أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

لبنان وتغيّراته في مئة عام

هل نعى الحراك المئة الأولى من لبنان الكبير؟ أي لبنان جديد يمكن أن يأتي؟ قراءة للماضي والحاضر بين لبنان هذا الجسر العتيق، وأمراء الحرب وتجّار الهيكل، وحيتان المال والفساد.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحييكم، "هذا الجسر العتيق سقوط لبنان المسيحي"، أمراء الحرب وتجار الهيكل، خبايا رجال السلطة في لبنان، ثلاثية بنك إنترا وحيتان المال والجبنة التي التهموها حتى بات لبنان قفراً وبات أهله يتذكرون سفر برلك. حتى لا أسترسل في كتب كمال ديب الثلاثة السابقة يضاف إليها كتابه "تاريخ لبنان الثقافي"، كلها تقدّم مرجعية ثقافية وفكرية واقتصادية وفضائحية لما حصل في لبنان طيلة مئة عام فيما مارس الساسة سياسة النعام، حاول استقراء الوقائع قبل أن ينهار لبنان الكبير في مئويته الأولى بالضربات المطلبية بعد أن تفسّخ الكيان بالطائفية التحاصصية وغيلانها التي التهمت الحرث والنسل والزرع والضرع وتركت الأرض يباباً. أيّ مستقبل ينتظر لبنان وكيف الخروج من الجحيم بعد توصيفه؟ هذا ما سنحاور فيه الدكتور كمال ديب بعد تقرير عمّا وصل إليه لبنان.

تقرير: 

لم يكد وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير يعلن في السابع عشر من تشرين الأول الماضي ضريبة على مكالمات الواتساب حتى اندلعت التظاهرات الشعبية العارمة وسط العاصمة بيروت مطالبة بسقوط الحكومة.

في الواقع كانت هذه الضريبة الشعرة التي قصمت ظهر البعير اللبناني، وفتحت صندوق البندورة على حوالى ثلث قرن سابق وصلت فيه مديونية البلد إلى أرقام فلكية تجاوزت في رأي محللين اقتصاديين وماليين مبلغ 120 مليار دولار بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة والفساد والزبائنية، ووضعت لبنان أمام هوّة الانهيار المالي والاقتصادي.

لدى وصول رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري إلى الحكم عام 1992 كان الدَين العام الإجمالي اللبناني ورغم سنوات الحرب الأهلية 4382 مليار ليرة لبنانية فقط، ارتفع خمسة أضعاف بعد خمس سنوات وكرّت سبحة التدهور حتى بات كل لبناني مطلع العام الحالي مديوناً بأكثر من 41 ألف دولار.

خرج اللبنانيون سابقاً إلى الشوارع، ففي عام 2015 حصلت احتجاجات شعبية تحت عنوان "طلعت ريحتكم" لكن السياسات الاقتصادية والنهب والفساد والمحاصصة الطائفية تغوّلت بحيث لم يعد أمام المواطن سوى حل من إثنين الهجرة أو التحرك لرفع الظلم عن نفسه، فكان الحراك المطلبي واسعاً وتحوّل في بعض منه إلى قطعٍ للطرق ومحاولات من أحزاب شاركت في الفساد توسُّل هموم الناس لغاياتها الخاصة.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور كمال ديب ضيفاً عزيزاً سيّدي، حمداً لله على سلامتك، لقد أتيت إلى لبنان وهو في الوضع الذي تراه حالياً. كان الكثيرون، منظمات، رئاسة الجمهورية، كنائس، جمعيات يستعدون للاحتفال بمئوية لبنان الكبير بشكل احتفالي، أتى حراك الشارع على الأقل ليطوي ما استعدوا له، هل قال الشارع كلمته؟ هل قال ما يحصل في ساحات لبنان كلمته بأن مئوية لبنان الأولى قد أُشبعت موتاً؟ وهل من أحد يريد أن يدفن هذه المئوية؟

كمال ديب: شكراً على سؤالك أستاذ غسان واختصارك للموضوع ذكّرني بسقوط القسطنطينية، بيزنطية حيث في العام 1450 كانت الجيوش التركية تدكّ الأسوار البيزنطية في الوقت الذي كان فيه البرلمان البيزنطي يناقش مسألة جنس الملائكة وما إلى ذلك، تريد أن تحتفل في الوقت الذي تغلي فيه البراكين من تحتك وبعد 20 أو 30 سنة من حالة الإفقار للشعب اللبناني والكوارث الاقتصادية والسياسية والتأزّم، ومراحل من الطائفية لم يشهدها لبنان حتى في سنوات الحرب، تأزّم الطائفية والقوقعة إضافة إلى تأثيرات حرب سوريا وإلى ما هنالك. بالطبع صرخة الشعب اللبناني واضحة، هناك مأزق ولبنان وصل إلى طريق مسدود، هذا ليس جواً احتفالياً، نحن نقول أن الشعوب لا تموت وإمكانيات لبنان هائلة، وللأسف عندما تحتفل أميركا أو فرنسا أو اليابان بمئوية ما يضعون لائحة بالنجاحات، لا أعلم ماذا حقّق اللبنانيون كمبادرات ثقافية وفنية وهندسية وعمرانية، لا نعرف ماذا حققت الدولة مقارنة بالفساد والأمور الصعبة التي قاموا بها وأعادوا لبنان إلى الحروب والكوارث، ما هي الإنجازات؟ كي أحتفل يجب أن أرى لائحة الإنجازات حتى نرفع نخب الوطن.

غسان الشامي: أنت كنت من السبّاقين وهذا حقك أن نشير إليه في مقاربة سياق لبنان، وفي العام 2008 تكلمتَ عن كيفية احتفال المرء بمئوية لبنان، سأعود إلى هذا ولكن إذا سلّمنا بفشل لبنان الكبير منذ تأسيسه قبل مئة عام، على العاقل أن يذهب إلى الإحالات الفكرية والمعرفية ويحلّل أسباب الأفشال التي تراكمت على درب المئة عام، لنبدأ بالفشل في السياسة لأن المواطن اللبناني كما تعرف هو مسيّس حتى النخاع. 

