كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

الانتخابات الرئاسية السورية

عشية الانتخابات الرئاسية، سوريا بعد الانتخابات، مستقبلها ضيوف الحلقة: ليلى نقولا الرحباني - أخصائية في القانون الدولي، إبراهيم بيرم - كاتب صحفي، عبد الباسط سيدا - عضو نافذ في الائتلاف السوري المعارض، أسامة الدنورة - كاتب ومحلل سياسي.

المحور الأول

كيف ينظر الخارج الى سوريا بعد الإنتخابات؟

جورج غالاواي: أهلاً بكم في برنامج "كلمة حرّة"، معي (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" مباشرةً من بيروت. في هذا الاسبوع الاستثنائيّ لهذا القسم المُجدّد من العالم العربيّ، للعربِ بشكلٍ مُحدّد ولمُختلف بقاع العالم. هو أسبوع الانتخابات في (سوريا) وهي انتخاباتٌ سوريّة نُخصّص لها هذه الحلقة. قلائل توقّعوا، لاسيّما في الغرب على الأقلّ، أن نصِلَ إلى هذا اليوم حيثُ يكونُ الرئيس "بشّار الأسد" مُرشّحاً في هذه الانتخابات، علماً أنّ كلّ الإشارات كانت تدلّ على أنّ الأكثريّة وربّما السواد الأعظم من الشعب السوري يدعمه. بالطبع، هذه الانتخابات ليست انتخاباتٍ مثاليّة فقد انقضت سنواتٌ ثلاث من حرب وعمليّات قتلٍ مُروِّعة، وشهِدنا على ترحيلِ وهجرة اللاجئين بمئات الآلاف وربّما بالملايين. كثيرةٌ هي التحدّيات الأمنيّة التي تُفرَضُ على السُلطاتِ في "دمشق" لعقدِ وتنظيم هكذا انتخابات ولا شكّ في أنّ الوقت لا يزال مفتوحاً أمام أيّة مفاجآتٍ قاتِمة لكنني مُستعدٌ لأتوقّع أنّ المشهدَ الذي رأيناه في "بيروت" حيثُ السوريّون الذين يقطنون هنا في (لبنان) كلاجئين سوريين إن ظلمنا البعض وصدّقناهم، والسوريين الذين يعيشون بشكلٍ عاديّ في (لبنان) وصدّقنا الآخرين، قد توافدوا بعشرات الآلاف. حشدٌ لم يتوقّعه أحد ولم تتوقّعه السفارة السوريّة وكانوا بمُعظمهم هُناك للتصويت لمصلحة الرئيس الحالي، بالتالي سوف ننظُر في تحدّيات هذه الانتخابات وسوف ننظُر كذلك في النتائِج المُحتملة لهذه الانتخابات، وربّما الأهم أننا سوف نتحدّث عمّا سيأتي وعمّا سيحصُل ما بعد الانتخابات. فالانتخابات بحدِّ ذاتها ليست هامّة، هي هامّة نظراً للمسار الذي ترسُمه للفترة المُستقبليّة لبلدٍ ما، لشعبٍ ما. معي اليوم ضيفان خبيران في "بيروت" وضيفان عن بُعد. إلى جهة اليسار معنا السيّدة "ليلى الرحباني" وهي أخصّائيّة في القانون الدولي، ومعنا السيّد "إبراهيم بيرم" وهو كاتبٌ صحافي، ومعنا كذلك من (ستوكهولم) السيّد " عبد الباسط سيدا " وهو عضوٌ نافِذٌ في الائتلاف السوريّ المُعارض. إضافةً إلى ذلك سيكون معنا السيّد " أُسامة الدنوّرة " من "دمشق" بحدّ ذاتها وهو محلّلٌ سياسيٌ سوري. بدايةً نبدأ بالسيّدة "ليلى" لو سمحتُم، ولنبدأ بالحديث عن قضيّةٍ قانونيّة تحدّثت عنها معكِ قبل بدء الحلقة. نحن أمام موقفٍ استثنائيّ حيث عددٌ من البلدانِ قد حظّرَت على السوريين المتواجدين على أراضيها التصويت في بعض البلدان الأوروبيّة وأميركا الشماليّة وحتّى في بعض البلدان العربيّة. لا شكّ في أنّ هذا الأمر مشكوكٌ في قانونيّته لكن ما رأيُكِ كذلك بالاستعراض الحاشِد تعبيراً عن الدعم للرئيس "بشّار الأسد" هنا في "بيروت"؟

ليلى الرحباني (أستاذة في القانون الدولي): بدايةً، إذا أردنا أن نأخذ الدُوَل الأوروبيّة بشكلٍ عام وخاصّةً الولايات المتّحدة الأميركيّة ودُوَل أوروبا الغربيّة التي تدعو بشكلٍ خاص دائماً إلى احترام حقوق الإنسان وهناك المحكمة الأوروبيّة التي تُعنى بحقوق الإنسان، من الناحية القانونيّة لا يحُقّ للدوَل طالما أنّ السفارة ما زالت فاعِلة وما زال مُعتَرَف بها كسفارة سوريّة في أيّ بلد كممثِّل للدولة السوريّة، فلا يستطيع أيّ أحد أن يمنع الناخبين السوريين من أن يتوجّهوا إلى سفارة بلادهم للتصويت أو لغير التصويت، ولكن تستطيع الدُوَل أن تلجأ من مبدأٍ سياسيّ وليس قانونيّ وأن تقول :" لا نعترِف بشرعيّة النظام السوري وشرعيّة هذه الانتخابات، لا نعترِف بها وقد سقطت شرعيّة الرئيس السوري"، وهو أمرٌ ليس بالقانوني بطبيعة الحال، ولكن نحن نعرِف بأنّ السياسة والقانون يتداخلان في القانون الدولي وفي العلاقات الدوليّة بشكلٍ دائِم. انطلاقاً من مبدأ سيادة الدُوّل وبأنّها قالت في وقتٍ سابِق بأنّها لا تعترِف بشرعيّة النظام السوري ولا تعترِف بشرعيّة من دعا إلى هذه الانتخابات، فهي قالت أنّها لن تسمَح للناخبين السوريين بالتوجّه إلى صناديق الاقتراع في سفاراتهم أو بهذا الإجراء في سفاراتهم، وهذا أمرٌ مُرتبط بسيادة هذه الدُوَل الأوروبيّة. الأمر الآخر إذا أردنا أن ننظُر إلى الموضوع من ناحية سياسيّة، يبدو أنّ الاستخبارات الغربيّة كانت تعرِف بأنّها لو فتحت السفارات السوريّة في دُوَل أوروبا الغربيّة وفي أميركا وفي كلّ الدُوَل التي أعلنت أنها صديقة للثورة السوريّة، لكان المواطنون السوريون سيتوجّهون بكثافة إلى صناديق الاقتراع في هذه السفارات، وطالما أنّ المواطن السوري يذهب للمشاركة  في هذه الانتخابات فهُو تلقائيّاً داعِمٌ للنظام السوري لأنّه يُشارِك في انتخابات أقرّها النظام السوري ولأن المُعارضة السوريّة قالت بأنّها ستُقاطِع هذه الانتخابات. لذلك، أيّ توجّه لأيّ مواطِن هو داعمٌ حُكماً لشرعيّة الانتخابات ولشرعيّة النظام السوري. أتصوّر بأنّ المشهد في "بيروت" كانت تخشى منه المُخابرات الغربيّة أو كانت تتوقّعه أجهزة المُخابرات الغربيّة على الرغم من أنّ مشهد "بيروت" كان لافتاً وكان بطبيعة الحال مُفاجئاً لأنّ كلّ التقارير الدوليّة التي أتت واستطلعت النازحين سواءٌ لأوضاعهم الإنسانيّة أو حتّى لأوضاعهم الاقتصاديّة ولخيارتهم السياسيّة وكلّ التقارير الغربيّة حتّى تقارير الأُمم المتّحدة كانت تقول بأنّها تخشى على هؤلاء النازحين من عودتهم إلى "سوريا" لأنّهم معارضون للنظام السوري. فالغالبيّة العُظمى من النازحين في لبنان كان من المُفترَض أن يكونوا معارضين للنظام السوري. لذلك كان هذا الحشد الهائِل إلى السفارة السوريّة مفاجئاً لأنّ، إما أنّ التقارير كانت خاطئة أو أن النازحين قد بدّلوا خياراتهم السياسيّة، أو أنّ هناك عوامِل عدة لعِبت في تبديل هذه الخيارات السياسيّة وشاهدنا هذا الحَشد الذي ذهب إلى السفارة السوريّة في "بيروت"

جورج غالاواي: أنا كُنتُ مرّةً في "أريزونا" في الولايات المُتّحدة الأميركيّة خلال الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة التي فاز فيها الرئيس السابق "أحمدي نجاد"، كُنتُ في ولاية " أريزونا" في أميركا. صوّت تسعٌ وستّون وأحصوا الأصوات أمام أعيني، صوّتَ شخصٌ واحِد لـ "أحمدي نجاد" وثماني وستّون صوّتوا ضدّه. وبالتالي، في الولايات المتّحدة الأميركيّة هناك سمحوا للانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة بأن تجري على أراضيها ولكن بالطبع، مُنِعَ الشعب السوريّ من هذا الحقّ في بلدانٍ كثيرة. وبالطبع، يُمكِن للمرء أن يفترِض على ضوء هذه التجربة في "بيروت" أنّ هذا القرار يُعزى إلى أنّ هذه البلدان كانت في الواقِع تخشى أن يتدفّق الناس للتصويت. ولو كانت الانتخابات غير مشروعة لتبيّن ذلك من عدمِ مجيء أحدِهم للتصويت، ولكن بالطبع لا يُمكن أن نعرِف ذلك الآن. "إبراهيم"، هلّ تُشارِك السيّدة "ليلى" رأيها في هذا الصدد؟ هلّ تعتبِر مثلي أن "بشّار الأسد" يحظى بشعبيّةٍ أكثر اليوم من شعبيّته منذ ثلاث سنوات وفي ذلك دلالة كبيرة على ما حصل من تطوّراتٍ في السنة الماضية؟

