بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

باسكال لحود - نائب رئيس الجامعة الأنطونية في لبنان

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. سيّدةٌ مُثقّفةٌ تُمثِّلُ نموذجاً راقياً وواعياً للمرأة اللبنانية والعربيّة، وأكاديمية منفتحة على ما يُنتَج ويدور خارِج أسوار العمل الجامعي، وباحثة مشغولة بالفلسفة والأفكار والنظريّات وفي علاقة ما تحتويه صفحات الكُتب في الواقع وفي مجريات الأمور في بلادٍ تبدو وكأنها منذورة للحروب والأزمات. عملها الجامعي والفِكري والبحثي لم يُشغلها عن هموم بنات جنسها إذ تبدو أيضاً مشغولة في قضايا المرأة وحقوقها خصوصاً وفي قضايا الحريّات العدالة والمُساواة عموماً. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعدُ بتقديم كاتبة ومؤلِّفة وباحثة وإدارية لبنانية ناجحة، نجول برفقتها في حديقةٍ من الآراء والأفكار المتنوّرة والمُنيرة. نُرحِّب بنائب رئيس الجامعة الأنطونية في (لبنان) الدكتورة "باسكال لحّود"، أهلاً وسهلاً شرّفتِ "بيت القصيد"

باسكال لحّود: شكراً، شكراً على المُقدِّمة، أخجلتني

زاهي وهبي: لا العفو. أولاً، سؤال في العموم. هلّ لا تزال الفلسفة في رأيكِ مؤثِّرة وضرورية في عالم اليوم؟ أم تراجعت سطوتها وتأثيرها في المُجتمعات عموماً وليس فقط في بلادنا؟

باسكال لحّود: تغيّر شكل تعبيرها عن ذاتها. يعني طبعاً الباحثون في القرن الحادي والعشرين عن أنظمة فلسفية مثل الذي عرفته (أوروبا) في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ليس هذا هو الحضور نفسه للفلسفة، ولكنّها في العواصم التي تُقدِّر الفلسفة لا تزال موجودة في أشكال مُختلفة، في موضوعات تطوّرت، ولكنها موجودة ومؤثِّرة. في عالمنا العربي ليس وحدها الفلسفة غائِبة أو مُهمّشة في قطاعات كاملة من الثقافة ليست على القدر الذي نرجوه

زاهي وهبي: في مرحلة من المراحل كان الفلاسفة والمفكرون الكبار في العالم عموماً ضمن دائِرة النجوم والمشاهير. يعني إذا تسألين أيّ طالب جامعي، أيّ شاب عنده ثقافة عامة، يعرِف ويقول لك أسماء فلاسفة مشاهير ومُفكّرين، اليوم لا نحسّ بهذا الشيء. هلّ هو جزء من هذا التراجع العام للثقافة في العالم، في الكوكب كلّه؟ أم مسألة الفلسفة في حدّ ذاتها أصبحت ضمن دوائِر مُحدّدة ومعيّنة؟

باسكال لحّود: تقديري أنّ النجومية هي للمثقف وليست للفيلسوف حصراً وهذا المُثقّف يتغيّر، يعني تارةً يكون الفيلسوف وطوراً الشاعِر وطوراً الروائي مثلاً، حتّى على هذا الصعيد عندنا شعور حالياً أنّ مركز الثقل في الثقافة العربيّة يميل ولو قليلاً إلى الرواية في وقتٍ كان فيه الشِعر عنده النجومية أكثر. لكن النجوميّة في حدّ ذاتها ليست قيمة ثقافية

زاهي وهبي: نعم

باسكال لحّود: يعني ليس إذا كان الفيلسوف نجماً أو لم يكن هذا يُحدّد قيمة ما أتى به فلسفياً

زاهي وهبي: نعم، أنا آخذها من ناحية مدى الحضور، سطوة حضور الأفكار نفسها. يعني تكون أفكاره مؤثِّرة فبالتالي يكون ربما إسمه شائِعاً أكثر في زمنٍ ما. أنا ربما أتحدث عن الستينات وأوائل السبعينات

باسكال لحّود: طبعاً، إلى حدّ السبعينات كانت التيارات الفلسفية المتقابلة ما بين الوجودية والماركسية والبنيانية في ما بعد كان حضورها أكبر في ساحة النقاش العام. النقاش العام حالياً يصير على جزئيات أكثر من النظريات الكُبرى، جزئياً بسبب أيضاً تراجع المنظومات التفسيرية الكبيرة، يعني الماركسية، التحليل النفسي. لم تعُد هكذا شروط اللعبة الفِكريّة حالياً

زاهي وهبي: نعم. لماذا في رأيكِ الرواية اليوم في العالم العربي خصوصاً، يعني نحن نشأنا على مقولة أنّ الشِعر ديوان العرب، وتعلمين كم الشِعر العربي حاضِر في حياتنا وكم ربما إذا أردنا اليوم أن نعرِف أيّ شيء عن الجاهليّة مثلاً لا يوجد مرجع إلّا الشِعر الجاهلي في شكلٍ أو في آخر. لماذا تراجع الشِعر وتقدّمت الرواية؟  

باسكال لحّود: لا تفسير عندي، هذا يقع خارِج إطار اختصاصي، لا جواب عندي إلّا انطباعاتي الشخصيّة كقارِئة. أظنّ أنّ هناك الكثير من الأشياء في الحياة العربية لا يقولها الشعر وتقولها الرواية من جهة، ولا يوجد مشكل في أن تكون هناك رواية وأن يكون هناك شِعر. الرواية نوعٌ مُعقّد ومُركّب وفيها الكثير من التفاصيل، والشِعر قادر على أن يقول التجربة الإنسانية على مُستوى معيّن من العُمق والتجديد، فلا مانع من أن يكونا كلاهما

زاهي وهبي: لماذا أحسّ أن علاقتكِ في الأدب عموماً كأنّها تُهمة تُحاولين أن تهربي منها؟

باسكال لحّود: أبداً، على العكس. من احترامي للموضوع أعرِف أنّ رأيي هو رأي القارِئة وليس رأي باحثة، على العكس تماماً. أنا أتيت إلى الفلسفة من الأدب وأظن أنني بقيت جزئياً هناك أيضاً في الأدب

زاهي وهبي: هلّ الباحثون عندهم مأخذ على الباحث الذي عنده ميل أدبي؟ هلّ يعتبرون هذا الشيء مأخذاً؟ بمعنى إذا كانت لغته البحثيّة مشوبة بالأدب فهي نقيصة؟

باسكال لحّود: قليلاً، في الفلسفة يوجد هذا النزوع. مؤخراً كتاب "أحمد بيضون" "في صحبة العربيّة" لفتني موقفه من هذه النُقطة، أنّ الذي يأخذ على الباحث في العلوم الإنسانية أو سواها جمال لغته يكون يُعبِّر فقط عن نقصه هو في المسألة الأدبيّة، نقص فهمه لمعنى كلمة أدب ولا يكون يقول رأيه في البحث الذي يقرأه. لكن توجد هذه العقدة نظراً إلى أنّ الفلسفة العربيّة على علاقة متوتّرة مع أصدقائها اللدودين الذين هم العلم والدين والأدب. لكن بما أنّ الأدب هو الأقوى على الساحة الثقافية فدائِماً التوتّر معه هو الأقوى

زاهي وهبي: نعم. علماً أنّ الفلاسفة في السابق، في العصور القديمة معظمهم كانوا شعراء في نفس الوقت وأُدباء وعلماء، يعني كان الفيلسوف جامعاً لكلّ هذه الأشياء في بوتقة واحدة

باسكال لحّود: لكن شاعر الفلسفة الأكبر "أفلاطون" نفى شعراء من مدينته

زاهي وهبي: نعم، أخرجهم من المدينة الفاضلة

باسكال لحّود: وكما عرِفت الفلسفة فلاسفة شعراء عرف الفلاسفة رياضيين يكرهون الشِعر ويعتبرون أنه يعني؛ المسألة فيها أخذ وعطاء، فيها أخذ وعطاء

زاهي وهبي: قبل أن نسأل كم الفلسفة ضرورية ولماذا المُجتمعات التي لا توجد فيها فلسفة ما هي مشكلتها وماذا ينقصها إذا لا توجد فيها فلسفة؟ دعينا نذهب برفقتكِ إلى "الجامعة الأنطونية"، إلى جامعتك لتستقبلينا