كمال ديب: طبعاً، أنا وحضرتك نجرّب أن نعطي تشخيصاً وليس تصويراً للمسألة على أنها سيئة.  

غسان الشامي: كلا نحن نقرأ وفي الميادين الواقع كما هو شعارنا.

كمال ديب: لبنان تاريخياً هو جزء من بلاد الشام وكانت هذه المنطقة بنسبة 95% من المسيحيين الأورثوذكس في البداية لأنها كانت إمبراطورية بيزنطية وبعدها ظهرت الطوائف المارونية والكاثوليكية منذ 200 أو 300 سنة، بعدها جاء الفتح الإسلامي وجاءت أحداث 1860 ووصلنا إلى العام 1920، فرنسا حاولت إقامة بلد على الضفة الشرقية للبحر المتوسّط لكاثوليكيّي الشرق أي الموارنة والروم الكاثوليك، وإقامة دولة للعلويين إلى الشمال من هذه الدولة، ودولة لليهود في فلسطين يقيمها الإنكليز، وبهذه الطريقة يقيمون سداً بحيث تكون هذه الدول الثلاث تابعة للغرب مع إبقاء الدول العربية والجزيرة العربية والعراق، لم يتم هذا الأمر بسبب وجود حركة وطنية قوية في سوريا وثورة 1925 التي أفشلت هذه التقسيمات ولكن نجحت دولة لبنان والحركة الصهيونية أيضاً ابتلعت فلسطين. بالنسبة إلى لبنان لم تكن فرنسا تقصد أن يصبح لبنان كما حصل في العام 1943، كان هدف فرنسا أن الموارنة والكاثوليك الذين فتحت لهم المدارس وجلبت لهم الإرساليات وعلّمتهم على مبادئ الثورة الفرنسية، العلمانية، الحرية والديمقراطية والبرلمان، كانوا يتوقّعون أن يتجه قيام دولة لبنان الكبير بهذا الاتجاه. مَن يراقب الفترة الانتدابية يلاحظ أنه كان احتلالاً وامتصاصاً لخيرات بلاد الشام، كان المفوض السامي أو الجنرالات الفرنسيين الذين جاؤوا إلى لبنان يُصعقون مما يرونه من تدخلات رجال الدين، الإقطاع السياسي، وأن الأنتلجنسيا التي رعتها فرنسا والمدارس والجامعات لم تكن قوية في المجتمع الذي نشأ في دولة لبنان، والأحزاب التي ظهرت في ما بعد كانت ذات صبغة طائفية وبرز منها حزب الكتائب وحزب النجّادة وكتلة بشارة الخوري وكميل شمعون وغيرهم، وطغى على الساحة الإقطاع الذي لم يكن بحسبان فرنسا وهذا الإقطاع السياسي الذي سيطر على لبنان بعيداً عن مفهوم المحاصصة التي هي حديثة بدأ بتوزيع فرص وثروات وخيرات البلاد على بعضهم البعض.  

غسان الشامي: سآتي إلى الاقتصاد، إذا بقينا في السياسة، الأفشال السياسية في سيرورة لبنان.

كمال ديب: لو لم يكن هناك هذا النوع من النظام السياسي أو تركيبة الطبقة التي حكمت لبنان كان من السهل أن ينتعش اقتصاد لبنان وأن يصبح مثل اليونان أو مثل جنوب فرنسا أو إيطاليا، واليوم توجد تحت الرماد كل الإمكانيات الاقتصادية والموارد البشرية والمواهب التي تجعل لبنان من أوائل الدول على البحر المتوسط، لذلك فشل الطبقة السياسية في توجيه لبنان ليكون دولة عصرية بمؤسّسات واقتصاد بنّاء وفعّال أدى إلى انهيار هذه الدولة عام 1976، دولة لبنان التي نشأت عام 1920 انتهت مع انهيار الجيش عام 1976. 

غسان الشامي: يعني أنت تعتبر أن الانهيار بدأ في العام 1976.  

كمال ديب: نعم بالطريقة التي عمّرتها فرنسا، ومضى 15 عاماً من الشرذمة والحروب والمشاكل وظهرت جمهورية ثانية مختلفة عن الأولى، اختفى لبنان الذي صنعته فرنسا وهذا ما طرحناه في كتاب " هذا الجسر العتيق".   

غسان الشامي: والآن اختفى لبنان الطائف.  

كمال ديب: لكي نكون أكثر وضوحاً لبنان الذي كان قبل العام 1976 كانت اليد العليا فيه نوعاً ما للمسيحيين بما أن فرنسا أشرفت وكانت هناك صلاحيات لرئيس الجمهورية وفي قيادة الجيش وفي القطاع المصرفي وفي الإعلام والصحافة وغيرها. لبنان الذي برز بعد اتفاق الطائف برعاية سعودية - سورية أطاح بصلاحيات رئيس الجمهورية وخلق حال إحباط لدى مسيحيي لبنان وقياداتهم، وبزرت حينها الترويكا ولكن الثالث الذي هو الياس الهراوي لم يكن مهماً، برز  شخصان هما رئيسا الحكومة والبرلمان وتسابقا للسيطرة على تركة المسيحيين في الدولة، وتبيّن أن أكثر حالات الفساد وأكبر تدهور في مسيرة الدولة اللبنانية هو تلك الفترة بعد 1992 وفشِل، إذا أسمينا تلك الدولة بدولة لبنان المسيحي حتى العام 1976 فإن دولة لبنان المسلم أدت إلى الانهيار في العام 2019.

غسان الشامي: هذا فشل لبنان الكبير في السياسة، فشل لبنان الكبير في الاجتماع، بموقع لبنان ودوره في الإقليم.

