أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الدكتور حسن حمادة - الكاتب والباحث اللبناني

المحور الأول

المحاور: مساء الخير.

ردّاً على العثمنة وعلى الذِمِّيّة انخرط المسيحيون المشرقيون في العروبة والسَرْيَنة واللبننة، وقدّموا لأوطانهم وجودا علمانيا وانتماءً وطنيّا. ماذا فعلت العروبة وأخواتها بهم ولهم؟ وهل خذلهم إسلام أكناف بيت المقدس النوراني بعد أن تحوّل جزء منه إلى عثماني جديد ومن تحت عباءات الدول الوطنية إلى إسلام تكفيري وإلغائي؟ بين العلمنة والغرب والإسلاموية والشرق وضغط الاحتلالات العسكرية والفكرية وتهويد المعرفة وصَهْيَنة السياسة، ماذا يفعل المسيحيون المشرقيون في أوطانهم؟

أجراس المشرق تحاور الباحث والكاتب الأستاذ حسن حماده في كل هذا الأسى والتخبّط الفكري.

قبل الحوار صورة شخصية للأستاذ حماده:

وُلد الأستاذ حسن حماده في بعقلين في لبنان عام 1950. ودرس في دير القمر ومعهد الرسل في جونيه، وحاز شهادة الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1973. تابع دراسته في فرنسا وحاز شهادة الدراسات العليا في القانون الدولي العام من جامعة السوربون في باريس عام 1978.

عمل في الصحافة منذ العام 1973، وتنقّل بين مجلة الحوادث وصحيفة البناء عام 1974. وراسل صحيفة الرأي العام من باريس عام 1975. وهناك انخرط في جمعيات مناهضة للعنف والفقر.

لم يتوقف عن الكتابة منذ عام 1978، ونُشرت له مئات المقالات حول العلاقات الدولية في "الحوادث" وـ"النهار" العربي والدولي وـ"كل العرب" وـ"لو كاييه دو لوريون" وـ"المنبر" وـ"تحولات". له دراسات باللغتين الفرنسية والعربية منها: "الصهيونية العربية: جذورها ومهماتها"،"قبرص: دستور أصبح معاهدة دولية"، "معاهدة الهدنة: رأس الناقورة بين لبنان وإسرائيل"،"عدم الانحياز يعني التنمية"، "حين تُجهِز البلوريتاريا على الشيوعية".

بُثّت له عشرات المحاضرات والأبحاث عبر وسائل إعلام مرئية ومسموعة تركّزت على موضوع الدفاع عن العدالة وكيفية التصدّي للاستبداد ودكتاتورية المال.

المحور الأول

المحاور: أهلا بكم.

أستاذ حسن حماده، الإسلام العثماني الجديد الذي يلقى ترحيبا لدى البعض يقول إنه يعتنق ما سمّاه الديمقراطية المحافِظة أي الإسلام ممزوجا مخلوطا بالأتاتوركية الكمالية العلمانية. هل فعلا هناك ديمقراطية محافظة انطلاقا من منطوق إسلامي؟

حماده: مسألة الديمقراطية مسألة قابلة للتأويل كثيرا؛ لأنه حتى اليوم لا يوجد تعريف واحد للديمقراطية. هناك عشرات التعريفات. وبالتالي أي من هذه التعريفات أقرب إلى الواقع والحقيقة؟ هذا أولا.

ثانيا، لا يمكن تعريف الديمقراطية إذا أدخلنا شؤونا دينية عليها؛ أي لا يمكن المزج.

ثالثا، ثمة غزو سياسي للدين عمليا بحيث إنك تطرح سؤالا: هل ما يقدَّم هو دين أو هو سياسة؟ لأن القاطرة هي السياسة وليس الدين.

رابعا، ما نشاهده اليوم هو أسوأ أنواع أوجه الحقبة العثمانية. إننا نشهد اليوم إرهاصات للإنكشارية إذا جاز التعبير. أي أن السيد داود أوغلو مثلا يمارس الدبلوماسية الإنكشارية. وللجيل الجديد الذي لا يعرف، جيل الشباب الذي يهمنا كثيرا، والشابات: الإنكشارية هم العسكر المتوحش الذي كان خلال الفترة العثمانية يفتك بنا وبأهلنا وبممتلكاتنا وبكل شيء. فما يمارَس هو عمليا إنكشارية. حتى إنه لا يمكن أن تسميه لا سياسة ولا دبلوماسية ولا دين ولا مدرسة.

المحاور: ولكن هذه الإنكشارية كانت محكومة بنوع من الخلافة خارج مكانها.

حماده: طبعا، طبعا، بلا شك، بلا شك.

المحاور: إذاً هي مقطورة دينيا بشكل من الأشكال.

حماده: مقطورة دينيا، هي السياسة التي، لكي تبرر وجودها، تقوم بعملية اغتصاب للشأن الديني ثم تقطره من خلفها من أجل تكريس شرعيتها. هذه هي الحقيقة. فعلا هناك ضرورة لنهضة دينية لتحرير الدين من سطو السياسة وإجرام السياسة ومصالح السياسة. هذه ضرورة.

المحاور: سأدخل في هذا. ولكن سأقول إن هذا الإسلام أيضا يطلق عليه البعض إسلام الـbusiness، إسلام الـbusiness التركي الذي يتوسل ربطة عنق غربية. هو يريد الغرب بأية وسيلة. وبطربوش عثماني مع المشرق. طربوش عثماني من جديد نتيجة نوع من التعالي التاريخي على هذه المنطقة. هل إسلام الـbusiness، هذا التزاوج ما بين العمل والعلمنة والسياسة والدين ضمن بيئة ليست بالكامل مثقفة، هل يعني أننا نعيد دوران التاريخ؛ أن هذا التاريخ دائري، ونعود إلى خلافة عثمانية من نوع آخر؟

حماده: آمل ألّا يتحقق ذلك أبدا. ولكن ما يحصل اليوم هو عملية اغتصاب للأمّة بكل معنى الكلمة، اغتصاب الأمة، عملية استخدام واستغلال رخيص جدا للشأن الديني، اضطهاد للدين.. مذهل ما نعيشه اليوم من عملية اضطهاد مذهل للدين، اضطهاد مذهل للدين. فآمل ألّا يتحقق ذلك. ولكنهم، نعم، يحاولون استغلال الشأن الديني للوصول إلى حالة من هذا النوع للتحكم بنا من جديد. وهذا أمر منافٍ لمنطق التاريخ. والقبول به يكون عملية انتحار. كل مَن يقبل به ينحر نفسه وينحر مجتمعه. لكن، نعم، هذا هو الوارد.

