أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

واقع المسيحيين في فلسطين

في ظل ما يسمّى صفقة القرن، ما هو واقع المسيحيين والمقدسات والتحولات الاجتماعية والسياسية والأسروية والتعليمية والهجرة؟ وأيّ أمل في إيقاف النزيف وتصحيح البوصلة؟

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحييكم، من أبشع ما حصل خلال سنوات الرماد العربي هذه انسحاب المسألة الفلسطينية إلى الظل، حتى إن القتل والتدمير والقضم الإسرائيلي الممنهج لم تعد تثير لدى الكثيرين من جمهور المشرق المأكول بعصف النيران التدميرية نخوة أو اهتماماً، وكذلك في عالم العرب الغارق في مشاكله وانزياح سلطاته عن إشارة البوصلة الفلسطينية. إذاً كيف يهتم العرب بمسيحيي فلسطين في القدس وبيت لحم والناصرة مركز العالم والإيمان المسيحي الذين بات وضعهم مأساوياً وتفصيلياً في حين أن الداخل الفلسطيني مأزوم بين اتجاهين أو أكثر ومخنوق من الإسرائيلي. الدكتور برنارد سابيلا متابع مقدسي فلسطيني وأكاديمي وقارئ وباحث وعضو مجلس تشريعي سابقاً كرّس وقته للعمل على وقف التدهور، قبل أن نلج إلى الحوار معه تقرير عمّا وصل إليه الوضع المعيشي في فلسطين.

تقرير:

فرض الاحتلال الصهيوني منذ عام 1967 طوقاً شاملاً على الأراضي الفلسطينية وقام بدمج شبكات المياه والكهرباء والطرق والدوائر المدنية والخدماتية بالشبكات والدوائر والمؤسسات والوزارات الإسرائيلية، وألحق اقتصاد الضفة والقطاع بعجلة اقتصاده ما شكّل عقاباً جماعياً للفلسطينيين وأدى إلى تدهور مستمر في أوضاعهم المعيشية وحدوث خلل دائم بين الدخل والإنتاج، إضافة إلى سياسة الفصل الاقتصادي بين الضفة وقطاع غزَّة الذي يعيش حصاراً خانقاً منذ عام 2006 يمنع أو يقنّن دخول المحروقات والكهرباء والسلع، حيث استفحلت ظاهرة الفقر وتراجع مستوى المعيشة حيث حذّر البنك الدولي من انهيار كامل في اقتصاد القطاع الذي بلغ معدل البطالة فيه أكثر من 43%.  

وأظهرت دراسة قام بها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول مستويات المعيشة أي الإنفاق والاستهلاك والفقر في عام 2017 إلى أن متوسط استهلاك الفرد الشهري بلغ نحو 172 ديناراً أردنياً، وأن نحو 29% من الفلسطينيين هم من الفقراء وأن الأفراد الفقراء في قطاع غزَّة الذين تُقدّم منظمة الأونروا مساعدة لنحو 80% من سكانه هم أكثراً فقراً من أقرانهم في الضفة الغربية التي يبلغ معدل البطالة فيها 18%، وأن أفراد الأسر كبيرة الحجم هم الأكثر فقراً.

غسان الشامي: تحية لكم، أحييك دكتور سابيلا، أقول لك هناك صفقة قرن، ربما قرنان، هل يمكن لهذه الصفقة أن تمرّ داخل فلسطين سيّدي؟ 

برنارد سابيلا: صفقة القرن هي باختصار محور أميركي ترامبي إسرائيلي ولا يمكن لصفقة القرن أن تمرّ إذا لم تأخذ بالحسبان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني. لا يمكن لهذه المعادلة الأميركية تحت إدارة ترامب الحالية وإسرائيل اليمينية أن تلغي تاريخ وقضية وحقوق دائماً حملناها نحن كفلسطينيين رغم كل العقبات ورغم كل المحاولات لطمس قضيتنا وحقوقنا المشروعة.