كمال ديب: يؤلمني في الوقت الحاضر خلال أحاديثي مع مثقفين أنه من المفترض أن يكون لبنان قائداً للعرب، في السودان والمغرب وفي كل الدول يعرفون أدباء وشعراء لبنان ويحبّون السينما اللبنانية والتلفزيون والمسرح والشعر والأكل اللبناني وكل مظاهر الحياة.

غسان الشامي: ربما أُشكل عليهم. 

كمال ديب: بمعنى أنه كان بإمكانك البناء عليها وإقامة أفضل العلاقات ولكن الطبقة الحاكمة وحيتان المال في لبنان توجّهوا نحو المال السهل مثل الاقتصاد الريعي والسياحة والعلاقات مع الخليج، وهذه لا تبني وطناً ولا تجعلنا كسويسرا. حالياً نركّز على المسألة الاجتماعية، قلنا سابقاً إن فرنسا كانت تريد بناء دولة مدنية، فرنسا من الدول القليلة في العالم ذات النظام العلماني وكانت تعتقد أن لبنان سيتجه بهذا الاتجاه ليشبه فرنسا.

غسان الشامي: هل يمكن للبنان أن يكون دولة مدنية؟

كمال ديب: بالطبع، على الإنسان أن يميّز بين الأنثروبولوجيا التي هي علم الشعوب القديمة وبين علم الاجتماع الذي يصلح لمعالجة وتفسير ما يحصل في مجتمع معين. علم الاجتماع يقول إن الإنسان ليس صخرة جامدة غير متحركة، كل الشعوب تتقدم وتتغيّر، لدينا نكهة من المدنية، ما هذه السهولة التي خرج بها مئات الألوف من الشباب والشابات للقول نحن لبنانيين، هناك مَن سيتعاطى مع الأمر بسطحية ولكن مَن يحبّ سيتعاطى معها بجدية وأن هذا الأمر ممكن. لماذا لم يكن هذا الأمر مطروحاً قبل العام 1975، أن تجد الجامعات والمدارس والاختلاط والصحبة وكان هناك نوعاً ما فورة مدنية ثقافية تودي بلبنان إلى مكان جميل، حصلت المنزلقات التي ذهبت بلبنان إلى الحرب.

غسان الشامي: أنت أيضاً بروفيسور في الاقتصاد، ما هي أسباب فشل لبنان الكبير اقتصادياً؟

كمال ديب: هي أسباب متنوّعة ولقد توسّعت بها كثيراً في مؤلّفاتي، بدايةً مَن كانوا يريدون بناء الكيان قالوا أن هناك مجاعة حصلت في لبنان وأن ثلث سكان لبنان ماتوا جوعاً والثلث هاجر ولم يعُد إلى آخره، فإذاً في لبنان لا يمكنك أن تطحن الصخر وتأكله بل أنت بحاجة إلى سهول تزرعها بالحبوب فقاموا بضمّ البقاع إليهم، فقال أهل الكيان أن هذا غير كافٍ وأن إهراءات الدولة الرومانية كانت هناك وتمّ بناء معبد روماني فوق المعبد الفينيقي، بعلبك تعني بعل البقاع أي إله البقاع لأنها الخيرات والمطر، قالوا هذا غير كافٍ فأعطوهم سهل عكار ولم يكتفوا فأعطوهم جبل عامل وتلك المناطق لاكون هناك إمكانيات زراعية ولكن النواة الأصلية أي بيروت والجبل لم يهتموا بهما. في العام 1974 أي قبل عام واحد من الحرب حينما تذهب إلى طرابلس وصيدا تشعر وكأن تركيا قد انسحبت للتوّ ولا يزال التخلّف والسفن الصغيرة منذ أيام تركيا والأبنية المتهالكة علماً أن طرابلس المدينة الثانية في لبنان، لم يكن هناك اهتمام بالمناطق ولا بالزراعة، لبنان أيام تركيا كان يصدّر الحمضيات إلى فلسطين ومصر ودول أخرى، بعدها بدأت تتقلّص المساحات الزراعية وتراجع الاهتمام بالزراعة وأُهملت الأراضي والفلاح فقير، هذا القطاع الزراعي.   

غسان الشامي: أنت تذكر الثورة التي حصلت في طرابلس في مطلع السبعينات، ثورة القدّور في جبل محسن من قِبَل الفقراء.    

كمال ديب: طبعاً، طرابلس يتم استغلالها في تسليح الشباب بهدف القتال، لماذا لا تبنون لهم المعامل؟ أنتم من أكبر سبعة أثرياء في طرابلس، يزوّدون الشباب بالسلاح ليتقاتلوا، أين المصانع؟ أين المعامل؟ لنكمل عن الصناعة، كان صاحب جريدة "L’orient le jour" وهو المنظّر ميشال شيحا يدعو إلى ترك العمل في مجال الصناعة والاتجاه نحو التجارة والخدمات مثل الفينيقيين، نحن شعب من التجّار، فلم يهتموا بالصناعة وأعطوا التجّار الحق باستيراد البضائع التي تنافس الصناعة اللبنانية وهذا الأمر لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، ولا يزالوا يفتحون المجال للاستيراد الخارجي حتى في المواد الغذائية مثلاً استيراد البطاطا من مصر والبندورة من الأردن ما يتسبَّب في خسارة وإتلاف المحاصيل الزراعية المحلية. الدولة لم تهتم بالصناعة، قالوا أنهم سيقيمون مصفاة في طرابلس لتشغيل أهالي المدينة، بدأوا بالبناء ومن ثم توقفوا، قالوا أيضاً أنهم سينفّذون مشاريع لتوليد الكهرباء على نهر الليطاني ومرّت عشرات السنين ولم يُنفّذ شيء.

