أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

رحلة ميلاديات وألحان وترانيم

سماع مشرقي متوسطي من السرياني إلى العباسي والصوفي والأندلسي والغريغوري... وألحان مار أفرام وابن عربي وصفي الدين الأرموي... رحلة ميلاديات وسنة جديدة وألحان وترنيم وارتجال موسيقي لتخت الجامعة الأنطونية للموسيقى الفصحى العربية بقيادة عميد كلية الموسيقى نداء أبو مراد.

المحور الأول:

غسان الشامي: أحييكم، سماعٌ مشرقي متوسّطي، إنه عنوان حميم وباسِق لحلقةٍ من أجراس المشرق أردناها هدية هادئة لذائِقةٍ موسيقية مُثقلة بالجمال في زمن الحروب والأزمات، إنها فسحة للروح بين عيديّ الميلاد ورأس السنة تتنقّل في المشرق وحوض المتوسّط كاشفة عن وحدة التقاليد الموسيقية بالرغم من الفوارِق الدينية واللسانية والطقسية، حيث يتنقّل تخت الجامعة الأنطونية للموسيقى الفُصحى العربية بقيادة الدكتور نداء أبو مراد عميد كلية الموسيقى بين الترنيم السرياني والبيزنطي والغريغوري إلى الشدو الصوفي العباسي ومحيي الدين بن عربي وصفي الدين الأرموي وأغاني الواجدين أو التروبادور وغيرها في فرنسا وإيطاليا المُستقاة من الألحان الكنَسية. شُكرنا عميم للدكتور أبو مراد الذي سيقود الفرقة ويعزف وسنحاوره أيضاً، وللدكتور هيّاف ياسين على الآلة البهيّة والجميلة والذي أحب السنطور، وللأستاذ كريستو علماوي إنشاداً وعزفاً على العود، وللأستاذة رفقا رزق ترنيماً وشدواً، إنها كما أسلفت أعزائي فسحة للروح أتمنّى أن تشيح عنكم لبعض الوقت هذا الضجيج والصُراخ والصَخْب وأصوات الحروب. أحيّيكم، أحيّيك دكتور نداء أبو مراد، أحيّيكم أعزائي، أشكركم على تلبية دعوة الميادين وأجراس المشرق، ما سمعناه من مُقدّمة كان لصفي الدين الأرموي؟

نداء أبو مراد: نعم.

غسان الشامي: من القرن الثاني عشر؟

نداء أبو مراد: الثالث عشر.

غسان الشامي: دكتور أبو مراد بدايةً بالِغ الشكر، أريد أن أذهب إلى الميلاد الذي مرّ قبل أيام إلى مار أفرام السرياني، قلت لي أنك ستختار مقطوعة إسمها "سبّحوا الكلمة، شبحو لهوقولو"، ما أهمية هذه المقطوعة؟ ما أهمية مار أفرام السرياني موسيقياً؟ 

نداء أبو مراد: هو أحد آباء الكنيسة الأجّلاء والناطق بالسريانية وأيضاً له تراث يوناني، له الفضل في إنماء أو في ابتكار قالب ال Hymne أو الإنشاد أو النشيد في إطارٍ كنَسي، وهو أخذ ألحاناً شعبية كانت في فترته في القرن الخامس، وكانت ألحاناً شائعة وشعبية ومُستحبَّة من الناس ووضع عليها كلمات تعليمية لاهوتية وجعل جوقات من العَذارى ومن الصبايا أو حتى الراهبات ينشدن تلك الأناشيد، ومن أشهر الأناشيد لمار أفرام السرياني هذا النشيد "شبحو لهوقولو".

غسان الشامي: نستطيع القول إنها قدود أي أنه قدّ من اللحن الشعبي نموذجاً ترتيلياً كنَسياً؟

نداء أبو مراد: نعم وليس ليتورجياً بالضرورة إنما هذا نشيد"شبحو لهوقولو" بصوت الآنسة رفقا رزق.

غسان الشامي: تفضّلي أستاذة.