المحاور: بإسلام الbusiness هذا يخرج رجب طيب أردوغان، عندما كان في السجن مرة، عندما خرج استشهد ببيت شعر لـكوك ألب الذي هو طوراني عثماني وإسلاموي في الوقت نفسه، يقول:

"مآذننا سيوفنا، قببنا خُوَذنا، وهذا المسجد ثكناتنا، وهذا الجيش المقدّس...". نحن، إذاً، أمام قناع. برأيك، هل هذا نوع من قناع بربطة عنق، ومن الداخل هو مكان لزجّ الإسلام في معترك السياسة بهذا الشكل؟

حماده: أعتقد العكس تماما. أعتقد أن الإسلام هو قناع، مجرّد قناع لديهم، لا يشكّل إطلاقا قناعة. هو مجرد قناع لتمرير المصالح السياسية؛ أي العكس تماما، لاستخدام الإسلام في خدمة المصالح السياسية والاقتصادية والتحالفات الدولية والهيمنة على الجوار الإقليمي. هناك ابتعاد كامل عن الإسلام. أنا لا أرى إسلاما في ذلك، أبدا.

المحاور: هنا يخطر لي أن بعض اليسار المنكفئ هلّل للنموذج التركي في المواءمة للدولة العلمانية والمسألة الدينية. صادق جلال العظم نموذجا تكلّم على الإسلام التركي الحديث. وهناك يساريون محبَطون طالبوا بأنه لماذا لا يحكم الإسلام السياسي؟ هذا يحيل علينا بالبديهية سؤال: ما الفرق بين هذا الكلام وكلام الإخوام المسلمين بأن الإسلام هو الحل؟

حماده: لا يوجد فرق على الإطلاق. هذا التنظير معبر للإخوان المسلمين عمليا في رأيي المتواضع، معبر للإخوان المسلمين. زائد على ذلك، هذا موروث من المفاهيم العلمانية التي برأيي أنا أثبتت أنها على خطأ حينما كانت تقول وترفع شعار فصل الدين عن الدولة، فصل الدين عن الدولة؛ لأنه عمليا عليك أن تحمي الدين من الدولة والدين من السياسة، وليس العكس عمليا؛ لأنه من يسخّر الآخر؟ السياسة تسخّر الدين.

المحاور: ولكن في السعودية التسخير متبادل ما بين المنظومة الدينية والمنظومة الحاكمة. هناك دول عربية.. هذه المصالح المشتركة بين الاثنين، بين الهيكلية الدينية والهيكلية السياسية.

حماده: أين الدين في السعودية؟ أين يوجد الدين؟ أنا أتحدث... عذرا. هنا ثمة وجهة نظر. أنا أتحدث برأيي الشخصي: الدين هو كتاب الله. أين كتاب الله في نمط المعيشة؟ وفي السلوك؟ أين هو كتاب الله؟ هناك ابتعاد عن الكتاب. بقدر ما يقترب الإنسان من الكتاب، يقترب من الدين. في السلوك يبتعد عن الكتاب، يبتعد عن الدين. لا إسلام هناك. لا أبدا.

المحاور: أين المسيحية المشرقية من هذين الإسلامين اللذين تكلمت عليهما؟

حماده: لأن المسيحية بشكل مطلق هنا، ما يسمى بالمسيحيين عليهم أن يتصالحوا مع دينهم، مع المسيحية في البدء. هنا أيضا يصار أحيانا إلى تسخير المسيحية التي هي بنت الشرق وهي الموروث النقي لحضارتنا السورية التي تشكّل بوابة الشرق عموما. يتم تسخيرها سياسيا. والدول سخّرتها سياسيا. ولا شيء يُنهِض الشرق إلا بأن يتصالح كل ذي دين مع دينه. هنا يبدأ، والكل يحاول أن يتهرب من هذه المصالحة. وهنا الطامّة الكبرى.

المحاور: هل فعلا الإسلام هو الحل؟ أي هل يمكن للإسلام أن يكون حلّا في بيئة مختلطة دينيا ومعقّدة إثنيا؟ كيف يمكن أن يكون هو الحل ضمن هذا التراكم التاريخي لهذا الاختلاط؟

حماده: بمفهوم كهذا للدين وللإسلام لا يمكن أن يشكّل حلّا. ولكن الإسلام، المحمدية، نعم هي جزء من الحل، بأي معنى؟ بمعنى أن الإسلام القرآني أي إسلام الرسول –عليه الصلاة والسلام—، في الإسلام القرآني لا يمكنك أن تكون مسلما إن لم تكن مسيحيا. لا يكتمل إسلام المسلم إلا بمسيحيته قرآنيا. هنا إذاً ابتعدنا عن السياسة وأخذنا الدين كدين. ونحن نشهد أمام رب العالمين ألّا نكذب في الشأن الديني. لا يمكن قرآنيا إسلاميا أن يكتمل إسلام المسلم إلا بمسيحيته قرآنيا. من هنا فإن الإسلام بكليته أي برسالته المسيحية وبرسالته المحمدية يشكّل لاهوتا قوميا لنا، لأمتنا، لبلادنا. وهذه خاصة لا تتمتع بها باقي أمم الأرض حتى. يشكّل لاهوتا قوميا لأنه جزء لا يتجزأ من مكونات عقلنا الباطني. فنحن حين نفكّر كأبناء هذه الأمة نفكّر عمليا بمسيحيتنا ومحمديتنا، وهما رسالتان موجودتان في عقلنا الباطني. على هذا الصعيد، نعم، إن الإسلام كدين بكليته، نعم، هو يشكّل خشبة خلاص لنا من هذا المنطلق بالإضافة إلى باقي المفاهيم التي يتكوّن منها عقلنا الاجتماعي والثقافي والسياسي.

المحاور: الجهاديون الإسلاميون يرون أن إقامة الدولة الإسلامية هي فريضة دينية على المسلم، وتنفيذها أمر إلهي. هل هذه قراءة صحيحة للنص الديني؟ وأين الروح من الإسلام إذاً؟

حماده: النص الديني عمليا يقول عكس ذلك تماما. النص الديني يقول:"لو شاء ربّك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مسلمين؟". إن الربط ما بين الجهادية والتكفير هو خروج كامل عن الإسلام. وبالتالي لا تنطبق عليه مواصفات الجهاد في سبيل الله، لا تنطبق عليه. أرفض النقاش بالطرح لأنني أرفض إعطاءه الشرعية الدينية التي ليست له أساسا، ليست له.

