني ربما عندما نبعد قليلاً عن الشرق، ومن حظّي أنّني توجّهت أكثر للمغرب العربي الكبير وشمال (أفريقيا). فأنا قبل وجودي في (فرنسا) لم أكن أعرِف الكثير عن حضارة المغرب العربي الكبير

زاهي وهبي: ربما لأنّ صِلات الوصل أيضاً بين (فرنسا) و

لينا شماميان: صلات الوصل والعلاقات والقرب فصرت أفهم اللغة أكثر

زاهي وهبي: وجود جاليات كبيرة من المغرب العربي في (فرنسا)

لينا شماميان: صحيح، فهذا الشيء سمح لي أن أتعرّف على حضارات جديدة وثقافة جداً غنيّة ومُختلفة عن ثقافتنا. في نفس الوقت وجودي في (أوروبا) ساعدني كي أقيم حفلات كبيرة جداً في (أوروبا) وأن أقف على مسارِح كنت دائِماً أحلم بها. لكن في نفس الوقت مثلما قلت الشيء السلبي هو أنّك تحسّ بأنّك ابتعدت وأُبعِدت لأنّ الإعلام أيضاً لا يُغطّي إلّا عندما يكون الشخص موجوداً في المكان نفسه. فهذه كانت، هذه الغصّة الصغيرة، لكن الأغاني ظلّت موجّهة إلى بلاد (الشام)، يعني خرجت من هنا، أنا من هنا، أكيد خلفيّتي من هنا وستخرج أكيد من هنا

زاهي وهبي: هذا الذي قلته في الحقيقة في التقديم، أنّ حضرتكِ قدّمتِ الكثير من الأعمال التي تحكي وجع الإنسان عموماً ولكن وجع الإنسان السوري خصوصاً، وكان لافتاً الكليب الذي قدّمته حضرتكِ عن مُعاناة السوريين في المطارات، وحضرتكِ مُسافرة دائِمة بين مطارات العالم. لكن أولاً، قبل أن نتحدث عن هذه الأعمال دعينا نُشاهدكِ مع زميلتنا "سحر حامد" في "قطع وصل"

قطع وصل - لينا شماميان:

- أتمنّى أن أرجع وأعيش في (سوريا) في أسرع ممكن، لكن أحسّ أكثر أنّ هذه الفترة ستكون حياتي أكثر بين (أوروبا) و(سوريا) بسبب السفر، بسبب الحفلات الموجودة أكثر في (أوروبا) وسهولة التنقل حتّى بالنسبة للمهرجانات، أحبها، أحبّ الحياة فيها، أُحب الناس، أحب الارتجال الموجود هناك في مدينة فيها ذكريات في كلّ مكان، فيها قصص، هناك قصص في الحجارة والطرقات. دائماً أحب الناس عندما يجلسون خارجاً أمام المحلّات، أُحبّ الطيبة الموجودة لكن في نفس الوقت هذا الارتجال ممكن أن يصير فوضى، ممكن أن يكون أشياء تصعِّب لكِ حياتكِ في الكثير من الأشياء وبدل أن تُحققي شيئاً للأمام تبدئين في الرجوع إلى الوراء

- ملامح الطفولة في الشكل أو في القلب لا يُمكنني كثيراً أن أحددها، الطفلة التي في داخلي هي التي جعلتني أعمل في الموسيقى وجعلتني ألحق شغفي وهي دائِماً تُعطيني هذا الاندفاع. في نفس الوقت السذاجة هي التي أحسّ أنّها ممكن أن تؤذي الطفلة في داخلي. فهذا الشيء أُحاول أن أكبر معه قليلاً وأكبر عليه

- دائِماً أبحث عن الحبّ، على العكس بعد كلّ ما مررنا به وبعد كلّ ما مررت به شخصياً صرت أحسّ أنّ الحبّ هو مثل قارب النجاة. هذا حبيبي، أنا أُحب وأغرق ومن ثم أعود وأطلع من القصة بقليل من السرعة

- ذاكرتي انتقائِيّة، عندما أُريد لا أنسى الشيء ولو بعد مئة سنة لكن أحياناً أتناساها وأنساها. الأشياء التي تظلّ عالقة في ذاكرتي فيها الكثير من اللحظات الحلوة. هناك حالة من الوفاء عندي، يعني يكون الشخص قام لي بشيء جيد صغير فأحمل كثيراً منّة الخير التي أحدهم قدّمها لي من دون أن أكون توقّعته أو طلبته. يعني لا يهمّ الأحداث بقدر الإحساس، أكثر ذاكرتي عاطفية

- من أكثر الأشياء التي أتذكّرها كي أتمكّن من أن أُكمِل هي الطفولة. ما زلت لليوم مثلاً كلّما كبرت أتذكّر حينما كنت صغيرة كيف كنت أُفكِّر في هذه الأشياء وأضحك على نفسي في الكثير من الأحيان. دراستي في المعهد العالي للموسيقى، كلّ شيء، الكشّاف والتجمّعات التي كنت فيها حينما كنت صغيرة والقِيمَ التي تعلّمتها هناك، هذه هي الأشياء الأكثر التي أتذكّرها في حياتي لأتمكّن من أن أُكمِل

زاهي وهبي: بعد أن شاهدناكِ في (الحمرا)، (الحمرا) تظلّ من أمكِنة (بيروت) التي مهما مرّ على هذه المدينة تظّل مكاناً دافئاً وأليفاً وتحتضن زوّارها والمقيمين فيها. أتمنّى لك أنا حبّ أبدي على سيرة الذي قلتِه عن الحبّ. ما رأيك، قبل أن نتحدث عن المطارات ومُعاناة السوريين والوجع السوري الذي هو في الحقيقة وجع كلّ إنسان في العالم اليوم، أن نُبلسِم إذا أردت الجوّ بصوتكِ؟

لينا شماميان: سأُغنّي شيئاً قدّمته لأول مرة التقينا فيها منذ عشر سنوات حين كنت معك في "خلّيك بالبيت"، غنّيت أوّل أُغنية التي بدأت فيها مشواري كلّه. سأًغني شيئاً منها

زاهي وهبي: يا ليت

لينا شماميان: (تغنّي)

زاهي وهبي: دائِماً صوتكِ هكذا يأخذني إلى مطارِح فيها أبعاد روحيّة، فيها طمأنينة وسلام داخلي، لا أدري ما أُسميه. المُهمّ، غنّيتِ كما قلنا، قدّمتِ عملاً حول موضوع ما يُعانيه المواطن أو الإنسان السوري في مطارات العالم. الفِكرة أعتقد لـ "ماهر صبرا" كانت أو فكرتكِ؟