إبراهيم بيرَم(كاتب صحافي): بالتأكيد، تفضّلت الدكتورة وقالت بأنّه بعد ثلاث سنوات، إذا أسمينا الثورة في "سوريا" والانتفاضة "ثورة" وإذا اعتبرنا هذا المُصطلَح، هناك تغيير في المزاج السوري. هناك نظريّة طُرِحت في بداية الثورة في "سوريا" مفادها أنّ "سوريا" انقسمت إلى ثلاثة أثلاث، ثلثٌ مع المُعارضة، ثلث آخر ضدّ المُعارضة، وثلثٌ في الوسط ينتظِر رجحان أيّة كفّة ليبني على الشيء مُقتضاه وبالتالي يأخُذ موقفه. دعنا نفترِض بعيداً عن كلّ الجدال والسجال أنّ هذا الثِلث الذي كان ضائعاً وتائِهاً ولم يعرِف أين يستقرّ استقرّ الآن. ثلاث سنوات كانت كفيلة بتغيير كُلّ الصورة عن الثورة السوريّة في "سوريا". نحن أقرب ما نكون إلى "سوريا" كلبنانيين، كمُراقبين للوضع في "سوريا"، انقلبت الصورة رأساً على عقِب. ما كان يُدعى بالثوّار تبيّن أنّهم قُطّاع طُرُق. من كان ينشّد تغيير النظام كان يُريد فرض سُلطة سياسيّة جديدة ليست بأحسن من النظام، خصوصاً في المُعتَقَد الشمولي والمُعتَقَد التوتاليتاري. من كان يُريدُ أن يفرِض استقراراً وتقدّماً وازدهاراً لـ "سوريا" أرجعها عشرات السنين إلى الوراء. نعم، الأمر طبيعي بالنسبة للشعب السوري أن يقول: "أنني اكتويت وأنني ارتويتُ من الدماء التي سالت خلال هذه السنوات وأنني عُدتُ إلى رُشدي كما يقال، أو على الأقلّ أعدتُ النظر بما حصل ويحصُل وبالتالي توجّهتُ إلى صناديق الاقتراع لأُجدِّد الشرعيّة لهذا النظام الذي بقيَ صامداً . نحن لا نَمُنّ عليه إذا قُلنا أنّه بقيَ صامداً، بقيَ مُحاطاً ومُتماسكاً إلى حدٍّ بعيد على نحوٍ أذهل الكثيرين". أنا أعملُ في جريدةٍ في "بيروت"، في بداية الأحداث في "سوريا" قال لنا أحد المُراسلين الصحافيين في "واشنطن" بأنّ الإدارة الأميركيّة، بعد نحوِ ستّة أو سبعة أشهُر، بأنّ الإدارة الأميركيّة وبّخَت الحكومة التُركيّة أو المخابرات التُركيّة لأنّها قدّمت تقارير إلى الأميركيين تقول فيها : "إننا قادرون أو نحن مع المُعارضة لإسقاط النظام خلال أشهُر عشرة في أقصى حدّ". هذا الأمر اعتُبِرَ وكأنّه نوعٌ من "البَلْف" (الخدعة) إذا صحّ التعبير للأجهزة الأميركيّة والإدارة الأميركيّة التي ربّما قد تكون بَنَت عليه بصرفِ النّظر عن دقّة هذا الكلام أو عدم دقّته. الأكيد أنّ   هذا النظام صمد على مدى ثلاث سنوات وأظهر أنّ هناك كُتلة شعبيّة وازِنة ما زالت تحتضنه ويحتضنها واستطاع فعلاً أن يُثبِت بأنّ القادمين لتغييره ليسوا بصورةٍ أحسن من صورته وأنّهم يحملون أفكاراً عف عنها الزمن وبالتالي استطاع أن ينضوي ضمن محورٍ طويلٍ عريض بقيَ معه مُتماسكاً وبالتالي، ما حصل كان طبيعيّاً. صحيح، نحن في لبنان فوجِئنا بهذا الحشد الذاهب إلى السفارة وسواءً انتخب الرئيس "بشّار الأسد" أم لم ينتخبه، بمُجرّد أن توجّه إلى السفارة فمعنى ذلك أنّه يوافِق على هذا النظام، يوافق على سياسة ونهج هذا النظام. ما حصل في "بيروت" أمرٌ فعلاً يؤكّد أن هذه الثورة باتت في الأيام، أو في النصف الثاني من عُمرها إذا صحّ التعبير ولأنّها قاب قوسين أو أدنى من أن تنتهي. ليس صحيحاً أنّ ثمّة من أجبر هذه الناس، أو أنّ ثمّة من هدّدها. نحن نعرِف بأنّ هذا الأمر ليس طبيعياً في بلدٍ مثل "لبنان". بالتالي، ما حصل كان تعبيراً عن أنّ الناس تريدُ العودة إلى الوراء إذا صحّ التعبير، كلِمة واحِدة كنّا نسمعها من أفواه هؤلاء الذين توجّهوا إلى السفارة، "أعيدوا سوريا التي نعرِفها، أعيدوا لنا الاستقرار والأمان". نحن لا نُريد أن تعود "سوريا" كما كانت في الماضي، نحن نريد تحديثاً أكثر في "سوريا"، تطويراً أكثر لـ "سوريا" لكي لا تعود الأزمة مرّةً ثانية لتفعَل فعلها، لكن على الأقلّ هؤلاء يئِسوا من هذه الثورة ويئِسوا من شعاراتها ويئِسوا من إمكانيّة التغيير، فبالتالي عادوا ليعيدوا النظر في أحسن الأحوال بخياراتهم، برهاناتهم، وبالتالي ليقولوا بأنّنا سنعود إلى حضن هذا النظام

جورج غالاواي: شكراً، شكراً على هذا. اسمح لي الآن أن أنتقِل إلى ضيفنا من "ستوكهولم"، إلى السيّد "عبد الباسط سيدا" وهو عضوٌ أساسيّ في الائتلاف الوطنيّ السوريّ. سيّد "سيدا" أهلاً بك في البرنامج، هلّ تسمعني بشكلٍ جيّد؟

عبد الباسط سيدا: نعم، أسمعك، صوتك مسموعٌ                

جورج غالاواي: لستُ متأكّداً إن كنّا على تواصُل!

عبد الباسط سيدا: أسمعك والصوت مسموع

جورج غالاواي: سيّد "سيدا"، بالإنكليزيّة لدينا مقولة هي التالية، " فلنتأبّط بالسرير خشيةً من عتمة العراء". هلّ تعتبِر أنّ السوريين من دون أن يتأبّطوا بهذه الفُرصة خشيةً من أنواع المُعارضة التي رأوها على الأرض في الميدان في "سوريا" خشيةً من أن تصِلَ إلى السُلطة؟

عبد الباسط سيدا: مساءُ الخير، وتحيّاتي للجميع. طبعاً كُنتُ أعتقِد أنّ اللقاء سيكون

جورج غالاواي: لسوء الحظّ، ربّما فقدنا الاتّصال. سيّد "سيداً عفواً عن هذه المشاكِل التقنيّة، للأسف لا يُمكنني أن أفهم ما تقوله. كنتُ قد قُلتُ لك هذه الجملة بالإنكليزيّة، " أن نتأبّط بالسرير خشيةً من عتمة العراء" بمعنى أنّ الإنسان أحياناً ربّما لا يُحبُّ وضعه لكنّه يخشى ما قد تخفيه الأيّام. هلّ تعتبِر بناء على هذه العلامات الأولى التي رأيناها، علماً أنّ مُعظم عمليّات الاقتراع لم تتُمّ بعد، لكن هلّ تعتقِد أنّ هذا هو الوضع الحاصل؟ هذا هو الوضع الذي يسود بين السوريين؟ .. يبدو مما نشاهد أن هناك مشاكل تقنيّة، السيّد "سيدا" قادِرٌ على سماعي وهو يُجيبُ عن أسئِلتي لكن للأسف لا أتمكّن من سماعِ ردّه. هذا هو توصيفي للأمور سيّدة "ليلى"، كما قال السيّد "إبراهيم". لطالما رأينا أنّ مجموعة من الناس كانت تدعم بقوّة الحُكومة في "دمشق" ومجموعة أُخرى تُعارِض النظام. أمّا من كانوا في تلك المنطقة الرماديّة فيبدو أنّهم مالوا إلى الحُكم، ليس بالضرورة لأنّهم أحبّوا الحُكومة لكن بالطبع كرِهوا ما رأوه بين أوساط المُعارضة. لا أعني بالمعارضة، ربما تلك المُعارضة في "ستوكهولم" ولكن أتحدّثُ عن المُعارضة المُتمرِّسة ميدانياً في "سوريا"، مشاهِد الناس الذين يلتهمون أكباد السوريين ويقطعون رؤوسهم وأيديهم ويمدّون المدّ التكفيري والإرهاب التكفيري. كان ذلك كافياً أعتقد لإقناع السوريين الذين لم يكونوا قد وصلوا إلى موقفهم، هلّ توافقين؟

ليلى الرحباني: نعم بالطبع، ولكنني أقول أنّ الإحصاءات قد تكون ربّما في بداية الثورة السوريّة كما قال الاُستاذ "إبراهيم" مقسّمة إلى ثلاثة أثلاث، ولكن لا أتصوّر أن هناك الآن بعد ثلاث سنوات على الأزمة وبعد ما حصَلَ مع المُعارضة السوريّة فعلياً، خاصّةً المُعارضة التي حمِلَت السلاح والتي قالت " أننا نريد أن نقاتل بالعنف أو أن نرُدّ بعُنفٍ أو نُغيِّر في طريقة الثورة العُنفية"، لا أتصوّر أنه بقي هناك شيء من هذه الثورة. هناك المُعارضة الداخليّة والتي تقول تقريباً، "نحن نريد أن نُعارِض من ضمن هذا النظام ولا نُريد أن نُغيّره ولكن نحاوِل أن نُغيّره رويداً رويداً.، فهذا الجزء ما زال موجوداً وما زال قوياً وعلى العكس، أنا أعتقِد أنّ من كانوا مع المُعارضة السابقة قد انتقلوا إلى هذه المُعارضة الداخليّة التي تُريد أن تُغيِّر من ضمن النِّظام، ولكن إذا أردنا أن نتحدّث عن المُعارضة ككُلّ التي قامت بالثورة ، أنا لا أتصوّر أن هناك ما بقي من هذه المُعارضة. الجيش السوري الحُرّ قد تفكّك ومُعظمهم يعودون إلى كنف الجيش السوري والمصالحات تحصل أساساً مع هؤلاء، مع الجيش السوري الحُرّ ومع السوريين الذين امتشقوا السلاح ليُغيّروا وما بقيَ بمُعظمه، إذا لم نرِد أن نقول مئة في المئة ولكن بمعظمه 85 في المئة، ممّن بقوا هم إرهابيون. من يُقاتِل الآن بالفِعل هم الإرهابيّون، "النُصرة" و "داعش" وكلّ هذه المُسمّيات