المحاور: إذاً ما سبب ظهور الإسلام السياسي المتوسل في طريقة وصوله إلى الحكم هذا النوع من الإسلام وتغلغله في مجتمعاتنا؟ هل هذا النوع من الإسلام حاضنة للإسلام التكفيري برأيك؟

حماده: نعم، أدق كلمة أو مصطلح هو مصطلح الإسلام السياسي، دقيقة جدا. دقيقة جدا؛ لأنها تصوّر حجم اغتصاب السياسة للشأن الديني. طبعا هذا يمكن أن يسهّل للتكفير ويسهّل لكل أنواع الابتعاد عن الدين. بلا شك، بلا شك. التكفير هو ابتعاد عن الدين. هذا كفر. وأية نهضة دينية عليها أن تبدأ بتكفير المكفّرين. هذه لا يوجد فيها بحث.

المحاور: هناك خلافات في التطبيق في الإسلام. هناك إسلام شامي نوراني يسمونه الإسلام الشامي، وهناك إسلام وهّابي ابن تيمي. ما هي الغلبة الآن برأيك؟

حماده: هناك نأتي إلى المدارس.

المحاور: نعم.

حماده: هنا نتحدث صحيحا عن إسلام. مما لا شك فيه أن الإسلام هو الإسلام النوراني. بالتأكيد ليس الإسلام بين مزدوجين؛ لأنني لا أعترف له بأنه إسلام أساسا، ما يسمى بالإسلام الوهابي، الإسلام السياسي الوهابي بطبيعته الذي بسياسته الحديثة هي بنت عبد الله فيلبي الجاسوس البريطاني الذي أرسلوه إلى ابن سعود مثلما أرسلوا الجاسوس البريطاني الآخر لورانس إلى الشريف حسين. هما كانا في الفترة نفسها. فهذا النوع هو لأبناء الشيخ عبد الله فيلبي . الإسلام غير موجود أبدا هنا. يا ليت الإسلام يعمّ كل هذه البلاد، يا ليته.

المحاور: أعزائي، نتوقف مع فاصل، ثم نعود لمتابعة هذا الحوار مع الأستاذ حسن حماده.


المحور الثاني

المحور الثاني

المحاور: أهلا بكم مجددا.

أستاذ حسن حماده، اسمح لي أن أفتح نافذة على حدث مسكوني هو انتخاب بابا جديد، وأسألك كعلماني: هل الفقه الفاتيكاني الإصلاحي الذي يحبو منذ نحو نصف قرن، يحبو، مُلزِم للباباوات أولا؟ وهل هذا الإصلاح يمكنه ضرب الجدار كما ضُرب جدار برلين؟ أو لا بل ردم هذه الهوّة العميقة بين الشرق والغرب؟ كيف؟

حماده: مما لا شك فيه أن هنالك في الفقه الفاتيكاني، وهو فقه عظيم، عظيم، عظيم جدا، وأخذ أبعاده منذ أن انطلقت عجلة ما يسمى بالعقيدة الاجتماعية للكنيسة أي أواخر القرن التاسع عشر. وانطلق هذا الفقه العظيم، الفقه الجبّار، لم يحدث أن أحد الباباوات أعلن الخروج عن هذا الفقه، على الأقل نظريا. طبعا هنالك مشكلة موجودة لدى الجميع هي مشكلة المزاوجة ما بين النظرية والممارسة، ما بين السلوك، خصوصا في الواقع المسيحي كما نعلم أن السيد المسيح هو رجل فعل، رجل عمل قبل أن يكون.. وهذا سبب المشاكل التي وقعت بها الكنيسة أنها على صعيد السلوك ابتعدت لفترات وفترات وعقود من الزمن وقرون من الزمن، ابتعدت عن السيد المسيح. الفقه الفاتيكاني الذي انطلق مع ليون الثالث عشر عمليا هو لإعادة الكنيسة إلى المسيح، هذا بشكل أساسي، من خلال السلوك. لذلك ما من بابا من الباباوات حاول أن يخرج نظريا عن هذا الفقه. لذلك نظريا هو مُلزِم. واليوم نشهد فعلا عملية اقتراب كثير ما بين النظرية والممارسة. وهذا الأمر فرضته عدة اعتبارات: أولا فرضه التطور الذي حدث داخل الفاتيكان. المجمع الفاتيكاني الثاني كان له دور كبير بذلك.ثانيا، عملية بعض مظاهر الخروج عن الكنيسة التي قام بها مسيحيون صادقون منهم كهنوتيون ومنهم مدنيون، صادقون بمسيحيتهم، خرجوا لأنهم وجدوا أن الكنيسة بعيدة عن المسيح.

هاتان الظاهرتان عزّزتا عمليا التقارب ما بين النظرية والممارسة بحيث إنه تكتمل النظرية مع الممارسة، والعكس بالعكس. على هذا الصعيد، الأمر الذي يجعل الباباوات ملزَمين بالالتزام بالفقه.

المحاور: هناك كما قلت عقيدة اجتماعية للكنيسة. ولكن جزءا كبيرا من الكاثوليك لم يلتزم؛ هذا البابا الجديد فرانسيس سئل عن أن هناك 80 أو 82 بالمئة كاثوليك. قال لهم لا، بالاسم، لكن 27 بالمئة في الأرجنتين يمارسون. كيف تجلّت هذه العقيدة الاجتماعية تحديدا في أميركا اللاتينية من مكان مجيء البابا؟ وبالعلاقة ما بين هذه الدول ودول البريكس التي فيها أميركا اللاتينية التي وقفت ضد معسكر الناتو. هل هذه العقيدة الاجتماعية دفعت بكاثوليك أميركا اللاتينية إلى أن يكونوا ضد ذلك الغرب الموجود في الناتو برأيك؟

حماده: قطعا، قطعا لها تأثير، وتأثير مباشر.