ترنيم

غسان الشامي: شكراً، دكتور أبو مراد ما الفرق في التقليد بين اللحن السرياني الماروني واللحن السرياني الأورثوذكسي والإثنان سريانيان؟    

نداء أبو مراد: هناك صيغتان عن هذا النشيد، استعمال الصيغة البطيئة والمُطوَّلة هي في التقيلد السرياني الماروني إلى اليوم، والفقرة الثانية التي استمعنا إليها وهي الكلام عينه إنما على لحن أسرع وأرشق وهو لحن سرياني أورثوذكسي.

غسان الشامي: أرشق؟  

نداء أبو مراد: بمعنى أسرع.  

غسان الشامي: إذا انتقلنا نقلة عابِرة سريعة وأنا أعتقد أنك تحبّها، في تجوالنا ما ميزات الموسيقى العباسية في العصر العباسي؟ وماذا أخذت من هذا التراث الذي سبقها سيّدي؟  

نداء أبو مراد: يمكننا أن نقول إن التقاليد الموسيقية المشرقية أو حتى الغربية في العصر الوسيط أو في العصر القديم كلها لهجات من لسانٍ موسيقي، لسان المشرق الموسيقي المقامي المونودي، لسان أساسي مُشترَك إلى جانب لسان صيني هو خُماسي أو أفريقي وخُماسي وفي ما بعد في أوروبا لسان ثالث هو تونالي أو أوروبي، هذا اللسان لديه لهجات مُتعدّدة وهذه اللهجات نمَت أو تقلّصت في مراحل وكبرت، النطق فيها والابتكار فيها وكل هذا النحو التوليدي فيها ترعرع وانطلق حسب الحقبات التاريخية والسياسية والاجتماعية. في مرحلة معيّنة كانت التقاليد الترنيمية الكنَسية الناطِقة بالسريانية أو باليونانية أو بالقُبطية أو بالأرمنية أو هلمّ جرّاً كانت هي الأساس الموسيقي في المشرق، وأخذ عنها مثلاً إبن مسجح وهو أحد روّاد الموسيقى في العصر الأموي، أخذ عنها ما يُسمَّى ب "الأوكتوإيخوس" وسلَّم هذه المعرفة وهذا التنظيم المقامي إلى موسيقى البلاط الأموي ثم موسيقى البلاط العباسي، وهنا كان إسحاق الموصلي رائداً في هذا المجال وجعل نظام الرُباعي أو الثماني المقامي في العصر العباسي. هناك إذاً تسلسل، هناك تطعيم، هناك نماء بين هذه التقاليد التي هي لهجات من لسان واحد، لذلك من الطبيعي أن نجد نوعاً من الاستمرارية، نوعاً من الانتقال السَلِس من تقليدٍ إلى آخر وهنا سنسمع هذه الفقرة من العصر العباسي وهي قريبة جداً من الترنيم السرياني.

غسان الشامي: يعني ستبدأ أنت على الكمَنجة.  

نداء أبو مراد: نعم.   

غسان الشامي: هذه الآلة كم عُمرها؟

نداء أبو مراد: هذه الآلة أصلها من القرن التاسع في بلاد فارس، أول آلات وتَرية قوسية وُجِدت في بلاد فارس وثم أثمرت شرقاً وغرباً آلات من نوع الرباب، وسنرى إحدى حفيداتها وهي ال Vièle التي سنراها بعد قليل وهي أعطت ال Violon الذي سنراه أيضاً، هذه ال Kemanche هي عبارة عن القوس والآلة القوسية.

غسان الشامي: وبعدها سنسمع "يا مليكاً".  

نداء أبو مراد: هو قول من العصر العباسي من تلحين صفي الدين الأرموي وهو موسيقي عظيم وكاتِب ومؤلِّف لنظريات، وهو الذي ترك لنا أول تدوينات موسيقية في تاريخ العالم العربي بشكلٍ أبجدي.

غسان الشامي: تفضّل.  

نداء أبو مراد: شكراً.