لينا شماميان: لا، فكرة الأُغنية فكرتي، يعني كلّ ما له علاقة بصناعة الأُغنية، المادة الموسيقية فكرتي و"ماهر" اشتغل على فكرة الكليب، فكرة الـ Story Board  وهذه التفاصيل

زاهي وهبي: من أين وُلِدت هذه الفِكرة؟ تعرّضتِ لتجربة شخصية حسبما قرأت؟

لينا شماميان: هي تجربة شخصية، هي القصّة صارت تماماً مثلما ذكرتها في الأُغنية. كنت في مطار (أورلي) متوجهة إلى (تونس) في سنة 2018 وكان عندي ثماني حفلات بدعوة من وزارة الثقافة. الذي صار أنّ موظّفة المطار وموظف المطار أنزلوني من الباص المتوجّه إلى الطائرة فقلت لها لماذا؟ قالت لي: جواز سفركِ سوري فأنتِ عرضة للاتهام، فقط لمُجرّد أن جواز سفري سورياً. الطائرة انتظرت "ماهر" ساعة كاملة، وهو الذي تعاضد معي وخرج من الطائِرة، ساعة كاملة انتظرته لأنّ جواز سفره فرنسي. في البداية كما تعرِف، لكثرة ما اعتدت على هذه الإجراءات لم أشعُر أنّ هناك شيئاً غلط، كنت حتّى أختار ما سيكون العشاء لأنني كنت متأكدة من أنني سأعود إلى البيت. لاحقاً وفي اليوم التالي صباحاً شعرت بشيء من الإهانة المتكرّرة ولم تكن هذه القصة تحدث للمرة الأولى

زاهي وهبي: بمجرّد أن يروا أنّ جواز السفر سوري تكثُر الأسئِلة وتكبر المُعاناة

لينا شماميان: أجل

زاهي وهبي: قدّمتِ الأُغنية بلهجتين، اللهجة السورية واللهجة والتونسية، لماذا؟

لينا شماميان: لأنّ أولاً الموظف كان يتحدث طوال الوقت بالفرنسية، وفي الآخر عندما كان يريد أن يقول خلص هذا ما سيحدث والطائرة ستُقلِع من دونِك تحدّث قليلاً بالتونسي

زاهي وهبي: هو فرنسي إذاً من أصل تونسي       

لينا شماميان: أعتقد ذلك. الشيء الآخر الذي صار أنّني كنت ذاهبة إلى (تونس) وأنا كنت أستعمل لغة البلد التي أُحبها كثيراً والتي أهلها لا يدرون أنّنا نمرّ بهذه الصعوبات لنستطيع أن نصل لعندهم. الأُغنية لم تكن أبداً ضدّ شخص معيّن، الأُغنية ضدّ إجراءات السفر التي تُحوِّل المطارات لتصير أماكن إهانة للأشخاص بسبب إسمهم دينهم معتقداتهم لباسهم الحجاب، أيّ شيء اليوم تحوّل ليصير هذا المكان بدل أن يكون مكان استقبال وتوديع أشخاص نحبّهم صار مكاناً يُهان فيه البشر لأسباب هم اختاروها أم لا لكنّها أسباب غير إنسانية. فالأُغنية كانت ضدّ قرارات السفر التي لا يمرّ بها فقط السوريون، السوريون والفلسطينيون والعراقيون وأيّ أحد من الشرق الأوسط كاملاً يعني

زاهي وهبي: كما تعلمين منذ مدّة أصدر "ترامب" قراراً حول عدّة جنسيات

لينا شماميان: وأنا كان إسمي بينهم

زاهي وهبي: أنه ممنوع أن يدخلوا على كلّ (أميركا)

لينا شماميان: أنا تفاجأت بالقصة وكنت On Line وتفاجأت أنني بينهم

زاهي وهبي: لمجرّد أنّهم ينتمون إلى هذا البلد أو يحملون جنسيّة وطنهم. مشغولة بأُغنياتكِ مثلما قلنا، بالإنسان، بالإنسان السوري أيضاً قدّمتِ أكثر، يعني "مرسى زمان" "غزل البنات" "قصة حبّ" إلى آخره. دائِماً هذا الوجع تحملينه معكِ رغم البُعد، رغم المسافة، رغم أنها جغرافيا بعيدة مكانياً عن الجرح السوري، عن الوجع السوري، لكنّكِ تحملينه

لينا شماميان: أُغنية "مسافة أمان" التي غنّيتها هي تماماً تحكي الحال التي أمرّ بها كلّ يوم

زاهي وهبي: التي هي تتر المسلسل

لينا شماميان: تتر مسلسل "مسافة أمان" التي تحكي عن جد قصة أحد بعيد مع أنّ المسافة تحمي من رصاص الحرب لكنها تظلّ تصيب في القلب. لا أتخايل أن هناك أيّ إنسان سوري منفصل عمّا يحدُث في (سوريا) مهما كان بعيداً أو قريباً لأسباب ممكن أن تكون مُختلفة للألم لكن في النتيجة كلّنا نُعاني بطريقةٍ أو بأُخرى سواء الناس الذين بقوا للآن في (سوريا) وسواء الناس الذي غادروها، كلّ شخص معاناته مُختلفة وكلّ شخص ردّة فعله تجاه أيّ شيء يحدث معه مُختلِفة. لكن قولاً واحداً لا يوجد أيّ شيء حولنا يُسهِّل حياة أيّ إنسان سوري في أيّ مكان في العالم سواء داخل (سوريا) أو خارِجها. فالأغاني هي فقط انعكاس للقصص التي كنت أعيشها، انعكاس للقصص التي 

زاهي وهبي: ماذا يُمكنها أن تفعل الأُغنية؟

لينا شماميان: أولاً الفنّ هو تدوين، هو تدوين لأي شيء نحن نمرّ به وليس فقط الأغاني، الأغاني والدراما والسينما في شكلٍ عام وحتّى الفنون، الفنّ في شكلٍ عام. بعد عشرين سنة ربما الناس لا يعودون يعرفون ماذا حدث مثلنا نحن الذين كنّا نمرّ في الحرب، لكن الموسيقى والفنون ستُظهِر هذا الشيء. مثل اليوم، كلّ الفنون التي أنتجت عن الحرب الأهلية في (لبنان) تُعرِّفنا عمّا كان يحدُث. الموسيقى لم تعالجني فقط، الموسيقى ساعدتني على أن أفهم، الموسيقى ساعدتني أن أقبل اختلاف الآخر، ساعدتني أن أقبل أحياناً حينما يكون هناك عُنف يُطبّق عليّ بدل أن أكتب أشياء على وسائِل التواصل الاجتماعي أكتب أغنية وأُحاول أن أُغيّر شيئاً، أحاول أن أحكي قصصاً

