كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

الثورة الجزائرية وكيف نظر الغرب إليها وبماذا تشبه ثورات الربيع العربي

نظرة الغرب للثورة الجزائرية وكيف تفاعل معها. وكيف تُقارن هذه الثورة التي أطاحت بالمستعمر الفرنسي بالثورات العربية الحالية.


المحور الأول

هل الثورة الجزائرية السمة الرئيسية للسياسة في الجزائر اليوم؟

جورج غالاواي: أهلاً بكم في برنامج "كلمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين"، معكم مُباشرةً من (بيروت) نناقش الثورة الجزائِرية. كيف استجاب، تفاعل، ونظر الغرب إلى هذه الثورة وكيف يُمكِن مقارنة هذه الثورة مع الثورات العربية الحالية. الثورات هي مسارات وليست أحداثاً بحدّ ذاتها، تتضّح ملامحها على مرّ سنوات وأحياناً على مرّ عقود، وفي بعض الأحيان تتقدّم خطوات وتتراجع خطوات إلى الخلف. لكن في الثورة الجزائِرية يبدو أنّ كلّ الأمور كانت أكثر وضوحاً. ففي تلك الحال، كان لدينا مثال عن الاستعمار الأُوروبي الذي كان متغطرساً بما يكفي ليعتبر أنّ كامل أراضي (الجزائِر)، تلك الدولة العربية في (أفريقيا)، هي جزء من (فرنسا الكُبرى). كانوا ينظرون إلى هذا البلد ليس كبلدٍ قيد الاحتلال بل كتكملةٍ لبلدهم. في هذه الظروف، لم يكن لدى الشعب الجزائِري إلاّ أن ينهض، أن ينتفِض، أن يطرُد المحتلّ الأجنبيّ، وهذا ما فعله في إحدى أكثر حقبات التاريخ المُعاصر بطولةً ودفع نتيجةً لذلك ثمناً باهظاً، مليون شهيد، ويقول البعض حتّى مليونا شهيد، كان لا بدّ وأن يقضوا في إطار طرد المُحتلّ الأجنبي. النضال كان نضالاً أُسطورياً، ملحمياً، جذب انتباه وقلوب الملايين في مُختلف أنحاء العالم، وباتت الثورة الجزائِرية تعبيراً عن مُناهضة الاستعمار. "غيلّو بونتيكورفو" في فيلمه الملحميّ المعنون "معركة الجزائِر" نقل المشهد بشكلٍ مثاليّ على الشاشة الفضيّة. بالنسبة إلى الكثيرين انتهت قصّة (الجزائِر) عند ذاك الحدّ، ذاك البلد العربيّ الذي قام بشكلٍ بطوليّ بطرد المُحتلّ الأجنبيّ، وما تبقّى باتَ جزءاً من التاريخ. لكن بالطبع، الفرنسيون قاتلوا بكامل قواهُم وعلى مرّ السنوات للتشبُّث بغنائِمهم الاستعمارية، وأدّى ذلك إلى تقسيم السياسة الداخليّة في (فرنسا) واضطّلَع ذلك بدورٍ في تقسيم وتأليف الجمهورية الفرنسية، كما كان لذلك دورٌ في تحديد سلوكِ القوى الغربية الأُخرى تجاه تلك الأراضي. بعض الامبراطوريات المتبقية الفرنسية والبريطانية أرادت أن تخوض إذلال الهزيمة في الصراع المُسلّح ضدّ شعبٍ كانوا يُخضعونه للقهر والهيمنة. بالتالي، الأثر على الشؤون الدولية كان أثراً كبيراً، وبعد ذلك وعلى مدى عقودٍ من الزمن، تحوّلت (الجزائِر) إلى منارةٍ للنضال المُناهِض للإمبريالية. اليوم، الأمور أقلّ وضوحاً، بعض البلدان العربية تبدو وكأنها مكتفية بالاحتلال ودولٌ أُخرى تدعو إلى احتلالٍ أجنبيّ لدولٍ عربية أُخرى، والبعض يتوسّل حتّى الأجانِب للعودة إلى هيئتها الإمبراطورية السابقة واستعمارِها مُجدداً. الليلة سوف نناقش تحديداً لماذا (الجزائِر) كانت تمثّل تلك الحال الواضحة ولماذا، بعد خمسين عاماً من الزمن، لم نستقِ الدرس ولم نفهم أنّ الشعب الجزائِري، هذا الشعب وبطولاته، قد علّمنا كلّ هذه الأمور القيّمة عن الواجب، الواجب المُطلق، المقدّس، بطرد الاحتلال الأجنبيّ من الأرض والتراب الوطنيّ. إذاً سنُقارِن الثورة الجزائِرية بثورات اليوم. بالطبع، ينضمّ إليّ خبراء من كبار رجالات الصحافة من مختلف بقاع العالم العربي لمُساعدتنا في هذا النقاش ولمُساعدتنا في فهم ما حدث في (الجزائِر) تحديداً وما هي الاختلافات الأساسية مع ما يحدُث اليوم. من اليمين إلى اليسار معي السيّد "دندراوي هواري" من (مصر) وهو رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع". "دندراوي" شكراً جزيلاً لانضمامك لنا. وإلى جهة اليمين معنا السيد "مُعاز الباي" وهو أيضاً صحافيٌّ مرموقٌ آخر من (تونس)، وإلى جهة اليسار معنا السيّد "نبيل غيشان" من (الأُردن) وهو صحافيٌّ ومُحلّل سياسي، وأخيراً وبالطبع ليس آخراً، من (الجزائِر) معنا السيّد "عبد الرزّاق الجلولي" وهو أيضاً صحافيٌّ ومعلِّقٌ سياسي. لا بدّ وأن أبدأ معك "عبد الرزّاق". رجاءً أخبِرنا، كشاب، كيف تنظُر إلى الثورة الجزائِرية وما هي مكوّناتها الأساسية قبل أن نتحدّث لو سمحت عن اختلافاتها مع العالم العربي اليوم، تفضّل