باسكال لحّود: أهلاً وسهلاً

زاهي وهبي: مع زميلتنا "سحر حامد" ونسمع ما قلته في "قطع وصل"

قطع وصل - باسكال لحّود:

- طفولتي طفولة عادية، عادةً أنظر إليها على أنها طفولة سعيدة جداً بالرغم من أن طفولتي تزامنت مع أبشع مراحل الحرب اللبنانية فشكّلت الأنا التي هي أنا الآن، شخص سعيد بما كان عليه وبما أصبح عليه

- منذ كنت صغيرة كنت أريد أن أصير كاتبة، لم أكن أعرف كاتبة ماذا! في البداية كنت أُريد أن أدرُس أدباً وليس فلسفة ولكن كانت الكتابة في محور تصوّري لنفسي في ما بعد، منذ أن كنت طفلة. لا أدري إن كنت أكثر حشرية من غيري أو أُحبّ أن أعرِف أكثر من غيري لكن أعلم أنّ المعرِفة تُسعدني، البحث نفسه يُسعدني

- في مراهقتي كنت أحلَم بوطن، بوطن مثل الأوطان الأخرى بكلّ بساطة. كان عندي حساسية وما زال على فِكرة أنّ (لبنان) وطن فذّ ووطن استثنائي. أنا أُريد وطناً عادياً يؤمِّن ما تؤمِّنُه الأوطان لأبنائها، وهذا الحلم كان حينها حلماً قوياً جداً والآن يتراجع مع العُمر ولكن لا يزال هو نفسه، أنّ ما نطلبه نحن هو وطن عادي وليس وطناً فذّاً ولا استثنائياً

- شخصياً، ولا مرة في حياتي نظرت إلى نفسي على أنني امرأة وقارنت فيما لو كنتُ رجلاً هلّ ستكون مسيرتي أسهل أو أصعب! سلكت الدرب التي فُتِحت أمامي في الحياة والتي قررت أن أسلكها. أن تكوني امرأة مثل أن تكوني رجلاً، الموضوع فيه شروط وفيه مصاعب ولكن أيضاً فيه ميّزات وفُرَص حلوة. الفلسفة في حدّ ذاتها عندها صيت في أنها صعبة وهي فيها شكل من أشكال الزهد في القضايا التي يعتبرها الناس أحياناً أساسية، إمّا أن تختارينها وتعرفينها أو لا تختارينها إذا لم تكوني تحبّين هذا النوع من الحياة ومن أسلوب التفكير

- الإسهام الأساسي للفلسفة في المُجتمع إذا كان لها من إسهام هو بث التفكير النقدي، في شكلٍ أخصّ حالياً أهتمّ في مسألة حضور العيون في المُجتمع العربي على الصعيد الثقافي نظراً إلى حاجة مجتمعاتنا للعلوم ولضعف الثقافة العلمية على كافة مُستويات ثقافتنا

زاهي وهبي: للأسف ليس فقط الثقافة العلمية، الثقافة عموماً في تراجُع في مُجتمعاتنا وأحياناً أشعُر بأنّ الكوكب كلّه اليوم ليس في مرحلة توهُّج ثقافي رغم كلّ التقدُّم التكنولوجي والعلمي الحاصل في بلاد ما يُسمّى المُجتمعات المتقدِّمة أو الدول المتقدِّمة. كم الفضول مُهمّ؟ الفضول أحضركِ إلى مجال عملكِ ربما، كم هو مهم للإنسان الفضول؟ ونتحدث في المعني العلمي والبحثي والفِكري

باسكال لحّود: نجن كائِنات فضوليّة، يعني تقديري هو أنّه بابنا على المعرفة وبابنا على الحياة في معناها الأوسع، من أجل هذا الأطفال هم في طبيعتهم فضوليون ونحن نكسُر فيهم هذا الفضول وحبّ الاستكشاف ونُعطيهم معارِف جاهزة ويقينية ممنوع إعادة النظر فيها

زاهي وهبي: كنتِ طفلة فضولية؟

باسكال لحّود: جداً

زاهي وهبي: يعني كان عندكِ حشرية، كثيرة الأسئِلة، أهلكِ كنتِ تُشغلين لهم بالهم في أسئِلتكِ؟

باسكال لحّود: أنا طفلة ملجأ، فمن أجل هذا فضولي كان اتجاهه في المُجرّدات، يعني في المنطق مثلاً، أكثر من أن يتجه على أشياء العالم. كان فضولاً داخِل عالم الكلمات أكثر مما هو في عالم الأشياء

زاهي وهبي: ماذا تقصدين بطفلة ملجأ؟

باسكال لحّود: طفلة ملجأ، ربما العالم العربي لا يعرف نحن ماذا نُسمّيه ملجأ، يعني المكان الذي نختبئ فيه في وقت القصف. ففي هذا المكان الضيِّق تصير الحياة صغيرة ولا يكون فيها الحديقة والغابة والجبل والبحر، يكون هناك مكان صغير وتصير الكُتب والكلمات هم مفاتيح العالم الكبير

زاهي وهبي: تُصبِح الكُتب شبابيك الملجأ على الدنيا أو بلكون الملجأ

باسكال لحّود: صحيح. أنا سابقاً قلت أنّه كان الشبّاك الوحيد الذي ليس عليه أكياس رمل، هذا الكتاب، لأنّ كلّ الشبابيك كانت مُسكَّرة 

زاهي وهبي: ماذا تحملين معكِ من الملجأ بخلاف شبابيك المعرِفة والكُتب؟ على المستوى الإنساني ماذا تركت فيكِ الحرب عموماً؟

باسكال لحّود: تركت بي سلاميّة متطرّفة وقد تكون ساذجة

زاهي وهبي: نعم

باسكال لحّود: لكن عندي رفض كلّي للحرب، رفض متطرِّف للحرب وربما أعترف قد يكون ساذجاً، لكن لا يُمكنني أن أتحمّل هذه الفكرة واحتمال أنّ هنالك أشخاصاَ يسوقون شعوباً إلى شيء في حجم حرب وأنّه في إمكاننا أن نخسر خسارات فادحة كالتي نخسرها في الحرب وتُعتبر أرقام وأشياء في إمكاننا أن نتحمّلها

زاهي وهبي: كيف تنعكِس عليكِ الحروب المُحيطة فينا؟ هلّ تتابعين ما يجري في البلاد العربيّة؟

باسكال لحّود: طبعاً

زاهي وهبي: كما تعلمين، أكثر من بلد عربي اليوم واقع في مطحنة الحرب التي نحن، يعني جيل أيضاً عاش في (لبنان) يعني يا ليت حرباً واحدة، الحروب اللبنانية يُمكننا أن نُسمّيها والحروب التي استهدفت (لبنان). كيف عندما تُشاهدين مشهداً، ماذا يفتح في ذاكرتكِ؟

باسكال لحّود: أتساءل إذا كانوا الأشخاص الذين هم ضمن الحرب يسمعون ما نسمعه نحن. يعني عندما نعرِف أنّ اليوم المعارِك زادت لأننا نُجهِّز المفاوضات قبل مرحلة معيّنة من المُفاوضات لأنّ الدولة الكبرى الفلانية تُرسِل رسالة للدولة الأُخرى الفلانية. عندما كنّا في خضمّ هذه الحرب كنّا نرى المسائِل في أننا نصنع تاريخنا ونُدافع عن أفكار. ليت أحدهم وهو في الداخل يتنبه إلى أنّ اللُعبة التي تُلعَب هي أكبر من أفكاره وأكبر من تضحياته، وهو حطب في داخلها

زاهي وهبي: خصوصاً عندما تتحوّل الأوطان إلى صناديق بريد بين الدول الكُبرى للأسف. قلتِنّ الأحلام ربما تراجعت قليلاً مع العُمر، أولاً العُمر يعني ما شاء الله حولكِ، ليس هذا العُمر المُتقدِّم. هلّ الأحلام مُرتبطة بعُمر مُعيّن؟ بسنٍّ معيّنة؟