ترنيم

غسان الشامي: شكراً، دكتور أبو مراد ما الذي يجمع الإنشاد الصوفي المسيحي والإنشاد الصوفي الإسلامي؟

نداء أبو مراد: يجتمع هذان النوعان من الترنيم أو الإنشاد على صعيدين: الصعيد الأول هو روحاني إذ كلاهما من حيث المحتوى أو النص يتكلّمان عن الخبرة الروحية، عن القُرب من الله، الاتحاد مع النور الإلهي بحسب العقيدتين المُختلفتين إنما هناك مسائل كثيرة قريبة جداً في تلك الحالين. إن العاشقين الإلهيين في التصوّف الإسلامي وفي التصوّف المسيحي بل في المسيحية لأن المسيحية هي تصوّف في الأساس يعيشون خبرة روحية قريبة جداً ويترجمون ذلك في الشعر الصوفي. أما في الموسيقى إذا تكلّمنا عن البوتقة المشرقية هناك قُرب شديد لأنها لهجات موسيقية من اللسان الواحد المقامي، هناك تأقلم مع النطق، مع الكلام الصوفي أو الطقسي الذي يعطي سواء كان سريانياً أو يونانياً أو عربياً يعطي معادلات إيقاعية مختلفة إنما النَغَم هو أساسي، هو واحد.

غسان الشامي: ستسمح لنا هذه المرة أنا سأعرّف، سنذهب إلى ارتجال على السنطور للدكتور هيّاف ياسين ثم ارتجال مرنّم للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي سيُقدّمه الأستاذ كريستو علماوي و"أدين بدين الحب" أيضاً مُرتجلاً من ألحان حضرتك تقدّمه رفقا رزق.

ترنيم

غسان الشامي: فاصل ولاقونا.

المحور الثاني:

ترنيم  

غسان الشامي: شكراً، ما كان هذا الذي أدَّته الأستاذة رزق؟   

نداء أبو مراد: فقرة ترنيمية من القرن التاسع الميلادي تنتمي إلى التقليد الغريغوري أو الرومانو الإفرنجي، وهو تقليد كنَسي باللاتينية مُشتقّ عن التقاليد الترنيمية الكنَسية المشتركة التي كانت في البحر المتوسّط بين ما هو ناطِق بالسريانية وباللاتينية وباليونانية وبعد ذلك بالعربية.

غسان الشامي: لأنه قريب جداً من البيزنطي والسرياني معاً. 

نداء أبو مراد: نعم، اللحن يصلنا من خلال مدوَّنات ولقد فكَّكنا رموز هذه المدوَّنات وطلبت من الآنسة رفقا أن تؤدّيه بطريقةٍ قريبةٍ من التقاليد المشرقية التي تعرفها، إنما القطعة الموسيقية هي حقاً من القرن التاسع إنما مع المسافات أو مع السلّم الموسيقي المعروف في الأطر الكنَسية المشرقية.

غسان الشامي: ماذا سنقدِّم أيضاً في هذا الإطار؟  

نداء أبو مراد: ما زلنا في الغرب، في غرب البحر المتوسّط وهنا في إسبانيا هذه المرة تحديداً في بلاط الملك ألفونسو الحكيم في القرن الثالث عشر وهو ملك قشتالة، وهو كان شاعراً ومُرنّماً أو مُنشداً تروبادورياً وكان في بلاطه موسيقيون من الأديان الإبراهيمية الثلاث، وكانوا يتشاركون موسيقياً في نماء هذه الأناشيد التي وضعها ألفونسو الحكيم للقدّيسة مريم العذراء وهي Cantigas de Santa Maria،   وسنبدأ هذه الفقرة بقطعة أو مُقدّمة موسيقية فرنسية من القرن الثالث عشر أيضاً هي Estampie ثم سيكون الغناء أو إنشاد Cantigas de Santa Maria.  

غسان الشامي: تفضّلوا.

ترنيم

غسان الشامي: ما هذه الآلة التي تُشبه الكمان أو الكمان يُشبهها؟

نداء أبو مراد: هذه الآلة تأتي من ال Kemanche التي استمعنا إليها في الفقرة الأولى، تأتي عبر الرباب الأندلسي. 

غسان الشامي: هذه من الربابة الأندلسية؟

نداء أبو مراد: هي ناجمة عنها، هي حفيدتها وهي تُسمَّى Vièle à archet بالفرنسية أو Fiddle بالإنكليزية، وهذه الآلة هي جدَّة ال Violon الذي سنسمعه الآن والذي أخذ بعد فترة عندما عاد إلى الشرق أخذ مكان جدَّته ال Kemanche وأصبح يُسمَّى بالكمنجة.