غسان الشامي: نعم ولكن نحن عشنا جميعاً زمناً للخيبات، لنكن واقعيين، ودائماً كان يتغوّل علينا الأميركي بممالآت عربية، إذا لا سمح الله حصلت هذه الصفقة ما أثرها برأيك على واقع القدس والحضور المسيحي؟ 

برنارد سابيلا: أنا من المتفائلين بأن هذه الصفقة لن تمرّ ولكن إذا ما استمرت الإدارة الأميركية الحالية وإذا ما أعيد انتخاب الرئيس ترامب فهذا يعني بأن الأجندة الإسرائيلية اليمينية والأميركية المتطرّفة دعني أقول هذا بصراحة ستكون هي الأجندة لعمل ما يريدون عمله في القدس وفي الأراضي الفلسطينية بأكملها، بمعنى أنه علينا أن نتهيّأ سياسياً، اجتماعياً وبكافة الأطر والإمكانات المتوفرة لدينا كشعب وأن نقف أمام مثل هذه الصفقة. ما يساعد قليلاً في هذا الموضوع أن العديد من الساسة الأميركيين المعارضين لترامب لا يقبلون بالسياسات التي تنتهجها حالياً الإدارة الأميركية، ولكن هذا لا يغني عن جوع لأنهم ليسوا في الحكم، ومع هذا علينا أن نكون مستعدين. التعويل على العالم العربي هو تعويل قد يكون رهاناً والإخوة العرب بشكل عام كانوا دائماً كشعوب يقفون مع الحق الفلسطيني. المشكلة اليوم أن التحالفات الإقليمية قد خلطت الأوراق وجعلت ما لم يكن ذا أهمية في الماضي الأهمية الأولى على حساب القضية الفلسطينية وحقوق الشعب العربي الفلسطيني.

غسان الشامي: دكتور سابيلا أنت تعلم جيداً أن الأميركي في الحكم غير الأميركي في المعارضة، عندما يصل إلى الحكم يتأسرل تماماً وأنت تعلم أن الكثيرين قد عوّلوا على ترامب لكن أنت مغروز منذ مدة طويلة في فلسطين. في الواقع حتى يستمر الإنسان الفلسطيني في أرضه يحتاج كما أنت تقول إلى اقتصاد متين، أنت عشت اقتصاد الاحتلال واقتصاد السلطة والاقتصاد خلال الوجود الأردني وما بينهم جميعاً، هل يمكن للفلسطيني أن يستمر في ظل هذا الواقع المعيوش والسيّىء؟

برنارد سابيلا: الحقيقة أن المؤلم في الوضع الاقتصادي الفلسطيني هو ما يحدث في غزَّة، حين يكون أكثر من 80% من الشعب الفلسطيني في غزَّة بحاجة لمعونة إما غذائية أو نقدية حتى يستطيع أن يستمر في الحياة اليومية، وهذا أمر يُنهك المواطن علاوة على أن المصادر الأساسية كالمياه أو الكهرباء غير متوفرة لأهل غزَّة. الأوضاع الاقتصادية المعيشية في الضفة الغربية وفي القدس العربية أفضل بقليل ولكن الذي يقف أمام اقتصاد فلسطيني منيع هو السيطرة والهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية شبه الكاملة على مقوّمات الاقتصاد الفلسطيني، أي نحن رهائن تحت الاقتصاد الإسرائيلي وإسرائيل تصدّر أكثر، نحن الدولة أو البلد الذي يستقبل صادرات إسرائيل حتى اليوم أكثر من غيرنا. هناك محاولات من الحكومة الحالية في رام الله، في السلطة الوطنية لتغيير هذا الوضع ولكن يبقى التغيير، التحرّر من هيمنة الاقتصاد الإسرائيلي صعباً للغاية إذا أخذت أيضاً بعين الاعتبار أن الحواجز وتقطيع أوصال الضفة الغربية مع بعضها البعض وليس فقط قطاع غزَّة المحاصر يمنع الحركة، حتى أن البنك الدولي نفسه في تقاريره يقول إن إحدى معوّقات الحركة الاقتصادية الفلسطينية هي الحواجز ومنع الحركة بسهولة للمواطنين الفلسطينيين.  