باسكال لحّود: تراتبيتها تختلف، يعني الأحلام تختلف. فِكرة الوطن أكيد ما زالت محوريّة لكنّها ليست هاجساً بالنسبة لي بمعنى أنّ هناك نضالاً يومياً على الأرض لفكرة الوطن. بعد ذلك، الأشياء تأخُذ أحجامها، كلّ شيء يأخُذ حجمه وعنده أحجام مختلفة

زاهي وهبي: تغيّر معنى الوطن مع الوقت بالنسبة لحضرتكِ؟ معنى (لبنان) تحديداً؟

باسكال لحّود: يعني (لبنان) ما زلت أُحبّه لكن في النهاية الوطن هو بقدر ما يُحسسك أنه وطنك ويصير واقعاً أكثر مع العُمر، ونحن نبتعد عن إمكان تحقيق (لبنان) مثلما نراه لأنّ الوقت لا يلعب لصالِحنا ولا في أيّ اتجاه، يعني لا على صعيد الاقتصاد ولا على صعيد البيئة ولا على صعيد السكّان، يعني الوقت ليس لصالِحنا فتصير تحتاج إلى جرعة زائِدة من السذاجة لتضلّ في نفس المُستوى من التفاؤل

زاهي وهبي: نحن، جيل الحرب تحديداً، كان حُلمنا الأكبر هو السلام، أن تنتهي الحرب، وكأننا ننتظر شيئاً جميلاً. اليوم ماذا ينتظر الإنسان اللبناني؟

باسكال لحّود: أنا لم يكن حلمي السلام، كان حلمي أن يكون (لبنان) حرّاً وكنت في هذا المقلب من الحرب، أن يكون حراً وأن يكون سيّداً وأن يكون وطناً قوياً ولا يكون وطناً يتسوّل. يعني لم أتوقع أن نخرُج من الحرب ونُصبح وطناً مستجدياً! ماذا يعني أن تكون سيّداً وأنت مديون كما نحن مديونين؟ ماذا يعني أن تكون سيّداً وتكون الدولة التي تريد أن تُقرضك تُقرّر إذا كانت صحافتك حرّة أم لا وإذا يحقّ لشاعِرك أن يحكي أو لا وإذا يحقّ لك أن تقدِّم مسرحية أم لا؟ هذا الذي أقوله، أنّ (لبنان) من دون حريّة لم نكن نريده، نريد (لبنان) حرّاً، لكن لا يُمكنك أن تكون حراً وأنت مديون في هذا الشكل

زاهي وهبي: نعم. تربّينا وفي ذهننا صورة عن (لبنان)، (لبنان) المُثقف أو (لبنان) الثقافي، (لبنان) الإشعاع الذي يشعّ شعراً وأدباً على الشرق. هلّ لا يزال لبناننا يلعب هذا الدور في رأيكِ؟

باسكال لحّود: لا، لا يلعبه بالقدر الذي نُريده لكنه لا يزال يلعبه. ليس سهلاً أن تكون مفتوحاً على البحر المتوسِّط ويكون عندك تاريخ من الإرساليات، من الجامعات، من المدارِس، تكون عندك حريّات تُتيح نشوء صحافة ولو كان عندك مآخذ عليها لكنّها حرّة. يكون عندك أيضاً جو ليبرالي، حريّات، لغات، إلى آخره. هذا يصحّ أن نشتغل عليه بشكلٍ أفضل وليت يكون عنده فرصة أفضل، لكنه لا يزال، هذا شيء لا يُمكنك أن تقتلعه في سنة وعشرين سنة حرب

زاهي وهبي: حسناً، في عملكِ الجامعي لم تكتفِ بالعمل البحثي أو العمل الإداري كنائِب رئيس للجامعة الأنطونية وأسّست أو أطلقتِ مُبادرة "إسم علم" التي فيها تكريم لأسماء من كبار مُبدعين. أذكر "نضال الأشقر"، "أدونيس" وهذه السنة عندكم "جبّور الدويهي" ولا أدري إن كان هناك أحد غاب عن بالي، إسم ما، في أيّ هاجِس، في أية غاية ومُنطلق؟

باسكال لحّود: أكيد غاب عنك أسماء كثيرة. عندنا هذه السنة أربعة عشر، يعني "ناصيف نصّار"، "وجيه كوثراني"، "أحمد بيضون"، "جورج خضر"، "جورج قرم"، "صلاح استيتية" إلى آخره

زاهي وهبي: كلّها أسماء يعني مؤثِّرة في الحياة الثقافية

باسكال لحّود: طبعاً. فكرة "إسم علم" لم تكن أن نضيف تقليد تكريم إضافي للمشهد الثقافي، الفكرة هي تكريم المُفكِّر وأن تُفكِّر في نتاجه ولو ضدّه، وأحياناً من اللازم أن نكون ضده

زاهي وهبي: من موقع سجال أن نكون

باسكال لحّود: من موقع سجال، وأن تتحادث هذه الأفكار مع بعضها البعض. من أجل هذا الجزء الأساسي من التكريم هو كتاب لكنّه كتاب بحثي، يعني كتاب يُعيد إطلاق النقاش حول ما أتى به هذا المُفكِّر

زاهي وهبي: كيف يكونون هؤلاء الطلّاب مثلاً، الطلّاب الجامعيون؟ عندهم إهتمام؟ هلّ يثير فضولهم وجود إسم علم مثل هذه الأسماء التي ذكرتِها في جامعتهم، تزورهم في جامعتهم؟

باسكال لحّود: "إسم علم" ردمت الهوّة ما بين الأجيال وبين هذا النوع من الثقافة الذي هو في شكلٍ أساسي "آداب وعلوم إنسانية" وجامعتنا لا تعلِّم هذه الاختصاصات. ولكن نحن نفتعِل إشراك الطلّاب سواء من خلال "نادي المسرح" أو من خلال أنشِطة لغويّة إلى آخره لكي نقرّبهم منها ولكن أكيد العمل من اللازم أن يستمرّ في هذا الاتجاه

زاهي وهبي: اليوم توجد مقولة رائِجة، أن العصر اليوم هو عصر الاستهلاك، وثقافة الاستهلاك، بين مزدوجين كلمة "ثقافة"، هي السائِدة. هلّ تشعرين بهذا الأمر؟ هلّ تشعرين أنّ زمن العولمة الذي من المُفترض كان أن يخلق تلاقُحاً وتناغُماً وحواراً بين ثقافات العالم أحدث عكس ذلك في مكان من الأمكنة؟ أحدث حالة انغلاق الثقافات على نفسها؟ خوف من الآخر؟

باسكال لحّود: خوف من الآخر. كان متوقعاً هذا الشيء، يعني عندما المسافات تتوسّع كثيراً يعود المرء إلى البحث عن دِفء في قلب هويّته الصغيرة، ومسألة الثقافة والسياسات إلى آخره أنّها تمنع هذه العولمة من أن تُنتِج تقوقعات خطيرة. ولكن الإنسان في حاجة لأن يسكُن في بيت، يعني لو أراد أن يطلّ على السماء يريد أن يطلّ من بيته وليس من السماء على السماء. أحياناً عندما تكبر الأشياء كثيراً لا يعود الإنسان قادراً على لبسها، فهناك حاجة للإطار الضيِّق في تفاعله مع الإطار الأوسع

زاهي وهبي: هل ازداد الخوف على الهويّة؟ على الخصوصية؟ يعني صار هناك خوف عند كلّ جماعة اليوم في هذا الكوكب على نفسها أكثر؟ من الذوبان في الـ

باسكال لحّود: أكيد، الشعور بأننا لسنا كلّنا عندنا مكان في العالم الجديد وهو شعور صحيح، أنّ هذا العالم الجديد الذي تتكوّن فيه بشريّات وليس بشريّة واحدة. هناك بشريّات متفاوتة في قلب البشرية

زاهي وهبي: نعم، هناك أسياد عبيد يعني

باسكال لحّود: متفاوتي البشرية حتّى، أنّ هناك أشخاصاً هم يصنعون الأشخاص وأسلوب حياتهم وأفكارهم وقِيَمهم، وهناك أشخاص متروكين أو لا يتمكّنون من اللحاق بذلك فيحدُث ارتداد للهوية في هذا المجال