غسان الشامي: بالمختصر دكتور تحوّل الاقتصاد اللبناني خلال السنوات الماضية إلى اقتصاد استهلاكي وريعي في نفس الوقت؟ 

كمال ديب: ريعي ويقتصر على بيروت والجبل والفرنسيون حذّروهم بأنه إذا لم تتم رعاية المناطق فإن بيروت قد تبتلع كل لبنان، صحيح أن أهل البلد يعيشون في لبنان لكنهم لا يرون المنظر الرهيب المخيف، امتداد بيروت حتى المعاملتين إلى أول الدامور وصولاً إلى الجبال، حين تنظر إلى الأضواء ليلاً تجد أن بيروت أصبحت كالغول الذي أكل كل شيء بينما بقية المناطق مظلمة، أين البنية التحتية؟ أين سكة الحديد؟ أين الكهرباء والمياه على مدار الساعة، حتى أن أساسيات الحياة الموجودة في كل بلد حتى في الدول الأفريقية الفقيرة لم يتم الاهتمام بها.

غسان الشامي: في كتابك الذي بدأنا به "هذا الجسر العتيق سقوط لبنان المسيحي"، الملفت هو تعبير "سقوط لبنان المسيحي"، الكتاب الذي صدر في العام 2008 كما أسلفنا توقعتَ نهاية قاتمة للمسيحيين في لبنان والمشرق بحلول العام 2020، نحن على تخوم العام 2020، على ماذا بنيت هذا التوقّع؟

كمال ديب: كانت قضية العراق لا تزال "طازجة"، حتى الغزو الأميركي كان العراق يضمّ مليوناً وأربعمئة ألف مسيحي من الطوائف المسيحية القديمة، وبعد ثلاث أو أربع سنوات من الغزو الأميركي انخفض العدد إلى 400 ألف والآن مع وجود داعش أصبح العدد أقل من 50 ألفاً خاصة أن تنظيم داعش يطبّق عقيدته حرفياً، دار الإسلام ودار الحرب أي أن المنطقة التي تخضع لسيطرتهم يجب أن تكون خالية من أصحاب الديانات الأخرى.

غسان الشامي: بالمناسبة في هذا النهار قُتل كاهن على طريق دير الزور في سوريا من الأرمن الكاثوليك وهو الأب هوسيب وكان هناك شمّاس جريح معه، تفضل.

كمال ديب: صحيح، كذلك الأمر في سوريا خلال الحرب وقبل ذلك، مدينة حلب تُعتبر العاصمة الثانية للأرمن والأورثوذكس والكاثوليك وكان الأوروبيون يحبّون هذه المدينة وكان ثلث السكان على الأقل من المسيحيين. قبل الحرب بسنة كان عدد سكان حلب خمسة أو ستة ملايين منهم 200 أو 300 ألف مسيحي، الأمور تدهورت جداً، وبسبب النيّة الخبيثة لدى الغرب بتحفيز سحب المسيحيين عبر تسهيل تأشيرات الدخول وتسهيل الهجرة انخفض الوجود المسيحي إلى الحضيض في سوريا. في فلسطين بين عامي 1948 - 1950 كانت نسبة المسيحيين حوالى 15% بينما اليوم النسبة هي أقل من 1%، وفي الأردن الأمر نفسه. في مصر الصورة معكوسة، كيف لبلد يضم 85 مليوناً منهم 11 مليون قبطي ولا تشعر بوجودهم على الإطلاق، لقد خرجوا في تظاهرات ضد محمّد مرسي في العام 2013 رفضاً للدولة الإسلامية وأن مصر معروفة منذ مئتي عام بأنها دولة متنوّعة من كل الطوائف والأديان، أمروا الدبابات بإطلاق النار عليهم وبدأوا بحرق كنيسة الأقباط في المنية والتضييق عليهم. لبنان كما ذكرتُ في كتاب "هذا الجسر العتيق" رغم أن نسبة المسيحيين فيه مقارنة مع الشرق هي قليلة ولكن الجميع ينظر إليهم كقيادة لأنه من المعروف أنه خلال وجود دولة لبنان المسيحي كان رئيس الجمهورية مسيحياً وقائد الجيش مسيحياً والإعلام والجو الثقافي الغربي إلى آخره، سأوضح لماذا أستخدم هذا المفهوم.   

غسان الشامي: بقي لدينا القليل من الوقت في هذا المحور.

كمال ديب: انكسر هذا المفهوم خلال أيام الحرب وشعرت الأنتلجنسيا المسيحية والاقتصادية أنها خسرت الحرب وأنه لم يعد للمسيحيين الدور الأول في لبنان، بعد العام 2000 بدأ المفكّرون بالتمييز بين مسيحيي الشيعة ومسيحيي السنّة أي أنه حين يتقاتل هذان الطرفان سياسياً أو عسكرياً يضيع المسيحيون بينهما ولا يعود لتصريحات البطريرك الماروني كما كانت الحال في السبعينات أو الثمانينات ضخامتها وضخّها، حالياً يصرّح البطريرك ويزول أثر التصريح بعد نصف ساعة.

غسان الشامي: هل تسمح لي بأن نذهب إلى فاصل؟

كمال ديب: تفضل.

غسان الشامي: أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور كمال ديب، في المحور الثاني سنكمل بهذه النقطة ونتابع في موضوع تجار الهيكل اللصوص الذين سرقوا لبنان، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتور كمال ديب قبل أن ننتقل إلى "أمراء الحرب وتجار الهيكل" هل سقط فعلاً لبنان المسيحي في العام 1976 وأنت قد أثبتَّ هذا في كتابك ولكن الآن في 17 تشرين الأول 2019 هل انهار لبنان بكامل طوائفه؟

كمال ديب: لبنان وصل إلى حال سريرية صعبة جداً، الشارع يوجّه إنذاراً لكل البلد وليس فقط للحكومة وللدولة ولرئيس والجمهورية، وصلنا في نهاية الأمر إلى المأزق، صار هناك إفقار رهيب، تلوّث بيئي، عجز في الإسكان، أزمة كهرباء ومياه، الحد الأدنى للمعيشة فُقد، إذا لم تُنجز الدولة شيئاً تظهر نتائجه بعد أسبوع أو أسبوعين فإن لبنان سيدخل في المجهول، كيف ستحتفل برأس السنة 2020 وأنت لم تحقّق شيئاً، بالفعل هو مأزق صعب جداً لا مثيل له لا في 1975 ولا في 2000 ولا في أية فترة.