زاهي وهبي: على سيرة الحكايات نقلتِ حكاية أسير سوري من (الجولان) المحتلّ في مُعتقلات الاحتلال الإسرائيلي، غنّيتِ تلك الحكاية ولم تذكري الإسم على العمل لكي تعطيها

 بُعداً أنها حكاية كلّ أسير، كلّ مُعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي. ما الذي جعلكِ أو ما الذي حمَّسكِ أو دفعكِ لأن تُغنّي حكاية أسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي؟

لينا شماميان: عندما وصلتني رسالة في عام 2009 لم يكن في إمكاني أن أردّ عليه وعندما تصلك هكذا رسالة تحسّ أنّ في إمكانك أن تصل إلى قلب إنسان هو فعلياً مُحاصر في مكان كلّه جدران، شعرت أنّ الأغاني فعلاً يمكنها أن تُداوي، يمكنها أن تُداوي في مكانٍ ما. فهذه الأُغنية حكَت قصتنا كلّنا، كلنا في مكانٍ ما عالقون في مكان سواء الأسرى أو المعتقلين أو المُبعدين أو المخطوفين، حتّى الإنسان الذي يعيش حياته وليس عنده أي شكل من أشكال الحروب هو إنسان عنده حربه الشخصية الداخليّة، وكلّنا نكون عالقين في مرحلة معينة. فهذه الأُغنية كانت كلمة للناس الذين يمرّون في هذا الظرف وكلمة لنا كلّنا لكلّ المُصابين بآلام عشق البلاد في الداخل والخارِج

زاهي وهبي: نعم، خصوصاً وأنّ قضيّة الأسرى بالتحديد في سجون الاحتلال الإسرائيلي قضيّة منسية، يعني تقريباً غائِبة عن الإعلام العربي والعالمي ولا أحد يتطرّق إليها، وهناك أهل هؤلاء الأسرى وأوجاعهم وجراحهم وبالتالي من خلالهم المرء فعلاً يحسّ مع كلّ أسير، مع كلّ معتقل، مع كلّ غائِب عن أهله

لينا شماميان: أجل، هي الغربة العادية لنا تكون ثقيلة جداً على الأهل والعائِلة، فلا يُمكنني أن أتخايل أحداً، مثل امرأة تنتظر زوجها أو حبيبها أو أُمّ تنتظر إبنها أو أب ينتظر أولاده وهؤلاء موجودون في مكان ولا يعرفون عنهم أي شيء وعُمرهم يمرّ، وغالباً يكونون من الشباب أو حتّى من الكبار، يعني هناك أناس ينتظرون عودتهم وهم ليسوا فقط أسماء إنما هم الحكايات، هم بشر هم إنسان. فالأُغنية تحكي قصّتنا كلّنا

زاهي وهبي: "لينا" ما الفرق بين حينما تُغنّين لـ (الشام) في (الشام)، وإحدى أجمل وأشهر أُغنياتكِ هي لـ (الشام)، وبين عندما تُغنّين لـ(الشام) بعيداً عنها؟ إحساسكِ أنتِ كمغنّية، كفنانة 

لينا شماميان: يختلف الإحساس. أتمنى الآن قريباً إن شاء الله أن أستطيع أن أعود وأُغنّي ليس فقط في (الشام)، أنا لا أريد أن أرجع وأُغنّي فقط في (دمشق)، أتمنّى أن أُغنّي في كلّ المدن السورية، أتمنّى حتّى أن أُغنّي في المنطقة الشرقية لـ (سوريا)، هذا حلمي، أنني أُريد أن أُغنّي في كلّ المُدن، في المنطقة الشرقية، في (الرقّة)، في الأماكن التي عن جد صار فيها وجع كبير جداً ونحن ربما لا نعرِف عن هذا الوجع شيئاً. عندما أُغنّي لـ (الشام) وخارِج (الشام) لا أكون فقط أُغنّي عن نفسي، أكون أُغنّي لكلّ الموجودين سواء السوريين منهم أو غيرهم، وهم يكونون يحسّون بها الشيء، يحسّون بهذا الألم، يحسّون بهذا البُعد. في نفس الوقت هو شيء يجمعنا، يعني كوني أرمنية هذا علّمني قليلاً أنه في الإمكان أن تظل هناك علاقة مع الوطن. والوطن إذا لم يكن في مكانٍ ما فهو وطن اعتباري موجود معنا دائِماً

زاهي وهبي: كونكِ أرمنيّة وتحملين في جيناتكِ هذا الوجع الأرمني والجرح الأرمني الغائِر عبر التاريخ وحكايات الأرمن الذين تعذّبوا وتهجّروا والذين انسلخوا عن وطنهم في هذا العالم كلّه. كم هذا الشيء يُضاعِف الشجن؟ يعني الشجن الأرمني والوجع الأرمني مضاف إليه الوجع السوري العام؟

لينا شماميان: طبعاً للأسف كأنّك تعود وتعيش التاريخ مرة أُخرى. الألم الجماعي الذي تحسّ أنه موجود، الذاكرة الجماعية الموجودة التي لا تعرِف من أين تأتي تعود وتستيقظ فجأة، تعود لتحسّ بكلّ التفاصيل التي كان يحكونها لك الناس من أجدادك ووالدك. لكن في نفس الوقت تعود وتعرِف أننا من الناجين من المجزرة الأولى فالإنسان في الأخير هو ناجٍ هو خُلق لينجو، دائِماً عنده قدرة على التكيُّف مع الأوساط التي يوضع بينها لكن الألم والندوب تظلّ موجودة ومع الوقت يكبَر عليها لكنها دائِماً تظلّ موجودة. إحساس الظلم والخوف ربما هو الذي لا يُنسى وحينما يحدُث شيء لاحقاً يرجع فوراً هذا الإحساس بالظلم وأنّ يبتعد المرء ويرفُض أيّ شيء من الممكن أن يعيده إلى العيش في الظلم والخوف اللذين مرّ بهما