المحاور: كيف يتجلى ذلك؟

حماده: لأنه أولا حسبنا الإشارة إلى أن بعض الذين خرجوا عن الطاعة الفاتيكانية في الستينيات وفي السبعينيات وفي الثمانينيات وظهرت معهم كنيسة الشعوب والكهنة الحفاة وإلى آخره. هذه التيارات اعتبرت أنه لا يجوز إطلاقا للدين ولا للمؤسسات الدينية أن تشكّل غطاءً للاستبداد بشتّى أشكاله؛ لا يجوز أن يؤدّي التقليد بالمؤمنين إلى الشذوذ عن إيمانهم على صعيد السلوك وإن أبقوا عليه على صعيد النظرية. إذاً دائما ما بين النظرية والممارسة. إذاً ذهب هؤلاء بعيدا، وحتى إن منهم مَن قاد حركات الاعتراض والثورات ضد الاستبداد.

المحاور: وكهنة كانوا.

حماده: ومنهم مَن هم كهنة، وكهنة مبدعون عمليا. ودخل الصراع الكبير بينهم وبين الفاتيكان. إلى أن قام قداسة البابا القديس –رحمة الله عليه—يوحنا بولس الثاني بتلك الزيارة الأولى لأميركا اللاتينية بعد أن تبوّأ السدة الباباوية. واصطدم بهذه الحقيقة وهو التقليدي. كانت الصدمة كبيرة خصوصا في نيكاراغوا، خصوصا في نيكاراغوا. كلنا نذكر ذلك اللقاء وجها لوجه مع الكاهن ميغيل ديسكوتو وزير الثقافة والشاعر الكبير في نيكاراغوا، كلنا نذكر ذلك اللقاء. على أثر تلك الجولة، على أثر تلك الجولة حصل أن بحث البابا بعمق في هذا الموضوع مع الرجل الذي يشكّل فعلا مرجعية فكرية عظيمة هو الكاردينال راد زينغر الذي أصبح البابا بنيديكتوس السادس عشر حول هذه الظاهرة، وبدأ الكاردينال رادزينغر يبحث في هذا الموضوع..

المحاور: في مجمع الإيمان والعقيدة، نعم.

حماده: تماما، بصفته رئيسا لمجمع العقيدة والإيمان. إلى أن خرج باجتهاد عظيم، صادق عليه البابا يوحنا بولس الثاني ووقّع عليه الكاردينال رادزينغر. تحدّث عن موضوع لاهوت التحرير. تحدّث أيضا عن موضوع الثورات ومسألة استخدام العنف فاعتبر أنه عندما يتعرض شعب ما للاضطهاد لفترة طويلة طويلة من الزمن وعندما يستخدم كل الوسائل السلمية للحصول على حقه لمدّة طويلة من الزمن فيُخفق، آنذاك إذا ما استخدم السلاح عليه ألّا يسيء إلى الأبرياء عمليا؛ ما أتى بمعنى شرعنة اللجوء...

المحاور: المقاومة.

حماده: المقاومة. شرعنة المقاومة. ويلتقي هذا الفقه بذلك مع الماهاتما غاندي الذي اعتبر أنه لا مكان للجبناء في دوحة الـلاعنف، والذي اعتبر أنه لو طُلب منه أن يختار ما بين جبان يبرر جبنه بأنه يؤمن باللاعنف وشرّير يستخدم قوّته للرد على اعتداء يتعرض له لاختار هذا الأخير.

المحاور: أريد أن أذهب معك إلى المقلب الآخر من العالم، إلى الأورثوذكسية، وتحديدا إلى روسيا التي تحاول حاليا أن تأخذ مكانا واسعا لها في معترك الأمم. هل هناك صحوة أورثوذكسية مغطّاة بمطامع قيصرية جديدة؟ لنكن واضحين، بوتين يشبه قيصر الآن في روسيا. أو هناك مصالح إنترناسيونية عالمية تقطر الأورثوذكسية أيضا بالسياسة؟

حماده: كي لا نؤذي كثيرا الروس، إن أكثر من تنطبق عليه صفة صلاحيات الدكتاتور في العالم من قادة الدول هو رئيس الولايات المتحدة الأميركية، دستوريا أقول. من الناحية الدستورية نظرا لصلاحياته الشاملة الكاملة المطلقة؛ فهو الحاكم المستبدّ بالكامل. مما لا شك فيه أننا نشهد اليوم عملية تقارب جديد ومصالحة تاريخية ضرورية ما بين الدولة والكنيسة في روسيا؛ لأنه كيف تقوم الدولة الروسية من دون الكنيسة؟ لا يجوز. من الضروري أن تحدث هذه المصالحة. طبعا هناك الموروث التاريخي. هناك الحقبة القيصرية وما كانت تعنيه الكنيسة للحقبة القيصرية. وهنالك حقبة الاضطهاد الذي تعرّضت له الكنيسة في الحقبة السوفياتية. عمليا التاريخ فيه استفادة من المرحلتين. حتى المرحلة السوفياتية تشكّل جزءا من البوصلة السياسية للدولة الروسية اليوم. فكم بالحري المرحلة القيصرية وكم بالحري الواقع وهو أن الشعب الروسي بأكثريته شعب أورثوذكسي محافظ عمليا. هو يجمع.. ثمة توأمة ما بين أن تكون محافظا وأن تكون مجدّدا. وهذه التوأمة تحصل. وهي موجودة في كل المجتمعات التي تمكنت من أن ترقّي نفسها. فقط أريد أن أعود قليلا لأكمل فكرتي إلى أنه في أميركا اللاتينية إذا ما اعتمد معشر المؤمنين الفقه الفاتيكاني ونفّذوه فهم سوف يصطدمون مباشرة مع السطوة الأميركية والشركات المتعددة الجنسيات وإلى ما هنالك.

المحاور: والعابرة للقوميات.

حماده: والعابرة للقوميات، إلى آخره. إذاً من هنا هم في معسكر واحد تقريبا مع البريكس التي تشكّل كمنظومة...

المحاور: التي منها روسيا.

حماده: منها روسيا حاليا، نعم.

المحاور: الإصلاح الديني المسيحي نجم عن مرحلتين: البروتستانتي ومن ثم المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965. ومنها انطلقت المسيحية نحو المعاصرة. في ظل ما نشهده حاليا من تراجع في الإسلام النوراني، هل الإسلام بحاجة إلى عملية إصلاح ديني برأيك؟ بكامل الصراحة.