زاهي وهبي: نعم. العالِم الفيزيائي الراحل "ستيفن هوكينغ" حذّرَ مما أسماه "رَوْبَتَة العالم" بمعنى حلول الآلة مكان الإنسان وأنّ هذا الشيء سيؤدّي إلى فوضى عارِمة في الكوكب مع الوقت، وربما نرى بعض تجلّياتها في "السُترات الصُفر" في (فرنسا)، المهاجرين عبر البحار الذين يموت نصفهم للأسف في البحار. إذا تذكرين الفترة، عبر الحدود البريّة كم كان هناك لاجئون يعبرون من بلدٍ إلى بلد في (أوروبا) وأنّ هذا الشيء يُمكن أن يزداد! في (المكسيك) "ترامب" بنى جدار أسلاك طويل عريض! أننا مُقبلون عالم اليوم يعني على

باسكال لحّود: نحن مقبلون أكيد على تغيّرات كبرى، أكيد ليست كلّها مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أكيد عندك المشكلة البيئية العالمية، عندك السياسة، عندك أيضاً مسألة الذكاء الاصطناعي الذي سيحلّ مكان عدد من المِهن وسيُغيّر وجه العمل، من أجل هذا يُحكى الآن في (أوروبا) عن احتمال الراتب للجميع، يعني بصرف النظر عن العمل، لأنه لن يكون هناك عمل للجميع. لكن هذه دوَل تُفكِّر في التغيّرات المقبلة لأنها هي في صدارة البشرية الجديدة بينما نحن للأسف الشديد، ستترتّب علينا النتائِج وسنستيقِظ ذات وهلة أنّ هناك شيئاً جديداً وعندنا أزمات جديدة ولكنها كانت قابِلة للتوقُّع، يعني العالم العربي مُقبِل على أزمات مياه وسكّان وعمل إلى آخره كان يصح أن نُفكِّر فيها

زاهي وهبي: على سيرة الراتب والعمل مؤخراً، حديثاً منذ عدة أيام، المحكمة الأوروبية في (أوروبا) اقرّت أن الوقت الذي يُمضيه الموظّف أو العامل للوصول إلى العمل هو جزء من الدوام. يعني إذا أحدهم آتٍ من (طبرجا) مثلاً إلى (بيروت) وسيمضي ثلاث ساعات على

باسكال لحّود: يصبحون دوامين

زاهي وهبي: يصير يحق له زيادة

باسكال لحّود: overtime

زاهي وهبي: طبعاً. يعني لاحظي هذه الفجوة بين عالمين إذا لم تكن عوالِم ربما، على ماذا مُقبلون؟ يعني إنسان المستقبل خصوصاً في البلاد التي هي أقلّ حظّاً دعينا نُسمِّها، ماذا؟ يعني أليست مشغولة الفلسفة والأفكار بهذه الأمور؟

باسكال لحّود: بلى طبعاً، هذا شغل الفلسفة وشغل أيضاً العلوم الإنسانية وشغل السياسة أيضاً أن تستشرِف المُستقبل، لكن نحن نتخبّط في ديناميكية الفشل منذ النكسة ومُحاولاتنا فاشلة في إنهاض

زاهي وهبي: هلّ ما زلنا نحصد نتائِج عام 1967؟

باسكال لحّود: لا أدري إذا فقط 1967 أو قبل لكن أقلّه، في كتابه الأخير "أمين معلوف" يقول: قد تكون الهزيمة في بعض الأحيان فُرصة لكنّ العرب لم يستغلّوها. أيّ أنّه أن تُهزم هي فرصة لأن تنهض ونحن أخذنا كلّ شيء من الهزيمة سوى أن تكون فرصة لنُعيد صوغ عالمنا ونعود لنقف على أرجلنا

زاهي وهبي: دائِماً عندنا هذا النقد القاسي للعرب ولواقع حال العرب لدرجة أنه يصل الإنسان أحياناً ليصير عنده شكّ في نفسه، في جيناته، ما القصّة؟ من وجهة نظركِ طبعاً أسأل

باسكال لحّود: أكيد من وجهة نظري. لا يوجد شيء في جيناتنا، نحن بشر مثل هؤلاء البشر وكانت لنا عصور ذهبيّة وأحدثنا إنجازات سابقة، فلا يوجد شيء مُستحيل. يقول "ناصيف نصّار": علينا أولاً أن نؤمن أنّ هذه النهضة ليست مُستحيلة لكنّها في الوقت نفسه ليست حتميّة. لن تأتي وحدها إذا لم نقُم بشيء ولا هي مستحيلة ونحن نختلف عن كلّ شعوب الأرض، لكنّها تحتاج إلى شغل، بكلّ بساطة تحتاج إلى شغل هذه النهضة وليس شغل أفراد

زاهي وهبي: كيف يُمكن أن يحدُث هذا الشغل؟ أنا مثلاً آخُذ مثالاً دائِماً، أنّ مثلاً الحركات السياسية والأحزاب، في المشرق العربي على الأقل، في يوم من الأيام الذين أسّسوها هم مفكّرون كبار، إذا أخذنا بعض النماذج وأنا لن أدخُل في أسماء، لكن مثلاً إذا أخذنا "البعث" نذكُر "ميشال عفلق"، إذا أخذنا "الحزب السوري القومي الاجتماعي" نذكُر "أنطون سعاده"، إذا أخذنا الشيوعيين نذكُر أسماء كثيرة، حتّى اليمين اللبناني كان له مفكرون كبار. اليوم السياسة تبدو عارية من أيّة فِكر، من أية سياسة، مصالح وأرقام. لاحظي "ترامب" مثلاً، يتحدث في أيّة قضيّة ولكن في أي شيء يتحدث أولاً؟ في المال. يعني جُرّدت السياسة اليوم من كلّ شيء آخر؟

باسكال لحّود: طبعاً، هناك مأزق سياسي. أنا أجتنب الحديث عن الكوكب كلّه لأنه لا يُمكننا أن نُعمِّم ولكن أكيد توجد أزمة في السياسيّ، في ما نفهمه في السياسيّ. موقوع الأخلاق منه وموقع الهمّ الإنساني فيه، الوقاحة التي نتحدث بها حالياً يعني نضرب عرض الحائِط المبادئ والبشر وإلى آخره ونتحدث فقط عن مصالِح في شكلٍ مضخّم. سابقاً كانت السياسة تلبس كفوف حرير تعبيرياً يعني، الآن لا يوجد داع لذلك. القوة في شكلها الغاشم، وما لا تحلّه القوّة يحلّه مزيد من القوّة فقط، لا داعي للحق ولا داعي للقِيَم

زاهي وهبي: أين أصوات المُفكّرين اليوم؟ أين أصوات الفلاسفة؟ يعني في يوم من الأيام كان العالم مقسوماً ربما بين، لا أدري إن كان في إمكاني أن أسميهما فلسفتين، الرأسمالية والاشتراكية والمفكرين الذين يدورون أو الذين أسّسوا هذين التيارين اللذين انقسم العالم لوقتٍ طويلٍ بينهما. اليوم تحسّين أنّ، أنا طبعاً لا أُريد أن أشغُلكِ في الكوكب كلّه لكن حينما ترين أنّه حتّى هذه الكفوف التي كانت تلبسها السياسة ما عادت موجودة. في البداية كان هناك كلام عن الفُقراء والصراع الطبقي والبروليتاريا من جهة ومن جهة أُخرى حقوق الإنسان والحريّة وهذا الكلام. اليوم كلّه إلى الخلف والمصالِح إلى الأمام، لغة الأرقام

باسكال لحّود: صحيح، ولكن في المكان الذي فيه دفاع عن مكان فيه تراث فلسفي وثقافي راسِخ يوجد دفاع عن القِيَم. مثلاً خذ (ألمانيا)، لا يُمكنك أن تخطب خطاباً شوفينياً ضدّ المُهاجِر بسهولة في (ألمانيا). لا يُمكن في (فرنسا) أن تمرّ هذه المسائِل مرور الكرام مهما تراجعت الأمور إلى الخلف. الفلاسفة والمثقفون في شكلٍ عام لا يمسكون بلجام التاريخ، المسائِل أعقد وهناك الكثير من القضايا يجب أن يُحكى فيها. زد على ذلك أنّ مسألة مواقع التواصل وإلى آخره زادت من أيديولوجية التفاهة، هناك كلام كثير لكنّه يحدث عن ماذا ولماذا؟