زاهي وهبي: نعم. قبل أن نتحدث عن عملكِ على التأليف الموسيقي وعلى كتابة الأُغنيات، أنتجتِ ألبوم "غزل البنات" في شكلٍ مُستقلّ، وقلتِ أنّكِ قمتِ بهذا الشيء لأنّكِ لا تريدين أن تكوني تحت أي غطاء سياسي، هل تشعرين أولاً أنّ الإنتاج، الإنتاج الفنّي، مرتبط بتوظيف سياسي مُعيّن؟

لينا شماميان: أجل، بصراحة أجل، مؤخراً صرت أحسّ كثيراً بهذا الشيء. يعني أنت من اللازم أن تكون معك أجندة سياسية لكي تحصل على تمويل الألبوم أو يكون معك Sponsor من أية جهة كانت طبعاً. ففكرة حريّة الرأي أو حريّة التعبير هو شيء ليس موجوداً بكثرة في الفن بخلاف إذا أنت كنت تشتغل في شكلٍ مُستقلّ، وهذا الشيء ستدفع ثمنه، ستدفع ثمنه سباب ومُحاربة ومُقاطعة من أيّ طرف سياسي متطرِّف، أنت ستدفع ثمن قرارك في ألّا تتطرّف وأن تحكي في الحق والعدل وفي الإنسان. وبالنسبة للسياسة في شكلٍ عام ليس الإنسان هو الذي يُحدِث الفرق وإنّما الأجندة هي التي تُحدِث الفرق

زاهي وهبي: شعرتِ في لحظات معيّنة أنّ صوتكِ عُرضة للتوظيف السياسي وأنّ هناك مَن يسعى لتوظيف تجربتكِ؟

لينا شماميان: دائِماً هذا الشيء موجود

زاهي وهبي: هلّ عندكِ الإرادة والقوّة في أن تقولي لا حينما من اللازم أن تقولي لا؟

لينا شماميان: بعد سبعة عشر سنة صار من الصعب جداً أن أعود وأقول أجل، قمت بخطوة ومشيت بها لوحدي الحمد لله، فمنذ البداية كان إنتاجي مُستقلّاً. فاليوم أنا لن أُغيِّر بعد كلّ هذا العُمر، ربما أُفضّل أن أُغيِّر مهنتي ولا أن أشتغل مع توظيف سياسي وفي أجندة سياسية تخدُم أيّة مصالِح سياسية على حساب الإنسان

زاهي وهبي: نعم، أو على حساب بلدكِ مثلاً     

لينا شماميان: أكيد، أكيد

زاهي وهبي: "لينا"، كم الميديا الحديثة ووسائِل التواصل خلقت مساحة حريّة أكبر للفنانين المُستقلين؟ كم في هذا المعنى كسرت الاحتكار والتعتيم الذي كان من الممكن أن يُمارسه إمّا المنتِج أو الإعلام التقليدي. يعني كم اليوم تحسّين أنّ في إمكان صوتكِ أن يصل رغم أيّة صعوبات من خلال هذه الوسائِل الحديثة اليوم؟ خصوصاً وأنّ كثيراً من الفنانين يقولون وأسمع منهم، حتّى ضيوفي، أنّه حتّى زمن الألبوم أيضاً ولّى واليوم يستطيع الفنان أن يؤدّي أُغنية وينزلها على وسائِل التواصل أو على اليوتيوب وتصل للناس

لينا شماميان: أنا أجد أنّ هذا الشيء مؤسف بصراحة

زاهي وهبي: مؤذٍ؟

لينا شماميان: بصراحة أنا أجد هذا الشيء مؤسفاً، مؤسفاً

زاهي وهبي: لماذا؟

لينا شماميان: لأنّه قبلاً كانت المعايير الفنيّة أعلى، كان أن تقدِّم ألبوماً فهذا يعني أنّ عندك تسع أغنيات لها تيمة معيّنة، لها طرح مُعيّن، وهناك محاكمة موسيقيّة ونصيّة للعمل تتحدث عن مثلاً خبرتك خلال سنة إلى ثلاث سنوات. أمّا اليوم، أُغنية واحدة هي، عرِفت؟ أحياناً تجد فناناً يُقدِّم أُغنية واحدة في مسيرته كلّها وفجأة صار نجماً، الأمر ليس هكذا، أنا لغاية الآن بالنسبة لي الأمور ليست هكذا تُحتسب. المُشكلة في الـ Social Media أنّها ليست مستقلّة كما يظهر، يعني حتّى بما يخصّ الـ Social Media هناك تمويل وهناك شيء يظهر على حساب شيء آخر وهناك مافيات، نحن لم نختلف إنما اختلفت فقط قنوات التوزيع

زاهي وهبي: هناك جيوش إلكترونية ليس فقط عند الحكومات، هناك جيوش عند شركات الإنتاج وعند المؤسّسات

لينا شماميان: حتّى هناك فنانون مُستقلّون عملهم مثلاً أن يسبّوا فناناً معيناً أو يخربوا إسم فنان معيّن، فالمنافسة لم تعُد شريفة أكثر إذا أردت، الفرق فقط أنّه صار في إمكانك أن ترى

زاهي وهبي: لا، وجهة نظري. وأنتِ لفتّي لي نظري إلى مسألة أسمعها لأوّل مرة حول هذا الموضوع، من فنان أقول أسمعها للمرة الأولى، وهي جديرة بأن يسمعها المرء وأن يطرحها على بساط البحث حتّى مع ضيوفٍ آخرين. قبل أن نتوقف مع استراحة أرغب أيضاً أن أسمع صوتكِ كي يظلّ حاضراً معنا وليس فقط في الأفكار الحلوة التي تقولينها وإنما أيضاً في إحساسكِ الحلو "لينا"

لينا شماميان: سأُغنّي مقطعاً من "أنا سورية يا أخي أنا سورية"

زاهي وهبي: هيّا

لينا شماميان: (تغنّي)

المحور الثاني                 

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا نُشاهِد مقتطفات من أعمال وحفلات "لينا شماميان" الفنانة السورية المتميّزة، أهلاً وسهلاً بكِ مرة أُخرى في "بيت القصيد". شغلكِ أساساً والموسيقى التي تشتغلينها قائِمة في الأساس على دمج أنماط موسيقية، وحضرتكِ مثلما قلنا في تجربتك يتداخل الأرمني والعربي والمارديني والشامي والكثير. انتقالك إلى (أوروبا) وإقامتكِ في (فرنسا) كم على المستوى الفنّي والموسيقي عززّت هذه الاتجاه هذا عندكِ؟