حماده: بطبيعة الحال. ليس الإسلام بحاجة إلى إصلاح، أبدا. إنما هذه البيئات السياسية يجب إصلاحها عبر الإسلام بأن تفهَّم هذه البيئات، بأن يُشرَح لها أنها خارجة عن الإسلام؛ لأن هذا النوع من العنف والشر الذي يشكّل محرّكا في العمل السياسي لأن هناك انقيادا أعمى من الأوساط التي تقول إنها دينية، انقيادا أعمى خلف السياسة، يجب أن يقال لها إنك تعتدين على الإسلام. الدفاع عن الإسلام هنا ضرورة، ضرورة، تماما كالدفاع عن المسيحية لأن حرمته، حرمة الإسلام تُنتَهَك من هذه الاتجاهات التي تدّعي أنها إسلامية. لذلك لا بد من أن تبرز تيارات تسمّي نفسها "حرّاس القرآن الكريم" لدفع هذه الهجمة البربرية التي تؤذي القرآن الكريم وتؤذي الدين الإسلامي.

المحاور: بين الكنيسة والإسلام السياسي اختلاف واضح. هل سيبقى هذا الاختلاف؟ وكيف يمكن، وبقليل من الوقت، الوصول إلى قواسم مشتركة؟

حماده: الوصول إلى قواسم مشتركة يكون بأن يتصالح كلٌّ مع ما يعتبره دينه؛ أي أن يتصالح (المسلم) بين مزدوجين مع دينه، مع الكتاب..

المحاور: مع نصّه، مع كتابه.

حماده: مع نصه. وأن يتصالح المسيحي مع دينه، مع سلوك النهج القويم للسيد المسيح.

المحاور: تكون العبّارات بين الاثنين أصبحت جاهزة؟

حماده: تجهز من تلقاء نفسها. وهنا لماذا أقول إن الدين هو ضحية. الدين بريء، الدين مسكين، يجب أن ندافع عن الدين. والعلمانيون هم الذين يدافعون عن الدين ويحمون الدين من كل شر. هم الترس الذي يقي الدين من نبال وحراب المجرمين المنافقين الذين يدّعون الدين ويكذّبون بدين الله. والآية الكريمة تقول: "الذين يكذّبون بآيات الله فأولئك هم المجرمون". ثم إجرام يُرتكَب بحق الدين، وعلينا نحن أن ندافع عن الدين بكل قوانا.

المحاور: أعزائي، نتوقف مع فاصل ثانٍ ثم نعود لمتابعة هذا الحوار الصريح مع الأستاذ حسن حماده.


المحور الثالث

المحور الثالث

المحاور: أهلا بكم من جديد في "أجراس المشرق".

أستاذ حسن حماده، أنت علماني ونشأت في بيئة أيضا ذات منطلق ديني، ولكنك تحولت إلى الفكر العلماني. بكامل الصراحة، لماذا تراجعت القوى العلمانية في المشرق وفي العالم العربي، وباتت للأسف هامشية وعديمة التأثير؟

حماده: الاعتبار الأول هو أنها لم تفهم علمانيتها. جزء منها اعتبر العلمانية اشتباكا مع الدين. وجزء آخر اعتبر أن العلمانية هي في أن تصدّ الهجمة الدينية عن السياسة. هنا التشخيص خطأ. كما قلنا في بداية لقائنا. نحن العلمانيين قمنا بتشخيص خاطئ، وعلينا أن نعترف بذلك. السياسة تعتدي على الدين وليس العكس. السياسة هي المجرمة والدين هو البريء وليس العكس.

المحاور: وهؤلاء المتدينون الذين يهاجمون أي فكر آخر غير فكرهم.

حماده: وهل لديهم فكر؟ هم يكفّرون المتدينين الفعليين. أي فكر أساسا لديهم؟ هذا أولا. أما النقطة الثانية في تردّي الواقع العلماني هو فقدان نقطة المركز للحركة السياسية. نقطة المركز مهما كنت وفي أي بلد من بلدان العالم، كما نعلم أنه لا توجد سياسة من دون جغرافيا. نقول "geopolitique" الجغرافيا هي الحاضنة أو الحوض الذي تعيش فيه السياسة. خارج الجغرافيا لا توجد سياسة. هذا يعني أنه خارج المعطى القومي لا قيمة للسياسة ولا قيمة لأية نظرية سياسية أو اقتصادية إن لم تأخذ بالاعتبار نقطة المركز التي هي المعطى القومي. يجب أن تأخذ بالاعتبار الجغرافيا.

المحاور: نقطة ارتكازها.

حماده: نقطة ارتكازها. نحن نقطة الارتكاز لدينا التي هي عمليا تحدّد وجهة سير عملنا، والضربات التي تأتينا من المستعمر هي فلسطين. إذا كانت هذه النقطة غائبة عن أولوية أولوياتنا فنحن نَضيع ونضيّع. وهذا ما هو حادث اليوم.

المحاور: ولكن الأحزاب العلمانية وضعت هدفها فلسطين. هل إلى هذه الدرجة كاذبة أو غير قادرة على تحمّل هذه المسألة؟

حماده: لا، بل لأنها ارتكبت أخطاء هائلة في أمور أخرى. جعلت تركيزها على فلسطين جزءا من أمور أخرى، وبالتالي أضاعت البوصلة. فهي أضاعت بوصلتها كأي قارب في البحر.

المحاور: سأعود إلى المنطوق الفكري النظري للعلمانية. العلمانية لدينا ليست وليدة بيئة معرفية محلية. إنها تقليد لتطوّر وتراكم حصل في الغرب. هل يمكن عمليا، وأنت تكلمت على الحاضنة الجغرافية، على الجيوسياسية، لا سياسة إلا بالجغرافيا. هل يمكن نقل التجارب من بيئة اجتماعية معيّنة إلى بيئة أخرى ذات أسلوب ونمط اجتماعي مغاير؟

حماده: أنا شخصيا لا أعتبر العلمانية أتتنا... أتت من الغرب ولكننا بموروثنا، بجيناتنا الثقافية كأبناء هذه المجتمعات المشرقية، المدنية والدولة المدنية كانت لدينا. نحن أعطينا للعالم الدولة المدنية. دولنا العريقة التي هي أولى الدول في العالم، أولى التنظيمات الدولية، بتسكين الواو، هي الأولى في العالم. نحن عرفنا فصل الدين عن الدولة، أو بالأحرى فصل السياسة عن الدين، منذ ما قبل قيام الديانات الحديثة. نحن عرفنا هذه المسألة.