غسان الشامي: هل بالإمكان العودة إلى أسلوب التعايش والتناكش السابق للبلد؟

كمال ديب: هذا ما سقط اليوم، قبل حرب 1975 قيل إن المسلمين مغبونون وأن الموارنة قد أكلوا الأخضر واليابس، وأنا فسّرت في كتاب "هذا الجسر العتيق" أن هذا غير صحيح، رياض الصلح كذب عليهم وقال لهم سأعطيكم صلاحيات، حين يحاول رئيس الجمهورية أن يستعمل صلاحياته يشنّون عليه الحرب أو يستقيل رئيس الحكومة، غير صحيح أنه كانت هناك صلاحيات فوق العادة، جرّدوهم من الصلاحيات، وفي العام 1990 تغيّر لبنان وصار هناك جمهورية جديدة أسموها الجمهورية الثانية ولكن في النهاية صارت دولة المحاصصة، وتم تفسير الأمر كلٌّ على هواه بأن يبني كلٌّ منهم مغارته ويغذّي جماعته، هذه الوزارة لي، وهذا الصندوق لي وهذا المجلس لي، كازينو لبنان لك وأنا لي الميدل إيست، قسّموا مؤسسات الدولة ومصادر الدخل الحكومي واستفادوا منها من 1992 حتى 2019 أي 27 عاماً. دولة المحاصصة هذه هي دولة فساد، إذا استمر لبنان يوماً إضافياً في دولة المحاصصة فسيكون هناك المزيد من الانهيار، يجب على المشرفين على الأمر أن يضعوا حداً وإلا فإن البلد سيموت.

غسان الشامي: في آخر الحلقة سأطلب منك أربع أو خمس خطوات إذا سمحت، ولكن الذي دخلت فيه مغارة السلطة في لبنان والأربعة آلاف حرامي هذا يُدخلنا إلى "أمراء الحرب وتجار الهيكل"، أنت تناولت في هذا الكتاب خبايا السلطة، ما هو علمياً توصيف المنظومة التي حكمت لبنان منذ تأسيسه حتى 1976 ومنذ 1976 حتى اليوم كي لا يظن الناس أن الذين حكموا منذ 1976 حتى 1990 كانوا من الذين يجعمون المال للفقراء مع الأم تيريزا.

كمال ديب: صحيح، تحالف الإقطاع الديني والسياسي والاقتصادي منذ نشأة الكيان بعكس رغبات الاستعمار الفرنسي، في لبنان على سبيل المثال يجري الاحتفال بعيد الاستقلال والتبجيل ببشارة الخوري الذي كان أمير الفساد هو وأخيه وأن رياض الصلح وصبري حمادة الذي كان إمبراطور المخدرات والحشيشة في البقاع، هؤلاء هم زعماء عهد الاستقلال باستثناء عهدين أقدرّهما جداً في مؤلفاتي هما عهد كميل شمعون وعهد فؤاد شهاب وهما من أفضل العهود منذ الاستقلال وحتى اليوم.

غسان الشامي: ولكن كميل شمون لم يتوقف وانتهى بحرب.

كمال ديب: صحيح لكن بناء الاقتصاد ونهوض لبنان لاحقاً والعصر الذهبي الذي ساعدت فيه المؤسسات الحكومية والرسمية والبرامج الاجتماعية التي وضعها فؤاد شهاب، هذان الرجلان لو استمرا في لبنان بهذه الطريقة التي سُمّيت في ما بعد بالنهج الشهابي كان بإمكان لبنان أن يستمر. من أفصل السنوات في تاريخ لبنان الاقتصادي هي سنة 1974 حيث أصبح الدولار يعادل ليرتين و25 قرشاً، الليرة كانت تأخذك إلى مكان بعيد، شركة رينو كانت تصدر السندات بالليرة اللبنانية، حكومة الهند أصدرت سندات بالليرة اللبنانية، ناطحات السحاب ظهرت في بيروت، النمو الاقتصادي في لبنان كان الأفضل منذ عهد الاستقلال حتى السنة الماضية، وطمح اللبنانيون أن يصبح لبنان من أفضل البلدان ولكن الأزمات الأخرى الإقليمية وعدم توزيع الثروة والفقر في المناطق وحزام الفقر حول بيروت فجّر لبنان في العام 1975. الذي فجّر الوضع وأوصل لبنان إلى هذه النتيجة هو الطبقة الموجودة والتي كتبت عنها في كتاب "أمراء الحرب وتجار الهيكل"، لا يمكن أن تفصل بين الزعيم السياسي ورجل الأعمال الذين أسميتهم في البداية تجار الهيكل ومن ثم أسميتهم حيتان المال، كتبته في البداية بالإنكليزية واستغرقت كتابته عشر سنوات كنت حينها تلميذاً وأصدرته باللغة الإنكليزية وترجمناه إلى العربية وبيع بسرعة كبيرة وخلال أشهر فُقد من السوق، وهو الآن في الطبعة السابعة لأن القارئ اللبناني والعربي وجد فيه شيئاً جديداً أن هؤلاء أسرة واحدة وعصابة واحدة أي أمراء الحرب الذين يتربّعون على عرش إقطاعي مثل المافيا الإيطالية من حاملي السلاح الذين يمتلكون الإذاعات والمدارس والجامعات والمستشفيات وكأنهم دولة في قلب دولة، وحين يتقاتلون يغذّون مشاعر الكره لدى أبناء طائفتهم ضد أبناء الطوائف الأخرى، الشعب يقتل بعضه وهم متفقون ويلتقون باستمرار، وحين تنتهي الحرب يلملمون كل شيء وكأن شيئاً لم يكن ويتقاسمون الثروة والسلطة والمناصب، كل الأمور المعنوية في الدولة كالمناصف أو الأموال يتقاسمونها بهذه الطريقة، حتى وإن كانوا رؤساء حكومة ورؤساء جمهورية كانت كل هذه الممارسات موجودة وهذا هو سبب إفشال لبنان اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

غسان الشامي: معنى هذا أنه طيلة مئة عام يمكنك أن تحذف منها عشر سنوات.  