لينا شماميان: الشيء الذي وجدته غريباً أننا كلّما ابتعدنا مكانياً عن المكان الذي أتينا منه، يعني كلّما الشجرة تعلو لفوق أكثر كلما عن جد جذورها

زاهي وهبي: جذورها تمتد

لينا شماميان: هذا القول صحيح يعني. عندما كنت أعيش في (سوريا) كنت أشتغل أكثر على أن أُعطي الموسيقى الشرقية كثيراً من النكهة الغربية لكن في آخر ألبومين، تحديداً في ألبوم "لونان" وحتّى في أُغنية "أنا سوريّة" واضح جداً أنّ العُنصر الشرقي هو الذي بدأ يطغى على أُغنياتي. أنا نفسي لم أكن أعرِف هذا الشيء، مثلاً لم أكن أتخايل مثلاً أنّني في أّغنية "حنة وزهر" سأرجع إلى مقامات سريانية، لم أكن أعرِف أنّ الإيقاعات الأرمنية ستدخل إلى هذا الحدّ في أُغنياتي. استغربت بنفسي أولاً، يعني أيضاً الغربة تجعلك تكتشف نفسك من جديد، صار عندي تعلُّق أكثر بهذه الجذور لأنّ هذا هو الشيء الذي نحن نتميّز به، هذا هو الشيء القوي عندي، وهذا هو الشيء الذي يُمكن أن يجعلني أكون أنا أكثر في مكان يُمكن أن أفقد فيه هويّتي بسرعة

زاهي وهبي: نعم. كم في وجدانكِ وفي أفكاركِ وفي وعيك تداخل الثقافات يخلق نوعاً من التناغُم أو يُحدِث تصادماً؟ كيف تعيشين كلّ ما شربتيه عبر رحلة الحياة والعُمر من البيت، من الجدّات اللواتي انتماءاتهن متنوّعة، إلى يومنا هذا؟   

لينا شماميان: هذا الشيء شخصي ويختلف من إنسان إلى آخر، حتّى أنا واخواتي مختلفون في التفاعل وكلّ واحد شكل

زاهي وهبي: يختلف كلّ شخص عن الآخر

لينا شماميان: أنا في شكلٍ عام شخص إيجابي يميل إلى أنّه دائِماً يكون مسروراً بالأشياء وينسّق الأشياء. بالنسبة لي أعتبر نفسي أنني كنت محظوظة كون عندي كذا جذر وكذا ثقافة لأنّه يُمكنك بذلك أن تتعلّم أشياء كثيرة من الثقافات المختلفة من دون أن تدري. أنت لا تدري كيف يصلك الشيء التراثي والثقافي، أنت فقط تدري حينما يظهر نتاج ذلك. في نفس الوقت، ما أحسّه أنّه يمكنك أن تكون مئة في المئة من كلّ شغلة أو يمكنك أن تحس بنفسك أنّك لا تنتمي إلى أي شيء، هو فخّ سهل جداً ليقع المرء فيه ويختار هوية جديدة، وأحسّ أيضاً أنّ الخيارات هي أشياء شخصية. أنا أعتبر نفسي أنني كنت محظوظة وهناك تناغم بين الجذور، وهذا الشيء علّمني أن أكون منفتحة أكثر على ثقافات أُخرى لم أكن أعرِف بها وعلّمني ألّا أتعامل بفوقيّة مع الثقافات الأُخرى

زاهي وهبي: ليس لأنك موجودة، أنا دائِماً أُكرّر مسألة، أنا من المُعجبين بالثقافة الأرمنية وفي أنّ البيئة الأرمنية، المُجتمع الأرمني وكم يُتنج من فنانين، يعني كم عنده اهتمام في الموسيقى، كم عنده اهتمام في الرسم، كم عنده اهتمام في الغناء، في رقص الباليه، إلى آخره. هل يُمكن أن نهدي مُشاهدينا الأرمن في كلّ هذا العالم شيئاً بصوتكِ؟ 

لينا شماميان: أكيد

زاهي وهبي: يعني هدية من "بيت القصيد" ومنكِ

لينا شماميان: أكيد

زاهي وهبي: تفضلي

لينا شماميان: سأُغنّي الأُغنية التي أغلب الناس تعرفني بها ويحفظونها مع أنهم أحياناً لا يعرفون الكلمات. (تغني)

زاهي وهبي: شكراً على الأداء الحلو وتحيّة من خلالكِ لكلّ المُشاهدين الأرمن في كلّ العالم مع تجديد الاحترام لثقافتهم ولفنّهم ولكلّ شيء يُقدّمونه وللإبداع الإنساني. أيضاً تأثرتِ حضرتك في الفنون أو في الموسيقى الماردينية أو المارديليّة كما يقولون لها في العالم العربي ويلفظونها

لينا شماميان: المارديليّة صحيح

زاهي وهبي: لأنّ جدّتكِ لأمّكِ من (ماردين)

لينا شماميان: من (ماردين) وجدّي سرياني، يعني ماما سريانية، وجدّي لأمّي من (زحلة) في الأساس وجدّتي لأمّي من (ماردين)، ماردليّة ومنها تعلّمت الكثير من الأشياء، الثقافة الكلدانية، السريانية، الأكلات والطبخات والكباب واللهجة التي كانت تحكي فيها دائماً، حتّى أنني حفظت عدداً من الكلمات السريانية وتعلّمتها منها

زاهي وهبي: غنّيتِ مارديلّي؟

لينا شماميان: غنّيت مارديلّي وغنّيت سرياني

زاهي وهبي: كيف يغنّون مارديلّي؟ لا أعرف كيف، لم أسمع قط

لينا شماميان: مارديلّي أم سرياني؟

زاهي وهبي: مارديلّي في الأول

لينا شماميان: سأغنّي لك مقطعاً

زاهي وهبي: أو إذا أردتِ انتقلي من المارديّلّي إلى السرياني، يعني كلاهما

لينا شماميان: (تغنّي)

زاهي وهبي: جميل جداً. ألف شكر، وسرياني؟

لينا شماميان: سرياني؟ سأُغنّي مقطعاً من أوّل أُغنية سريانية مسجّلة إسمها "شامومر"، أغنية حب (تغنّي)