زاهي وهبي: هذه المعضلة، "غاليانو" مثلاً الروائي من (الأوروغواي) الذي نال جائِزة "نوبل" في يومٍ من الأيام يقول أنّه: أعطت وسائِل التواصل هذه، يعني وضعت "الرعاع" حسبما يُسميهم الذين يحتسون البيرة في حانة أنا يعني أتحفّظ على المقولة ككلّ ولكن جوهرها قد يكون صحيحاً، وضعتهم في مستوى حاملي جوائز "نوبل"، هكذا يقول، وصار لهم الحقّ أن يدلوا برأيهم مثل أيّ مُفكِّر أو مثقف كبير في كلّ شيء. لكن المُشكلة اليوم أنه لم يعد لهم فقط الحق في أن يدلوا برأيهم، وأكيد لهم الحق في الإدلاء برأيهم، لكن أصبح هذا الرأي هو الطاغي، هو المؤثِّر، هو المُسيطر

باسكال لحّود: عندما كانت (بريطانيا) تُصوِّت على الديمقراطية هناك مقولة شهيرة لوزير بريطاني مفادها: "اليوم بات علينا أن نُعلِّم أسيادنا"، ما دام الشعب سيّدنا نريد أن نُعلِّم الشعب. يعني هناك نتائِج تكون أحياناً كابوسيّة للديمقراطية وفالتة من قِيَمها الأساسية. يمكننا جميعاً أن نحكي ويمكننا جميعاً أن نقول أي شيءٍ كان فتنتفي قيمة الكلام، من هذا مثلاً الحريّة في شكلها البابلي اللبناني، أنه أنتم قولوا ما تُريدونه ولن يحدث أي شيء. لكن لكي تكون الحريّة فعّالة يجب أن تكون هناك لعبة لتبادُل الحُجج، هناك مسؤولية عن الكلام. من أجل هذا، والآن نرجع إلى الجامعة، إحدى مهارات القرن الحادي والعشرين التي يُحكى عنها عالمياً الآن هي الـ Accountable Talk، يعني عندما تتحدث تكون مسؤولاً عمّا تقوله ولست تتحدث لتحكي، وتكون قد سمعت ما قيل قبل حديثك وتبني عليه. فهذه مسألة مهمة جداً لكي نصير نضطرّ إلى تدريسها في الجامعة بسبب هذه الفوضى على صعيد التعليم

زاهي وهبي: نعم. حتّى وسائِل التواصل ربما يجب أن تكون ضمن منهج التدريس منذ صفوف المدرسة، منذ السنوات الأولى، وكيفية التعامل معها وما يُبثّ من خلالها لأنّ كلّ شخصٍ منّا صارَ جهاز بثّ متنقِّلاً، صحيح أم لا؟

باسكال لحّود: صحيح

زاهي وهبي: سأتابع مع حضرتك ولكن إسمحي لنا أن نتوقف قليلاً مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني                   

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الكاتبة والباحثة اللبنانيّة الدكتورة "باسكال لحّود". انطلاقاً من عنوان كتابكِ الذي هو "فلسفة العلوم بتوقيت بيروت". سؤالي هو عن علاقة الفلسفة بمكانها، يعني هلّ الأفكار والنظريّات الفلسفية تتأثَّر بمكانها أو مكان فلاسفتها إذا جاز التعبير؟

باسكال لحّود: الفلاسفة يحلو لهم القول بأنّ الفلسفة هي شموليّة وكونيّة وتخيّلها وكأنّها تُشبه الرياضيات، يعني صالِحة لكلّ زمان ومكان، وهذا الحلم أو هذا النهوض جيِّد ولكن الفلسفات تُشبِه أيضاً عصورها وتُشبِه أشخاصها لأنهم أشخاص يعانونها، لأنّ الفيلسوف لا يقدر أن يكون غريباً عن المشاكل كما يطرحها مُجتمعه وعصره

زاهي وهبي: كما تعلمين، دائِماً في النقد الأدبي هناك كلام عن أثر المكان على النصّ وعلاقة النصّ ببيئته وبمكانه وإلى آخره، وحضرتكِ تقولين، يعني لكِ جملة أنّه لا يُمكن التغاضي عمّا يأتي من المكان حتّى على الفلسفة

باسكال لحّود: أنا أتعاطى مع الفلسفة على أنّها نوع أدبي وبالتالي أكيد عندها خصوصيّاتها على صعيد الموضوعات وعلى صعيد الأُسلوب، ولكن هناك أشخاص حقيقيين ملموسين هم من يكتبونها، يكتبونها من معاناتهم، يكتبونها من مُجتمعهم، يكتبونها لقرّاء يعاصرونهم، فبالتالي يكون هناك أثر للمكان أيضاً

زاهي وهبي: ما هي "الفلسفة بتوقيت بيروت" أو "فلسفة العلوم بتوقيت بيروت"؟ طبعاً أُخِذ على حضرتك أنّه لماذا (بيروت)؟ أنا فهمت المقصود وقلتِ حضرتكِ أنّ (بيروت) ترمُز إلى (لبنان) ككل 

باسكال لحّود: توقيت (بيروت) هو توقيت أيّة مدينة، التوقيت هو توقيت العاصمة، هذا أولاً. ثانياً هذه استعارة، يعني نحن نقول "الفلسفة بتوقيت هذا البلد"، هذه استعارة. بصرف النظر عن هذه النُقطة دعني أقول إنّ الفلسفة هي بنت المدينة، الفلسفة ليست بنت الريف، لا تنشأ في الريف، هي بنت المدينة وبالتالي لم يكن هناك (بيروت) في هذا الـ (لبنان) لما وُجد نشاط فلسفي، لكن أعود وأقول إنّها استعارة في هذا العنوان، يعني شكل من أشكال التعبير عن وجود هذه الفلسفة في (لبنان)

زاهي وهبي: نعم. قرأتِ في هذا الكتاب ثلاثة فلاسفة لبنانيين، "كمال الحاج" و"ناصيف نصّار" و

باسكال لحّود: و "رينيه حبشي"

زاهي وهبي: اختياركِ لهؤلاء الثلاثة بالذات هلّ هناك خيط يصل بينهم أو ماذا؟

باسكال لحّود: كلّ خيار فيه درجة من الاعتباطية، وفي إمكانك اختيار غيرهم. الأشياء التي يشبهون بعضهم فيها هي أنّهم على اختلافاتهم لأنّ توجّهاتهم الفلسفية والقومية كانت مُختلفة، هؤلاء أشخاص درسوا في (فرنسا) ثلاثتهم وجميعهم من وسط لبناني يشبه بعضه. في المسألة العلمية التي كانت تشغلني ثلاثتهم عندهم مرحلتان، مرحلة أولى يحاولون أن يبيّنوا علاقة الفلسفة بالعِلم ويدعون للعِلم، مرحلة ثانية يعودون وينتقدون العلم لأنه تحدُث منافسة بينه وبين الفلسفة. مرحلة أولى يتحدثون فيها حصراً مع المُجتمع العربي، مرحلة ثانية يحاولون أن يشاركوا في النقاش العالمي

زاهي وهبي: نعم. في رأيكِ هناك فلسفة لبنانية أم هناك فلاسفة لبنانيون؟ أو فلاسفة في (لبنان)؟            

باسكال لحّود: أنا تحايلت على هذه الإشكالية لأنّ في تقديري ليس لها

زاهي وهبي: ليس لها جواب حاسم

باسكال لحّود: ليس أنه لا جواب لها على العكس، أنا أتصوّر أنه لا توجد فلسفة لكلّ بلد ولكلّ كيان، الفلسفة يُمكن ربطها كعُنصر انتمائي في اللغة، في العصر، لكن ليس في الكيان السياسي. مع هذا عندما تكون فيلسوفاً عربياً في القرن العشرين هناك فرق بين أن تتفلسف في (اليمن) أو في (المغرب) أو في (بيروت)

زاهي وهبي: صحيح

باسكال لحّود: هناك فرق أقلّه في الموضوعات، أقلّه بما يأتيك من نظريّات

زاهي وهبي: نعم، وفي الهواجس والمنطلقات أيضاً

باسكال لحّود: طبعاً. يعني ليس من الضروري أن نذهب إلى نظريّة جوهرانية تقول أنّ هناك كياناً أو شخصية فلسفية لـ (لبنان) كلنا نشبه لها، لكن أكيد أن نكون في (لبنان) هذا شيء يُميِّزنا عن أن نكون في مكانٍ آخر ولو ناطق بالعربيّة