إبراهيم بيرَم: المستوردون

ليلى الرحباني: المستوردون والمُرتزقة الذين أتوا من خارِج "سوريا" أو ما قيل سابقاً من أنّ هُناك خطّة لتجميع الإرهابيين في بؤرة واحِدة للقضاء عليهم يبدو أنها تحقّقت في "سوريا" وفي "ليبيا". نحن كنّا نسمعُ دائِماً أو كنّا نقرأ في كثيرٍ من مقالات الحرب على الإرهاب وتبدُّل الحرب على الإرهاب وخاصّةً في مراكِز التفكير الأميركيّة. في عام 2007 تحدّثوا كثيراً عن أنّه يجِب أن يكون هناك تجميعٌ للإرهابيين في منطقة واحدة، ثمّ نقوم بجعل الإسلام المُعتدِل يحتويهم في المُجتمعات ونقوم بجعل الإسلام المُعتدِل يُقاتل هؤلاء الإسلاميين التكفيريين

جورج غالاواي: "ليلى"، لو كانت هذه هي الخطّة، لهِيَ خطّةٌ مجنونة بالطبع. فهذه الخطّة قد أدّت إلى زيادة قوّة تلك المجموعات التي باتت متواجدة بعددٍ كبير في "سوريا" وفي "العِراق" والبعضُ منهم يتمّ إلقاء القبض عليه فيما يُحاول العودة إلى بلده الأساسي. يكادُ لا يمُرّ يومٌ في "بريطانيا" من دون أن نشهدَ على عملّية اعتقال أحدِهم في مطار "هيثرو" أو في مطارٍ آخر. لكننا ننتقِل الآن إلى "دمشق" لنتحدّث إلى السيّد "أُسامة" وهو محلّلٌ سياسي. "أُسامة"، هلّ تسمعُني بشكلٍ واضِح؟

أُسامة الدنوّرة: أسمعُك جيّداً سيّدي

جورج غالاواي: مُمتاز، الآن لو سمحت، قدِّم لنا صورة عامّة عن الأجواء في هذه الساعات القليلة الأخيرة قُبيلَ يوم الانتخابات. هلّ تعتقِد أنّ الانتخابات ستُفضي إلى مُشاركةٍ كبيرة، تكون مُشارَكة مُبهِرة بالنسبةِ إلى كلّ المُراقبين ما عدا المُراقبين المُنحازين حيال إرادة الشعب السوريّ؟

أُسامة الدنوّرة ( كاتِب ومحلّل سياسي): طبعاً أتوقّع هذا الأمر لأنّ التجربة التي رأيناها في "لبنان" تُشير إلى هذا المُعطى بالتحديد. في "لبنان" كما تفضّل الضيف الكريم في الاستديو معكم، ليس هناك من أجواء الضغوط النفسيّة أو الأمنيّة التي يُمكِن أن يُقال أنّها تُمارَس على قطاعات أو شرائِح من الشعب السوري، ومع ذلك توجّهت هذه المجاميع من اللاجئين السوريين في لبنان إلى صناديق الاقتراع في السفارة السوريّة وهذا بحدّ ذاته يعني أنّ هذه المجاميع من اللاجئين قد صوّتت لمصلحة الدولة السوريّة، استمرار الدولة السوريّة، استمرار الصيغة الحاليّة للعقد الاجتماعي بين الدولة والمُجتَمع، إيمان هذه الجموع من اللاجئين بمسيرة الإصلاح التي تقوم بها وتُشرِف عليها الحكومة السوريّة. إذاً، هذه المجموعات أو المجاميع من اللاجئين صوّتت لتحويل منحى الصراع إلى صِراعٍ غير عُنفي، صوّتت ضدّ استخدام السلاح في السياسة، صوّتت للخيار الذي رعته الحكومة السوريّة وهو محاولة إنجاز التحوّل الديمقراطي عبر احترام الصراع بين الفِئات المُختلِفة في صناديق الاقتراع. فإذاً، تحويل هذا الصراع من منحاه العُنفي العسكري الإرهابي إلى صناديق الاقتراع لإنتاج قوى سياسيّة تُمثِّل نفسها سواءً في مؤسسة الرئاسة أو في البرلمان وتتحول إلى حياة سياسيّة تحتوي الشيء الكثير من المفاهيم الديمقراطيّة المُتعارَف عليها، ولذلك نتوقّع كما تفضّلت، أن تكون هناك مُشاركة جيّدة. هذا التصويت سيكون تصويتاً للعلم ذي النجمتين، تصويتاً لاستمرار الدولة السوريّة بمعناها الحالي، تصويتاً لنبذ المشاريع الخارجيّة وهو أيضاً استفتاء على عدم الإيمان بقابليّة أو قُدرة أو أهليّة المُعارضة الموجودة في الخارِج على إدارة عمليّة سياسيّة مُقنعة أو إنجاز تحوُّل سياسي ديمقراطي مُقنِع. هو تصويت على عدم مصداقيّة هذه المجموعات وارتباطها بالخارِج وهو طبعاً شيء لا يُطمئِن المواطِن السوري العادي وأيضاً هو تصويتٌ على رفض، إن جاز التعبير، ثقافة "تورا بورا" ثقافة كهوف "تورا بورا" التي يُحاوِل البعض، وللأسف، من الوكلاء الإقليميين للنفوذ الغربي توزيعها في "سوريا" وتصديرها إلى سوريا من "باكستان" و"قندهار" وإلى ما ذلك. فإذاً، هناك إيمان مُتصاعِد لدى القاعدة الشعبيّة السوريّة بمفاهيم الاستقرار وديمومة الدولة واستمراريّة الدولة السوريّة وسيادة الدولة السوريّة، هذا السقف الذي يعني الاستقرار السياسي ويعني المُصالحة والقُدرة على العودة إلى عمليّة البناء وإصلاح ما دمّرته هذه الحرب في "سوريا"

جورج غالاواي: هلّ توجد أيّة تقديرات لحجمِ هذه المُشاركة بالنظرِ بالطبع إلى الصعوبات والتحدّيات الأمنية التي لا تزال قائِمة في مناطق عدّة من "سوريا"؟ برأيك، ما هي التقديرات المُحتَملة لهذه المُشاركة؟

أُسامة الدنوّرة: طبعاً، عندما نتحدّث عن المصاعِب الأمنيّة فهي موجودة حتماً ولربّما سيّحاول البعض مُفاقمة أو زيادة هذه المصاعِب في اليوم الانتخابي، ولكن علينا أن نذكُر جيّداً أنّ المناطق التي تقع تحت سيطرة المجموعات الإرهابيّة المُسلّحة باتت أشبه ما تكون بالخالية من سكّانها الأصليين إلاّ أولئِك الذي يشكّلون دعماً لوجستياً أو قاعدة اجتماعيّة لصيقة بالمسلّحين. أمّا مُعظم الباقي فهُم قد لجأوا إلى مناطِق داخِل سوريا. نحن نعلم أنّ النسبة العُظمى من اللاجئين هم نازحون إلى داخِل الأراضي السوريّة وإلى مناطق لا يوجد شكّ في كونها خاضعة تماماً لسيطرة الدولة السوريّة وبالتالي فهؤلاء سيُعبّرون عن رأيهم بشكلٍ حرّ وسينتخبون استقرار دولتهم واستقرار مُجتمعِهم وسيقترعون ضدّ مُحاولات فصل الوحدة الوطنيّة السوريّة وما رأيناه من محاولات الفِرقة الطائفيّة فقط. إذاً هُناك اليوم فشل وانسداد في أُفُق المشروع المُعارِض الذي عملياً الأطراف المُعارضة ليس لديها الحدّ الأدنى من الاتّفاق. هناك فقط اتّفاق على ما لا يريدون وليس هناك اتّفاق على ما يريدون. هناك خلاف واسِع في ما بين هذه المجموعات المُسلّحة والمُعارضة بأطيافها المُختلِفة حول مفهوم الدولة، حول حتّى حدود الدولة، حول المرجعيّة أو ما تُسمّها المجموعات المتشدّدة بـ" الحاكميّة" هلّ هي للنصّ المُقدّس أو للشعب. هناك أيضاً تخبّط في الأداء السياسي، هناك شكوكٌ كبيرة تحوم حول علاقة هذه الأطراف التي تعرِض نفسها كأطرافٍ مرسلة للديمقراطيّة في حين أنّها تتلقّى تمويلها وتعيش نفقاتها الكاملة على حساب دُوَل لا تمتّ للديمقراطيّة بصلة، دول تعود إلى ما قبل عصر الـ "ماغنا كارتا" إذا جاز التعبير مثل دول الخليج العربي

جورج غالاواي: لا نتحدّثُ عن أيّ نوعٍ من الديمقراطيّة ولا توجَد ديمقراطيّة مثاليّة. شكراً "أُسامة" وبعد الاستراحة سوف ننظُر في معنى هذه الانتخابات بالنسبة إلى مُستقبل سوريا وبالطبع أيُّ يومٍ انتخابيّ هو يومٌ هام ولكن بالطبع العمل الصعب يبدأ في اليوم التالي للانتخابات. تُشاهدون "كلمة حرّة" على قناة الميادين معي "جورج غالاواي" هنا في "بيروت"


المحور الثاني

ما هو مستقبل العلاقات السورية-الدولية؟

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين"، معكم مُباشرةً من "بيروت" في هذا الأُسبوع الاستثنائي في هذه المنطقة بالنسبةِ إلى العرب والعالم فهو أُسبوع الانتخابات. انضمّ إلينا كما عرِفتم خبيران معنا هنا في الاستديو هنا في "بيروت" واستمعنا كذلك إلى صوتِ ضيفنا من "دمشق"، والآن فلنُحاوِل أن ننتقل مُجدداً إلى "ستوكهولم" لنتحدّث إلى السيّد "عبد الباسِط سيدا" وهو عضوٌ أساسيّ في الائتلاف الوطنيّ السوريّ". سيّد "عبد الباسِط"، مجدداً أعتذِرُ كثيراً عن الصعوبات التقنيّة التي واجهناها للتوّ. أردتُ فعلاً أن أعرِف ما هو رأيُك حيال نظريّتي وهي التالية: نشهدُ على إشاراتٍ واضحة بأنّ المياه ستُحوِّلُ وجهتها وأنّ الرئيس "الأسد" سيفوزُ فوزاً ساحقاً، الأمواج بدأت تتبدّد وفي ذلك دلالة واضحة على المُعارضة السوريّة ودلالة واضحة على مكانة الرئيس "الأسد". هذه هي نظريّتي ولك حقّ النقد وشكراً لك على الانضمام إلينا، تفضّل