زاهي وهبي: ألف شُكر، على فكرة الموروث السرياني مُكوِّن أساسي في ثقافتنا وفي ذائِقتنا عبر التاريخ يعني، والعربيّة فيها الكثير من السريانية. إسمحي لنا أن نذهب برفقتك قبل أن نُتابع الحوار مرة أُخرى مع "سحر حامد" و"قطع وصل"

قطع وصل - لينا شماميان:

- سبب العُنف الأكبر في العالم هو الخوف. هو شكل من أشكال الناس في الدفاع عن أنفسهم، شكل من أشكال السيطرة والغرور من الناس الذين يملكون سلطة أكبر على الناس الذين عندهم سلطة أقلّ وبالتالي الذين عندهم سلطة أقل سيعودون ويردّون دائِرة العُنف الذي يتلقونه ويكونون معنِّفين للناس الأضعف منهم وتستمرّ الحلقة مع الأسف. في ظلّ كلّ هذا العنف اليوم الذي نمرّ فيه، الغناء ليس فقط يغيّر الجو أو يطرح الأفكار من خلال الأغاني الجديدة وإنّما هو تدوين لكلّ ما نعيشه ونمرّ فيه. جسدياً ونفسياً واجتماعياً الفنّ عامل أساسي جداً، وتحديداً بالنسبة لي الموسيقى، هو شيء أساسي جداً في تخفيف العُنف اليوم وله رسالة أساسية

- التنوُّع في النسب والأعراق والاختلاط بين المُجتمعات وأنّ المرء يخلق في مُجتمع أو ينتقل إلى مُجتمع آخر هو أولاً شيء اختياري. أنا ولدت في عائِلة مُختلطة ولم أتّخذ هذا القرار، لكن قرار المرء يعود إليه في أنه هلّ يأخُذ طرفاً واحداً؟ أو يشعُر دائِماً بالنقص وأنّه لا ينتمي في شكلٍ واحد إلى مُجتمع واحد؟ أو يحسّ أنه محظوظ في أنه ولِدَ في مُجتمعين ويتعلّم مئة في المئة من كلّ مُجتمع؟

- فعلاً عندي مزيج من الشغف ومن المشاعر وأكيد من الأخطاء ومن الإيجابيات ومن السلبيات. توجد مُحاولة دائِمة لأن أتوازن، لأن أكبر أكثر، لأن أتعلّم أكثر وربما أعتبر نفسي محظوظة لأنني طوال عمري أظلّ أرى نفسي شخصاً يدرُس في الحياة، شخصاً يتعلّم أشياء أُخرى وجديدة في الحياة

- أنا شخص عتيق وأُحبّ الأشياء العتيقة دائِماً ومرجعيّتي دائِماً تكون (سوريا) وجذوري منها أكيد. أُحبّ الناس وأُحبّ المُدن وأُحبّ الأغراض وأُحبّ الفنّ كثيراً، أُحب العدل وأكره الظلم

زاهي وهبي: ونحن نُحبّكِ أيضاً وإن شاء الله يكون الحبّ دائِماً رفيقكِ الدائِم. أيضاً اشتغلتِ "لينا"، هذا التنوّع الذي تحدّثتِ عنه سواء في الاستديو أو في "قطع وصل"، اشتغلتِ ولم تكتفِ به مثلما قلت قبل قليل، اشتغلتِ على شيء من الموروث الغنائي التونسي البحريني المصري، ألا يكفيك ما عندكِ؟ 

لينا شماميان: لا. لست قنوعة جداً بما يخصّ الموسيقى. عندما درست غناء كلاسيكياً كنت محظوظة أيضاً أعتبر لأنني درست في المعهد العالي للموسيقى في (دمشق). كان عندنا خبراء عن جدّ من أحسن الخبراء، وأنا كنت في فترة كانوا قد بدأوا فيها بالانفتاح على موسيقى الجاز ومن حُسن حظّي أنّه بدأ يأتي الكثير من الخبراء الأجانب ونقوم بورشات عمل معهم ونعتلي المسرح مع أناس محترفين على مُستوى عالمي. الآن ضمن الدراسة هناك مادّة التحليل الموسيقي وهذا شيء يُعلِّمك كيف تدرُس التُراث، كيف تشتغل على الـ variations أو التنويعات على التراث. فهذا الشيء أولاً تبدأ به من دائِرتك الصغيرة، الأغاني الصغيرة التي حفظتها كانت هذه تجربتي الأولى في "أسمر اللون". لاحقاً تبدأ تنتقل إلى الفضول، مثل أنّ التراث الآخر ماذا سيكون؟ عندما أذهب مثلاً إلى (البحرين) هناك إيقاعات خليجية صعبة جداً، عندنا تأثيرات هندية، إيرانية، أفريقية

زاهي وهبي: طبيعي، كلّها متداخلة ومنصهِرة في بوتقة واحدة

لينا شماميان: لا تتخايل، يعني موسيقى الخليج هي فعلاً شيء جميل جداً، هو كنز فظيع. حتّى كان هناك تأثير برتغالي أحسست بأنه موجود في الموسيقى البحرينية. هناك فنون للنساء وفنون مختلفة للرجال

زاهي وهبي: ما الذي يُميِّز بين فنون النساء وفنون الرجال؟

لينا شماميان: المواضيع في شكلٍ أساسي. هناك أغاني صيد اللؤلؤ في (البحرين) هي من فنون الرجال الذين كانوا يتركون عائِلاتهم لفترات طويلة جداً ويذهبون إلى رحلات الصيد. الأغاني التي كانت تُغنّى على القارب من قِبَل "النهّام" أو "النهّامة" هي أغان عاطفية جداً كانت تجعل الغوّاص الذي ينزل من دون أوكسيجين يغوص ويكون عنده سبب عاطفي لكي يرجع لفوق

زاهي وهبي: حلو. لا تكتفِ بالنظري بما أننا نتحدث عن هذا الشيء، هذا شيء يحتاج إلى تطبيق

لينا شماميان: لأقول لك، هو شيء عن جدّ رائِع لكن أنا أُفضِّل أن يُعرض شيء من الحفلات لأن الـ Harmony الذي انشغَل بالإضافة إلى وجود الفرقة التقليدية

زاهي وهبي: هلّ يُمكننا أن نُشاهِد جزءاً منه؟

لينا شماميان: أكيد

زاهي وهبي: هيا (يُعرض جزء من الفيديو). حلو كثيراً الذي شاهدناه. أكيد يعني كلّ هذا التنوّع يُضيف أيضاً لشخصيّتكِ، لتجربتكِ، لذائقتكِ الموسيقية، صحّ أو لا؟