غسان الشامي: سيّدي إسمح لي بهذا السؤال، على ماذا يعتمد الفلسطينيون المسيحيون، أنت تعرف أنها بلاد مقدّسة، أسرَّ لي البعض أنه حتى التذكارات التي تُعطى للحجّاج أو التي يشتريها الحجّاج إما تُصنَّع في إسرائيل أو الصين، حتى هذا لم يعد يصنّعه الفلسطينيون، على ماذا يعتمدون؟

برنارد سابيلا: أنا غير متأكّد من هذا الكلام مئة بالمئة.

غسان الشامي: كم النسبة؟  

برنارد سابيلا: أنا غير متأكّد مئة بالمئة.

غسان الشامي: جاءني صليب من الأرض المقدّسة صُنِعَ في الصين.

برنارد سابيلا: لقد وصلك الصليب الخاطئ، الصليب الذي يُصنَع في بيت ساحور من خشب الزيتون أو في بيت لحم أو في بيت جالا هو الصليب الأصلي والذي ما زلنا كفلسطينيين متمسّكين بخشب الزيتون وبصناعة خشب الزيتون. لديّ أصحاب من الذين لديهم أماكن سياحة وتذكارات ويقولون لي بأنه حتى المسابح الكاثوليكية التي نستعملها هناك أيضاً مَن يستورد هذه المسابح من الصين، ولكن الصناعة الأجمل والأحلى والأقرب إلى القلب هي الصناعة التلحمية والبجّالية والساحورية التي تقبع في بيت لحم مهد المسيح، وما زالت مئات، ربما أبالغ لأقُل عشرات العائلات المسلمة والمسيحية تقوم بصناعة التذكارات من خشب الزيتون تأكيداً على هويّتنا الجامِعة والشاملة.  

غسان الشامي: يعتمد الفلسطينيون كما تعلم دكتور سابيلا على الإرث المسيحي، على ما بقي من أماكن مقدّسة، مسارات السيّد المسيح، الرسل، مثوى السيّد المسيح، مهده، بشارته، هذا الإرث المسيحي مَن يروِّج له؟ السؤال الآخر هل يُروَّج لهذا الإرث على أنه إرث فلسطيني أم أن الموضوع عالمي؟

برنارد سابيلا: سيّدي المسيحي الفلسطيني هو فلسطيني أولاً وأخيراً، نحن شعب لا يقبل القسمة على إثنين، الطائفية في فلسطين بغيضة، نحن لا نقبل بالطائفية، ما يطال المسيحي يطال المسلم والعكس صحيح، نحن شعب واحد وبالتالي محاولة إبراز الإرث المسيحي الفلسطيني على أنه استثنائي هي محاولة في غير مكانها لأن الإرث المسيحي الفلسطيني هو متجذِّر في الأرض الفلسطينية، والأرض الفلسطينية إذا ما نظرنا إلى شجرة الزيتون المباركة لا تفرّق ولا تميّز هذه الأرض، تقبلنا جميعاً ولا تميّز بين مسيحي وُلِدَ في بيت لحم ومسلم وُلِدَ في الخليل أو في نابلس أو في القدس. أنا متفائل بأن هذا النموذج الفلسطيني بالتعايش وبالمشاركة سيمتد، أعطيك مثالاً بسيطاً اليوم وأنا ذاهب إلى عملي، إذاعة معينة في رام الله لن أذكر إسمها كانت تُبارك للمسيحيين منذ الآن بموسم عيد الميلاد وتقول إن عيد الميلاد هو عيد فلسطيني وطني بامتياز.

غسان الشامي: ولكن يا دكتور هناك واقع يقول أن هناك تطرّفاً دينياً في فلسطين، ألا يوجد تطرّف ديني؟

برنارد سابيلا: يوجد تطرّف ديني في العالم العربي ككل ويوجد بعض المتطرّفين في فلسطين.

غسان الشامي: نحن نرى ما يحصل في العالم العربي.