زاهي وهبي: نعم. أمامي كتاب من كُتبكِ عنوانه "على الشفير – قراءات حدودية في الفِكر اللبناني". لماذا على الشفير؟

باسكال لحّود: هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات ولكن مُعظمها، عندما حاولت أن أجمعها انتبهت في شكلٍ لاحِق ومتأخِّر أنها دائماً عن مسألة الحدود، يعني الحدود ما بين الفلسفة والأدب، الفلسفة واللاهوت، الفلسفة والعلم، أو الحدود بين ما هو فلسفة وما ليس فلسفة. وفِكرة الحدّ والشفير بالفلسفة هي فكرة إشكالية كثيراً. يعني هلّ الحدّ هو ما نقف عليه في المعنى الطوبوغرافي؟ أم هو في المعنى الرياضي، هو ما نسير إليه وما لا نصل إليه. في الرياضيات الحدّ هو شيء لا نصل إليه ونحن أناس دائماً نتخيّل ونريد أن نعرِف أين هو الحدّ المرسوم وكأن المسألة ترسيم حدود وخطّ أزرق في اليونيفيل، لا الحدّ مسألة صعبة جداً

زاهي وهبي: دعيني أستعين بمعرِفتي الشعريّة على الأقل. "محمود درويش" يقول: الطريق إلى البيت أجمل من البيت، على سيرة أنه ما لا نصل إليه. الرِحلة، يعني رحلة البحث أمتع أم نتائِج البحث هي الأمتع؟

باسكال لحّود: في الفلسفة، الفلسفة بخيلة في النتائِج. أتصوّر أنّ الفلسفة هي كلّها الرحلة، هي كلّها الرِحلة

زاهي وهبي: حسناً. دعينا أيضاً مرة أُخرى نرتحِل مع حضرتكِ إلى الجامعة الأنطونيّة، إلى جامعتكِ مع زميلتنا "سحر حامد"

قطع وصل - باسكال لحّود

- تربيتي لأولادي تشبه كثيراً تربية أهلي لي ولكن فيها تركيز أكثر طبعاً على مسألة تفتُّح الشخصية وعلى استقلالية الطفل في وقت تربيتي أنا وجيلنا كلّه كان فيها تركيز أكثر في تربيته على الطاعة وعلى السُلطة؟ من جهة أُخرى أستمتِع بأن أترك أولادي يسألون أسئِلة، حتّى الأسئِلة التي أحياناً يعتبرونها الأهل التقليديين خارِج الخطوط الحُمر، وأستمتع أحياناً أيضاً أن أقول لهم أنني لا أعرِف وأن أُفتِّش معهم على الأجوبة إذا كان هناك من أجوبة، وللأسئلة الكبيرة أقول لهم: لا توجد أجوبة

- في (لبنان) يوجد الكثير من المشاكل حالياً مثلما هناك أشياء حلوة جداً طبعاً. الذي يُقلقني في شكلٍ أساسي هو غياب النقاش العام في القضايا الأساسية. للأسف، كلّنا عندنا شعور أنّه من اللازم أن يكون هناك حلّ لكن جزءنا نحن من الحل غير مستعديّن على تحمّله. ظنّي بأنّ شعورنا بأنه لا علاقة لنا بما يحدُث وأنّ الحلّ يجب أن يأتي من مكانٍ آخر هو أحد المشاكل الأساسية

- من الطبيعي أن ننظر إلى العصر السابق على أنّه أفضل وأن نظنّ أنّ عصرنا هو أسوأ منه ولكن الواقع ليس هكذا بالضرورة. أكيد في عصرنا وسائِل التواصل جعلت انتشار التعبير عن مشاعِر نعتبرها سلبية أو عن أفكار متطرِّفة تكون في شكلٍ أسرع وتُعبِّر عن نفسها في شكلٍ أوضح. لكن هذه ليست سمة عصرنا في شكلٍ خاص. لكن على صعيد التسامح تحديداً أظنّ أننا نشهد حالياً عودة كبيرة للأفكار الدينية، الأفكار الدينية في شكلها غير الحداثة أو ما قبل الحداثة هو يجعل الحريّة عندنا في خطر وتسامحنا مع حريّة الأفكار ومع الأفكار المُناقضة لأفكارنا أقلّ مما كانت مثلاً منذ عشرين سنة أو منذ ثلاثين سنة

- ما الذي يجعلني أُحبّ وأتفاءل؟ أبسط الأمور، الأشياء الجميلة المُحيطة بنا، الموسيقى، الشِعر، الطبيعة، لكن في شكلٍ أساسي الناس، عيون الناس، الطلّاب، الناس الذين يحبّونكِ يجعلونكِ تُحبّين الحياة وتكونين متفائِلة فيها وأولادي في شكلٍ أساسي، هؤلاء هم الذين يجعلون الحياة أقلّ عدمية وأقلّ تعاسة ويجعلونها تستحق الحياة

زاهي وهبي: الله يخلّي لكِ أولادكِ "شادن" و"آية"، ونُمسّي بالخير زوجكِ العزيز الدكتور "فؤاد عزيزي". كم يعطونكِ فعلاً سواء أولادكِ على المُستوى الخاص جداً أو الطلاب الذين يكونون لا يزالون طلّاب الجامعة عندهم الحماس والأحلام التي في أوجها، كم يعطونكِ فعلاً حماساً وحُبّاً وأملاً؟

باسكال لحّود: أتصوّر أنّ هناك شيئاً أساسياً يعطونه لك الأولاد وهو الواجب أن تظلّ ترشدهم، واجب وليس حقاً. واجب لأنهم سيكونوا محتاجين لك ولأنّك ستعود وتمشي معهم الطريق من أوّلها

زاهي وهبي: من جديد

باسكال لحّود: ما دمنا الآن ذكرنا "محمود درويش"، "تعلّمني من جديدٍ دروس الحساب"، أنك ترجع إلى القراءة. هذه الرجعة وهذه المسيرة فيها الكثير من الدهشة أمام سرّ الحياة وسرّ الحبّ، سرّ حبّك لهم وسرّ الحياة. شيء جميل جداً

زاهي وهبي: وعلى مستوى الطلّاب؟

باسكال لحّود: الطلّاب، الآن صرت أبعد قليلاً وليس عندي الكثير من التعليم حالياً ولكن أنا علّمت طويلاً من التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي، سعادة لا توصف. وما زلت لغاية الآن إذا التقيت بعد مئة سنة بشخص كان طالباً في صفّي سأعرِفه، سأعرِفه من عيونه. لا يوجد أجمل من هذه العلاقة ولا يوجد أفدح منها أيضاً لأن هناك مسؤولية كُبرى على كلّ كلمة تقولها وعلى كلّ تصرُّف تتصرّفه

زاهي وهبي: يعني علاقة جميلة فادِحة في نفس الوقت. قلتِ أنّك تُربّين أولادكِ على السؤال وعلى حريّة السؤال. نحن مُجتمعات تربّينا على أنّ السؤال ممنوع أحياناً، "أقعد عاقل" يعني إذا يسألكِ الولد كثيراً، "اقعد وتوقف عن الأسئِلة أوجعت لي رأسي". كم السؤال مهمّ، أنا أسأل لكي يسمعني الأهل الذين يُمكن أن يكونوا يُتابعوننا هذه الليلة. كم مهم أن نعطي حرية لأولادنا لكي يسألوا حتّى الأسئِلة المُحرِجة، حتّى الأسئِلة التي تتجاوز المحظورات والخطوط الحُمر؟

باسكال لحّود: عندي أكثر من نُقطة في الموضوع. أكيد على صعيد تفتُّح القُدرات المعرفيّة ضروري ألّا نُسكِت الأسئِلة لكيلا نعطُب في الولد قدرته على الخلق وعلى التجديد. لكن أبعد من هذا، صحيح أنّ أسئِلتهم أحياناً تحرجنا وأحياناً يعذّبوننا ولكنهم سيعيشون في عالم من اللازم أن يكونوا قادرين فيه على مواجهة العبث، وعلى مواجهة الباطل. إذا نحن أسكتناهم ولم نسمح لهم أن يسألوا لن نكون نعطيهم دفاعاتهم الضرورية ضدّ هذه المخاطر التي في العالم. إذا لم نرِد أن نُدافع عن حقّهم في السؤال من أجل المعرِفة، ندافع عن حقهم في السؤال لكي يتمكّنوا من أن يعيشوا في عالم سيكون فيه مخاطر كبيرة على استقلاليّتهم وكرامتهم كأفراد