لينا شماميان: أكيد، حتّى الشغل الذي اشتغلته على التُراث في (تونس) هو أيضاً جداً صعب علينا. نحن في، سأقول بلاد (الشام) أو حوض المتوسِّط، شرق المتوسّط، تراثنا مُختلف قليلاً ونحن عندنا الألحان أو الميلودي، النغم هو المُسيطر بالإضافة إلى النصّ. عندما نبتعد قليلاً عن البحر المتوسّط يبدأ يصير هناك تنوّع أكثر إيقاعي، سواء هذا الشيء موجود في الخليج وفي (العراق) لكنّه أيضاً موجود بكثرة في المغرب العربي والإيقاعات جداً مُركّبة، المقامات تختلف، الربع مُختلف بين كلّ منطقة عربيّة عن الأُخرى وأنا أحسّ أنه صار هناك ظلم عندما أوجِدَ الأورغ الشرقي لأنه ألغى الفروقات في الربع ما بين بلاد (الشام) عن (الخليج)، عن (مصر). حتّى في قلب (سوريا) نفسها (دمشق) تختلف عن (حلب)، تختلف عن (الجزيرة)

زاهي وهبي: يعني تُفضّلين التخت الشرقي القديم في الموسيقى؟  

لينا شماميان: أكيد، أُفضّل الأصول أكثر. حتّى تخايل أنه عندما عازف الكمان يعزف مقاماً شرقياً، أثناء صعوده في السلّم الموسيقي أو المقام، يختلف مكان الربع عن مكانه عند نزوله. نحن فقدنا هذا الشيء مع الوقت وهذا الشيء نسمعه في صوت غناء الجدّات

زاهي وهبي: هذه من الآثار السلبية للتكنولوجيا على الأدوات أو الآلات الموسيقية. قلتِ أنّك شخص عتيق وأنا أقول لك أنّ ذاكرتكِ أو وعيكِ، ذائِقتكِ عتيقة لكن حضرتكِ شخص جديد جداً وتُجدّدين في شغلكِ الموسيقي. قبل أن نتحدث عن سبب كتابتكِ أيضاً، يعني بالإضافة للتأليف والغناء مددتِ يدكِ إلى الشِعر وتنافسيننا، وهناك أصدقاء شعراء ربما لم يطب لهم الأمر كثيراً. دعيني أتحدث عن المرأة الحاضرة في أُغنياتكِ كموضوع، كقضيّة بالأحرى. مهمومة؟ بالإضافة إلى هذه الهموم الإنسانية وهموم بلادنا والحروب والمآسي التي نعيشها والتي يعيشها بلدكِ (سوريا) في شكلٍ أساسي. قضيّة المرأة تشغلكِ؟

لينا شماميان: أنا امرأة

زاهي وهبي: "شهرزاد" مثلاً

لينا شماميان: قلتها في الربورتاج، أنا بالنسبة لي الظلم هو المحرِّك الأساسي لي، والمرأة في الكثير من النواحي لا تزال مظلومة ليس فقط في المُجتمع، هي مظلومة وحتّى تظلم نفسها أحياناً كثيرة. فأنا في أُغنياتي أتحدّث مع نفسي وأنا لا أوافقك لأنني لا أكتب شِعراً في شكلٍ مستقلّ وأُصدِر دواوين، أنا لم أصل إلى هنا. أنا أشتغل شغلي، أنا أكتُب أغان كامرأة. لا أتخايل أنّ في إمكاني أن أكتب اليوم نصّاً أو أُغنية كرجُل، لا أعرف ماذا يعني رجل، أعرِف أن أُحبّه، لكن أنا ليس في إمكاني أن أكون رجلاً. الشيء نفسه، الرجل يُمكنه أن يفهم المرأة عندما تكتب له المرأة، عندما تُغنّي المرأة عن نفسها. فاليوم أحسّ بوجود الكثير من الظلم، هذه الوصاية التي يُمارسها العديد من الـ

زاهي وهبي: حتّى في الحروب الضغط على المرأة رغم أنّ في الجبهات من الممكن أن تكون أقلّ حضوراً من الرجُل ولكن يقع عليها الكثير من الظلم. رأيناها تُسبى، تُغتَصب، الحوامل تُبقَر بطونهنّ، يعني تتعرّض دائِماً المرأة

لينا شماميان: وهي في الأخير تظل لوحدها، صحيح وهي تظلّ لوحدها، وهي التي تربّي العائِلة لاحقاً وهي التي تُكبِّر الأولاد وهي التي تهرب بهم. فالمرأة تحمل الكثير، المرأة عن جدّ الظلم لا يأتي عليها من جانب واحد إنّما إحساسها بالمسؤولية تجاه نفسها وتجاه الذين حولها. فأنا بالنسبة لي كلّ ما أكتبه سيظلّ قليلاً، وهي ليست قضيّة مؤقّتة أنا أشتغل عليها. في كلّ شيء مررت به وأنا حتّى عندما كتبت عن (الشام) أنا كتبت عنها كامرأة. يعني الأرض بالنسبة لي هي امرأة. فبالنسبة لي

زاهي وهبي: أنا للحقيقة كنت أؤجِّل الحديث عن "تذكّري" للآخر، التي هي أُغنيتكِ الجديدة التي تشتغلين عليها والتي تنوين أن تُصدريها في وقت قريب، وإن شاء الله الظروف تُساعدكِ. ماذا ستتذكر؟ لمَن تقولين "تذكّري"؟

لينا شماميان: تذكّري لكلّ امرأة في لحظة تحسّ نفسها مُبعدة أو معزولة أو تعزِل من هم حولها. لأنه أرجع إلى الربورتاج، هي دائرة العنف. عندما ينطبق عليك العُنف، عندما ينطبق عليك الظلم ممكن كثيراً أن تعود وتُظلِم من هم حولك. هذه هي الفكرة

زاهي وهبي: يراه المرء كأنه هَرَم أحياناً الظُلم، انّ الإنسان يتعرّض لظلم أرفع منه في عمله مثلاً ويعود إلى البيت ويظلم، إذا استطاع أن يظلم، زوجته

لينا شماميان: في شغله، في بلده، في حياته، في يومياته، في وسائِل مواصلاته، فهذا طبيعي وهي حلقة إذا لم نعرِف كيف نحن نوقفها، وهذه غالباً مهمّة الأُمّ في البيت. الامرأة هي التي تمتصّ الاحتقان، هي عندها هذه القدرة العاطفية والعطاء الكبير جداً وأن تحتضن مشاعر الذين حولها