عبد الباسط سيدا: مساء الخير وتحيّاتي للجميع، حقيقةً كُنتُ أتوقّع حواراً متوازناً خاّصّةً وأنّ اللقب للمشاركين يتوزّع بين قانوني وبين مُحلِّل سياسي وغير ذلك. لكن ما سمعتُه أنّ هناك لُغة إيديولوجياً لغةٌ داعمة للنظام من دون التحقُّق من المسائِل واستخدام بعض المصطلحات التي يستخدمها النظام. بالنسبة لهذه الانتخابات، هذه الانتخابات لا قيمة لها من جانِب المُعارضة لأننا نعلم جميعاً بأنّه كان هناك مشروعٌ مطروحٌ على مجلِس الأمن، وهذا المشروع كانت وراءه ستّون دولةً وكانت تقوده "سويسرا" وليس الولايات المتّحدة و"فرنسا" و"بريطانيا" وهذا المشروع كان يُطالِب بتحويل ملفّ الجرائِم في "سوريا" إلى محكمة الجنايات الدوليّة لكن الفيتو المُزدوِج من جانِب "روسيا" و"الصين" هو الذي حال دون ذلك، وإلى جانِب ذلك هناك أكثر من مئة مُنظّمة دوليّة مُتخصّصة في القضايا الإنسانيّة وقضايا حقوق الإنسان والجرائِم ضدّ الإنسانيّة. أيضاً كانت مُناصرة لإحالة هذا الملفّ الى محكمة الجنايات الدُوليّة وأعتقد أنّ السيّد "جورج" يُدرِك تماماً معنى أن تكون هناك مئة مُنظّمة دوليّة وستون دولة وفقط "روسيا" هي التي استخدَمَت الفيتو، لذلك نحن إذا أتينا إلى هذه الانتخابات وكأنّها هي التي ستُغيِّر المجرى العام، فهذه الحقيقة لا تتطابق مع الوقائِع. ما يجري في "سوريا" هو ثورة مُستمِرّة منذُ ثلاث سنوات أو أكثر، هناك جرائِم مُستمِرّة في "سوريا" ارتكبها النظام وهُناك أسلِحة كيميائيّة استُخدِمت ضدّ الناس في ريف "دمشق" وفي أكثر من منطقة وإلى جانِب ذلك هُناك قصف جوّي مُستمِرّ للمُدن والبلدات السوريّة وهناك صواريخ بالستية استُخدِمت، كلّ هذه الجرائِم "بشّار الأسد" بالذات هو المسؤول عنها وذلك بناءً على المواقِع التي يُشرِف عليها فهو رئيس الدولة والقائِد العام للجيش والقوّات المُسلّحة وهو مسؤول "حزب البعث" ومسؤول الأمن. كلّ هذه المسائِل لا تُحرّره من المسؤوليّة ... "بشّار الأسد" هو على سُدّة الحُكم منذ أكثر من 14 عاماً. طبعاً وعد بإصلاحات لم تُنفّذ وهذه الثورة منذ البداية يقولون بأن هناك مجموعة من الإرهابيين في حين أنّ التظاهرات كانت سلميّة في الأشهُر الأولى المُشاركون في التظاهرات كانوا من طلبة الجامعات، من الأكاديميين، من المُثقّفين، من جميع المُكوِّنات ولكن النظام كان يُريد أن يُحوِّل المسألة إلى إرهابيين ومتطرّفين وإلى غيرِ ذلك إلى أنّ تمكّن من عقدِ صفقة مع "داعِش" و"جبهة النصرة" بالتعاوُن مع النظام الإيراني ومع "المالكي". هذه مسائِل واضحة بالنسبة.. بالنسبة للمُختصّ المُتابِع. أمّا إذا أتينا إلى الأمور وحلّلناها من مُنطلق إرهابي ومن منطَلق ادّعائي فأعتقِد أننا لن نصِل إلى حلّ، لذلك لا بُدّ أن نفكِّر في المسائِل بعقليّةٍ موضوعيّة، عليك أن تنظُر إلى المُشكلة وأن تُحاوِل أن تُعالِج هذه المُشكلة. أمّا هذه الانتخابات فأتت كالتصعيد من جانِب النظام وكأنّه يُريد أن يفرِض حلاً على السوريين لكن المسألة لنّ تُحلّ هكذا وستستمرّ الأزمة في البلد وسيستمرّ القتال. المُجتَمع الدولي سلبيّ بطبيعته، لا نُذيعُ سرّاً إذا قُلنا ذلك. لو حصلت المُعارضة وليست المعارضة الخارجيّة، المُعارضة الأساسيّة وهي تُقاتِل في "حلب" وتُقاتل في ريف "دمشق" وتُقاتِل في "دير الزور" وتُقاتِل في جنوب "سوريا"، كلّ هذه القوى موجودة على الأرض وهناك مجالِس إدارة محليّة تُدير المناطِق المُحرّرة داخل البلد. هناك قيادات هي التي كانت في السجن وخَرَجت أثناء الثورة مثل "ميشال كيلو" و"جورج صبرا" و"سمير نشّار" وكلّ هذه الأسماء معروفة، ونحن بالنسبة لضيفِكم من "دمشق" الذي يقول أنّ المُعارضة ترفُض وليس لديها برنامج، كان لدينا مؤتمر في صيفِ عام 2012 في "القاهرة" حيثُ اجتمعت كلّ أطياف المُعارضة وحتّى المُعارضة الداخليّة أتت من "دمشق" بما في ذلك الأُستاذ "حسن عبد العظيم" وقد التقيته شخصياً مع الوفد الذي كان قادماً من "دمشق" وتداولنا في كلّ المسائِل، وفي هذا المؤتمر توصّلنا إلى عهدٍ وطنيّ يُمثِّل ملامح سوريا القادِمة (...) كما يُطمئِن سائِر المُكوّنات. إلى جانِب ذلك توافقنا على وثيقة المرحلة الانتقاليّة وهناك وثائِق كثيرة للمُعارضة لكن أن ننطلق من جانب النظام ونلجأ إلى منطق الأرقام فهذا معناه أننا لن نصل إلى نتيجة          

جورج غالاواي: سيّد "سيدا"، بالطبع يُمكنني أن أُخصّص ما تبقّى من فترة البرنامج للتركيز على ما أثرتُهُ من نقاط ولكن اسمح لي أنّ أُركِّز على نُقطةٍ مُعيّنة لا أعتقد أنّك أجبتَ عنها. لقد تحدّثتَ باستفاضةٍ حول المُنظّمات الدولية، حول الأُسرة الدوليّة لكن بالطبع بيتُ القصيد هنا هو أنّ العلامات الحاليّة تُبيّنُ أنّ الشعب السوري سيتوجّه بأعدادٍ كبيرة للاقتراع وأنّ الرئيس "يشّار الأسد" سيفوزُ فوزاً مُستَحَقّاً كبيراً. وبالتالي، ما مِن ضرورة للحصولِ على دعمِ الأُسرة الدوليّة بالنسبة إلى هذه المُعارضة، إن كانت هذه المُعارضة تلقى دعم الشّعب السوريّ على ضوء هذه الانتخابات. هلّ تقبلون هذه النظريّة؟ أنّ الأمواج ستتبدّل وأنّ الرئيس "بشّار الأسد" سيفوزُ فوزاً كبيراً؟

عبد الباسط سيدا: الأمواج لنّ تتبدّل، لنّ تتبدّل. هذه الانتخابات تجري ونصف الشعب السوري نازِح ومُهجّر ومُشرّد. لدينا مئتا ألف شهيدٍ الآن ومِئات الألوف من المُعتقلين والمفقودين والمُعاقين. هذه المسائِل لا بدّ أن تؤخَذ بعين الاعتبار، وهذه الانتخابات لا يُمكِن أن تتمّ في ظروفٍ طبيعيّة. "بشّار الأسد" يُحاوِل أنّ يُبيِّن بأنّ الأمور عاديّة وبأنّ الانتخابات قد جَرَت وبأنّ النتيجة قد ظهَرَت، ونحنُ نعلَم كيف كانت تظهر النتائِج السابقة لاستفتاءات "بشّار الأسد"، بنسبة 99،99 في المئة، لذلك نحن لا نُفاجأ بهكذا تخريجات لكنّها لا تعني شيئاً. أقول أنّ "بشّار الأسد" ليس مؤهّلاً لأن يكونَ مُرشّحاً لهذا الموقِع لأنّه مسؤولٌ عن كلّ ما جرى ويجري في البلد وبالتالي لا بدَّ أن يُحوّل ملفّه إلى محكمة الجنايات الدُوليّة، لكن الحليف الروسي والإيراني يُحاوِل أن يصِل إلى شيء، لكن في نهاية المطاف أقول جازماً، ستكون الانتخابات غداً ونعلم بأنّ "بشّار الأسد" سيُعيّن رئيساً لمرحلةٍ قادِمة. هلّ تمكّنّا من حلّ المسألة؟ هلّ سيتوقّف القتال في "سوريا"، هلّ الثورة ستتوقّف في "سوريا"؟ الأمور ستستمِرّ وبالتالي هذا معناه بأنّهُ يُريد أن يُنهي هذا الوضع أو يُعطي انطباعاً بأنّه انتصر، لكن هذا الانتصار زائِف لأنّ الأمور في نهاية المطاف سيُحدّدها الشعب السوري، والشعب السوري حينما يُقرِّر ويُقدِّم كلّ هذه التضحيات في سبيل حريّته وكرامته لن يقبل هذا الشعب أن يستمرّ "بشّار الأسد" في حكمه لأنّه في بسيط العبارة غير مؤهّل

جورج غالاواي: لقد توقّعت تقهقُر مكانة الرئيس "بشّار الأسد" منذُ فترةٍ من الوقت، وحكوماتٍ عدّة مثل الحكومة التُركيّة وحكومات دُوَل أُخرى كانت تعتبر أنّ ذلك سيحصُل في غضونِ أسابيع ولكن ربّما الأمر عاد واضحاً الآن عشيّة الانتخابات، وربّما هو أقلّ احتمالاً من السابِق ألا تعتقِدُ ذلك؟

عبد الباسط سيدا: توقّعنا في حوارٍ جرى بيني وبين السيّد "بوغدانوف" قبل مدّة وقال لي نفس السؤال، قال لي :"كُنتُم تتوقّعون سقوط السلطة في أشهُر" وقُلنا: "النظام كان سيتهاوى لولا دعمكُم ودعم النظام الإيراني ولولا وجوده ووجود "حزب الله" و"أبو الفضل العبّاس" والقوّات الإيرانيّة". هذه مسائِل مكشوفة في حين أنّنا نحن الذين نُتّهم بأننا نحصَل على كلّ شيء من الغرب. حتّى الآن، لم نحصل على الوسائِل التي تُمكننا من مواجهة الطائِرات التي تقصِف كلّ يوم "حلب" وغيرها بالبراميل لسبب أساسيّ، أنّ هناك قرارا سياسيا يقضي بمنع إدخال هذا السلاح. لو حصلنا على جزء يسير من المُساعدات التي يحصل عليها النظام لكان هذا النظام قد سقط مُنذُ أمدٍ بعيد. على كلّ حال، لندع هذه المُماحكة جانباً ونقول، لا بدّ أن نبحث عن حلّ لإنقاذ البلد لأنّ سوريا تُدمَّر على الصعيد العُمراني، على الصعيد المُجتمعي، وبالتالي حتّى نستطيع أنّ نُعيد إلى البلد شيئاً مما فقده وبالتالي نُخطِّط لمُستقبلٍ يليق بـ "سوريا" وبأجيالها القادِمة أقول أن الأُمور لا تُعالجُ هكذا، لا بدّ من التفاهُم، ومن الواضِح أنّ السبب الذي أوصل البلاد إلى هذه الحال لا يُمكِن أن يكون جزءاً من هذا القرار