كمال ديب: نعم من الخمسينات وقسم من الستينات لغاية أزمة إنترا في العام 1966.    

غسان الشامي: سنأتي على أزمة إنترا، إياك أن تهرب منها. لنلقي الضوء على العلاقة مع الغرب، العلاقة مع الغرب والفساد بدآ في نفس الوقت في العلاقة ما بين فرنسا كمنتدب وبالتعبير الواضح أزلام فرنسا أو وكلاءها في لبنان ثم بأميركا، هل الفساد مرتبط ما بين داخل لبنان وخارجه أم أنه فساد جينيٌّ لبناني؟  

كمال ديب: لا أعتقد، هو موجود في كل الدول، حتى في سوريا كان هناك طبقة التجار أو الفاسدين الذين يعملون في مجال الاتصالات.

غسان الشامي: الفساد موجود في كل العالم ولكن في لبنان هل هو مرتبط ما بين وكيل محلي في الداخل وقائد له في الغرب؟

كمال ديب: الفاسد لا يحبّ بلده وهو مرتهن للخارج، الآن هناك ما يسمّى ب "النيوليبرالية" وسأشرحها ببساطة، ومن الجيد أنك ذكرت عهد فرنسا التي لم تكن بعد نيوليبرالية، أصبح خرّيجو الجامعة اليسوعية أو الذين تعلّموا في فرنسا خاصة حملة شهادة المحاماة يأخذون وكالات حصرية من أمثال ميشال شيحا وغيره من شركات فرنسية ويصبحون هم الوكلاء في استيراد البضائع الفرنسية لبيعها في السوق اللبنانية وليمنعوا نموّ الصناعة والزراعة الوطنية، وهذا ربطهم بالمتروبول في فرنسا بأن يكونوا وكلاء للأجانب، وهناك نوع من الفساد لأنهم أبناء أو أبناء أعمام الطبقة السياسية، مثلاً شارل الحلو خال أحدهم وفلان إبن عم بشارة الخوري وهكذا، أصبحت الطبقة السياسية ورجال الأعمال ضمن عائلة واحدة يتزوّجون من بعضهم البعض، وقد ذكرتُ هذه الأسماء في كتاب "أمراء الحرب" حوالى 50 إسماً من السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب البنوك، شبكة متداخلة مثل ال FBI الذين يتزوّجون من بعضهم البعض. 

غسان الشامي: التعبير الشعبي "لا تعرف يد مَن في جيب مَن".

كمال ديب: صحيح، إذاً يا مواطن إذا رأيت الزعيم يتحدث بالوطنية لا تنسى أنه حين يعود إلى منزله سيكون في حفل عشاء مع كبار رجال الأعمال وأصحاب المصارف وبحضور رجال الدين أحياناً وجميعهم يستفيدون مثل مصّاصي الدماء.  

غسان الشامي: وما تزال حتى اللحظة.

كمال ديب: نعم، أرهقوا لبنان بهذا الأمر، هذه الأمور كانت أيام فرنسا حتى الستينات، بعدها دخلت النيوليبرالية الأميركية منذ سنة 1980 وكانت الطلقة الأولى هي الغزو الإسرائيلي للبنان، ولاحقاً أرسلت السعودية فريقاً لبنانياً من المتموّلين من الرأسمال الخليجي، هناك أسماء كثيرة أبرزها رفيق الحريري لشراء العقارات والنهوض ببيروت وإقامة الشركات، هم أحياناً لا يعرفون أنهم أدوات، يقول لهم الغرب أو أميركا تدبّروا أموركم، كما قال زياد الرحباني في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو" "للمسيو أنطوان" زد لي راتبي فأجابه أن زوجتك تنتج المال، أي انهبوا شعبكم واسرقوا ما شئتم ولكن نحن لن ندفع لكم رواتب ولكننا نستفيد في السيطرة على بلدكم ونهب خيراتكم، بهذه الطريقة هم يتعاملون مع مصر ومع الخليج ومع السعودية. هكذا تريد النيوليبرالية، لا تقبل بأن تكون حاكماً في بلدك وحراً في وطنك وخيراتك، الارتهان للخارج هو بهذه الطريقة، أن تكون غنياً وتسلب مال الشعب وتسيطر على السلطة وتكون تابعاً للخارج. الطبقة السياسية والاقتصادية في لبنان إلى حد كبير هي من هذه النوعية أي الخادم الأمين للنيوليبرالية. الإشكالية الكبيرة بالنسبة لي هي في كيفية تفكيكها، الجمهور في الشارع يطالب بالقضاء على الفساد ومحاسبة الجميع، كيف يمكنك تفكيكها في الوقت الذي مَن هم في الخارج يشجّعونك على القضاء على الفساد وإنشاء دولة قوية هم أسياد هذه الفئات.

غسان الشامي: دعني أدمج سؤالين ببعضهما، ما دور الأحزاب والكنيسة بما حصل في لبنان؟ دور رجال الدين عموماً كي لا نبقى في الكنيسة.