زاهي وهبي: لماذا قرّرتِ أن تكتبي أُغنياتكِ بنفسكِ؟ هلّ للإقامة الباريسية دور في هذا الموضوع؟ وجدتِ أنّ صناعة، مثلما كنتِ تريدين أن تقولي وقالت لك إننا سنؤجل الحديث قليلاً، أنّ صناعة الأُغنية في (أوروبا) مختلفة عن صناعة الأُغنية في الشرق؟

لينا شماميان: أوّل شخص علّمني أنّ في إمكاني أن أشتغل على الأغاني صحّ كموسيقى كان أُستاذ "فيكتور بابينغو" في المعهد و"مدام "ليلى" آنسة الـ Harmony، كان عندي خبراء يُعلّمونني هذا الشيء. عندما بدأت في كتابة الأغاني كنت أُعاود إرسال أُغنياتي لخبراء سواء "دافيد مزارتي" المايسترو الموجود في (إيطاليا)، كنت أُرسِل دائِماً، عندي أيضاً الفنان "أحمد الخطيب" الموسيقي والفنان "يوسف حبيش"، دائِماً عندي مرجعيّات

زاهي وهبي: احترامنا لجميع الأسماء التي ذكرتها

لينا شماميان: تماماً، فأنا لم أكن أشتغل شيئاً ليس شغلي. تأليف الأغاني يختلف عن كتابة الشعر. أن نؤلِّف أُغنية، هذا يعني أن أكتب كلمات وأنا على آلتي الموسيقية وهذا شيء مُختلف وهو الـ Song writing. هذا شيء مُختلف

زاهي وهبي: وهذا الذي تقومين به 

لينا شماميان: هذا الذي أقوم به، فأنا أشتغل شغلي فعلياً. ممكن أن يكتب أحدهم الشعر ولاحقاً يُلحّن، وممكن أن يكتب لحناً ولاحقا يضع عليه كلمات لكن أغلب الموجودين اليوم

زاهي وهبي: لكن حتّى لو كتبتِ شعراً حقّكِ هذا الطبيعي. أيّ فنان له الحق في التجريب، التجريب حق للجميع، لا أحد في إمكانه أن يقوم بحُرم في هذا الموضوع على أحد

لينا شماميان: مع الأسف، هناك الكثير من الناس الذين يُفترض أن يكونوا يشتغلون في الأدب ويتحدثون عن الحرية والموسيقى وحريّة التعبير هم اليوم يُمارسون وصايتهم على مَن يحقّ له أن يُعبِّر ومن لا يحق له. هو لا يكتفي بقوله أنا أحببت أو لا، هو يمنع الآخر أن يقوم بشيء هو من رأيه، يعني أنا أمنعك أن تقوم بشيء من رأيي أنه من غير اللازم أن تقوم به من دون أن أُفكِّر للحظة، من أنا لأمنع الآخرين؟ أنا في إمكاني أن أقوم بشيءٍ أحسن، أنا في إمكاني أن أنتقد على أساس موضوعي وعلمي، لكن أنا لا حقّ لي لمجرّد رغبتي الشخصية أن أُشهِّر بأحدهم أو أمنعه عن ممارسة شيء. ففي شكلٍ أساسي لم تكن فقط الإقامة، الإقامة أيضاً كانت سبباً وأنا مدينة لـ (فرنسا) لأنها علّمتني وجعلتي أعزف البيانو وأشتغل على نفسي أكثر. لكن بالإضافة إلى هذا الشيء رفضي للوصاية الموسيقية التي كانت تُطبّق عليّ وأنا كنت أسمح أن تُطبّق عليّ، أكيد

زاهي وهبي: نعم، وشغفكِ أيضاً في شغلكِ الذي تحدثت عنه وإن شاء الله يظلّ هذا الشغف مشتعلاً في داخلكِ وفي قلبكِ وروحكِ وتظلّين تُعطين أعمالاً حلوة. كم أيضاً في قصة الكتابة ممكن أن تكوني، لأنّك تؤلّفين الموسيقى وتكتبين وحضرتكِ التي تُغنّين، تفهمين صوتكِ أكثر وبالتالي تكتبين له حتّى ربما تقطيع الجُمل، تقطيع الكلام، في طريقة أفضل من إذا أحد آخر يكتُب؟

لينا شماميان: هذا أحد الأسباب الأساسية الذي جعلني أعود وأشتغل على التلحين والتوزيع الموسيقي. مُستحيل على شخص لا يعيش قصصك ولا يعرِف صوتك تماماً أن يستطيع أن يستوعب المساحة الموسيقية للصوت مهما كان مؤلفاً رائعاً ومهما كان كاتباً رائعاً، هذه قصّتك. في طريقةٍ ما هي هذا الفضول لصوغ القصص وإخراجها بصدق حقيقي. في رأيي هذا الشيء، كما كنت أتحدث عن التدوين، هي خبرتي وتدوين لخبرتي في الحياة. هي قصتي التي أحكيها وأتشاركها مع الناس، هي تعرية للروح وهو شيء صعب وليس سهلاً جداً، وتعرية للصوت في الوقت نفسه. والناس الذين يُشاهدونني مباشر على المسرح هم الذين يشاهدون هذا الشيء، أنّ الأغاني التي أكون اشتغلت عليها هي الأغاني التي في إمكاني أن أفتح فيها صوتي على الآخِر لأنني أعرِف ماذا اشتغلت فيها

زاهي وهبي: ربما لأنك لا تغنّيها فقط بصوتك وحنجرتك بل تغنيها بجوارحكِ كلها. سأترك لك مسك الختام، أشكرك جزيلاً لأنك نوّرتِ "بيت القصيد" واستمتع دائِماً في الحوار معكِ "لينا شماميان" ولو هناك عشر سنوات بين الحوار والآخر، عقد كامل، لكن إن شاء الله عشر سنوات سمان كانوا بالنسبة لكِ وليسوا عجاف وإن شاء الله السنوات القادمة لمشاهدينا في كلّ أنحاء الوطن العربي وخصوصاً الليلة في (سوريا) بوجودك تكون سنوات سمان السنوات المقبلة بعد السنوات العجاف المؤلمة التي مرّت، ومسك الختام بصوتكِ

لينا شماميان: (تغنّي)