زاهي وهبي: كم الشكّ ضروري للإنسان؟

باسكال لحّود: أنا لا أقول ضرورياً، أنا أقول طبيعياً. يعني أحياناً كثيرة اليقين لا يكون حقيقياً ويكون درعاً وقائياً من الشكّ الموجود داخلنا والذي لا نُريد أن نعترِف به. أحياناً توجد تربية لا تُعلّمنا أن نعيش معه ويصير مخلخِلاً كثيراً، بينما النضج هو أن تعيش مع إمكانية أن الحقائق التي تعيش معها لا تكون حقيقية ولا تكون نهائية

زاهي وهبي: "شمس التبريزي" يقول: " أن تكون دائِم الشكّ يعني أن تكون على قيد الحياة"، يعني هذا دليل أنّك حيّ لأنك تشكّ

باسكال لحّود: تعيد النظر

زاهي وهبي: أجل تعيد النظر في الأشياء، يعني بمعنى أنّ اليقين المُطلق أحياناً موت مطلق

باسكال لحّود: طبعاً، طبعاً. ولكن الشكّ أيضاً لا يُسكَن، يعني الشك المطلق؛ أنا الآن في إمكاني أن أُدافع عن الشكّ بقدر ما تريد من وجهة نظر فلسفيّة لكن أنا أيضاً تربوية. لكي يُحتَمَل الشك ولا يكون مصدر تهديم للشخص الذي يحمله يجب أن تحمله بنية شخصيّة عندها احتمال أنّ هذه الحقيقة لا تكون حقيقة أو هناك قيمة ولو كانت الحقيقة التي يسعى إليها غير حقيقية سيبقى عليها. وراءه ترسانة من الأفكار تحمل هذا الشك وإلّا هكذا الشكّ المُطلق يهدم الإنسان

زاهي وهبي: هلّ غيَّرت الأُمومة في هذا المعنى في أفكاركِ؟ في طريقتك في بثّ الأفكار؟

باسكال لحّود: لا ليس في طريقتي لبثّ الأفكار ولكنّها وضعتني على شفير وجودي جديد لصيق بقدميَّ الآن ولا يُمكنني أن أحيد عنه. الأمومة من التجارب الشفيرية في الحياة مثل الموت

زاهي وهبي: يعني جعلتكِ مسؤولة أكثر مثلاً؟ إحساسك بمسؤوليّة كلّ ما تقومين به صار أكثر؟

باسكال لحّود: ليس على هذا المستوى. المسؤولية لا تزال أعمق وهي مسؤوليتك عن كيان الإنسان وليس فقط عن تربيته، مسؤوليّتك أنّك أتيت به إلى هذا العالم وأنّك أنت كنت واسطته من العدم إلى الوجود، فلا توجد مسؤولية أكبر من هذه

زاهي وهبي: حضرتكِ مع قراءة جديدة أو متجدّدة للنصّ الديني؟

باسكال لحّود: لا يمكن أن تكون القراءة؛ كلّ قراءة هي سواء أحببت أم لم تُحب هي جديدة. يعني عبثاً أن نُحاول أن نقرأ النصّ الآن كما لو كنّا نقرأه منذ ألف وأربعمئة سنة، نحن نقرأه قراءة جديدة تنكر ذاتها

زاهي وهبي: نعم. هلّ هذا الأمر سهل؟ يعني هل هو

باسكال لحّود: لمن؟

زاهي وهبي: لأيّ مُفسِّر جديد، لأيّ فقيه جديد، لأيّ مُفكِّر. يعني تعلمين حضرتكِ، المفكّرين لا يكونون دائِماً عُرضة لكلّ أنواع الجلد يعني الفعلي والمعنوي

باسكال لحّود: المسألة التقنية لن أدخل فيها وعن كيف هي منهجيّات النصّ الديني، لكن دعني أقولها من وجهة إيمانية. لو أنت مُلحِد أو لا أدري أو لا مُبالٍ الموضوع لا يُطرَح عندك أصلاً بل يُطرح على المؤمن. هذا المؤمن يُمكنه أن ينظر إلى قدسيّة النص على أنّها قدرة النص على أن يحكي في كلّ فصول الوجود وفي كلّ الأوقات أو أن يحمل هذه الأزلية والقدسية كمبرِّر لكسله الفِكري، عليه أن يُقرِّر ، واحدة من إثنين

زاهي وهبي: تعتبرين أنّ عدم القُدرة على القراءة المتجددة في طبيعة الحال هو نوع من الخمول أو الكسل

باسكال لحّود: الخمول تزيد عليه وجود مصالِح سُلطويّة

زاهي وهبي: طبعاً

باسكال لحّود: السُلطة عندها مصلحة، لكن أنت كفرد مؤمن مع نصّ كيف يمكنك أن تتخيّل أنّ هذا الإله الأزلي، مع فداحة الكلمة "الأزلي" "الأبدي" "الكامل" الذي يرى العصور وأوجد كلّ شيء قرّر فقط أن يتحدث في يومٍ واحد وفي معنى واحد ولاحقاً كلّ الزمن الذي سيأتي بعد هذا النص لا معنى له. يعني لماذا نريد أن "نحجُر" على الله في وقت وهو قادر على مخاطبتك في كلّ وقت؟

زاهي وهبي: "أدونيس" يقول في هذا المعنى أنه كأننا نقول: "لم يعُد لدى الله أيّ شيء ليُضيفه أو يقوله"

باسكال لحّود: أنا لا أعتبر الأمور هكذا، فتح فكرة القدسية وأزليّة النصّ أو سرمديّته من باب الإيمان، يعني المؤمن من غير اللازم أن يعتبرها في تقديري تهديداً بقدر ما يعتبر أنّ مسؤوليته أن يجعل الله، كما هو يراه، في إمكانه أن يحكي مع كلّ الأزمان

زاهي وهبي: في رأيكِ، هلّ اليوم كانت قراءة النصّ الديني في قراءة مُجرّدة يعني في معزِل عن قداسة هذا النصّ؟

باسكال لحّود: ماذا تعني "قداسة"؟ هذه هي النقطة. ما هو مفهوم القداسة؟ هذا الذي نحن نريد أن نتناقش فيه

زاهي وهبي: هذا موضوع نقاش طويل عريض

باسكال لحّود: أجل، في أيّ معنى النص هو مُقدّس؟ أنا في تقديري النصّ مُقدّس، وأُشارِك "رينيه حبشي" في هذه الفِكرة، لأنّ في إمكانه أن يحكي مع كلّ الناس. من أجل هذا هو ليس نصاً تنتهي مدّته، ليس نصاً يصبح قديماً، هذه هي قدسيّته

زاهي وهبي: عندكِ تفسير لظاهرة تنامي التطرّف وأفكار رفض الآخر، الإقصاء، التكفير، كلّ ما عشناه في السنوات الماضية ولا نزال نعيش آثاره؟

باسكال لحّود: تقديري أنّ التفسير يجب أن يكون مركباً، يعني في المكان الذي فيه فشل للتنمية، في المكان الذي فيه فشل للاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا توجد ردّة في هذه الاتجاهات ولكن لوحدها لا تكفي. في مقابلها أيضاً هناك ما هو أنّ هذا هو البيت الوحيد الذي نعرِفه والذي نلجأ إليه، لا يوجد عندنا رواية أُخرى عن الكون ولا يوجد عندنا قُدرة أن نخرُج للعالم المُعاصِر، فنعود لنختبئ في الماضي ونختبئ في النصّ لأنّ عنده إجابات كليّة ولأنّه مريح