عبد الرزّاق الجلولي: شكراً "جورج" وشكراً لقناة "الميادين". الحقيقة، نحن كشباب من الجيل الجديد في (الجزائِر) كبِرنا على ثقافة عميقة ومُقدّسة للثورة الجزائِريّة تحمل أوجُهاً جميلة جداً على أساس أنّ هذه الأرض ارتوَت بالدمّ من أجل الحرية، ارتوَت من أجل الإنسان بحدّ ذاته، أن الثورة الجزائِريّة لم تكُن فعلاً قتالياً منعزلاً بل كانت فِعلاً حضارياً، تراكماً حضارياً إذا صحّ القول، يأخُذ من التاريخ الحدث الأخير وهو الثورة الكبيرة التي اشتملت مسار هذا الإنسان الجزائِري. فنحن كجيل جديد، دائِماً تبقى الثورة مُرتبطة بالقداسة عندنا، مُرتبطة على أساس أنّ وجودنا ومُستقبلنا مُرتبِط بما قدّمه الآخرون في هذه الثورة على شتّى المستويات، على مستوى النفس، على مستوى الفِكر، على مُستوى العقل، أننا درسنا وكبِرنا على أنّ قرناً وثلاثين سنة من القمع، من التضييق، من مسح الهوية الجزائِريّة لم يأتِ استرجاعها بالسهولة والبساطة التي قد يعتقدها من جاء ونعِمَ في الاستقلال. فالثورة الجزائِرية بدأت دائِماً تُشكِّل لنا شيئاً، إن صحّ القول، دافعاً من أجل الأمام، دافعاً من أجل المُستقبل، وأنّ هذه الثورة المُقدّسة لا يُمكن أن تُمَسّ في قداستها على أساس أنها مثّلت المُثُل العليا للإنسان على وجه الأرض والإنسان الجزائِري على وجه الخصوص

جورج غالاواي: ومع ذلك لا يزال ذلك مركزياً بالنسبة إلى الهويّة الجزائرية والسياسة الجزائِرية. ما كان دور كلّ جهة في هذه الثورة؟ بالطبع، الجبهة الشعبية لا تزال قائِمة وهي مؤسسة نافذة للغاية في الدولة. هلّ تعتبر أنّ الثورة الجزائِرية بعد 50 عاماً لا تزال تُشكِّل السِمة الأساسية للسياسة الجزائِرية اليوم؟