المحاور: أي عند حامورابي.

حماده: طبعا. بجيناتنا الثقافية عرفنا هذا الموضوع.

المحاور: ولكن جاء التوحيد وأطاح بها.

حماده: والتوحيد أتى من عندنا أيضا. نحن أول من وحّد الإله. وطبعا هنا يمكن أن يكون ثمة جدال طويل عريض حول مدى جدوى التوحيد يومها ومدى سوء فهم التوحيد في ما بعد. ولذلك قلت إن كل سؤال طرحته أنت يستحق حلقات دراسية.

المحاور: نحاول، ولكن هذا هو الوقت.

حماده: نعم. فعمليا الدولة المدنية هي التي يمكن أن تنقذنا لأنها تحمي الدين وتمنع استغلاله.

المحاور: بعض المفكرين العلمانيين يتّكئون على النص الديني لتبرير علمانيتهم. وهذا أمر خطير يبدو. والدين بحد ذاته جزء منه ميتافيزيقي، ماورائي. وهذا الدفاع عن العلمانية عبر الدين.. برأيك هل يجوز اعتماد العلمانية من منطوق ديني أو يجب على العلمانية أن تعمل على اعتماد العقل كخط نَسَق وحيد في تبرير حضورها الزمني والاجتماعي؟

حماده: العقل هو الشرع الأعلى. أنا لي مولى وحيد وليّ عليّ هو العقل. مولاي العقل، والعقل هو الشرع الأعلى. ما لا يقبله العقل...

المحاور: هل هذا متوائم مع العلمانية والدين في الوقت نفسه؟

حماده: حسب نوع العلمانية المطروحة، وحسب طريقة مقاربة النص الديني؛ لأنني شخصيا لديّ موقف اعتراضي، لا أعترف، لا أعطي شرعية للمدارس الكثيرة التي تنمو كالفطريات وتسمّي نفسها مدارس دينية، وأرى أن سياسة المستعمر تستغلها لتدمير بلادنا وسلب ثرواتنا.

المحاور: ميشال عفلق يقول إن العروبة جسم روحه الإسلام. أريد أن أربط ما بين ما قلته لك سابقا والآن. لكنه، وهو الآتي من بيئة مسيحية، بهذا الكلام يسحب من المسيحيين حضورهم في العروبة. هل هذا، بصراحة، ناجم عن عقدة أقلّويّة أو من قراءة مجتزأة للتاريخ؟ هل العروبة والإسلام توأمان لا ثالث لهما برأيك؟

حماده: هذه المقاربة ناجمة عن كل هذه الأمور. سوء فهم لما يسمى الأقليات، سوء فهم للعلمانية، سوء فهم للعلمانيين، سوء فهم للإسلام. أنا أفهم أن تكون العروبة جسم روحه الإسلام برسالتيه المسيحية والمحمدية، نعم، أفهمها. والرسالتان تشكّلان جزءا من مكونات عقلنا الباطن، نعم، بهذا الشكل. ولكن كلامه مجرد كلام ديماغوجي. ليس أكثر من كلام ديماغوجي. وهذه إحدى الظواهر التي شتّتت الناس وشتّتت المثقفين وأفقدت الناس بوصلتهم. مثلما حين نتحدث في الموضوع الديني، البوصلة هي النص الإلهي. مستعدّ لدينمحمد بن عبد الله وليس دين يوسف القرضاوي، بكل بساطة، الذي يقول لي: لو عاد الرسول –عليه الصلاة والسلام—لتحالف مع الناتو. تريدني أن أعتبره لهذا أنه مسلم. كيف أعتبره مسلما؟ لا لا لا. القرآن الكريم هو الذي يحدد مَن هو مسلم ومَن هو غير مسلم.

المحاور: هناك مسلم وهناك مؤمن في القرآن الكريم أيضا.

حماده: نعم، لكن المؤمن لا وجود لإيمانه إلا إذا تُرجم الإيمان بعمل الصالحات؛ لأن الإيمان بالمطلق بشكل مجرد غير موجود. عمل الصالحات هو الإيمان.

المحاور: بصراحة، الحزبان القوميان، العروبة والقومية السوريّة، ماذا قدّما للمسيحيين في المشرق؟ وللمسلمين على السواء؟

حماده: لا أستطيع أن أنكر أنهما قدّما محاولة تحديث ومحاولة ارتباط بالعصر، خصوصا أن هذه التيارات لها موقف نظيف شريف من مقاومة الاستعمار، من محاولة بناء الدول الحديثة، كي لا نجلد الناس هكذا كما يفعلون اليوم بجَلد الدين.

المحاور: إنه نقاش فكري. أريد، ضمن القلق الذي يعيشه الناس الآن، أن أسأل دائما في الفكر وفي الفلسفة، المقدّمات تشي بالنتائج.

حماده: صحيح هذا الكلام.

المحاور: النتائج التي وصلت إليها شعوبنا حاليا هي نتائج كارثية.

حماده: كارثية نعم.

المحاور: لذلك أسأل فكريا.

حماده: من الناحية الفكرية، أعتقد أنها قدّمت أولا: أنتم لستم أقلية. مفهوم الأقلية والأكثرية، رفضته. وهذه مسألة مهمّة جدا. في ترقّي المجتمعات لا يجوز أن تظل تتحدث بالأقلية والأكثرية. إذاً شطب مفهوم الأقلية من معادلة المواطنة والانتماء، هذه قدّمتها التيارات القومية. الآن عادت وارتكبت أخطاء وأضاعت بوصلتها، هذا موضوع آخر.

المحاور: سؤالي الأخير وبقليل من الوقت: لا يوجد نموذج موحّد لأي دولة إسلامية. الإسلام في الجزيرة العربية، الإسلام الراشدي الأول لم يُنشئ دولة. الدولة أُنشئت في دمشق في الدولة الأموية. ولكن اعتمد على النموذج البيزنطي. أي نموذج للدولة الإسلامية يوجد؟

حماده: أعتقد أن النموذج الصحيح هو النموذج الإسلامي بكلّيّته، بكليته؛ لأنه النموذج الذي يحمي الدين. ما يهمني هو حماية الدين لكوني رجلا أؤمن، متديّنا، على طريقتي طبعا، متدين على طريقتي. لديّ حرص، أحب الدين، أعشق الدين. وماورائيات الدين لا تزعجني بل إنها تحرّك خيالي. فيها نسمات من النعيم بالنسبة لي. لا أخاف من الدين. أحب، أعشق الدين. لذلك يجب حماية الدين. وأعتقد أنه أفضل حماية للدين هو الدولة المدنية.