جورج غالاواي: في الواقِع، لو كان ذلك مُمكناً ربّما لتبدّلت كلّ الأمور. لو حصلت بعض التطوّرات لآلت الأمور إلى غيرِ ما هي عليه الآن لكن بالطبع، بالنسبةِ إلى انتخابات الغدّ، النتيجة واحدة. لا بدّ للنظام وللمعارضة من ان يتيقّنا أنّه بغضّ النظر عن الأسباب، ما حصل قد أفضى إلى تدمير أجزاءٍ كبيرة من "سوريا" وبالتالي، سؤلي الأخير إليك أستاذ هو: "هلّ يُمكِن أن نحصُل على تفاوضٍ بين الحكومة في "دمشق" وبين المُعارضة السورية؟ بالطبع لن أشهد على أية مُفاوضات مع "القاعدة"، مع مُشتقّات "القاعدة" أو مع مُشتقّات مشتقّات "القاعدة" لكن أتحدّث عن تفاوضٍ بين رجالات سوريّا مثلك ومِثل الرئيس الذي سيُنتَخب غداً، أليس ذلك مُمكناً؟                 

عبد الباسط سيدا: نحن لم نُقفِل باب التفاوض ومن أجل ذلك توجّهنا إلى "جنيف". أنا أقول بأنّ الأزمة يجب أن تُعالَج مُعالجة سياسيّة لأنّ طبيعة "سوريا" وتعدّد الطوائِف والمذاهِب والقوميّات في "سوريا" هي بحيث لا يُمكِن أن تُعالَج المسائِل عسكرياً لصالِح هذا الطرف أو ذاك، لذلك لا بدّ أن نبحث عن حلٍ سياسي لكن الحلّ السياسي لا بدّ أن يكونَ حلا واقعيّا يرتقي إلى مستوى التضحيات والتطلّعات السوريّة. نقول أنّ هذه المجموعة، هذه الزُمرة  اللا مرئية التي تقود البلد منذ عقود هي زُمرة مُستمِرّة منذ أياّم "الأسد" الأبّ وعدت بالإصلاحات. "بشّار الأسد حينما أتى إلى الحُكُم وعد بالإصلاحات وأنا شخصياً لم أُصدِّق هذه الوعود لكن الزُملاء تلقّفوا هذه الوعود وساروا مع هذه الوعود لكن ماذا كانت الحصيلة؟ لم يُنفِّذ شيئاً بل على العكس من ذلك، أقفل المُنتديات وقضى على "ربيع دمشق". في بداية هذه الثورة وفي مؤتمر من مؤتمرات المُعارضة أنا شخصيّاً في كلِمتي قُلت: "لا بدّ أن تكون هناك هيئة إصلاحيّة تقوم بإجراء إصلاحات"، كنّا نُطالب بالإصلاحات واقترَحت من باب الـطمأنة، طمأنة المُكوِّن "العلوي" تحديداً، أن يكون على رأس هذه الهيئة "بشّار الأسد" شخصياً شرط أن يُعبِر عن الرغبة والقُدرة على قيادة الإصلاح، أو حتّى اقترحت اسم الدكتور "عارِف دليلة"، لكِن ماذا حصل؟ "بشّار الأسد" تابَعَ إصدار الأوامِر بقتل السوريين في "درعا" ومن ثمّ انتقل إلى "دمشق" و"حمص" و"حلب" ، وهكذا استمرّت العمليّة إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه . الآن نقول، الشخص ارتكب كلّ هذه الجرائِم وأنت في "أوروبا" وتعيش وتعلم بأنّ رئيس وزراء "بريطانيا" تسبّب بقتل طفل واحد بريء هل كان سيكون الأصلح ليكون رئيساً؟ هنا في "السويد" وزيرة الثقافة في دورةٍ من الدورات لم تكُن قد دفعَت نفقات التلفزيون فأُعفِيَت من منصِبها. لذلك، بعد كلّ هذه الجرائِم و" بشّار الأسد" هو مسؤول حتّى ولو لمّ يرتكِب الجريمة بنفسه فإنّ المواقِع التي يحتلّها تُلزِمه بتحمّل هذه المسؤولية وبالتالي لا يُمكن أن يكون جزءاً من الحلّ القادِم لكن خارِج إطار هذه الدائرة كسوريين نستطيع أن نتفاهم، نستطيع أن نتحاور وبالتالي نستطيع أن نصِل إلى القواسِم المُشتركة لأنّ البلد في نهاية المطاف هو بلدٌ للجميع وبالتالي الدولة السوريّة القادِمة ستُبنى بالجميع، من هم الآن في الحُكم سواءً في "حزب البعث" أو الأجهزة الأمنيّة وغيرها، ودائماً نقول نحن لن نُكرِّر أخطاء التجربة العراقيّة لكن هذه الرؤيا الانفتاحيّة تستوجِب وجود طرف قادِر يُبادِلُك الرأي حتّى نستطيع أن نصل إلى القواسِم المُشتركة

جورج غالاواي: سيّد سيدا، إنّ الحكومة البريطانيّة تقتُل الأطفال الأبرياء منذ مئات السنين وذلك حتّى بشكلٍ أساسيّ في هذه المنطقة وتقولُ دوماً أنّها ترفُض التفاوُض مع هذا أو ذاك لكنّها في نهاية اليوم ينتهي بها المطاف إلى أن تتفاوض مع هذه الأطراف ونرى هذه الأطراف تتناول وتشرب الشاي مع الملِكة في قصر "باكنغهام". لا يختارُ المرء من يتفاوض معه، لا بدّ لنا من أن نتفاوض مع الجِهة الأُخرى الموجودة معنا في الحيِّز نفسه. أنا لو كُنتُ أريد أن أتوخّى التفاؤل سأفهمُ مما قلته أنّ الباب لا يزال مفتوحاً وبعد انتخابات الغد لا يزالُ من المُمكن عودة الطرفين واستئناف الحوار الإيجابيّ. هلّ أنا مُستفيضٌ في التفاؤل هنا؟

عبد الباسط سيدا:  التفاوض دائماً مطلوب، التفاوض دائماً مطلوب ولا بدّ دائماً من البحث عن الحلول في سبيل أن نصِل إلى القواسِم المُشترَكة. لكن في الوقتِ ذاته لا بدّ أن نكون واقعيين ولا يحثّنا التفاؤل إلى الجهة الأُخرى الرومانسيّة، نقول أنّ هذه الانتخابات ستعقِّد الوضع أكثر وأنّ حُلفاء النظام وخاصةً القسم الإيراني، فإيران في هذه الحال هي التي تتحكّم في مفاصِل القرار السوري وهذه مسألة واضحة للقاصي والداني وبالتالي هناك مُساومات وصفقات بمعنى أنّ هذه الانتخابات ستكون جزءا من الصفقة الإجماليّة التي يُبحث عن توافقاتٍ عليها. نقول أنه في نهاية المطاف، لا بدّ أن تكون هناك مُفاوضات جديّة بين السوريين لأنّ المُستقبل في نهاية المطاف هو مُستقبَل "سوريا" ومُستقبل الشعب السوري في كلّ مكوّناته وتوجّهاته وجهاته

جورج غالاواي: إسمح لي أن أحصل على مداخلتين هنا من ضيفينا في الاستديو، لو سمحت سيّد "عبد الباسط" إبقَ معنا. "إبراهيم"، ما هو ردُّكَ على ما سمعناه من "ستوكهولم"؟

إبراهيم بيرَم: لاحظتُ أنّ كلام السيّد "سيدا" ما زال وكأننا في بداية الأحداث في "سوريا". هذه النغمة وهذا الكلام وهذا الخطاب السياسي مع احترامنا الجزيل له، ليس فيه تقدّماً جديداً. يتحدّث وكأنّ الثورة اندلعت بالأمس إذا صحّ التعبير. يتحدّث وكأنّ مُعارضته هو كمُعارِض أو كجزء من المُعارضة ما زالت فاعِلة في الشارِع السوري. نحن نُدرِك تماماً بأنّ الذين يمسكون أو يقاتلون إلى آخره هم مجموعات أُخرى لم تذهب إلى "جنيف"، ترفُض الاعتراف بالنظام، ترفُض المُحاورة مع النظام، ما زال يتحدّث بنفس اللغة ويقول بأنّ النِظام يقتُل علماً أننا لا نُريد أن ندخُل في هذا الجَدَل وعلماً أنّ المعارضة تقتُل، تقتُل نفسها وتقتُل الآخرين في المُعارضة. يتحدّث عن البراميل، هناك ما يُسمّى في "سوريا بـ "مدفع جهنّم" تستخدمه المُعارضة لقتل الناس في "حلب" على سبيل المثال. بالأمس وأعني منذ يومين أو ثلاثة سقط أكثر من ثلاثين قتيلاً في أحياء "حلب". هذه اللغة على ما أعتقِد لا تقود إلى حلّ، هذه اللغة تقول لنا بكلّ صراحة وكلّ بساطة بأنّ ثمّة فريقا ما زال يتعامل مع الواقِع وكأنّ شيئاً لم يحدُث خلال الثلاث سنوات الماضية. وكأننا لم نُشاهِد منظر السفارة السوريّة في "بيروت" بأُمّ العين، وكأنّ أيضاً منظر السفارة السوريّة في "عمّان"، هذا الدفق أيضاً لا يُنبئ بشيء؛ لا، حصلت تطوّرات كثيرة. نحن استبشرنا خيراً بأنّ ثمّة فُرقاء أو على الأقلّ أطراف أو قيادات في المُعارضة تُعيد النظر في حساباتها، تُعيد النظر في خطواتها وفي نهجها على أساس أنّ هذا يفتحُ باب الحلّ. رأينا النظام أقرب بمعنى أنّ النظام يُجري مُصالحات، النظام يتسامح مع فِئات كانت تُقاتله حتّى الأمس القريب. النظام يسعى فعلاً ، وأنا لا أقوم بـ "بروباغندا" للنظام،  لكن النظام يبدو وكأنّه يُريدُ فعلاً القيام بخطوات لإنهاء الأزمة سريعاً بينما الذي لا يزالُ يرفُض وما زالَ يُعارِض ويُمانِع هم المُعارَضة أنفسهم الذين ثاروا تحت عنوان "الرغبة في الإصلاح والرغبة في التغيير". أنا أعتقد أنّ هناك فُرصة كبيرة للعودة مُجدّداً إلى ساحة الحوار كما تفضّلتُ حضرتك وكما حصل وتحدّث أيضاً الأُستاذ "سيدا". الحوار مثل "رقصة التانغو" تحتاج إلى طرفين. الطرف الأساسي الموجود الذي ما زال يُمثّل شيئاً كبيراً في الشارِع هو النظام. الشعب الآن يريد أن يُبايِع النظام بشكلٍ أو بآخر، أو قسم كبير من الشعب سيُبايع الرئيس السوري وبالتالي هذا هو الذي يُمكِن أن نتحاور معه لكي نُقصِّر أمد الأزمة في "سوريا" ونُخرِج "سوريا" من مأزقها الرهيب. أمّا إذا بقينا على نفس الكلام بمعنى ترداد نفس المنطِق فأنا أعتقد أنّ هذا كلامٌ عدميّ ولا يُفيد. علينا أن نخترِع فعلاً، أن نبتكِر أنّ نجترِح لُغة أُخرى تُعيد وصل ما انقطع وبالتالي تُبيِّن لنا بأنّ الجميع راغِب في الذهاب نحو حلٍّ وتسوية لهذا الوضع المأساوي الذي نأسف له نحن في "لبنان" أكثر من سوانا لأننا نعرِف "سوريا" ونعرِف علاقتنا بـ "سوريا" ونعرِف ثقل الأزمة في "سوريا" على الوضع في "لبنان"

جورج غالاواي: "أُسامة" في "دمشق"، بناءً على ما سمِعته على لسان السيّد "عبد الباسط سيدا"، أودُّ أن أعودَ لأسمع رأيك ما إن عاودنا الاتّصال بك. "ليلى"، هلّ تُشاطرين السيّد "إبراهيم" رأيه؟

ليلى الرحباني: أنا عندي أكثر من نقطة، إذا كنت سأجيبك باختصار سأجيبك على نقطة واحدة. أنا عندي نقطتان أريد أن أُجيب بهما على الأستاذ "سيدا". النُقطة الأولى هي "جبهة النُصرة" والنُقطة التي تحتاج إلى شرح هي المحكمة الجنائيّة الدُوليّة. فإذا كان ردّي سيكون باختصار سأتكلّم فقط عن "جبهة النُصرة" لأنّه اتّهمنا بأننا نُمارِس الـ "بروباغندا" أو أننا نُمارِس "إيديولوجيا". نحن مُراقبون، سواء أنا أو الأُستاذ "إبراهيم"، نحنُ نُراقِب، نحنُ نطّلِع على الأحداث. أنا كمُراقِب قرأت عندما اجتَمَع الأُستاذ "سيدا" وكلّ أصدقاء "سوريا" هؤلاء في "تونِس" عام 2011، وكانت الولايات المُتّحدة الأميركيّة قد أدرجَت "جبهة النُصرة" على لائِحة الإرهاب ، فـ "معاذ الخطيب" رفض ذلك وأتصوّر إن لم أكُن مخطئة أنّ الأُستاذ "سيدا" نفسه هو من قال: " الولايات المتّحدة الأميركيّة مقولاتُها ليست مُنزَلة وهي ليست قرآنا ونحن نرفُض أن تقوم الولايات المتّحدة بـ "إدراج جبهة النُصرة" على لائِحة الإرهاب فـ "جبهة النُصرة" هي جزء من الثورة السوريّة ونحن نتمسّك بها". فأن يقول الآن أنّ النظام هو من تحالَفَ مع "النُصرة" و "داعِش" لكيّ يُشوِّه الثورة فأنا أتصوّر أنّه هو الذي يُمارِس الـ "بروباغندا" ولسنا نحن. أمّا بخصوص المحكمة الجنائيّة الدوليّة فإذا كنت تريد أن تتواصل مع "دمشق" فلنترُك الموضوع إلى وقتٍ لاحِق

جورج غالاواي: سنعود مباشرةً بعد هذه الاستراحة


المحور الثالث

هل يستمر مسار المصالحات والتسويات؟

جورج غالاواي: أنتُم تشاهدون برنامج "كلمة حرّة" على  قناة" الميادين" مُباشرةً من "بيروت" في هذا الأُسبوع الاستثنائيّ الذي يُتوقّع أن يُفضِيَ إلى انتخاب رئيسٍ في "دمشق" ولكن بالطبع لن يُفضيَ إلى نهاية الأزمة. هذا ما سمِعناه من السيّد "عبد الباسِط سيدا" العضو الأساسي في "الائتلاف الوطنيّ السوريّ" وهو معنا من "ستوكهولم" وينضمّ إلينا في هذه الأُمسية. سيّد "عبد الباسِط" من باب تلخيص آراء ضيفينا هُنا في الاستديو يبدو أنّه لا يُمكِنُ أن يُناقِض المرء نفسه، فقد قُلتَ أنت أنّ "جبهة النُصرة" هي جزءٌ من الثورة السوريّة لكن يبدو أنّك تُريدُ أن تقول أنّها باتت مخلوقات من أيدي النظام وتتحدّث الآن وكأنّ السنوات الثلاث الماضية لم تحدُث وكأنّ المُعارضة تفوزُ بالحرب وأنّ أحداً لم يتدفّق للاقتراع في السفارة. ما ردُّكَ سيِّدي؟

عبد الباسط سيدا: أولاً، بالنسبة لـ "جبهة النُصرة"، أنا لم أصرِّح مُطلقاً بأنّ "جبهة النصرة" هي جزءٌ من الثورة السوريّة فأنا من المؤمنين بالمشروع الوطني السّوري المدني الديمقراطي التعدّدي الذي يُطمئن سائر المكوّنات. كانت هناك تصريحات لبعض الأخوة، الشيخ "مُعاز الخطيب"، تحديداً لكن نحن انتقدنا هذه التصريحات في اجتماعاتنا الداخليّة واليوم نقودُ حرباً مع "داعِش" في الكثير من المناطق وهذه مسائِل باتت واضحة للجميع. نحن، خاصّةً في "المجلس الوطني السوري" الذي أُمثّله في الائتلاف، نحن نؤمِن بالمشروع الوطني السوري المدني، وهنا نُشدِّد على هذه الصِفة. نحن لا نتوجّه نحو الدولة الدينيّة وإنما الدولة المدنيّة التي تحترِم خصوصيات الجميع وحقوق الجميع وتُطمئِن الجميع وتُبيّن بأنّ "سوريا" القادمة ستكون للجميع. نعم هناك انحرافات في السلطة وهذا النظام، أنا شخصيّاً التقيت مع مُعظم السياسيين العراقيين الذين أكّدوا لنا بالإثباتات أنّ تسعين في المئة من التفجيرات كانت تأتيهم من "سوريا" ومِن "إيران"، حتّى أنّ "المالكي" في وقتٍ ما اتّهم النظام السوري صراحةً بأنّه سبب التفجيرات ولديه خِبرة في التعامُل مع هكذا جماعات وهناك دلائِل ووثائِق في هذا المجال. لذلك، لِنَدَع هذه الورقة جانباً. أمّا بالنسبة لمسألة أننا لم نُغيِّر شيئاً، نحن منذ البداية قلنا بأننا مع الحلّ السياسي والوضع في "سوريا" لا يُمكِن أن يُعالَج سوى مُعالجة سياسيّة. هذه الانتخابات تُذكِّرنا إلى حدٍ بعيد بتلك الانتخابات التي أعلن نتيجتها النظام العراقي قبل سقوطه، النتيجة كانت مئة في المئة. النظام السوري بطبيعته كان يتشدّق بالاستقرار ونجن دائماً كنّا نقول بأنّ هذا الاستقرار هو استقرار أمني وليس استقراراً اجتماعياً اقتصادياً وهذا ما تبيّن في بداية "الربيع العربي"، هذا النظام كان يقول، " ما حدث في مصر وما حدث في ليبيا لن يحدُث في سوريا" ولكنّ ذلك حصل والحرب لم تُحسَم بعد والمعارِك ما زالت مُستمِرّة والشعب السوري في كِفاحٍ مُستمِرّ ضدّ هذا النظام. طبعاً هُناك صعوبات، هذه الصعوبات التي نمُرّ بها نتيجة سلبيّة المُجتَمع الدولي ونحن منذ عامين كنّا نقول لـ "مجموعة أصدقاء سوريا " بأنّ الأُمور إذا استمرّت هكذا في "سوريا" بوحشيّة من جانِب النظام وسلبيّة من جانِب المُجتمع الدولي

جورج غالاواي: سيّد "عبد الباسِط"، عّدنا إلى ما قلته أنا بأنّ الأمور تتحوّل وتتغيّر ويجب أن نتعاطى مع الوقائِع على حالِها، فلنُحاوِلً أنّ نُباشِر بحوارٍ فعّال هنا في "كلمة حرّة". معنا عبر الهاتِف من "دمشق" "أُسامة"، فلنرى ما هو ردّه على ما قلته. "أُسامة"، هلّ تسمعُني؟

أُسامة الدنوّرة: أسمعُك جيّداً سيّدي                                  

جورج غالاواي: رجاءً، ما هو ردُّك لو سمحت على ما قاله السيّد "عبد الباسط سيدا"؟

أُسامة الدنوّرة: للأسف، نُلاحِظ نفس الخطاب الشعبي الديماغوجي السابق الذي يعتمِد على تهييج الشارِع بمُفردات باتت مُستهلكة ، يعتمد على الحديث عن مفاهيم مُطلقة، بعيدا للأسف عن الواقعيّة السياسيّة، بعيدا عمّا يحدُث في حقيقة الشارِع السّوري. حديث السيّد "سيدا" عن الدولة المدنيّة يعوزه الكثير من التوضيح، كيف هي علاقتهم مع "الإخوان المُسلمين" ؟ ما هو برنامج "الإخوان المُسلمين"؟ ما الذي يضمن ألا يسعى أو يذهب "الإخوان المُسلمين" في حال دخولِهم كشُركاء في السُلطة إلى دولةٍ ثيوقراطيّة؟ طبعاً، السيّد "سيدا" وكما هو مُتوقَّع يرفُض الانتخابات تحت سيطرة وتحت سُلطة الدولة السوريّة ولكنّه لربّما يُرحِّب بها أو يعتبِرها جيّدة وشرعيّة كما حصلت في "أفغانستان" تحت الاحتلال الأميركي وهو الذي كان مسؤولاً عن سياقٍ عام وكان يدعو الاحتلال إلى بلاده ويطلُب من القوى الغربيّة التي الآن يُنكرها، كان يطلُب توجيه ضربةٍ إلى بلاده، ضربة صاروخيّة أو لربّما إرسال قوّات "الناتو" أو إنشاء مناطِق حامية ومناطِق عزِل آمنة كما يُقال بهدف استجرار التدخّل الغربي كما حدث في النموذج الليبي. بمعنى، يُمكنك أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ولكن لا يُمكنك أن تخدَع جميع الناس طوال الوقت. مثل هذا الخطاب أصبحَ للأسف مكشوفاً من الشارِع السوري. نحن في هذه الانتخابات لدينا، ليس من المقبول أن يقول أنّ هناك طرفا من جميع دُوَل العالم، نحن لدينا رقابة من أكثر من نصف دُوَل العالم. أكبر ديمقراطيّة في العالم هي "الهند"، "الصين"، "روسيا"، دول الـ "بركس" وكلّ هذه الدول موجودة، أمّا بالنسبة للغرب فليسمح لي هذا الغرب الذي هو انتقده قبل قليل بعدم التسليح، هذا الغرب فقَد مصداقيّته في ما يتعلّق باللجان الدوليّة وفي موضوع العراق، فقد مصداقيّته عندما كانت هذه اللجان التي دخل فيها أو أثّر فيها على اللجان الأُمميّة شهِدت بما مهّدَ لضربة "العِراق" وتراجع الأميركيّون أنفُسهم عن روايتهم بوجود الكيميائي واعترفوا بتلفيق الدلائِل على وجود الكيميائي. هذا الغرب مُذنب بـ "الدارونيّة Darwinism الاجتماعيّة"، مُذنِب بالنظرة الشوفينيّة Chauvinism  الأصوليّة. عندما يُعطّش ثلاثة ملايين إنسان في "حلب" 

جورج غالاواي: "أُسامة"، فلننظر فليلاً إلى الأمام ، "أُسامة" لو سمحت

أُسامة الدنوّرة: لو سمحت لي سيّدي،  ثلاثة ملايين إنسان يُعطّش في "حلب" ويعانون أكبر قضيّة تعطيش في التاريخ في "حلب" ولا يقول السيّد "سيدا" أنّ هذه جريمة. تفضّل سيّدي

جورج غالاواي: "أُسامة"، فلننظُر إلى الغدّ أو أقلّه إلى اليوم الذي سيلي يوم الغدّ. الانتخابات هامّة لكن ما يحدُث بعد الانتخابات هو أهمّ. ما هي برأيك المُقاربات التي يُمكِنُ للرئيس "بشّار الأسد" أن يُفصِحَ عنها على ضوءِ هذه التطوّرات والتي قد يُقدّمها مثلاً للمُعارضة السوريّة؟

أُسامة الدنوّرة: طبعاً، الديمقراطيّة هي ثقافة وليست طبعاً قطعة كهرُبائيّة تُفتَح فيتحوّل المُجتَمع من ديمقراطي إلى غير ديمقراطي, هناك تطوُّر في ثقافة الشعب ليحوّل إلى الحالة الديمقراطيّة. هناك مُقدِّمات تتعلّق بالاستقرار وتتعلّق بمأسسة التحوّل الديمقراطي، وهذا كلّه يحتاج إلى قاعدة من السلام الاجتماعي والهدوء. إذا كانت المُعارضة تعتبِر أنّ هذه الجماعات هي جماعات إرهابيّة فالدولة مدّت يدها وطلَبت التحالُف ضمن مؤتَمَر "جنيف" الأخير ضدّ الجماعات الإرهابيّة، ولكن عندما تأتي هيئة كالمجلِس أو الائتلاف، ليس لديها أيّة مرجعيّة حول تمثيلها الشعبي وتطلُب استلام الحُكم، وتطلُب مُحاصصة كما رأينا أيضاً في خطاب السيّد "سيدا" الذي انزلق للأسف أيضاً نحو المُحاصصة الطائِفيّة  واستخدَم مُصطلحات طائِفيّة، وكأننا نريد أن نعود إلى الخلف في مُستوى التطوّر الاجتماعي السياسي في سورياً بدلاً من أنّ نتقدّم إلى الأمام نحو الدولة المدنيّة التي تحدّث عنها . طبعاً، باب الحوار مفتوح ولكِن لا توجد ديمقراطيّة في دولة فاشِلة. النموذج الليبي واضِح وحاضِر والآن كُنتُم تُذيعون على شاشتكم أنّ هناك اقتحاما لمجلِس الوزراء الليبي وسابقاً بأنّه تمّ خطف وزير الخارجيّة ورئيس الوزراء الليبي. هناك قاعِدة من الاستقرار التي هي ضمانة لا غِنى عنها للعمليّة السياسيّة، ولاحقاً يتُمّ الحديث بكُلّ ما يخُصّ التحوّل الديمقراطي. الأن، ولأوّل مرّة هناك تغيُّرات يجب على السيّد "سيدا" ومن لفّ لفيفه أن ينظُر إليها بعينٍ إيجابيّة نوعاً ما. تمّ إلغاء المادّة الثامنة، تمّت لأوّل مرّة انتخابات فيها أكثر من مُرشّح، هناك مُقدِّمات جيّدة لحالة من التعدّديّة السياسيّة. "ابراهام لينكولن" يقول: The ballot is stronger than the bullet ، بمعنى أنّ الاقتراع أقوى من الرصاص، فليأتوا إلينا وليُشكّلواً أحزاباً سياسيّة، طبعاً سيقول " لا توجد مصداقيّة لتشكيل أحزاب سياسيّة في ظلّ النظام". لكن هل يقبل تشكيل الأحزاب السياسيّة في ظلّ الاحتلال مثلاً؟ هناك هذا الطرف الذي يجب عليه أن يقبل بأنّه طرف حكوميّ من أبناء جلدته. عليه أن يتعاطى معها، عليه أن ينزل عن تلك الشجرة العاليّة التي صعِد إليها وأن يتعامل بنفس منطق الواقعيّة السياسيّة التي تتحدّث بها الحكومة السوريّة، لا يُمكِن طبعاً هدم بناء بكامله وإعادة البناء من جديد، يجب أن يتمّ التحوّل الديمقراطي شيئاً فشيئاً

جورج غالاواي: فلنسمع لو سمحت الان "أُسامة"، فلنسمع إلى رأي السيّد "عبد الباسِط" لو سمحت حول هذه النُقطة. سيّد "عبد الباسِط"، أنا لستُ سورياً، أنا أتعاطى مع هذه المسألة عبر مُترجِمٍ قادِر ولكن بالطبع بلغةٍ أُخرى، بكلّ حال أنا رجلٌ أهوى التفاوض. وكمُفاوِض أستمعُ هنا إلى مسألتين منك، أولاً قُلتَ "أنّ الباب لا يزال مفتوحاً" وثانياً إنّك توافقني والحكومة في سوريا والأُسرة الدوليّة بشكلٍ متنامٍ، توافقنا الرأي بأنّ تمدُّد هذه المجموعات الإرهابيّة هو أمرٌ خطير. بالنسبة إليّ لدينا قاعدة هامّة للتفاوُض. إن كُنت ترى أنّ "القاعِدة" ومُشتقّاتها هي كلّها مُنظّمات إرهابيّة وأنّ الحكومة في "دمشق" ترى الأمرَ بالعين نفسِها ، وبالتالي انطلاقاً من هذه القاعدة لا بدّ وأنّ تتقدّما على هذه الأُسس المُشترَكة. ما رأيُك؟ 

عبد الباسط سيدا: شكراً جزيلاً، طبعاً لا ألوم الأخ المُتحدِّث من "دمشق" فهو يتحدّث من “دمشق" ونحن نعلم كيف هي الأُمور هناك وخاصّةً أنّه يتحدّث في قناة تلفزيونيّة ذات مستوياتٍ عالميّة، هذه المسألة نُقدّرها، لذلك لن أتوقّف عند الكثير من التفاصيل لكنّه هنا يتحدّث عن دعوتنا إلى التدخُّل الخارجي. نحن لم نُطالِب بأيّ تدخّل خارجي وإنّما قُلنا "ليتدخّل المُجتمع الدولي ويُنقِذ المدنيين السوريين"، فالمهم هو حماية المدنيين السوريين من القتل المُستمِرّ المُنظّم من جانِب النظام، وهذه المهمّة هي مُهمّة المُجتَمع الدولي وبالتالي المُجتَمع الدولي لم يتمكّن من القيام بواجباته بناءً على الآليّات القديمة التي تتحكّم بمجلِس الأمن، وإقدام حليف النظام "روسيا" على استخدام الفيتو لمرّاتٍ عديدة في هذا المجال. لكن دعني أقول، لم يحدُث التدخُّل الأجنبي لكن هلّ التدخُّل الإيراني في "سوريا" هو تدخُّل وطني؟ هلّ تدخُّل قوّات "حزب الله" وهي مُصنّفة كقوّات إرهابيّة في المُصطلح الدولي سواء عند الاتّحاد الأوروبي أو أميركا هو تدّخل وطني؟ حينما تُعلِن أميركا "جبهة النُصرة" مؤسسة إرهابيّة أو تنظيما إرهابيا نحن نتمسّك بذلك لكن ماذا عن تصنيفهم لـ "حزب الله"؟ لماذا هذه النظرة المُغايرة؟ بأيّ حقٍّ يدخُل "حزب الله" إلى "سوريا" ويُمارِس القتل إلى جانِب النظام بحقّ السوريين. هذه مسائِل لا بدّ أن نقف عندها لأنّها تُشنِّج الحالة في "سوربا" وفي "لبنان" بلّ في المنطقة بأسرِها. هذا الصراع المذهبي، لنكُن واقعيين، اليوم هناك صراعٌ مذهبيّ، إيران تقود توجّهٍ يخلِط ما بين السياسيّ والمذهبيّ وبالتالي مسألة الشيعة والسُنّة، هذه مسألة كانت غريبة بالنِسبة لنا نحن في "سوريا". "سوريا بلدٌ مُتعدد الطوائِف والمذاهِب منذ القِدَم وهناك تسامُح، مجتمعٌ مندمج بطبيعته لكن إيران أصرّت على هذه المُزاوجة وبدأت تبني أحلافَها وِفقَ أسسٍ مذهبيّة وهذا ما نقوله للإيرانيين مُباشرةً أو من خلال اللقاءات الإعلاميّة أو غيرها، وهذه المسائِل لا بدّ أن نتجاوزها. لكن بالنسبة لي مسألة المصداقيّة، المصداقيّة لا تُختَزَل بالانتخابات