برنارد سابيلا: صحيح، يوجد متطرّفون في فلسطين ولكن أيضاً يوجد متطرّفون من غير المسلمين في أميركا وفي أوروبا، هل التطرّف يمنعنا نحن الذين نؤمن بجذور واحدة وبوطن واحد من أن نقوم ونقول لا للتطرّف ولا للكراهية ويجب علينا احترام الآخر. رسالتنا نحن المسيحيون الفلسطينيون سواء هنا في فلسطين أو للمسيحيين في العالم قاطبة أننا جزء لا يتجزّأ من شعبنا وأننا لا نتكلّم لغة الطائفية لأن الطائفية شرّ، والشر الأكبر الذي يحاول البعض منهم تفتيت مجتمعاتنا العربية وإلهائنا بأن الصراع هو صراع ديني مذهبي وبأن الاحتفال مثلاً بعيد الميلاد هو احتفال وثني لا يمتّ بصلة، ولكن أين الحرية التي حافظ عليها ودعا إليها الإسلام بعُمر بن الخطاب وبغيره من علماء المسلمين. يجب علينا أيضاً أن نتفكّر بعَظَمَة الإسلام وأن نشدّد للمسلم نفسه أهمية أن يسمع ما عمله وقام به الخليفة عمر بن الخطاب مثلاً.

غسان الشامي: دكتور سابيلا لا أحد منا ينكر أن الإسلام والمسيحية توأمان منذ 14 قرناً ونيّف في هذه المنطقة، ولكن أيضاً لا يمكن أن ننكر أن العلاقات بين الأديان في فلسطين مأزومة كما هي الحال في العالم، هل فعلاً هي مأزومة في فلسطين كما في بقية العالم العربي؟

برنارد سابيلا: كلا، أنا لا أرى أن العلاقات مأزومة، صحيح أن الدين أصبح عاملاً مهماً في إقامة العلاقات الاجتماعية ومتابعتها، بعض الناس يعتقدون لهذا السبب بأن العلاقة مع المسيحي أو مع غير المسيحي يجب أن تكون قليلة ويجب ألا تكون هناك صداقات ولكن تعال إلى بيت لحم، تعال إلى بيرزيت، تعال إلى النجاح، إلى نابلس، تعال إلى الخليل تجد الطالب المسيحي مع الطالب المسلم وتجد الأستاذ الجامعي المسيحي مع الأستاذ الجامعي المسلم ولكلٍّ منهما رؤيته للعالم وإيمانه ولكن الهدف الأساس هو فلسطين، هو مجتمعنا الفلسطيني. فعلاً هناك تحدٍّ لأن إرجاع كل شيء إلى الدين هو شيء خاطئ لأن الدين محبّة، الدين انفتاح، الدين مُلاقاة أو لقاء والدين ليس انعزالاً وعندما ينعزل دين من الأديان فهذا يعني بحُكم النهاية وليس بحُكم البداية.

غسان الشامي: دكتور سابيلا نحن أمام عالم يغلي بصراع الحضارات وصراع الهويات وصراع الأديان، أنت تعرف قلب صراع الهويات وصراع الأديان هو في فلسطين التي هي مهد حقيقي للديانات الثلاث، لذلك من هنا يأتي سؤالي عن أزمة الحوار بين الديانات الثلاث.

برنارد سابيلا: إذا أردت أن تتكلّم عن سوء استعمال الدين للأغراض السياسية فهذا شيء واقعي للأسف من كل الجوانب والاتجاهات ونحن علينا واجب أن نقاوم هذا، مثلاً المسيحيون الفلسطينيون ومعهم المسلمون أيضاً كانوا في حوار مستمر مع المسيحيين في العالم ككل يحاولون أن يشرحوا لهم بأن القضية ليست قضية دينية وإنما هي قضية وطنية وبأن استعمال الدين لأغراض سياسية هو شيء خاطئ. أنا لا أستطيع أن أبرّر ما أقوم به لأن الله سبحانه وتعالى أمرني بهذا، فأين إرادتي وأين حُسن النية لديّ؟ وأين استعدادي لتفهّم الآخر؟ وهذه مشكلة أنا أعترف وأقرّ معك أنها تنسحب على الديانات الثلاث السماوية ولكن هل يجب أن نستسلم لها؟ 

غسان الشامي: لن نستسلم ولكن سنستسلم لسيف الوقت، سنذهب إلى فاصل إذا سمحت، أعزائي فاصل ونعاود الحوار مع الدكتور برنارد سابيلا من القدس المحتلة، انتظرونا.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أحييكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتورسابيلا عملتَ كثيراً على موضوع الهجرة، نحن أيضاً أجرينا مقابلات كثيرة وأطلقنا نقاط ضوء على الهجرة في فلسطين، وأنت كتبت مقالات ودراسات وذهبت إلى العالم في هذا، لماذا هجرة المسيحيين من فلسطين أكثر حتى بلغوا هذه النسبة التي لا تكاد تراها للأسف إلا مجهرياً؟ 

برنارد سابيلا: هجرة المسيحيين من فلسطين هي هجرة طويلة لم تحدث فجأة، بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ولكن الصدمة الكبرى التي حدثت للفلسطينيين كانت حرب 1948 وإنشاء دولة إسرائيل، ما أدى إلى تشريد أكثر من 60 ألف مسيحي من الثلاثة أرباع مليون فلسطيني لاجئ أي كان هناك 60 ألف فلسطيني لاجئ بمَن فيهم عائلتي. 

غسان الشامي: نعم أنت عائلتك أتت إلى غزير في لبنان ثم عدتم أليس كذلك؟

برنارد سابيلا: بالضبط، غزير تبقى قريبة إلى قلبنا كعائلة لأن أول مَن هاجر من الأهل هاجر إليها وكانت العلاقة مع أهل غزير علاقة ممتازة جداً، وحين ترك والديّ والعائلة غزير كان البعض يأسفون لأنهم قرّروا أن يرحلوا، إذاً هناك بُعد إنساني لبناني فلسطيني البعض يتنكّر له اليوم. 

غسان الشامي: اللبناني والفلسطيني يهاجران.

برنارد سابيلا: أنا أقول إن الهجرة المسيحية من فلسطين ليست مقتصرة على المسيحيين لأنه إذا نظرتَ إلى أعداد الفلسطينيين في العالم في فلسطين عامة فهناك ما يقارب 6 ملايين ونصف مليون فلسطيني، ولكن الستة ملايين ونصف مليون فلسطيني وأغلبهم من المسلمين متواجدين خارج الأرض الفلسطينية. بالنسبة للمسيحيين هناك مليون مسيحي فلسطيني أو من أصول فلسطينية يعني على سبيل المثال في تشيلي هناك ما يقارب 350 ألف تشيلي من أصل فلسطيني معظمهم من المسيحيين. في الهندوراس ما يقارب 150 أو 165 ألف هندوري في جمهورية الهندوراس من أصل مسيحي فلسطيني. هجرة المسيحيين مرتبطة في اعتقادي بما حدث للفلسطينيين في العام 1948، الهجرة إلى عمّان، إلى الأردن والذي كان مستقبلاً جداً برحابة صدر وبأريحية للاجئين، تذكّر الخمسينات، أنا لا أتكلّم فقط عن اليوم ولكن في الخمسينات كانت الموارد في الأردن شحيحة جداً ومع هذا استطاع الأردن أن يستقبل. سوريا أيضاً لم تبخل أبداً على اللاجئين الفلسطينيين بمَن فيهم المسيحيون ولم يكن هناك تمييز أبداً بين المسيحي والمسلم وهكذا الوضع في الأردن، فحين نتكلّم عن هجرة المسيحيين الفلسطينيين هي ليست هجرة كما حدث في سوريا أو في العراق مع صعود الدواعش إلى الأخبار وإلى رؤوس الأقلام كما يقولون. الهجرة الفلسطينية المسيحية كانت بسبب الأوضاع السياسية مع ما رافقها من أوضاع اقتصادية سيّئة للغاية.  