المحاور: أنا أريد أن أشكرك. كان لديّ الكثير من الأسئلة. ولكن هذا هو الوقت.

حماده: شكرا.

المحاور: آمل أن نلتقي مرة مقبلة، وسنلتقي.

أعزائي، إن قراءة الواقع من موقع المواطنة وعبر الفكر النقدي تدفع بالعلاقة بين مكونات المجتمع إلى مسطبة الحقيقة بعيدا من المجاملات والقفازات توسُّلا لبلاد هي لكل من يحيا عليها. فلم يعد بالإمكان جعل التاريخ أرضا بوراً يفلحها المتسلّطون.

نتمنى في "أجراس المشرق" أن نكون قد أشعلنا شمعة أمامكم.

شكرا للأستاذ العزيز حسن حماده على إضافته الفكرية. شكرا للزملاء في "الميادين" الذين يعملون أسبوعيا معي في "أجراس المشرق".

وـسلام عليكم وـسلام لكم.

المحور الثالث

 

المحاور: أهلا بكم من جديد في "أجراس المشرق".

أستاذ حسن حماده، أنت علماني ونشأت في بيئة أيضا ذات منطلق ديني، ولكنك تحولت إلى الفكر العلماني. بكامل الصراحة، لماذا تراجعت القوى العلمانية في المشرق وفي العالم العربي، وباتت للأسف هامشية وعديمة التأثير؟

حماده: الاعتبار الأول هو أنها لم تفهم علمانيتها. جزء منها اعتبر العلمانية اشتباكا مع الدين. وجزء آخر اعتبر أن العلمانية هي في أن تصدّ الهجمة الدينية عن السياسة. هنا التشخيص خطأ. كما قلنا في بداية لقائنا. نحن العلمانيين قمنا بتشخيص خاطئ، وعلينا أن نعترف بذلك. السياسة تعتدي على الدين وليس العكس. السياسة هي المجرمة والدين هو البريء وليس العكس.

المحاور: وهؤلاء المتدينون الذين يهاجمون أي فكر آخر غير فكرهم.

حماده: وهل لديهم فكر؟ هم يكفّرون المتدينين الفعليين. أي فكر أساسا لديهم؟ هذا أولا. أما النقطة الثانية في تردّي الواقع العلماني هو فقدان نقطة المركز للحركة السياسية. نقطة المركز مهما كنت وفي أي بلد من بلدان العالم، كما نعلم أنه لا توجد سياسة من دون جغرافيا. نقول "geopolitique" الجغرافيا هي الحاضنة أو الحوض الذي تعيش فيه السياسة. خارج الجغرافيا لا توجد سياسة. هذا يعني أنه خارج المعطى القومي لا قيمة للسياسة ولا قيمة لأية نظرية سياسية أو اقتصادية إن لم تأخذ بالاعتبار نقطة المركز التي هي المعطى القومي. يجب أن تأخذ بالاعتبار الجغرافيا.

المحاور: نقطة ارتكازها.

حماده: نقطة ارتكازها. نحن نقطة الارتكاز لدينا التي هي عمليا تحدّد وجهة سير عملنا، والضربات التي تأتينا من المستعمر هي فلسطين. إذا كانت هذه النقطة غائبة عن أولوية أولوياتنا فنحن نَضيع ونضيّع. وهذا ما هو حادث اليوم.

المحاور: ولكن الأحزاب العلمانية وضعت هدفها فلسطين. هل إلى هذه الدرجة كاذبة أو غير قادرة على تحمّل هذه المسألة؟

حماده: لا، بل لأنها ارتكبت أخطاء هائلة في أمور أخرى. جعلت تركيزها على فلسطين جزءا من أمور أخرى، وبالتالي أضاعت البوصلة. فهي أضاعت بوصلتها كأي قارب في البحر.

المحاور: سأعود إلى المنطوق الفكري النظري للعلمانية. العلمانية لدينا ليست وليدة بيئة معرفية محلية. إنها تقليد لتطوّر وتراكم حصل في الغرب. هل يمكن عمليا، وأنت تكلمت على الحاضنة الجغرافية، على الجيوسياسية، لا سياسة إلا بالجغرافيا. هل يمكن نقل التجارب من بيئة اجتماعية معيّنة إلى بيئة أخرى ذات أسلوب ونمط اجتماعي مغاير؟

حماده: أنا شخصيا لا أعتبر العلمانية أتتنا... أتت من الغرب ولكننا بموروثنا، بجيناتنا الثقافية كأبناء هذه المجتمعات المشرقية، المدنية والدولة المدنية كانت لدينا. نحن أعطينا للعالم الدولة المدنية. دولنا العريقة التي هي أولى الدول في العالم، أولى التنظيمات الدولية، بتسكين الواو، هي الأولى في العالم. نحن عرفنا فصل الدين عن الدولة، أو بالأحرى فصل السياسة عن الدين، منذ ما قبل قيام الديانات الحديثة. نحن عرفنا هذه المسألة.

المحاور: أي عند حامورابي.

حماده: طبعا. بجيناتنا الثقافية عرفنا هذا الموضوع.

المحاور: ولكن جاء التوحيد وأطاح بها.

حماده: والتوحيد أتى من عندنا أيضا. نحن أول من وحّد الإله. وطبعا هنا يمكن أن يكون ثمة جدال طويل عريض حول مدى جدوى التوحيد يومها ومدى سوء فهم التوحيد في ما بعد. ولذلك قلت إن كل سؤال طرحته أنت يستحق حلقات دراسية.

المحاور: نحاول، ولكن هذا هو الوقت.

حماده: نعم. فعمليا الدولة المدنية هي التي يمكن أن تنقذنا لأنها تحمي الدين وتمنع استغلاله.

المحاور: بعض المفكرين العلمانيين يتّكئون على النص الديني لتبرير علمانيتهم. وهذا أمر خطير يبدو. والدين بحد ذاته جزء منه ميتافيزيقي، ماورائي. وهذا الدفاع عن العلمانية عبر الدين.. برأيك هل يجوز اعتماد العلمانية من منطوق ديني أو يجب على العلمانية أن تعمل على اعتماد العقل كخط نَسَق وحيد في تبرير حضورها الزمني والاجتماعي؟

حماده: العقل هو الشرع الأعلى. أنا لي مولى وحيد وليّ عليّ هو العقل. مولاي العقل، والعقل هو الشرع الأعلى. ما لا يقبله العقل...