كمال ديب: مبدئياً لا يُفترض بالكنيسة ورجال الدين المسلمين أن يتدخلوا في شؤون الدولة، ما من دولة في العالم تجد في صحيفتها تصريحات لرجال الدين، تقلب الصفحة الثانية تجد خطبة الجمعة أو وعظة الأحد، تشاهد التلفاز تسمع التصريحات ورجال السياسة يدلون بتصريحاتهم من بكركي أو دار الفتوى، رجال الدين بهذا المعنى هم عنصر سلبي على مصلحة الوطن. الأمر الآخر هو أن التركيبة السياسية القائمة في لبنان هي التي أفضت إلى الفساد القائم، إذاً هذه هي قضية رجال الدين والتحالفات في ما بينهم.

غسان الشامي: والأحزاب؟ أنت تدافع عن الأحزاب.

كمال ديب: الأحزاب كما في أوروبا، مثلاً الحزب الديمقراطي أو حزب Ralliement Pour la République أو الحزب المسيحي الديمقراطي أو الحزب الاشتراكي، عندما يكون الحزب عابراً للطوائف، علمانياً، مدنياً فهو حزب ولكن عندما يكون كقطعة قماش أو كالستارة يخبّئ قوى طائفية، الإقطاع الطائفي. جميع مَن يسيطرون اليوم على البرلمان من دون أن نسمّيهم باستثاء شخص أو إثنين هم للطوائف وليسوا أحزاباً، عندما يقتصر الحزب على طائفة معينة أو تيار أو ما إلى ذلك من دون باقي الطوائف ويكون خطابه غير جامع وعندما يكون جامعاً لا ينتخبه الناس أو ينفضّون عنه أو لا يحصل على عدد من النواب، مثلاً لماذا يضطر رئيس الحكومة للقول أنا سنّي من لبنان؟ لماذا الرئيس ميشال عون الذي عاد من فرنسا ولديه هذه الأفكار الجميلة يصاب بحال من الإحباط ويتحدث عن حقوق المسيحيين؟ هناك أمر ما في المجتمع اللبناني يؤدي بك إلى هذا. نحن ندافع عن الأحزاب عندما تقدّم خطة عمل وتشارك في الانتخابات وعندما تتنافس في البرلمان على خدمة البلد بشكل أفضل ويكون هناك معارضة ولكن بسبب أنها قوى طائفية دائماً يلجأون إلى حكومة وحدة وطنية ولا يستطيع أحد أن يعارض.

غسان الشامي: أهلاً بك في لبنان الكبير. أنت كتبت ثلاثية بنك إنترا، بنك إنترا للذين لا يعرفون هو مفصل في الحياة الاقتصادية والسياسية اللبنانية، في أواخر الشهر القادم سيصدر الجزء الثالث، يوسف بيدس وهو برأي الكثيرين واحداً من عباقرة رجال المال وهو فلسطيني الأصل يحمل الجنسية اللبنانية، أنشأ بنك إنترا والمجموعات التي حوله من بينها استديو بعلبك الشهير، كيف تقرأ عبر هذه الكتب سياق الواقع اللبناني؟

كمال ديب: في مؤلفاتي أنتقل من كتاب إلى آخر كالذي يخرج من غرفة إلى غرفة أخرى، بنك إنترا ويوسف بيدس كانا فصلاً في كتاب أمراء الحرب وهناك مؤرّخ في إنكلترا اسمه روجير أوين والصحافي روبرت فيسك أبلغاني إعجابهما بالفصل الخاص بيوسف بيدس الذي يثبت نظرية الكتاب أي أمراء الحرب وتجار الهيكل وتدخُّل السياسة في القطاع المصرفي والأزمة التي حصلت وكيف تدحرجت كرة الثلج ودمّرت لبنان، كرة بنك أنترا. التلفزيون البلجيكي طلب مقابلتي ولكنني رفضت الذهاب إلى بلجيكا فجاؤوا هم إلى كندا وكنت حينها قد حضّرت حوالى 50 صفحة باللغة الفرنسية للمقابلة، أجريت المقابلة التي انتهت بعد نصف ساعة وكنت لا أزال أجيب على السؤال الثاني، فسألتهم إذا كانوا يرغبون بإضافة النص إلى الفيلم ولكنهم رفضوا بسبب الميزانية، فقررت في العام 2009 تأليف كتاب عن يوسف بيدس وبنك إنترا طالما أنني جمعت هذه المادة.

غسان الشامي: لنبقى في سياقات الكتاب.

كمال ديب: صدر كتاب يوسف بيدس الذي كان ضحية الفساد وأمراء الحرب وتجار الهيكل الذين كانوا يريدون المال منه، كانوا يريدون منه الحصول على القروض، كانوا يريدون منه تمويل حملاتهم الانتخابية وهو رفض ذلك لسوء الحظ، بدأوا يقولون عنه إنه "شقفة" فلسطيني وجاء إلى لبنان حافي القدمين وأن الفلسطينيين سرقوا لبنان ودمّروا اقتصاده، في كتابي بيّنت أن هذا غير صحيح، ليس "شقفة" فلسطيني، هذه كلمة عنصرية ولا يُفترض أن تنادي الفلسطيني بهذا الأسلوب، هذا الكلام عنصري وهمجي. يوسف بيدس هو إبن النهضوي خليل بيدس من كبار أدباء فلسطين، إذا كان بطرس البستاني من شخصيات عصر النهضة في لبنان فإن والد يوسف بيدس هو من هذه الرابطة. يوسف بيدس هو رئيس بنك باركليز أكبر بنك إنكليزي في فلسطين خلال حرب فلسطين، أمّه لبنانية من عائلة أبو الروس من بسكنتا. 