زاهي وهبي: في موضوع آخر، يقال أنّه إذا أردت أن تعرِف مدى تقدُّم أيّ مُجتمع، والكثير من الفلاسفة أو المفكّرين عندهم أقوال في هذا المعنى، أنّه أُنظر إلى واقع المرأة وإلى مكانة المرأة في هذا المُجتمع أو ذاك. كم تعتقدين أنّ المرأة في (لبنان) خصوصاً وفي العالم العربي في شكلٍ أوسع بقليل، اليوم هلّ تقدّمت إلى الأمام أم تراجعت إلى الوراء؟ خصوصاً أنّكِ تقولين أنّ في (لبنان) قشرة حريّة وليست حريّة في المعنى الجوهري والعميق للكلمة

باسكال لحّود: العالم العربي و(لبنان) ليسا جبهة واحدة، يُمكننا أن نقول عن المنطقة كلّها أنّها تتقدّم أو تتراجع

زاهي وهبي: لكن لها سمات

باسكال لحّود: توجد مواضع أقلّه على صعيد النقاش العام، يعني الآن هناك أقّله في الأوساط الجامعية، في أوساط المدينة إلى آخره لم يعُد في إمكانك أن تحكي في شكل

زاهي وهبي: أعطيك مثلاً بسيطاً لو سمحتِ لي

باسكال لحّود: تفضل

زاهي وهبي: أنّ في أكثر من بلد عربي مثلاً المرأة لا تستطيع أن تمنح أبناءها جنسيّتها، في أكثر من بلد عربي لا تستطيع ربما أن تكون وصيّة على أبنائها وإلى آخره. يعني بعض المشاكل الخاصّة بنا تعني الكثير من البلدان العربيّة الأُخرى

باسكال لحّود: في مسألة الجنسية أنا أعود إلى ما هو أبعد، لماذا لا نستنطق ما قبل الجنسية؟ أصلاً لماذا تُحمّلون أولادي إسم والدهم؟ لماذا تنقلون لي نفوسي إلى سجلّ نفوس زوجي؟ صحيح؟

باسكال لحّود: لماذا أنتقل أنا، فعلياً نحن مُجتمع النسب فيه من خلال الرجُل وهناك الكثير من المسائِل. نحن وضعنا أننا نريد مٌساواة، أكيد نحن متّفقين ولكن التقدُّم أين يصير؟ أنا في تقديري أقلّه على الرأي العام، يعني لم يعُد في إمكانك أن تحكي أنت في طريقة لا نهائية عن جريمة شرف، هناك مُجتمع يقول لا، هذه ليس إسمها جريمة شرف، هذه ليست جريمة شرف، هذه لا تُبرّر. هناك مُجتمع يُطالب بتغيير قوانين الأحوال الشخصية ورعاية ووصاية المرأة على أولادها. هناك مُجتمع يذهب في اتجاه الزواج المدني لأنه غير راضٍ عن التفاوت في الحقوق في بعض أشكال الزواج الديني. هناك تململ وهذا جيّد، لكن هلّ فعلياً توجد ثورة نسائية في العالم العربي؟ لا

زاهي وهبي: نعم. حضرتكِ مع أن يكون هناك ثورة نسائية؟  

باسكال لحّود: كلّا. أكيد أنا مع المُساواة ومع حقوق المرأة وحقوق الرجُل، مع حقوق الشخص وضدّ الـ Pink Washing الحالي في بعض المؤسسات، يعني هذا التجميل في بعض حقوق المرأة لواقِع مُزرٍ على كلّ المستويات والذي في بعض الأحيان هو طريقة في التعامل مع المرأة لأنها دون، لأنها في حاجة لشروط تخفيفية لكي تنجح. لا، فلنجعل الشروط جيدة وعاديّة للكل

زاهي وهبي: يعني في هذا المعنى حضرتكِ ضدّ "الكوتا" النسائية مثلاً في المجلس النيابي

باسكال لحّود: هي في حدّ ذاتها لوحدها تقوم بعجائِب، تحدِث ظواهر ولكنها ليست ظواهر أكثر غرابةً أو أكثر إثارة للاستهجان من الظواهر الرجالية في المجلِس النيابي. لكن أنا كنت مع أن تفرِض الأحزاب أن تُنسَّق "كوتا" إرادية طوعيّة، يعني تُلزِم نفسها في أن تُفكِّر في المُساواة. هذا يجعلك في مرحلة سيكون فيها التمثيل اصطناعياً، لكن لا بأس، الأمر يتطلب وقتاً

زاهي وهبي: نعم، أن يكون خطوة أولى على الطريق

باسكال لحّود: لكنني لستُ مع تعميم فكرة "الكوتا" أينما كان، في المؤسّسات، في الجامعات، لستُ مع تعميمها

زاهي وهبي: علاقة المرأة بالفلسفة، يعني عبر العصور لليوم، المرأة الفيلسوفة أينها؟

باسكال لحّود: مثلما هناك في الشِعر شاعرات لكنّهن أقلّ من الرجال، يعني نحن نتحدّث عن ألفيّ سنة من الحضارة في المُجتمعات التي نتحدث عنها سواء (أوروبا) أو (الشرق الأوسط) حيث كانت السلطة أكثر للذكور، لكن كان هناك نساء من "إيباتيا" عند اليونانيين إلى "أديث شتاين" و"هانا أرينت" وغيرهنّ، توجد فيلسوفات لكن لا نعرفهنّ بقدر غيرهنّ لأنهنّ أقل عدداً

زاهي وهبي: يعني مقولة أن الفلسفة هي حقّ ذكوري هي مقولة غير صائِبة أو غير حقيقة

باسكال لحّود: حسبما نعني بها. يعني أحياناً لأنّ هناك توزيعاً للأدوار تقليدي يقول إنّ العقل هو للرجل والمرأة هي كائن عاطفي، وهذا أيضاً توزيع خيالي يعني، لكن الفِكر الفلسفي أحياناً هو يصف نفسه بالذكورة لأنه مُقتحِم، لأنّه فاعِل إلى آخره. لكن تجربة النساء الوجودية ليست أقل فلسفية من غير تجارب، لكن لا أدري إذا كان هناك شيء من عيشهم للتجربة يستنفِذ قليلاً من طاقة كتابتهنّ للتجربة أو تنظيرهنّ عليها، قد يكون الأمر هكذا، "بيكسون" يقول هكذا شيء

زاهي وهبي: وربما يحتاج المرء قليلاً إلى البحث أكثر لكي يصل للأصوات النسائية في عالم في شكلٍ عام ذكوري

باسكال لحّود: هنّ موجودات، لكن أنا أتساءل لماذا هنّ أقل، يعني في كلّ شيء أقلّ. في الموسيقى المؤلفات الموسيقيات أقلّ، الشاعرات أقلّ، لكن الفلسفة أيضاً تحتاج إلى رفاهية. كان "أرسطو" يقول: "لا يُمكنك أن تكون عبداً وتكون فيلسوفاً "، يعني عندما امرأة تكون مأخوذة طوال الوقت في الإنجاب ورعاية العائِلة وإلى آخره

زاهي وهبي: كيف هي علاقتكِ بالشِعر؟

باسكال لحّود: جيّدة جداً

زاهي وهبي: من هُم شعراؤِك؟

باسكال لحّود: أقرأ لكثير من الناس

زاهي وهبي: مثلاً؟

باسكال لحّود: لكن حالياً أُحبّ من اللبنانيين "جوزيف عيساوي"

زاهي وهبي: نعم، الشاعر وهو صديق عزيز

باسكال لحّود: لأنّ شعره فيه عمق ميتافيزيقي، فيه عمق ثقافي، وفيه موضوعات جديدة أيضاً ولغة جديدة

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير. من هم فلاسفتكِ؟

باسكال لحّود: كثيرون، أو كلّهم في النهاية. لكن أنا أُحبّ سواء في الشِعر أو في الفلسفة، أحبّ الهامشيين، أُحبّ "كُتّاب الثواني" 

زاهي وهبي: يعني "الصعاليك"

باسكال لحّود: أجل، الذين هم على الهوامش لأنه يكون عندهم كنوز نحن أضعناها قليلاً

زاهي وهبي: أنا على كلّ حال أتمنّى لكِ الخير النجاح والتوفيق الدائِم

باسكال لحّود: شكراً

زاهي وهبي: نوّرتِ "بيت القصيد" أهلاً وسهلاً

باسكال لحّود: شكراً على الاستضافة

زاهي وهبي: شرّفتِ. شكراً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله