أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

بين الفكر الإنساني والفكر الإسلامي

لماذا تمكنت المدارس الغربية بشقيها اليساري واليميني وأفكار الحداثة والنهضة الأوروبية من الانتشار الأفقي في العالم ووصلت إلى كل الجغرافيا واستقطبت عقولاً من كل الجغرافيا البشرية, فيما ظل الفكر الإسلامي قابعاً في الحي أو الشارع العربي ضمن الدائرة الإسلامية الضيقة, من المسؤول عن عدم تبسيطه وإيصاله إلى الكون؟ أجيالنا اليوم تعرف الفكر الغربي أكثر من الفكر الإسلامي ما هي الأسباب والدوافع. التقصير العلمي والمعرفي في عدم بلورة إسلام العالمية الإنسانية. كيف انتشر الفكر الحداثي والغربي في العالم الإسلامي؟ مصاديق قصور الفكر الإسلامي, هل هو غير مفهوم؟ الخروج من المحلية إلى الكوكبية والعالمية.

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. 

الأفكار قسمان: هناك أفكار تهزّ العقل والشعور وتتحوّل إلى معادلات حضارية تساهم في عملية البناء والتنمية، وأفكار تتّسم بالتكرار والاجترار وتظل حبيسة الإطار النظري وتجد صعوبة في التأقلم مع التربة الحضارية هنا أو هناك. ونعاني في العالم العربي والإسلامي من مرضين خطيرين، أولهما عدم مساهمتنا في صناعة النهضة المعاصرة، وإبقاؤنا المنتوج الفكري في بُعده التاريخي من دون تجديد في المضامين، ولا تجديد في المُصطلحات والماهية الفكرية لهذا المنتوج. وفي الوقت الذي ظل فيه فكرنا الإسلامي حبيس المسجد والزواية، فإن الفكر الآخر الغربي اجتاح القارات الخمس على صهوة العولمة وبساطة الطرح. فوجد له موطئ قدم في كل البلاد العربية والإسلامية التي أقبل شبابها على فكر التغريب والفلسفة الغربية ونتاجات الكوكبية.

فلماذا تمكّنت المدارس الغربية بشقّيها اليساري واليميني وأفكار الحداثة والنهضة الأوروبية من الانتشار الأفقي في العالم، ووصلت إلى كل الجغرافية، واستقطبت عقولًا من كل الجغرافية البشرية؟ فيما ظل الفكر الإسلامي قابعًا في الحيّ أو الشارع العربي ضمن الدائرة الإسلامية الضيّقة.

مَن المسؤول عن عدم تبسيطه وإيصاله إلى الكون؟ ولماذا أجيالنا اليوم تعرف الفكر الغربي أكثر من الفكر الإسلامي؟ وما هي الأسباب والدوافِع؟ ومَن المسؤول عن التقصير العلمي والمعرفي في عدم بلورة إسلام العالمية والإنسانية؟ لماذا خرج الفكر الغربي من المحلية إلى الكوكبية فيما بقي الإسلام في الدائرة القُطرية الضيّقة، بل في الحيّ بل في الزقاق الضيّق؟ وقد تلقّى المجتمع الإسلامي رسالته المطبوعة منذ أربعة عشر قرنًا في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وظلّ يعيش على وقع النسخة المطبوعة مُستخدمًا عقول الأوائل وأفكار الأوائل من دون تجديد ولا اجتهاد. واستمرأ الأفكار الميتة، إنّ الأفكار كالأرواح تحيا وتموت، فإذا استخدمت الشعوب الأفكار الحيّة تحيا، وإذا استخدمت الأفكار الميتة تموت، ونترحّم عليها وعلى أفكارها وتحديدًا في ظل القطيعة المعرفية بين هذه الأفكار المُنقرِضة والواقع المُعاصِر. والأفكار تكون صحيحة إذا نجحت وتنجح إذا كانت حيوية ودينامية وفعّالة ومُنسجمة مع البيئة والواقع. 

ولأننا اجتررنا الأفكار القديمة من دون مدّها بروح العصر ومعادلات الواقع باتت لأجيالنا القابلية للآخر، نغنّي كما يغنّون، نلبس ما يلبسون، وحتى أنماطنا الحياتية صارت من سنخ حياتهم، وباتت أمنية العربي أن يجد قاربًا يحمله إلى الغرب ليعيش عدالة اجتماعية لطالما تغنّى بها موروثه في الماضي البعيد. أما اليوم فلا عدل، ولا عدالة، بل فساد وظلم مُدقَع. 

"بين الفكر الإنساني والفكر الإسلامي" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الدكتور حسن رضا الباحث في الفكر الإسلامي، ومن مصر الحبيبة الأستاذ الباحث صلاح سالم صاحب كتاب "الأساطير المؤسّسة للإسلام السياسي". وغيرها من الكتب في العقلانية الإسلامية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

كتاب "شروط النهضة" مالك بن نبي

اعتبر مالك بن نبي فيلسوف مشكلات الحضارة لكثرة ما غاص في مفهوم الحضارة وأسباب نهوضها. وعلّل سقوطها وهو يعتبر أن الثقافة بما فيها الفكرة الدينية التي هي أساس كل ملحمة إنسانية ليست عِلمًا، لكنها البيئة التي يعيش فيها الإنسان حامل الحضارة. إنها بيئة كل شيء مهما كان دقيقًا، وعلامة مجتمع يسير نحو مصير واحد فيها تتكاتف جهود الراعي والحدّاد والفنان والعالِم ورجل الدين. إن تركيب العادات والتقاليد والمواهب والأذواق والسلوك والمشاعر هو الذي يعطي لحضارة ما وجهها وقطبيها الذين نعيش بهما الروح والعبقرية.

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن مرحبًا بك.

حسن رضا: أهلًا وسهلًا بكم.

يحيى أبو زكريا: لا شك إنك واحد من المثقّفين الذين قرأوا المدرسة الغربية في أفكارها، في تفاصيل تمظهراتها الأيديلوجية. لماذا هذا الانتشار الأفقي الواسع في العالم العربي والإسلامي؟ فيما الفكر الإسلامي لم يخرج من الحيّ، من المسجد، من الحوزة، من التكية، من المعهد الديني ويذهب إلى الغرب.

حسن رضا: الحقيقة إن الفكر الإسلامي المعاصر لا يزال يقدّم من خلال مجموعة من الوصايا والتعاليم والأحاكم التي تفتقد في وضعها إلى أطروحات نظرية يمكن أن يعوّل عليها من أجل أن توضع في مقابل الفكر الغربي الذي تطوّر كثيرًا وتعمّق في قراءاته النظرية التي نمت على الخبز الجدلي وعلى جانب من الدراسات الميدانية التي قاربت الواقع، وعملت على إحيائه وعلى الربط بين الممارسة والفكر. فبينما وجدنا أن تعاليم الإسلام ووصاياه وأفكاره نثرت في مجموعة من الفتاوى ومجموعة من المقاربات الأولية التي تؤخذ أو تذاع باعتبار أنها إلزامية، ولابد من أن يتم تطبيقها بطريقة تأخذ في بعض الأحيان بُعدًا متحجّرًا أو دغماتيًا، بمعنى أن مَن يتلقّفها ليست لديه إمكانية لأن يقتنع بها لعدم قيامها لا على بُعد ميداني من ناحية، ولا على جدل يمكن أن يطوّرها أو أن يعيطها هذا البُعد الذي وجدناه لدى بعض الطروحات التي قدّمت على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي عند الغربيين. وبينما نجد على سبيل المثال حول العدالة في الفكر الغربي جدلًا حول بعض مكوّناتها وتفاصيلها ومعطياتها عند جون روز، وعند أماتيا سان، وعند مايكل ساندن، وكيف أن هؤلاء يدخلون في دوّامة من مطارحات يمكن أن نجد فعالية لها على مستوى الواقع. في مقابل ذلك نجد أن الفكر الإسلامي على مستوى طرح مبدأ العدالة لا يزال في مراحله الأولى، وذلك لأن هنالك نصًا يعمل الباحثون والمفكّرون وفلاسفة الإسلام على تحليله وفَهْمه ومحاولة القفز منه إلى الواقع، بينما هم يبتعدون كثيرًا عن المقاصد التي يمكن أن يؤسّس عليها  في سبيل بناء فكر على هذا المستوى، بعبارة أدقّ يحتاج الفكر الإسلامي من خلال مُبدعيه ومُفكريه وعباقرته إلى تركيب نظريات في الاقتصاد والسياسة والأخلاق والاجتماع والتربية بدلا من أن تبقى هذه النصوص مجرّد وصايا، يجب على الناس أو على العوام جميعًا أن يتلقّفوها وأن يتقيّدوا بها.

في المقابل وجدنا أن الفكر الغربي عمل على إعطاء مُقاربات أكثر إقناعاً للجيل، وأكثر إقناعا للشباب، ويمكن أن تشكّل جزءًا من حياتهم. بالإضافة إلى ذلك نجد أن هناك لونًا من التبجّح أو الشعور بأن هذا التراث الإسلامي وصل إلى مرحلة يمكن أن يُجيب على كل تلك التصوّرات.

يحيى أبو زكريا: وربما هذا الذي جعلنا نتوقّف في لحظة تاريخية معينة على وقع اللاتوازن بين الغرب والشرق انطلقت حضارة الغرب فيما تراجعت حضارة الشرق. دعني أمضي إلى مصر لاستكمال الفكرة ونفصّل كل المحاور لاحقًا.

أستاذ صلاح سمعت ما قاله الدكتور حسن أننا لم نجدّد في القوالب الفكرية، لم نبسّط. الآخرون بسّطوا، الآخرون قدّموا معادلات. بنظرك لماذا فكرنا ظلّ حبيس الجغرافية العربية؟ فيما أفكار المدارس الغربية انتشرت بالكامل في البلاد العربية. رأينا اليسار العربي، اليمين العربي، الليبرالية العربية، والإلحاد العربي، وما إلى ذلك من الأفكار التي راجت في بلادنا وبسهولة كبيرة جدًا.

صلاح سالم: في الحقيقة أنا أتّفق مع ما قاله الدكتور حسن، وهو بالفعل دقيق. ولكن أيضًا هناك عامل حاسم ربما يسبق هذا، أنّ المسألة مرتبطة بتاريخ الأفكار، وحركة الأفكار في الزمن بمعنى أنه في كل عصر في كل قرن لا يمكن لفكرة أن تنتشر أفقيا إلا إذا كانت تلّبي حاجة هذا الزمان، بمعنى أنه في العصور البدائية نتيجة الأسطورة مثلًا فكرة مُلهِمة وُمحفّزة هي تفسّر العالم وتفسّر الوجود وكانت قادرة على الانتشار. وفي مراحل من التاريخ كانت الأفكار العنصرية عن العرق، وكانت تبرّر الحروب وتقيم شعوب وتحفز أمم إلى الصراع. في لحظة معينة ترى ذلك فتتجه للأفكار الدينية، مسيحية، إسلامية، يهودية، بوذية، وهكذا كانت الأديان هي الأفكار التي تُلهم العالم وتفسّر الوجود، ومن ثم كانت قادرة على الانتشار وهذه المرحلة التي شهدت زُخم وانتشار الإسلام في القرون الهجرية الأولى. في لحظة معينة من التاريخ تبدو الأفكار العقلانية الأفكار الحديثة هي الأكثر رواجًا بمعنى أنه حركة ارتقاء العقل البشري  وحركة ارتقاء التاريخ نفسه تفرض نوعًا من تغيّر الأفكار، ومن ثم بعدما كانت الأفكار الأسطورية والدينية هي التي تحتمل حركة التاريخ وتفسّر الوجود وتكمل وعي البشر. ولذا كانت قابلة للانتشار أفقيًا، وفي كل جغرافية العالم أصبحت الأفكار الحديثة الأكثر ارتباطًا بواقع الناس هي التي تحفّزه، مثلًا فكرة العقلانية بدت فكرة محورية، وفكرة العلمانية لا يمكن تخيّل العالم وتنظيم العالم السياسي والاجتماعي الآن من دون هذه الفكرة. النزعة الإنسانية وغيرها من الأفكار الديمقراطية والليبرالية والمساواة، كل هذه أفكار إمكانية حديثة جذّابة ومن ثم لأنها حديثة ولأنها جذّابة وجدت لنفسها رغبة، ولاقت جاذبية عند الآخرين لأنها تلبّي حاجة أساسية لديهم بمعنى من المعاني  لو ضربنا مثلاً فكرة الحرية في الفكر التراثي القديم ومنه الفكر الإسلامي وحتى الفكر المسيحي، فكرة الحرية كانت مرتبطة بفكرة العبودية أنت حرّ بمعنى أنك لا يمتلك رقبتك شخص آخر، أو حتى في عِلم الكلام الإسلامي فكرة الحرية والمسؤولية مرتبطة بتصوّر المُعتزلة عن العلاقة بين الله والإنسان، وفكرة القدر والجبر والاختيار وكل هذه الأشياء. 

لكنه لم يرد إلى الذهن الإسلامي أن يتحدّث عن الحرية بالمعنى الديمقراطي وبالمعنى الليبرالي بمعنى حق الإنسان بأن يعتقد ما يشاء وأن يتحرّر ضميره وأن يتحرّر سلوكه بأن تنمو حريته في مواجهة الحاكِم الذي يحكمه وفي مواجهة الجماعات الأخرى، ومن ثم يكشف بذات فردية مكتملة وناضجة يستطيع  بمُقتضاها أن يتحدّث عن أنه كائن حرّ هذه الأفكار الجديدة مرتبطة بالثقافة الغربية، وبالعدالة الغربية من عصر النهضة من 500 سنة وحتى الآن هي أقلّه تلبّي حاجات إنسانية حقيقية، ومن ثم وجدت في ظل تخلّف العالم الإسلامي وجدت لنفسها رائدة تتحرّك العالم على أرض بكر لم تكن هناك أفكار حقيقية تواجهها، ومن ثم انتشرت في كل جغرافيا العالم ومنها الجغرافية العربية.

يحيى أبو زكريا:  إذًا دكتور حسن كما قال الأستاذ صلاح الفكر الإسلامي ظل حبيس التاريخ لا يجدّد في القالب اللغوي اللفظي ولا يجدّد في المضمون. بهذا اللاحظ نحن مسؤولون عن تخلّفنا وعدم إيصالنا هذا الفكر إلى العالمية وإلى الإنسانية قاطبة لا يمكنك أن تُخاطب عقلًا معاصِرًا في القرن الواحد والعشرين بأداة فكرية وضعت في القرن الأول والثاني وما إلى ذلك. هل تاريخينية الفكر الإسلامي وإبقائنا هذا الفكر في دائرته التاريخية في الكهف التاريخي هو المسؤول عن هذا التراجع الخطير والتفاوت القرني والحضاري بيننا وبينهم؟

حسن رضا: ثمة عقدة لا تزال موجودة في قواعد تفكيرنا هي أن هذا النصّ لابد من أن يكون محور تفكيرنا بالرغم من أن مجموعة كبيرة من مفكّري الإسلام عبر الزمني عملوا على تقديم مُقاربات متعدّدة تارة من أجل أن يتلقّفوا فكرًا آخر كما هو الأمر بالنسبة إلى الغزالي الذي عمل في كتابه "القسطاس المستقيم" على تلقّف المنطق الأرسطي وعلى إعادة استخراجها من النصّ القرآني وبلورته على المستوى الفقهي والفكري وتطبيقات الشرعية. كذلك هناك مَن عمل في بعض الجوانب على نقد هذا الفكر الآخر كما نجد عند إبن تيمية وعند السهرودي، ولكن المشكلة هي أن هؤلاء عملوا من خلال نقدهم ومن خلال بناء كل هذه المنظومات التي قدّموها على بناء أو على تبرير تصوّر يوجد عندهم فمثلًا عمل إبن تيمية من خلال نقده للمنطق الأرسطي على تأسيس عملية التمسّك بالفكر الإسلامي الذي يقوم على الرواية والنصّ وعمل السهرودي على تأسيس نقد لهذا المنطق الأرسطي على أساس أن البديل أو أن الأساس إنما هو بوابة الفكر الصوفية، أو التي ترجع إلى الجانب الشرقي أو المشرقية إذا صحّ التعبير في بعض ما قدّمه في كتابه حكمة الإشراق. وهكذا بالنسبة إلى كثيرين عبر الزمن عملوا على تقديم مُقاربات كانت على الأقل محاولة لاستيعاب الآخر أو من أجل نقده وتكوين مُقاربة ذات بُعد إسلامي.

وأما على مستوى الفكر المعاصر، فاللافت أن هناك قطيعة باتجاه هذا الفكر الغربي الذي خطا أشواطًا على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والفلسفي بحيث أن المُقاربات التي يقدّمها في بعض الأحيان لا يمكن أن نقدّمها في ألفاظ عربية، وذلك لكونهم قد وصلوا إلى جزر تعبيرية ربما لم يصل إليها عربي في مرحلة من المراحل. كل ذلك يستدعي من أجل أن نقوم بإنتاج فكر عربي جديد وفكر إسلامي عميق أن نقوم بقراءة هذا الفكر، وأن تكون لدينا وجهة نظر نقدية في ما قدّم على هذا المستوى بالاستناد إلى تلك التأصيلات والركائز الإسلامية.

يحيى أبو زكريا: لكن يبدو منذ أحرق العرب كتب إبن رشد في الأندلس بدأ التعثّر وبدأت المسيرة تعود إلى الوراء، سنبحث في قتل العرب للعقلانية مذ ذلك التاريخ بُعيد الفاصل إذا سمحت.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

كتاب "سقوط العالم الإسلامي" حامد عبد الصمد

يقول الكاتب هناك عدّة أسباب للانهيار القادم يذكر من أهمها انعدام وجود أيّ اقتصاد خلاّق وغياب أيّ نظام تربوي فعّال وانحسار أيّ إبداع فكري بنّاء. ويعتبر أن مثل هذه الآفات الكارثية لا تؤدّي بطبيعتها إلا إلى تصدّع البناء بكامله، واعتبر الكاتب حامد عبد الصمد أن هذا الهيكل بدأ فعلًا بالانهيار منذ فترة طويلة، وهو الآن يعيش مرحلة التحلّل النهائية، وأضاف الباحث المصري أن الشعوب الإسلامية عرفت نوعًا من النهضة في فترة من الزمن خاصة في القرون الوسطى عندما حصل انفتاح على الثقافات والحضارات التي احتكّت بها انفتحت عليها، واستفادت من مُنجزاتها وعلومها. يقول مثلًا من دون أيّ تحقيق أو تمحيص إن المسلمين ترجموا في فترة من الزمن أعمال الفكر اليوناني والروماني والمسيحي، ونقلوه إلى الغرب متنكّرًا تمامًا لكون هذه الترجمات لم تكن إنجازًا إسلاميًا على الإطلاق، بل في الحقيقة قام بها العلماء السريان والآشوريون الذين كانوا ينعمون بمستوى علمي رفيع عندما وصل الفتح الإسلامي إلى ديارهم، فجرى ذلك في عواصم الحضارة آنذاك في بلاد ما بين النهرين وبغداد ومنطقة أرض الشام. ولكن الإسلام الذي تبنّاها ونَسبَها لنفسه بقي عاجزًا عن نقلها حتى إلى مهد انطلاقته في مكّة والمدينة وباقي أطراف الجزيرة العربية. ويقول الكاتب إن العالم الإسلامي توقّف عن الابتكار، وأصبح يعيش عالة على الدول المتحضّرة، بل أصبح منطقة تفريخ للتعصّب والعنف. إن المسلمين مشدودون إلى الماضي وعاجزون عن طرح أسئلة المستقبل الصعبة، ولهذا يهربون إلى إنجازات ماضٍ مجيد منذ أن أحرق المسلمون كتب إبن رشد انحرفوا عن الطريق الإبداعي، وانفصلوا عن العقل والعقلانية وعن المنهجية العلمية والعلوم التجريبية وبهذا ساروا في ذيل البشرية هذه هي الحقيقة.

المحور الثاني:

"لماذا تأخّر المسلمون ولماذا تقدَّم غيرهم" شكيب إرسلان

قال الكاتب لقد أصبح الفساد إلى حد أن أكبر أعداء المسلمين هم المسلمون، وأن المسلم إذا أراد أن يخدم ملّته أو وطنه وقد يخشى أن يبوح بالسر من ذلك لأخيه إذ يحتمل أن يذهب هذا إلى الأجانب المُحتلين، فيقدّم لهم بحق أخيه وشاية التي يرجو بها بعض الزلفة، وقد يكون أمله بها فارغًا. ثم إننا بحصر كل مجهوداتنا في هذه العلوم الدينية والمحاضرات الأخروية جعلنا أنفسنا بمركز ضعيف بإزاء سائر الأمم التي توجّهت إلى الأرض. وهؤلاء لم يزالوا يعلون في الأرض، ونحن ننحطّ في الأرض إلى أن صار الأمر كله في أيديهم وصاروا يقدرون أن ينفكّوا عن نفس ديننا فضلًا عن أن يملكوا علينا دنيانا، ومن ليست له دنياً فليس له دين وليس هذا هو الذي يريده الله بنا وهو الذي قال "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض"، وقال "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا"، وقال "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة"، وقال فيما حكاه وأقرّه "لا تنسى نصيبك من الدنيا". وهكذا أصبح المسلمون في الأعصر الأخيرة يعتقدون أنه ما من صراع بين المسلم والأوروبي إلا وسينتهي بمصرع المسلم ولو طال كفاحه وقرّ ذلك في نفوسهم وتخمّر في رؤوسهم ولاسيما هذه الطبقة التي تزعم أنها الطبقة المفكّرة العاقَلة المولَعة بالحقائق الصادفة عن الخيالات بزعمها فأنها صارت تقرر هذه القاعدة المشؤومة في كل نادٍ، وتجعل التشاؤم المستمر والنعاب الدائمة من دلائل العقل وسعة الإدراك، وتحسب اليأس من صلاح حال المسلمين من مُقتضيات العِلم والحكمة. ومازالت تنفخ في بوق التثبيط وتبثّ في سواد الأمّة دعاية العجز إلى أن صار الاستخذاء ديدن الجميع إلا من ربح ربك وكانت روحه من أصل فترته قوية عزيزة.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد. مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الفكر الإنساني والفكر الإسلامي، لماذا اجتاح الأول القارات الخمس فيما ظلّ الثاني حبيس الزوايا والتكايا؟

أستاذ صلاح طبعًا هنالك الكثير من الكتّاب في العالم العربي من باحث وتطرّق وتباحث في موضوعات الفكر الإسلامي وتراجعه. أستاذ مالك بن نبي  في كتابه شروط النهضة يتحدّث عن تكديس الفكر في الدائرة الإسلامية، وأن هذا التكديس حال دون تحويل هذا الفكر إلى معادلة نهضوية، أيضًا شكيب إرسلان في كتابه، "لماذا تقدّم الآخرون وتأخّر المسلمون؟" يتحدّث عن سوء استخدام العقل الإسلامي في العصر المعاصر، أما الكاتب المصري المُثير للجدل حامد عبد الصمد الذي يدرس في ألمانيا في كتابه "سقوط العالم الإسلامي" فيقول إن المسلمين أعدموا العقلانية. السؤال لماذا كان لدينا موقف من العقلانية والعقل والنتاج العقلي في مسيرة التاريخ الإسلامي أستاذ صلاح؟

صلاح سالم: بالحقيقة في البدايات لم تكن هناك أزمة عقلانية، وعلينا هنا أن نتوقّف عند فَهْم مستويات العقلانية لأن العقلانية ليست واحدة بمعنى أن هناك عقلانية كونية بالمعنى الشامل هي فيها قدر من الحسّ مع قدر من المنطق الصوَري مع قدر من التجريب. وهناك عقلانية تجريبية حديثة. ما تتحدّث عنه حضرتك ربما تقصد العقلانية التجريبية الحديثة، عقلانية الشكّ، وعقلانية المنهج، وعقلانية التجربة، والعقلانية التجارية التي عرفها الغرب.

يحيى أبو زكريا: صح.

صلاح سالم: منذ الثورة المعرفية في القرن السادس عشر لأكثر من أربعة قرون أو خمسة قرون من القرنين السادس والسابع الهجري وحتى القرن الثاني عشر الهجري كانت العقلانية العربية والإسلامية هي عقلانية فائقة بمعنى أنها كانت تسبق أو تتوازى على الأقل مع النموذج العقلاني الصوَري الذي قام على منطق أرسطو الذي يقوم على فكرة التوليد المنطقي لنتائج من مقدّمات، والمقدّمات هي أقرب إلى مسلّمات عقلية يتسلّل منها الفكر. وإذا اخذت هذه المقدّمة تفضي إلى هذه النتيجة، ومن ثم كان كل مفكّر أو كل فيلسوف يستطيع أن يضع المقدّمة التي يراها مناسبة، ثم يستدلّ منها على ما شاء، ومن ثم تتعدّد الرؤى، وتتعدّد التصوّرات. وكل هذه التصوّرات هي علاقات ذهنية تدور في فلك وعي المفكّر أو الفيلسوف، ولكن لا علاقة لها بالعالم المحيط بمعنى أنها أفكار ليست قابلة للتجريب أو للاختبار ومن ثم هي بتعبير كارل بوبا هي غير قابلة للتجريب، ومن ثم هي أفكار غير علمية بالمعنى التجريبي أو حتى غير قابلة للدَحْض في هذا السياق. في العصور الباكِرة لم تكن هناك إمكانية لأن التكنولوجيا نفسها والعقل البشري لم يكن قد تقدّم معًا ليضع العقل الإنساني في محكّ اختبار، فالمقولات الإنسانية والتصوّرات الإنسانية لم تكن قابلة للاختبار بالمعنى الحقيقي نتيجة تخّلف العقل الإنساني والتخلّف التكنولوجي، ومن ثم كانت العقلانية الدينية التي تعتمد النصّ كمبدأ مُسلّم به. ثم تستدلّ منه كنموذج تطبيقي للعقلانية الصوَرية التي كانت تُدرَس، ومن ثم لم يشعر المفكرون الإنسانيون ولا الفلاسفة ولا حتى  الكثير من المتكلّمين أن هناك فارقاً أو تناقضاً حقيقياً بين منطق أرسطو وبين الوحي الإسلامي، وكلام أرسطو المبني على فكرة العقل الأول أو مقولات العقل اليوناني أو المبدأ الأول أو أو أن هذا الكائن الأسمى في الوجود وهو الله في الفكر الإسلامي.

التلاقي هنا بين الفكر الأرسطي والفكر اليوناني والفكر الإسلامي كان ممكنًا لأن كلاهما كان يعمل على أرضية منطق أرسطو التقليدي القائم على مسلّمات. ومن هنا كان النصّ الإسلامي أحد المسلّمات التي يستدلّ منه كأية مُسلّمة أخرى فلسفية أو حتى أسطورية في زمن التقليد. كان هذا لحظة ارتطام الحقيقية التي بدأت عندما تطوّرت التكنولوجيا وتطوّرت المعرفة الإنسانية، ومن ثم أصبحت المقولات والمفاهيم والمبادئ والمُسلّمات قابلة للاختبار. وما حصل في القرن الثامن عشر عصر النهضة وعصر الثورة العلمية، وهذا حصل بكل أسف وقد كان العالم العربي في القرن الثالث عشر ميلادي وقبله حتى في القرن الحادي عشر يمكننا القول إنه كان هناك نوع من الندّية الحضارية وكان في نوع من التفاهُم بين الشرق وبين الغرب. لكن بداية من القرن الخامس عشر عصر النهضة والثورة العلمية والسادس والسابع عشر بدا أن المراصد الفلكية وعالم الفلك الجديد جاليليو وكوفال نيتوس وكابلر وكل هذه الأجزاء والنظريات العلمية الجديدة تقتحم العالم وتفرض منطقها وتُحدِث ثورة علمية، منذ هذه اللحظة باتت العقلانية التقليدية الإسلامية في موضع شك وموضع معارضة، معارضة بالمعنى التاريخي، بمعنى أنها باتت أفكارًا هامشية لا تحكم متن الوعي الإنساني. ومن ثم برزت عقلانية جديدة المرتبطة بعقلانية التجريب والشك مع بدايات الفلسفة الحديثة مع ديكارت، وفكرة أن الشك طريق إلى اليقين. وهذا لم يكن موجودًا في الفلسفة الإسلامية لأن العلم الإسلامي توقّف عند المنطق الصوَري، ولم يقتحم العالم الحديث ومن ثم توقّف ما قبل المنطق  الجَدَلي عند هيغل، والمنطق الجَدَلي العقلي المنطق الصوَري يقوم على فكرة المُتناقضات بمعنى أنه لا توجد حقيقة  ثابتة أبدية.

يحيى أبو زكريا: أستاذ صلاح دعني أتوقّف عند هذه النقطة من فضلك لأنها تشكّل مُنعطفًا نحو صعود الآخرين وهبوط المسلمين للأسف الشديد.

دكتور حسن طبعًا في إشارة أرسطو وأفلاطون الفارابي كان يعتبر هؤلاء من الأنبياء ولذلك كان الاستنباط من فكريهما وجعل فكر أرسطو كأنه فكر لاهوتي ربّاني ما إلى ذلك، ويوجد مَن قال إن أرسطو كان نبيًا من الأنبياء. يهمّني أن أنتقل إلى ضفة أخرى، في الوقت الذي كان فيه الفكر الإنساني الغربي يجيب عن كل التساؤلات في عِلم النفس، في عِلم الاجتماع، في عِلم الاقتصاد، في عِلم العلاقات الإنسانية، في الفكر الدبلوماسي، كان الفكر الإسلامي يجترّ الماضي ويجدّد إشكالات القرن الأول والثاني بدليل اليوم العقل الإسلامي يعيش نفس الإشكالات والمسلم كائن تاريخي روحه في التاريخ وجسده في الجغرافية الكونية المعاصرة. هل لعبت المؤسّسة الدينية دورًا في الإبقاء على الاجترار والتكرار وعدم التجديد وقتل المجتهدين المفكّرين؟

حسن رضا: ثمة هيبة للنصّ ويبدو أنها انعكست على التراث برمّتها، فبينما كنا أمام مُقاربات كلامية أو محاولات في قراءة الفقه وفي قراءة التفسير القرآني، كل هذه المحاولات إنما هي اجتهادات قدّمها مفكّرون ومبدعون على مرّ الزمان.

يحيى أبو زكريا: سابقًا.

حسن رضا: ولكن المشكلة هي أنه كما قرىء النصّ بلون من القداسة والهيبة لوحظ أن هذه النصوص بدأت تأخذ هذه الهيبة، فأخذ التابع لأي مذهب ديني يقف بلون من الخوف والرهبة أمام نصوص قدّمها مفكّرون أو علماء سبقوه إلى تأسيس هذا المذهب، وبالتالي كنا إزاء تراكم كبير من النصوص التي على المحدث أن يقوم بقراءتها طريقة يسوّغ من خلالها ذهابه إلى بعض المقولات أو بعض محاولات التجديد التي يريد أن يضعها هنا أو هناك، بمعنى أن المؤسّسة الدينية من أجل أن تضبط عملية الاجتهاد وعملية البحث والتنقيب عن المعارف والأفكار القديمة عملت على تقييد وضبط الفكر وبعبارة أخرى غدا من الضروري إذا أردت أن أفكّر بطريقة كلامية أو أصولية أن أعود إلى كلام المُتقدّمين الذين بنوا تصوّراتهم على المنطق الأرسطي الذي أشار إليه الأستاذ منذ قليل.

ولكن اللافت أن هذا المنطق بدأ بالتقوّض والضعف على مستوى ما قدّمه المحدثون من أمثال لايبنز وفرجي وديمورغان وهاملتون وسواهم من أبناء المنطق الرياضي الحديث والمنطق الاستقرائي ومن عمل على بناء منظومة منهجية جديدة تعيد النظر في كل تلك المكوّنات القديمة وتؤسّس لتصوّرات معاصرة. فبدلًا من أن يكون الجانب الكلامي مبنيًا على تصوّرات أرسطية، أو تعود إلى الفكر اليوناني في بعض جوانبها، وبدلاً من أن يكون عَلم أصول الفقه مستندًا في بعض مقولاته إلى هذه القضايا التأسيسية غدا بإمكان المفكّر المعاصر أن يعيد النظر في جملة من هذه القواعد التأسيسية التي ستنعكس بصورة أو بأخرى على بناء التصوّر الكلامي وبناء التصوّر الأصولي، ولا يخفى ما لذلك من تأثير كبير على مستوى إعادة النظر في الدليل العقدي، خصوصًا وأن الأدلّة التي وضعت على سبيل المثال على وجود الله إنما هي أدلّة تحتاج إلى إعادة نظر فما قدّمه كانت ومن جاء بعده من نقض لكل تلك التصوّرات أو ابتداء من ديفيد هيوم أو من خلال ما قدّمه على مستوى نقض العلية. كل ذلك يستدعي أن تكون لدينا مجموعة من المُقاربات أو المُطارحات النظرية التي تعمل على تقويض هذه التصوّرات الأخرى التي عملت على تحطيم الأسُس التي يقوم عليها الاعتقاد الإسلامي.

فلذلك وجدنا أن جملة من العلماء المعاصرين عملوا على نقد هذا الفكر الغربي، إلا أنه للأسف لعدم حيازتهم على اللغة التي كُتِبَ بها هذا الفكر وهذا ما يقدر بالنسبة للشهيد الصدر والشهيد مطهري من علمائنا حتى أيضًا من بعض علماء الأطراف المختلفة اللافت في هؤلاء أن فَهْمَهم للفكر الغربي تأسّس على كتابات وعلى تراجم هناك ضعف فيها أو هناك لون من التشوّه فانعكست على إطار النقد. طبعًا ليست المشكلة في نقدهم، وأنما هي في المصادر أو المرتكزات التي يؤسّسون عليها في هذا المجال.

يحيى أبو زكريا: دعني أفصل في هذه النقطة من فضلك، أنت تعلم أن الله هو أصل الأديان وهو واجب الوجود كما يقول الفلاسفة. مازلنا اليوم عندما نقرأ للمفكّرين المسلمين أو الإسلاميين يستخدمون نفس العبارات التي كانت تستخدم في ما مضى في إثبات وجود المولى عزّ وجلّ، ومعظمهم يستند إلى العلّة والمعلول وما إلى ذلك. لماذا أغفلنا الآيات الكونية المعاصرة والعلوم الرياضية الجدلية المجرّدة في إثبات وجود الله؟ كيف تقنع أنت إنسانًا عربيًا اليوم في القرن الواحد والعشرين بوجود الله بنظرية في القرن الأول؟ ألم يدفع هذا شبابنا إلى الإلحاد لأننا نخاطبهم بلغة ماضوية منقرِضة؟

حسن رضا: المشكلة أن كتب الاعتقاد والكلام لا زالت بمثابة شروحات وبيانات لما كتب في العصور المتقدّمة، يبدو أن هناك هيبة أو تهيّباً من الخوض في هذا المعترك. وهناك جانب آخر ربما نجد بصماته واضحة على هذا المستوى هو أن مفكّري الإسلام من المعاصرين الذين يرجعون إلى كل هذا التراكم التراثي لم يأخذوا بعين الاعتبار اتصال أو قراءة الفكر الغربي المعاصر الذي ترجمت بعض معطياته وبقي الكثير من الكتب والمُطارحات التي لم تُترَجم والتي تنعكس بصورة واضحة على نقض بعض الأدلّة وبعض المُرتكزات وبعض الأسُس، فلو أن بعض المعاصرين من علمائنا قرأوا الفكر الغربي وقرأوا النقاط التي نقض بها هؤلاء الفكر الإسلامي أو مكوّنات الفكر الأرسطي في الاستدال على وجود الله لكان بإمكانهم على الأقل أن يعيدوا النظر في تكوين هذه البراهين والأدلّة، وأن يعيدوا النظر في برهان النظام أو في برهان العلّية أو في برهان السبب الأول أو سواها من البراهين التي لا تزال تتكرَّر في كتبنا ولا نزال نقرأها وكأنها شيء مقدّس. في الوقت ذاته نجد أن الغربية ممَن يؤيّد فكرة وجود الله عمل على بلورة أدلّة أخرى وعمل على تكوين تصوّرات أخرى بغضّ النظر عما إذا كانت قويمة أو فاسِدة كما بالنسبة إلى كانت فمن خلال ما قدّمه في بعض كتبه عمل على تقديم برهان أخلاقي أو دليل أخلاقي.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن رضا: صحيح أنه من قبيل المصادرة وأنه محاولة من أجل بلورة نظام صوَري يستطيع من خلاله أن يخلص إلى هذا الإيمان، ولكنه في الوقت ذاته نجده قد عمل إلى نقض كل تلك التصوّرات الأرسطية التي بني عليها مبدأ وجود الله، كذلك أيضًا بالنسبة إلى فكرة المعاد ربما يعاد النظر فيها إلى هذا المستوى. فالمشكلة إذًا هي تارة في عدم قراءة المفكر الإسلامي لهذا الفكر الغربي بهدوء وصبر.

يحيى أبو زكريا: بشكل سريع عدّد لي أسماء بعض المفكّرين المسلمين الذين تتحدّث عنهم عدّد لي؟

حسن رضا: ربما نقرأ عن الشهيد الصدر.

يحيى أبو زكريا: محمّد باقر الصدر؟

حسن رضا: محمّد باقر الصدر والشهيد مطهري ومحمّد تقي مصباح اليزدي من المعاصرين حتى أيضًا بالنسبة لمَن اشتغل بالفكر الآخر من مالك بن نبي.

يحيى أبو زكريا: في نهاية المطاف هم قلّة قليلة للأسف الشديد الغالب على ثقافتنا التحنّط والاجترار وإعادة إحياء الأسماء القديمة.

استاذ صلاح من فضلك من خلال بحوثك الغزيرة والممتعة فعلًا كيف تموقع الفكر الإسلامي اليوم في الساحة العالمية؟ وكيف تموقع الفكر الإنساني الغربي إذا أجريت مقارنة التغلغل والتسلّل إلى قلاعنا الجغرافية؟ ما الذي تقوله في الأمرين معًا؟

صلاح سالم: الحضارة الإنسانية حضارة واحدة في كل العصور يا صديقي لكن الحضارة الواحدة تنضوي على عدّة ثقافات بمعنى أن أشكال التبادل والتأثير  والتحكّم في العالم غالبًا تقود إلى شبكة لها مركز، لكن هي شبكة واحدة هي شبكة الحضارة، لكنه داخل هذه الشبكة توجد ثقافات. الفارق بين ثقافة وأخرى وهناك ثقافة فاعِلة مؤثّرة، وهناك ثقافة مفعول بها أو متأثّرة في لحظة ما من تاريخنا كنا نحن صنّاع الحضارة، ومن ثم منحنا الثقافة الشاعلة. وكان هناك أعتقد في القرنين التاسع والعاشر الميلادي في الأندلس كان هناك سِجال يشبه السِجال الذي نتحدّث عنه حاليًا داخل الغرب في الأندلس خصوصًا بين المستعربين وبين الكاثوليك الإسبان، وكانت نفس الاتهامات ونفس التيارات المُنفتحة موجودة هناك لأن الثقافة العربية كانت هي ثقافة الحضارة الإنسانية لهذه فنونًا، وآدابًا وموشّحاتنا حتى في الموسيقى هي التي كانت تسمع في الأندلس، وكان الكاثوليك في الأندلس كانوا يتّهمون الذين يتذوّقون الأدب والفن العربي بأنهم مُستعربون كما يتهم البعض الحداثيين العرب بأنهم مستغربون، هذا معنى أن التأثير والتأثر في العلام قائم وأن الحضارة الإنسانية واحدة وإن لم تكن فاعِلة الذين تملك ثقافة فاعلة من ثم أنت سيكون مفعولاً بك.

الآن نحن في لحظة انتشار لا طغيان الفكر الغربي  الحديث، ولحظة تخلّص واغتراب الفكر الإسلامي الحديث الذي هو ليس بحديث ولكنه في بنيته فكرًا سلفيًا ماضويًا من أجل أن ينطلق الفكر الإسلامي أن يعاصر زمنه عليه أن يفرّق بين أمرين: بين الوسائل، وبين الغايات، وبين أسئلة الكيف وأسئلة الوجود، وبين الغايات الكبرى وكيفيات إنزالها على الواقع، بمعنى أن الفكر الإسلامي كله بأزمته والمنطقة التي يحشره في زاوية الماضوية أنه يتصوّر أن الفكر الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، ومن ثم هو لا يقبل بتاريخية الأفكار.

وأنا أستطيع أن أتقبّل رفضه لهذه التاريخية على مستوى المبادئ بمعنى أنه ثمة مبادئ كبرى ثمة إمكانيات النصّ الإسلامي هي عصيّة على النسخ وتبقى  بالفعل صالحة لكل زمان ومكان من قبيل مفهوم العدل ومفهوم الشورى ومفهوم المساواة الإنسانية.

ولكنه ما يجهله الفكر الإسلامي أن تقدّم التاريخ البشري وتقدّم العقل الإنساني أوجد أبنية حديثة وبنيات حديثة يمكن من خلالها إعمال هذه المبادئ، المثال الذي كنا نتحدّث عنه أنه فكرة الحرية ربما كانت موجودة وفكرة المساواة كانت موجودة فكرة الزُهد أو العدل وزُهد الحاكم كانت موجودة، لكن الديمقراطية الغربية وحدها هي التي صنعت بنية نسقيّة إطار إجرائي تمارس فيه فكرة الشورى، ومن ثم انتقلنا من الشورى إلى الديمقراطية. الشورى فكرة إنسانية قيّمة قد تمثل جذرًا من جذور التحرّر، ولكنها وحدها مجرّد مبدأ فوقي لا تستطيع أن تحقّق حرية البشر، لكن حرية البشر في اللحظة المعاصرة هي التي أنتجتها الحضارة الغربية عندما أنتجت الشكل التمثيلي في الديمقراطية.

البرلمان، الأحزاب، التنافس، التصويت الحزبي لأنه في مجتمع المدينة المنوّرة أو حتى في مجتمع المدينة اليونانية في أثينا كان ممكن أن تجمع الناس كلهم في ساحة أو ميدان عام وتطلّع على آرائهم. 

لكن بعد أن توسّع المجتمع وتعقّد وانتشر البشر لم تعد فكرة الشورى بالمعنى الأول الساذج والبسيط ممكنة، ومن ثم كانت بحاجة إلى تطوير وهذا التطوير حدث في تاريخ الغرب، بمعنى أنه على الفكر الإسلامي الآن أن يدرك أن وجود مبادئ أخرى كالشورى لا تحول دون العلمانية أو دون الديمقراطية، بمعنى أن زُهد الحاكم أو عدله لم تعد تكفي لأن زُهد الحاكم الآن لا يمكن قياسه أو التحكّم به إلا بنظام سياسي فعّال وشفّاف ورقابة برلمانية وحرية إعلامية. ونحن حاليًا في مجتمع معاصر نطلق عليها الحوكمة، فلم تعد هناك المسألة مجرّد أن حاكماً زاهداً أو حاكماً عادلاً نحن نطلق عليه عمر إبن عبد العزيز، لكن الآن نحن نحتاج مبدأ كمبدأ الحوكمة لضبط الزُهد العادل، ومن ثم على العقل الإسلامي أن يتجاوز إدعاءين أساسيين هما اللذان يحتجبانه على الأقل منذ قرن من الزمن. الأول هو أسلمة المعرفة، والثاني هو أسلمة  السياسة، أسلمة المعرفة بمعنى الادّعاء أن ثمة طريقة لإدراك المعرفة أو بلوغ المعرفة، أو غايات خاصة بالمعرفة هي طريق يخصّ العالم الإسلامي. على العقل الإسلامي أن يدرك أن المعرفة إنسانية وأن التجربة واحدة في كل مكان وأن الطبيعة بكل قوانينها والكون بكل أحكامه وبكل سِننه هو فكرة كونية عامة يصل إليها كل إنسان.

يحيى أبو زكريا: أستاذ صلاح وهذه المشكلة نأينا بأنفسنا عن الإنسانية، وقلنا نحن المفضلون ونحن المختارون ونعيب على اليهود قولهم إننا شعب الله المختار، ونحن نقول أيضًا إننا المختارون في الدنيا والآخرة. أشرت إلى محمّد باقر الصدر رحمة الله عليه، وأنا قدّمت حلقة عن الشهيد محمّد باقر الصدر الذي ظلم من قِبَل بيئته قبل الغربي.

من يعرفه في العالم العربي والإسلامي من يعرف اقتصادنا، من يعرف فلسفتنا، أشرت إلى مصباح اليزدي مَن يسمع عنه المقصود أنه إذا المسلم لا يعرفك كباقر الصدر، كمرتضى مطهري، كمصباح يزدي، كمالك بن نبي، فكيف تريد لهذا الفكر الذي لم ينتشر عربيًا وإسلاميًا أن يذهب إلى العالمية؟

حسن رضا: أولًا ينبغي أن نشتغل بشكل كبير على تغيير العقلانيات بمعنى أن المجتمع العربي لا تزال عقليته قائمة على اجترار الماضي وتقديس التراث والذهاب إلى أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن كل المعارف والأفكار والطروحات عمل علمائهم على فهمها وتلقفها ونقضها، وبالتالي فهم يعيشون حالاً من الطوباوية على مستوى.

يحيى أبو زكريا: يا دكتور حسن حرّاس المعبد، إذًا أنت اجتهدت وجدّدت كفّروك ونجُسوك ومجّسوك وأخرجوك من الملّة.

حسن رضا: صحيح، لذلك لابد من العمل بشكل كبير على المستوى التربوي أي لابد من أن نركّز على الأبناء على الصغار على هذه الفئة التي يمكن أن تكون المستقبل الموعود بالنسبة إلى تغيير العقلانيات، وتطوير ثقافة الأمّة وإلا فإن لم يكن الإنسان الذي يبادر إلى هذا التصحيح والتقويم بلورة المعارف الجديدة من صلب من فَهْم هذا التراث وفي الوقت ذاته اطّلع على الفكر الغربي ومكوّناته واشتغل بشكل موضوعي على تقديم مُقاربات على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية والأخلاقية، وقدّمها لمجتمعه بهذه الصورة يعمل على تقديم مُقاربات جديدة تأخذ بعين الاعتبار الكليات أو الأطر العامة التراثية الإسلامية، ومن ناحية أخرى تأخذ بعين الاعتبار كل هذا الفكر الغربي الذي وصل إلى ذروة كبيرة على مستوى تصوّراته وإمكانياته، وبالتالي فإذا ما عمل على بلورة هذه النظريات والطروحات يمكن أن يقدّم الإسلام لمجتمعه، ومن ثم إلى العالم بلغة على الأقل تكون مُنتسبة إليه في الشكل والجوهر وإلى الإسلام في الإطار التأسيسي أو التجذيري الأساسي.

 

يحيى أبو زكريا: والوقت انتهى للأسف الشديد طبعًا. بإمكاننا أيضًا أن نتلاقح مع الفكر الإنساني وكل فكر إنساني يتماشى مع مقاصد الشريعة الإسلامية مرحبًا به.

والمصيبة تجد بعض علمائنا يكفّر الغرب، لكن إذا مرض يذهب إلى أوروبا وإذا حلا له أن يمشي يستخدم سيارة أميركية أو غربية أو دواءً غربيًا نحتاج أن نخرج من هذا التناقض من هذه الشيزوفرينيا لنكون عالميين. دكتور حسن رضا شكرًا جزيلًا لك أستاذ صلاح سالم من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.