غسان الشامي: دكتور سابيلا قرأتُ دراسة تقول إن الفلسطيني الآن يغلّب الصفة الدينية على الصفة الوطنية، نحن نعرف الفلسطينيين في لبنان جيداً وفي الشتات، صحّح لي، هل هناك هوية فلسطينية جامعة رغم الانقسامات الدينية والانقسامات السياسية في فلسطين؟ 

برنارد سابيلا: علينا أن نتكلّم بصراحة، البُعد الديني أخذ في مدى العشرين عاماً الماضية أو أكثر بُعداً أصبحت معه الهوية الأولى خاصة عند المسلمين هي الهوية الدينية، في فلسطين أيضاً لا يمكن أن نتنكّر لهذا الواقع ولكن مع تزايد التعريف الذاتي بالهوية الدينية كان دوماً هناك حتى مع هذا التعريف الديني انفتاح للقضية الوطنية، يعني لا يمكننا في فلسطين أن نقول إن التعريف الذاتي بالدين هو إنكار أو تخلٍّ عن البُعد الوطني لأننا إذا أردنا أن نعرّف أنفسنا فقط كمسلمين فإذاً حوّلنا نحن أيضاً القضية إلى قضية دينية وتركنا البُعد الوطني. عند المسيحيين أشارت الدراسات أنه في السبعينات والثمانينات كان التعريف الذاتي أولاً كفلسطيني وثانياً كمسيحي، تغيّرت هذه الصورة قليلاً، أصبح تقريباً 50% من المسيحيين الذين تسألهم اليوم مَن أنت، عرِّف ذاتك، 50% يقولون أنا مسيحي و50% يقولون أنا فلسطيني وهذا ينطبق أيضاً على الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل، بدأ البُعد الديني يأخذ مكانة في التعريف الذاتي.

غسان الشامي: أريد أن أسألك، هذا يشير إلى تحوّلات كبيرة في الاجتماع والسياسة، هذه تحوّلات حصلت على الأسرة الفلسطينية أولاً، على الواقع السياسي وعلى الواقع الاجتماعي، ما هو أثر التحوّلات وأنت عملتَ عليها أيضاً على موقع الأسرة الفلسطينية وعلى الأسرة المسيحية تحديداً لأنك كما تعرف أن الانتماء الوطني للأسر هو مُسبّب أساسي للمقاومة والبقاء؟ 

برنارد سابيلا: ليس فقط الانتماء الوطني للأُسَر بل تحديداً الانتماء الوطني للأمّة الفلسطينية، فالانتماء الوطني للأمّة الفلسطينية صدّقني هو الذي يقرّر انتمائي الوطني كإبن أو كإبنة، فأنا أقول حتى الأمّ التي تصلّي ليلاً ونهاراً ولكن لديها الانتماء الوطني هي تستطيع أن تغرس الانتماء الوطني لدى أبنائها. أنا أتفق معك أن هناك تحوّلات اجتماعية وسياسية تعكس التعريف الذاتي المرتبط بالدين، الخطر أن يكون هذا التعريف الذاتي هروباً من الواقع الذي يجب أن نواجهه ليس فقط بالتعريف الديني ولكن بالتعريف الوطني القومي الجامِع. يحاول العديدون خارج الوطن العربي والبعض في الوطن العربي أن يقسّمونا إلى طوائف ومذاهب، والبعض منا للأسف وربما الأغلبية تنجرّ وراء هذه التقسيمات، ولكن هذا ليس بخلاصنا لا كشعوب عربية تؤمن بالله الواحد الجامِع ولا في فلسطين. نحن شعب واحد، نحن نريد صوغ مستقبل نتحرّر به من الذي يجعلنا ننقسم على بعضنا البعض أولاً وأخيراً ونتحرّر من الاحتلال.