المحاور: هل هذا متوائم مع العلمانية والدين في الوقت نفسه؟

حماده: حسب نوع العلمانية المطروحة، وحسب طريقة مقاربة النص الديني؛ لأنني شخصيا لديّ موقف اعتراضي، لا أعترف، لا أعطي شرعية للمدارس الكثيرة التي تنمو كالفطريات وتسمّي نفسها مدارس دينية، وأرى أن سياسة المستعمر تستغلها لتدمير بلادنا وسلب ثرواتنا.

المحاور: ميشال عفلق يقول إن العروبة جسم روحه الإسلام. أريد أن أربط ما بين ما قلته لك سابقا والآن. لكنه، وهو الآتي من بيئة مسيحية، بهذا الكلام يسحب من المسيحيين حضورهم في العروبة. هل هذا، بصراحة، ناجم عن عقدة أقلّويّة أو من قراءة مجتزأة للتاريخ؟ هل العروبة والإسلام توأمان لا ثالث لهما برأيك؟

حماده: محمد بن عبد الله وليس دين يوسف القرضاوي، بكل بساطة، الذي يقول لي: لو عاد الرسول –عليه الصلاة والسلام—لتحالف مع الناتو. تريدني أن أعتبره لهذا أنه مسلم. كيف أعتبره مسلما؟ لا لا لا. القرآن الكريم هو الذي يحدد مَن هو مسلم ومَن هو غير مسلم. هذه المقاربة ناجمة عن كل هذه الأمور. سوء فهم لما يسمى الأقليات، سوء فهم للعلمانية، سوء فهم للعلمانيين، سوء فهم للإسلام. أنا أفهم أن تكون العروبة جسم روحه الإسلام برسالتيه المسيحية والمحمدية، نعم، أفهمها. والرسالتان تشكّلان جزءا من مكونات عقلنا الباطن، نعم، بهذا الشكل. ولكن كلامه مجرد كلام ديماغوجي. ليس أكثر من كلام ديماغوجي. وهذه إحدى الظواهر التي شتّتت الناس وشتّتت المثقفين وأفقدت الناس بوصلتهم. مثلما حين نتحدث في الموضوع الديني، البوصلة هي النص الإلهي. مستعدّ لدين

المحاور: هناك مسلم وهناك مؤمن في القرآن الكريم أيضا.

حماده: نعم، لكن المؤمن لا وجود لإيمانه إلا إذا تُرجم الإيمان بعمل الصالحات؛ لأن الإيمان بالمطلق بشكل مجرد غير موجود. عمل الصالحات هو الإيمان.

المحاور: بصراحة، الحزبان القوميان، العروبة والقومية السوريّة، ماذا قدّما للمسيحيين في المشرق؟ وللمسلمين على السواء؟

حماده: لا أستطيع أن أنكر أنهما قدّما محاولة تحديث ومحاولة ارتباط بالعصر، خصوصا أن هذه التيارات لها موقف نظيف شريف من مقاومة الاستعمار، من محاولة بناء الدول الحديثة، كي لا نجلد الناس هكذا كما يفعلون اليوم بجَلد الدين.

المحاور: إنه نقاش فكري. أريد، ضمن القلق الذي يعيشه الناس الآن، أن أسأل دائما في الفكر وفي الفلسفة، المقدّمات تشي بالنتائج.

حماده: صحيح هذا الكلام.

المحاور: النتائج التي وصلت إليها شعوبنا حاليا هي نتائج كارثية.

حماده: كارثية نعم.

المحاور: لذلك أسأل فكريا.

حماده: من الناحية الفكرية، أعتقد أنها قدّمت أولا: أنتم لستم أقلية. مفهوم الأقلية والأكثرية، رفضته. وهذه مسألة مهمّة جدا. في ترقّي المجتمعات لا يجوز أن تظل تتحدث بالأقلية والأكثرية. إذاً شطب مفهوم الأقلية من معادلة المواطنة والانتماء، هذه قدّمتها التيارات القومية. الآن عادت وارتكبت أخطاء وأضاعت بوصلتها، هذا موضوع آخر.

المحاور: سؤالي الأخير وبقليل من الوقت: لا يوجد نموذج موحّد لأي دولة إسلامية. الإسلام في الجزيرة العربية، الإسلام الراشدي الأول لم يُنشئ دولة. الدولة أُنشئت في دمشق في الدولة الأموية. ولكن اعتمد على النموذج البيزنطي. أي نموذج للدولة الإسلامية يوجد؟

حماده: أعتقد أن النموذج الصحيح هو النموذج الإسلامي بكلّيّته، بكليته؛ لأنه النموذج الذي يحمي الدين. ما يهمني هو حماية الدين لكوني رجلا أؤمن، متديّنا، على طريقتي طبعا، متدين على طريقتي. لديّ حرص، أحب الدين، أعشق الدين. وماورائيات الدين لا تزعجني بل إنها تحرّك خيالي. فيها نسمات من النعيم بالنسبة لي. لا أخاف من الدين. أحب، أعشق الدين. لذلك يجب حماية الدين. وأعتقد أنه أفضل حماية للدين هو الدولة المدنية.

المحاور: أنا أريد أن أشكرك. كان لديّ الكثير من الأسئلة. ولكن هذا هو الوقت.

حماده: شكرا.

المحاور: آمل أن نلتقي مرة مقبلة، وسنلتقي.

أعزائي، إن قراءة الواقع من موقع المواطنة وعبر الفكر النقدي تدفع بالعلاقة بين مكونات المجتمع إلى مسطبة الحقيقة بعيدا من المجاملات والقفازات توسُّلا لبلاد هي لكل من يحيا عليها. فلم يعد بالإمكان جعل التاريخ أرضا بوراً يفلحها المتسلّطون.

نتمنى في "أجراس المشرق" أن نكون قد أشعلنا شمعة أمامكم.

شكرا للأستاذ العزيز حسن حماده على إضافته الفكرية. شكرا للزملاء في "الميادين" الذين يعملون أسبوعيا معي في "أجراس المشرق".

وـسلام عليكم وـسلام لكم.