غسان الشامي: دعنا نوضّح لأن هذا سياق طويل شرحناه، مَن يريد الاستزادة عليه بالكتب، ساسة لبنان هم مَن قضوا على أهم ظاهرة مصرفية في لبنان؟  

كمال ديب: صحيح، لكي نختصر الموضوع هم أرادوا القضاء على البنك فحصلت سحوبات كبيرة من جهات أجنبية محدّدة بعينها، من أميركا ودول الخليج وغيرها، وبدأ صائب سلام ورئيس الحكومة بإصدار نشرات إعلانية مفادها إفلاس بنك إنترا الذي يشكّل 60% من القطاع المصرفي في لبنان وأكبر بنك عربي في تلك الفترة، أن أسرعوا وخذوا أموالكم. أخطر ما يمكن فعله أستاذ غسان هو البدء بسحب الودائع من البنوك، حصل في لبنان المظاهر التي رأيناها منذ بضعة أيام في بيروت حيث يقف الناس في طابور ورأينا إمرأة خلعت ملابسها وجاء شرطي وقام بتغطيتها، وهناك فيديو على اليوتيوب بهذا المعنى عن تلك الفترة. قبل أن يفلس البنك كانوا يحاولون الحصول على الأموال من الكويت فأعلن عبد الله اليافي رئيس الحكومة في 15 تشرين الأول، لاحِظ التواريخ، أعلن أن بنك أنترا أقفل أبوابه، فتحدّاه كمال جنبلاط الذي كان وزيراً في الحكومة وطلب منه إبراز الأوراق التي تثبت حضورهم أمام المحكمة التجارية فقال له انتظرني، فاستدعى مجلس إدارة بنك إنترا نهار الإثنين تحت التهديد وطلب منهم الإعلان فوراً عن إقفال البنك وإفلاسه وإدارة أموال التفليسة، فدوّنوه بتاريخ 15 تشرين بينما كان التاريخ 17 تشرين، أعلنوا إفلاس البنك وجاء الإنكليز والأميركيون وتبيّن أن أصول البنك وموجوداته 900 مليون دولار أي ما يعادل 9 مليارات في تلك الفترة، جرى إفلاسه على 15 مليوناً وصدر قرار الحكومة في ذلك الوقت، حكومة عبد الله اليافي ويشرف عليها الرئيس شارل الحلو بضغط من فؤاد بطرس بأن تُمنح المساعدة الفورية والسيولة لكل المصارف اللبنانية باستثناء بنك إنترا وفق البند الثالث من هذا القرار.

غسان الشامي: بقي لديّ دقيقتان، هكذا يقول لي فريق الإعداد. دور روجيه تمرز في هذا، وكنت أريد أن أسألك لأنه لديّ الكثير من الأسئلة، أنت دائماً تبثّ التفاؤل. 

كمال ديب: صحيح.

غسان الشامي: دور روجيه تمرز وعلى ماذا أنت متفائل؟

كمال ديب: بالنسبة إلى دور روجيه تمرز، هناك الكثيرون من الجيل الحالي يجهلونه تماماً، هذا الشخص كان عمره 26 عاماً وأرسلته شركة مالية أميركية اسمها Kidder, Peabody من وول ستريت في نيويورك كي يساعد الحكومة في حل أزمة بنك إنترا وإعادة افتتاحه، فاستصدر مرسوماً حكومياً يقضي بتوزيع موجودات البنك على كبار المودعين ويصبحوا مساهمين وتعاد الأموال إلى صغار المودعين من مصرف لبنان، فتم توزيع قسم للحكومة اللبنانية وقسم لقطر والكويت والباقي لأميركا، تكفّل هو بالأمر واستمر في إدارة الموضوع حتى سنة 1970 مع محامي من عائلة داغر خلال عهد شارل الحلو. كان على صلة قرابة مع أمين الجميّل، ووفقاً لما كتبه روجيه تمرز في كتابه أنه ساعد أمين الجميّل في أن يصبح رئيساً للجمهورية وأنه كان يذهب إلى واشنطن ويأخذه تمرز من وزارة إلى أخرى وكان يقول لهم أنه لا يحبّ أخيه بشير الجميّل وأنه لديه الكفاءات، وأصبح رئيساً بعد ذلك ووفق ما يقول تمرز في كتابه أن أمين الجميّل اتصل به وسأله عما يريده فقال له أريد بنك إنترا فعيّنه، وتم تغيير إسم بنك إنترا إلى بنك المشرق وتمّ الإبقاء على شركة أنترا كشركة عقارية. 

غسان الشامي: انتهى وقتي.

كمال ديب: صدرت بحقه أحكام عسكرية بسبب تحويله 270 مليون دولار من مؤسسات إنترا والميدل إيست إلى خارج لبنان ومحكوم عليه وملاحق من الدولة اللبنانية، مَن يريد معرفة التفاصيل يمكنه قراءة الكتاب. بالنسبة للتفاؤل فأنا أنظر وراء الأشياء، في لبنان شعب نشيط ومتعلّم وقطاع مصرفي ناجح وجامعات وطرقات وسهول وجبال وإمكانيات، ولو كان هناك مستبد عادل كما يقول بيار الجميّل يفرض كذا وكذا فهناك أمور يمكن فعلها لتحسين الوضع من دون الحاجة إلى الاستدانة، لبنان لولا الفساد ومشاكل البنية التحتية لن يحتاج إلى الاستدانة من أحد. لا أريد أن أتوسع أكثر من ذلك لكنني لست متفائلاً طوباوياً أو عفوياً بل هناك أسباب حقيقية، لبنان لديه الإمكانيات ليصبح مثل أية دولة على البحر المتوسط.                              

غسان الشامي: شكراً، إذا لم ينجم عن هذا الحراك لبنان آخر، لبنان العدالة الاجتماعية والمواطنة والمساواة بعيداً عن امتيازات الطوائف فإن زماناً مديداً سيمرّ يبقى فيه البلد يتخبّط في الحفرة التي وضعوه فيها. شكراً للدكتور كمال ديب، شكراً لزملائي في أجراس المشرق، أيامكم خير، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.