غسان الشامي: دكتور سابيلا أستاذك المُشرِف على أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها، أنت ذكرت أنه قال أنتم الفلسطينيون رأس مالكم الوحيد هو التعليم لأنه لا يمكن أن يسلبه منكم وأنت مذ أتيت وأنت تمارس هذا التعليم، أولاً أسألك ما وضع التعليم الآن في فلسطين؟ وهل نعلّم الشباب ثم لا نجد لهم عملاً وندفعهم إلى الهجرة؟  

برنارد سابيلا: دعني أقول إنني راضٍ عن التعليم في فلسطين وأنا راضٍ أيضاً عن كثير من المساقات والمواضيع التي تُعلَّم في الجامعات، وأنا أقول لك بأن هناك جامعات مثل جامعة الخليل للتكنولوجيا على سبيل المثال تعطي الشباب والشابات الفلسطينيين المهارات العلمية التي يحتاجها بلدنا، وهناك جامعات مثل بيت لحم وبيرزيت والخليل الوطنية وغزَّة الإسلامية والأقصى في غزَّة وأيضاً الجامعة العربية الأميركية، جامعات خاصة، ودار الكلمة في بيت لحم والتي تختصّ بالأفلام وبالموسيقى وبالصناعات والمهارات اليدوية الفلسطينية. أنا عندي أمل كبير ولكن عندما نتكلّم عن الخرّيجين هناك أكثر من 250 ألف طالب جامعي في فلسطين وقد يكون العدد أكبر من هذا لأن ذاكرتي أحياناً تخونني، ولكن حين نتكلّم عن العمالة، عمّا يحدث للشباب الفلسطيني بعد التخرّج، للأسف أن معظم الطلبة الجامعيين لدينا هم من الفتيات، يجوز أن 55% أو 60% من الطلاب الفلسطينيين في جامعات فلسطين هم من الفتيات ولكن حين يتخرّجن من الجامعة لا يجدن أي عمل، والوضع في غزَّة اسوأ بكثير من الوضع في الضفة الغربية، لماذا؟ نعود للاحتلال، نحن لا نعلّق كل مشاكلنا على الاحتلال ولكن يبقى الاحتلال عاملاً أساسياً في منع الفلسطينيين من تطوير قدراتهم ومن تأهيل شبابهم ومن توظيف العمالة الشابة التي تتخرَّج من جامعاتنا في الوطن.   

غسان الشامي: دكتور سابيلا لديّ مجموعة من المواضيع سأحاول أن أكملها مع حضرتك في سياق هذه الحلقة مع احترامي للوقت، هناك لجنة رئاسية فلسطينية لمتابعة شؤون الكنائس أنت كنت عضواً فيها، هل ما زلت فيها؟

برنارد سابيلا: كلا أنا لست عضواً في اللجنة اليوم ولكنني أتابع عملها وأشيد به.

غسان الشامي: قبل أن نشيد، لنتابع معك مهامها، من مهامها متابعة الشؤون العقارية وهي تشكّلت منذ حوالى 19 عاماً، هل شُكّلت في العام 2000؟ بكل الأحوال هل استطعتم وقف تسريب أو بيع عقار واحد للمسيحيين أو المسلمين من قِبَل مَن يبيعون هذه الأوقاف؟ 

برنارد سابيلا: في الحقيقة إن اللجنة الرئاسية تقوم بمتابعة هذا الموضوع، وبجهود اللجنة الرئاسية هناك متابعة لأية محاولة واتصال دائم مع رؤساء الكنائس بشكل خاص، وهناك تجاوب عظيم من رؤساء الكنائس مع اللجنة الرئاسية في هذا الموضوع. اللجنة الرئاسية هي اللجنة المتخصّصة في السلطة الوطنية الفلسطينية للعلاقة مع الكنائس، على سبيل المثال تجتمع مع المسؤولين الفلسطينيين سواء في بيت لحم، رام الله، نابلس وفي غيرها من البلدان والأماكن لغرض ترتيب الأوضاع بما فيها خدمة المجتمع ككل وليس لعملية استثنائية للمسيحيين. اللجنة الرئاسية هي الجسم الذي يحكم العلاقة ما بين السلطة الوطنية والكنائس، ونحن بحاجة لمثل هذا الجسم لما هناك ليس فقط من مشكلة الأراضي التي يمكن أن تُباع ولكن أيضاً لأن العلاقات أحياناً تكون بحاجة لمَن يرشدها ومَن يوجّهها في الاتجاه الصحيح، وفي هذا المجال أنا أعتقد أن اللجنة الرئاسية تلعب دوراً مهماً. 