غسان الشامي: أستاذة رفقا هل يمكن أن نسمع الترنيمة الشهيرة "ميلادك أيها المسيح إلهنا"؟

ترنيم

غسان الشامي: من مشارق العلو أتيت، دكتور أبو مراد ميلادك أيها المسيح باليونانية وبالعربية وهذا اللحن البيزنطي.

نداء أبو مراد: تروباري أو ميلادي.  

غسان الشامي: هل من عملية تطوير للمقامات الكنَسية في بلادنا؟

نداء أبو مراد: هي تقليد أو لهجة ناشِئة من هذا اللسان المشرقي وهذه مقامات موجودة وهي أساسية كما البحور الشعرية وعليها يتم تلحين فقرات جديدة مُتجدِّدة عبر القرون، واليوم هناك ألحان كنَسية جديدة تستجدّ في بوتقاتٍ مُتعدِّدةٍ، في كنائس مُتعدِّدة، في كراسٍ بطريركية مُتعدِّدة، فإذاً هي حال تجددية مستمرة انطلاقاً من التقليد واستمرارية.

غسان الشامي: أراك انتضيتَ كمانك مُجدَّداً، ماذا ستقول؟  

نداء أبو مراد: سننتقل الآن إلى عصر النهضة العربية مع فقرة من مقام "سيجاه العراق".

غسان الشامي: هل هناك فرق بين مقام السيجاه المعروف وسيجاه العراق أم أبناء عم؟

نداء أبو مراد: السيجاه منطلقاً أو مستقراً على نغمة العراق والبناء هو سيجاه وفيه مقام العراق أيضاً.

غسان الشامي: تفضّل.

ترنيم

غسان الشامي: شكراً، دكتور أبو مراد في عودة إلى الصوفية، إلى الشيخ محيي الدين بن عربي المُتوفّى سنة 1245، أنت مَن يقول بوحدة التقاليد الموسيقية، قلّة بالمناسبة مَن يقولون بوحدة التقاليد الموسيقية بين القديم والجديد مع أن الحياة هي استمرار وبين المشرق والمتوسّط وذهاباً في البعيد إلى أقاصي الشرق، أولاً كيف؟ وثانياً ماذا ستُسمعنا لمحيي الدين بن عربي مُجدَّداً؟

نداء أبو مراد: هذه الوحدة هي وحدة اللسان الموسيقي، النظام الموسيقي المقامي مع تفرّعات تقليدية أو لهجات موسيقية مُتعدِّدة، هذا من ناحية. من ناحية أخرى ما سنسمعه هو ترنيم لقصيدة لإبن عربي مأخوذة من فصوص الحكم، هي حكمة عيسوية، هي قصيدة حول السيّد المسيح فيها نص صوفي رائع يمثّل هذا التقرّب الصوفي الإسلامي من شخص المسيح يسوع له المجد، وانطلاقاً من هذا التقرّب نبني هنا قصيدة مُرنّمة "على درب الوحدة" على طريقة مدرسة عبده الحامولي.

غسان الشامي: ما شاء الله لقد جمعتهم كلهم وقمت بخياطتهم.

نداء أبو مراد: إذاً سنسمع هذه الفقرة التي فيها الكثير من الارتجال بصوت الآنسة رفقا رزق مع التخت على نَسَق مدرسة عبده الحامولي.

غسان الشامي: تفضّل.

ترنيم

غسان الشامي: أيّ مكان هذا الذي تأخذنا إليه الموسيقى والترنيم والإنشاد، أيّ فضاء نزوره مع اللحن الغابِر المعاصر، وأيّ عالم بهيٍّ تستقر فيه الروح. نشكر الدكتور نداء أبو مراد لتجاوبه ومساعدته القيّمة، الشكر للدكتور هيّاف ياسين الذي نحترم إبداعه، للأستاذ كريستو علماوي وللأستاذة رفقا رزق على إضافتها، الشكر للجامعة الأنطونية التي قدَّمت لنا كل التسهيلات، شكراً لزملائي في الميادين الذين قرعوا معي أجراس المشرق، عسى أن تكون أيامكم فرحاً وسماعاً باذِخ النقاء، سلام عليكم وسلام لكم مع تنويعات من الميلاد من المشرق إلى العالم.