جورج غالاواي: لكن سيّد "عبد الباسِط"، "سوريا" ليست "إيران" و"سوريا" بالطبع ليست "أفغانستان"، وأنا أتوقّع أن يقوم الشعب السوري، الشعب المتوسّطيّ، الشعب المُتحضِّر الذي يحتوي على أديانٍ كثيرة وإثنيّاتٍ كثيرة  بالعدول عن اللحاقِ بأيٍّ كان ولكن الآن لديّ ثلاثة أمور كمُتفاوِض: أولاً، أنت ترفُض التدخّل الأجنبيّ وثانياً أنت تعتبِر أنّ "القاعِدة" ومن لفّ لفّها هي مُنظّمات إرهابيّة وثالثاً أنّ الباب ليس موصداً بعد أمام المُفاوضات. أودّ أن أتوجّه إلى ضيفينا هنا، هلّ أنا أُبالِغُ في التفاؤل؟ هل هو أمرٌ مُمكِن مثلاً بعد هذه الانتخابات أن نرى نوعاً من أنواع التفاوض يُبصِر النور على ضوء هذه المُقدّمات الثلاث؟     

ليلى الرحباني: بشكلٍ عام، نحن نُلاحِظ في العلاقات الدوليّة دائماً أنّ الميدان هو الذي يفرِض نفسه على السياسة. لأنّه بحسب الميدان وبحسب من يفوز في الميدان يذهبون إلى المُفاوضات وكلّ واحِد لديه أوراق التفاوُض بحسب قوّته في الميدان. أنا أتصوّر بأنّ المفاوضات الآن ما زالت بعيدة المدى وقد يكون هناك في مرحلةٍ ما مُتقدّمة، قد يكون هناك استنزافٌ في الحرب السوريّة خاصة في الجزء المُحاذي للمناطق العِراقيّة. نحنُ نعرِف أنّ الإرهابيين يتمركزون في مناطِقٍ مُحاذية للمحافظات العراقيّة التي كانت تتمركز فيها "القاعدة" وأتصوّر أنه في المُستقبل سيكون هناك بطبيعة الحال اتّفاقٌ لو حصلت مُفاوضات، سيكون هناك اتّفاق بين المُعارضة الوطنيّة السوريّة وبين النظام السوري لمُقاتلة "القاعدة" والإرهابيين في الأراضي السوريّة ولكِن أعتقِد أنّ الميدان لم يُحسَم بعد، لذلك المُفاوضات لا يُمكِن أن تكون قريبة. ولكن اسمح لي أن أقول شيئاً بالنسبة لموضوع المحكمة الجنائيّة الدوليّة لأنّه من اختصاصي. السيّد "سيدا" وجميع المُنظّمات التي شاركت في التوقيع تعرِف أنّها لن تصِل إلى شيء وأنّ مُجرّد ما تقوم به هو مُجرّد إحراج إعلامي للروس وللسوريين. بدايةً لأنّ تحويل أيّة قضيّة إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة يتم في ثلاث حالات: الحالة الأولى أن تكون الدولة طرفاً وهذا لا يتوفّر في الحالة السوريّة، والحالة الثانية أن تكون هناك إحالة من "مجلِس الأمن" وهُم يعرفون منذ اللحظة الأُولى بأنّ هناك "فيتو" روسي في أيّ قرار يعني سوريا في مجلس الأمن، والحالة الثالثة أن يُباشِر المُدّعي العام من تلقاء نفسه ولكن يجب أن تكون الدولة طرفاً أو أن تكون قد قبِلَت باختصاص المحكمة، وهذه الحالات الثلاث لا تتوافر في القضيّة السوريّة، فكلّ ما قام به السيّد "سيدا" وأصدقاؤه من المنظّمات الدوليّة هو مُجرّد حملة إعلاميّة تسويقيّة. ثمَّ، عندما تُحوّل القضيّة السوريّة بمُجملها إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة ، الحِصار التجويعي هو جرائِم ضدّ الإنسانيّة بمعنى عندما يقطعون المياه عن "حلب"، المُعارضة تقطع المياه عن "حلب" فهم يقومون بجرائِم حرب وجرائِم ضدّ الإنسانيّة . نعم، قد يكون الجيش السوري قد قام بجرائِم حرب ولكن هم أيضاً قاموا بجرائِم ضدّ الإنسانيّة، وإذا كانوا قد استهدفوا مجموعة كما قال هو، إذا كانت مجموعة لنفترِض "العلويين" تحديداً أو المسيحيين أو السُنّة كمجموعة فهي تُعتَبَر جريمة إبادة. لذلك، ليس من مصلحة حتّى السيّد "سيدا" وأصدقاءه أن تُحوّل القضيّة السوريّة إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة لأننا سنقول في السياسة أيضاً، وفي دراسة لكلّ المحاكِم الجنائيّة، وأنا قُمت بدراستها، لم تُحاكِم إلاّ المهزوم. لم تُحاكِم أبداً أّي منتصِر في الميدان أو من انتصر على خصومه. تُحاكِم المهزوم لتُعطي المُنتصِر براءة أخلاقيّة بالإضافة إلى انتصاره في الميدان. فإذا انتصر النظام السوري، ليس من مصلحة السيّد "سيدا" ولا من مصلحة المُجتَمع الدولي أن يُحوِّل القضيّة إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة لأنها ستزيدُ في هزيمتهم وتعطي براءة أخلاقيّة لمن انتصر

جورج غالاواي: فقط الأفريقيين تتّم مُحاكمتهم في هذه المحكمة

ليلى الرحباني: ولكن المهزومون الأفارِقة أيضاً

جورج غالاواي: نعم، المهزومون الأفارقة. "إبراهيم" تفضّل، ما هو رأيُك وما هي مُلاحظاتك على ما سمِعت؟        

إبراهيم بيرَم: بدأنا نشعُر بأنّ الإعلام الغربي أو الغرب عموماً بدأ يتكيّف مع شيء اسمه أنّ الرئيس "الأسد" باقٍ في "سوريا"، وبالتالي الانتخابات ستُكرِّس شرِعيّة بقائه. الغرب بدأ يتعامَل فعلاً مع مسألة أساسيّة وجوهريّة وهي خوفه من الإرهاب. الإرهاب الذي بدأ كما تحدّثتُ بدايةً يتفشّى وصار في الغرب "الإسلام فوبيا" والآن "الإرهاب فوبيا" في أوروبا تحديداً، عمليّة "بلجيكا" بالأمس القريب. المسألة أنّ النِظام أثبت حضوره على مدى ثلاث سنوات، والمسألة أنّ هذا النظام بقيَ متماسكاً وقاعدته من كلّ الأطراف ومن مكوّنات المُجتَمع السوري. المُشكِلة هي أكثر ما يكون عند المُعارضة السوريّة التي فعلاً نطلُب أن تُعيد النظر كما قلنا أكثر من مرّة في حساباتها ورهاناتها وخطّ سيرها. المُعارضة التي قدّمت نموذجاً سيّئاً عن الإسلام نفسه وقدّمت نموذجاً سيئاً عن الثورات بمفهومها، عندما مثلاً قطعَت المياه عن "حلب" عندما تُحاصِر بلدتين مُسالمتين هما "النُبّل" و"الزهراء" منذ نحو عامٍ ونصف العام وتمنع عنهما حتّى الدواء. المُعارضة لم تُقدِّم نموذجاً حضارياً يُمكِن أن يُقتدى به وبالتالي يُقال أنّ هناك ثورة وليس هناك طرفٌ يندفِع إلى تفتيت مُجتمعِه ولتفتيت دولته. المُعارضة لا تتحدّث عن مُكوِّن "علوي" كما تحدّث السيّد "سيدا" مثلاً أو عن مُكوِّنات في مُجتمعِه. لربّما كنّا في بداية الأمر كما أكثر الناس مندهشين أمام هذه الظاهرة، والآن بعد ثلاث سنوات بِتنا نقول بأنّ هذه المُعارضة ليتها لم تكُن لأنّها فِعلاً جلبت الدمار والخراب على هذا البلد الذي كان حتّى الأمس القريب، على الأقلّ نموذجاً في الاستقرار، وبالتالي الآن هناك كما قُلنا بدايةً فُرصة لإعادة شكل من أشكال الحِوار من خلال أوّلاً نبذ العُنف، نبذ الإرهاب، إلقاء السِلاح، الرغبة فعلاً في عدم تحقيق نصرٍ كما الأتراك وكما السعوديين وكما القطريين، لا، الرغبة فعلاً في إنهاء مأساة هذه الدولة ونُنهي مأساة هذا الشعب وبالتالي نجِد دائماً كما قُلتُ فرصة للحوار وفُرصة للتفاوض ، وأنت من أنصار هذا المنطِق

جورج غالاواي:  أنا بالطبع، داعمٌ كبير للحوار، فالحوار أفضل من الحرب كما كان يقول السيّد "تشرشل" دوماً الذي كان بارعاً في الحرب ولكنّه كان يعرِفُ في نهاية المطاف أنّ هناك مشاكِل عميقة مُتجذّرة كتِلك التي كانت موجودة وتبقى موجودة في المُجتمع السوري ولا يُمكِن حلّها إلاّ بناءً على قاعدتين: أوّلاً لا بُدّ من حلّها بين الشعب السوريّ بذاته، وأنا أُطلِقُ هذا النداء إلى صديقنا في "ستوكهولم" وإلى أصدقائه إلى التوقّف عن النفخِ في صدورِ هؤلاء الحُلفاء الّذين لم يتيقّنوا أنّ الأمورَ قد تبدّلت ميدانياً. لا تُعوِّلوا على هؤلاء الحلفاء، الحُلفاء نفسهم الذين قاموا باجتياح وتدمير "سوريا"، والذين أعطوا إسرائيل اليدّ العُليا لسحقِ " فلسطين" واحتلال "القُدس". لا تثقوا بهؤلاء، ثقوا بشعبِكُم. أنا كُنتُ أعتقد في بداية هذه الانتفاضة في "سوريا" أنّها كانت تقومُ على قاعِدةٍ واضحة وهي أنّ الشعب السوريّ لديه تظلّماتٌ مشروعة، ولديه الحقّ المشروع في المُطالبة بالتحوّل إلى المزيد من الديمقراطيّة في "سوريا"، ولا زِلتُ مقتنعاً بذلك. لكن لا يُمكنني أن أقبلَ أن "بريطانيا" و"فرنسا" والولايات المتّحدة الأميركية، تلك القوى الاستعمارية النافقة التي تُساهِم في تجسيد كلّ ما هو شرِّير وسيئ في هذه المنطقة على مرّ السنوات الخمسين أو الستّين الماضية، يُمكِن لهم أن يضطلعوا بأيّ دورٍ في خلاص الشعب السوريّ. فكلّ هؤلاء لا مصلحة لهم في ما هو جيِّد بالنسبة إلى الشعب السوري. يريدون تدمير "سوريا" لكلّ الأسباب السيّئة يريدون تدمير "سوريا" وكلّ ما هو جميلٌ وجيّد في "سوريا" وكل ذلك يتعلّق بطابعها الوطني العربيّ وثقتها بالقضيّة الفلسطينيّة. شكراً لكُم وطابت أوقاتكُم