غسان الشامي: ولكن في المحصّلة هناك أراضٍ تتسرّب، هناك بين فينة وأخرى فضائح مُخيفة حول الأراضي ولكن الجزء الثاني من مهام اللجنة الرئاسية سيّدي كما تعلم هي المناهج التعليمية، هذه المناهج التعليمية هل ما تزال النظرة إلى المسيحيين فيها كما قبل أن تأتي السلطة الفلسطينية؟

برنارد سابيلا: بالعكس، أنا أرى أنه كان هناك حوار صريح وواضح مع السلطة الوطنية ومع وزارة التربية والتعليم في هذا الخصوص. دعني أقول أن هناك ديمقراطية حقيقية في ما يتعلق بالمناهج، نتكلّم بحرية مع السلطة ونقول أين نريد أن تكون المناهج أكثر حيادية، أعطيك مثالاً لا يمكن أن نقدِّم للطالب مسألة رياضية حسابية ونضع الدين فيها أو لا يمكن مثلاً أن نقول القدس عاصمة عروبتنا وزهرة المدائن من دون أن نذكر كنيسة القيامة أو أن نتكلّم عن بيت لحم من دون أن نذكر كنيسة المهد، طبعاً جنباً إلى جنب مع الجامع العمري في بيت لحم، مع مسجد عمر بن الخطاب في القدس، لا فرق، إذاً نريد منهاجاً فلسطينياً يتكلّم باللغة الفلسطينية وليس باللغة المسلمة ولا المسيحية.

غسان الشامي: شارف الوقت على الانتهاء ولكن سؤالي هناك انتخابات في فلسطين.

برنارد سابيلا: إن شاء الله.

غسان الشامي: هذا هو الجواب إن شاء الله، دائماً نضع الأمور في ذمّة ربنا، سيّدي كيف يمكن إجراؤها في ظل الصراعات بين فتح وحماس؟ وهل المسيحيون مرهونون دائماً بالكوتا في هذه الانتخابات؟

برنارد سابيلا: حسبما أعلم أن هناك شبه اتفاق، لا أدري إذا وُقّع بعد بأن تكون الانتخابات بواسطة القائمة النسبية الوطنية أي أن مبدأ الكوتا سيختفي والحمد لله ولكن ستعمل الفصائل والقوى الفلسطينية على وضع المرأة وأنا أهتم بالمرأة قبل أن أهتم بالمسيحي، على وضع المرأة والممثلين أو النواب المُرتَقبين المسيحيين في مقاعد مؤكّدة. أنا ضد الكوتا ولكن هناك حاجة في البرلمان الفلسطيني وإن شاء الله تجرى الانتخابات كما نريدها أن تجرى، ولكن هناك حاجة في هذا البُعد لأنك إذا وضعتَ جانباً البُعد النسوي والذي هو أكثر أهمية حتى من البُعد المسيحي ووضعتَ جانباً البُعد المسيحي فأين نحن في فلسطين! إذاً علينا في الانتخابات القادمة أن نعمل قوائم من الأحزاب المختلفة سواء في غزَّة أو في الضفة الغربية.     

غسان الشامي: أنا أشكرك سيّدي. لطالما ردَّدنا أنه إن لم يسقط الاحتلال الصهيوني لفلسطين فلن تقوم قائمة لبلداننا، فلسطين هي الأساس، منها انطلق الألم وما واجبنا سوى أن نُذكِّر لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين إذا كانوا لا يزالون على السمع. شكراً للدكتور برنارد سابيلا على مشاركته في قرع أجراس المشرق من القدس المحتلة، لزملائي الأعزاء في البرنامج وقناة الميادين، مساؤكم فلسطيني، سلام عليكم وسلام لكم.