عبد الرزّاق الجلولي: أكيد، لأنّ كلّ شيء مُرتبط بهذا السياق التاريخي، لأنه لا يُمكن أن نعزِل التاريخ عن مساره، وأنّ الذين صنعوا الاستقلال ما زالوا حاضرين وما زالوا يصنعون المشهد، المشهد السياسي والمشهد الاقتصادي والمشهد الاستراتيجي. هناك تكامُل للأجيال ضمن أفكار هذه الثورة، على أساس أنها جاءت لاسترجاع (الجزائِر) واسترجاع الإنسان الجزائِري من أجلِ خلق هذا الإنسان في هذا العالم ومن أجل إثبات حضوره في الوسَط العالمي، وأنّ هذا الإنسان له دوره، له كلمته، وله أرضه التي يُعبِّر من خلالها وينسجِم معها أيضاً، وأنّ هذا الإنسان جاء نتاج هذا التاريخ وهذه الثورة، فكلّ الذين على الأقل يصنعون اليوم المشهد هم إمّا كانوا مُجاهدين أو تعلّموا في مدارِس مُجاهدين أو أبناء شهداء وأبناء مُجاهدين، جيلاً بعد آخر. نحن نعرِف أنّ، في تكوين الإنسان، خمسين سنة هي لا شيء في تكوين الإنسان باعتبار أننا ما زلنا مع المُجاهدين، يحكون القصص عن كيف كانوا يعيشون أيام الحرمان، أيام القمع، أيام العذاب، أيام السجون، وأنّ الجزائِري كان محروماً فوق أرضه ولا يستطيع أن يستثمر في ثروته، وأنّ الجزائِري لا يُمكن أن يتحدّث بالعربية ولا يتحدّث حتّى يؤذَن له، وأنّه في بلاده كان مُهاناً. كلّ هذه الأشياء تبقى دائِماً تُشكِّل دافعة إنسانية أو دافعة أساسية قد نحيد عنها بعض الأحيان، ولكن حينما تكون العودة للثورة دائِماً تجد أنّ الصفّ يعود ويلتحِم رغم ما قد يبرُز أحياناً من اختلافات

جورج غالاواي: "دندراوي"، لقد شهِدت بلادك، ويمكن أن نقول ذلك في أواخر الثورات في هذه الموجة الآنيّة، كيف تنظر إلى أثر الثورة المصرية بالمقارنة مع الثورة الجزائِريّة؟

دندراوي هواري: بدايةً، تحيّاتي لقناة "الميادين" التي رغم عُمرها الصغير، إلّا أنها وُلِدت كبيرة وعملاقة وأصبحت من الباقات الأولى في الوطن العربي، فتحيّاتي وتقديري. أيضاً للتلميح والتذكير بمناضلة عظيمة أحيَت لنا ذكريات عظيمة حول النضال الحقيقي، النضال ذات الأهداف المحددة وهو نضالٌ ضدّ المُحتلّ بشكلٍ أساسي والارتكان إلى الوطنيّة الحقيقية، (مصر) تاريخها عظيم وعريق ومرّت بالعديد من الثورات. ربما هناك ثورة ضدّ المحتلّ سنة 1952 قادها "جمال عبد الناصر" ورفاقه، ثمّ كانت هناك ثورة في 25 يناير/ كانون الثاني، ثمّ رأى الشعب المصري أنّ هذه الثورة سُرِقَت منه فخرج في الميادين في 30 يونيو/ حزيران ليستردّ هذه الثورة. الحقيقة، الاختلاف والتباين واضِح ما بين الثورتين، 25 يناير و30 يونيو والثورة الجزائِريّة والثورة المصرية في عام 1952. الهدف الأساسي كان مغايراً إلى حدٍّ كبير بالمقارنة بالثورتين الشعبيّتين الأخيرتين في (مصر). في الثورة الجزائِرية على سبيل المثال كان هناك نضال حقيقي لتحرير الأرض. في ثورة 1952 كان المشهد نفسه مع تحديد ستة أهداف حول العدالة الاجتماعية، وقد تحقّق ذلك. ثورة 25 يناير خرجت بشعارات وليست أهدافاً، وكانت شعارات مُحدّدة ضدّ نظام فاسد لم تشهد (مصر) مثيلاً له، وهو نظام "مبارك". إلّا أنّ المسار في 25 يناير انحرَفَ كثيراً عن هذه الشعارات وهذه الأهداف، انحرَفَ بشكلٍ مُزعِج ومُخيف في وقتٍ قصير للغاية لم يتوقعه أكثر المصريين تشاؤماً. لذلك، انتفض المصريون انتفاضة كبيرة للغاية في الثلاثين من يونيو. للحقيقة، إن الثورتين الشعبيتين، رغم طهارتهما وقدسيّتهما في أن تناديا بالحرية والعدالة الاجتماعية، إلاّ أنه لم يكن لديهما مقوّمات تحقيق هذه الأهداف على الأرض. فكان للديكور السياسي المُعارِض لنظام مثل نظام "مُبارك" له السطوة والنفوذ، وتناسى الشباب الأطهار أنّ لكلّ نظام ديكوره المتمثِّل في مُعارضة، ولكلّ نظام مثيلاً له يوازيه ولا يتقاطع معه في المُعارضة. تناسوا كلّ ذلك فسُلِبَت منهم هذه الثورة سواء كانت في المرحلة الانتقالية الأولى بتبعاتها المتمثلة في "المجلس العسكري" بقيادة المشير " محمّد حسين طنطاوي" ونائِبه "سامي عنان"، ثمّ المُخطّط الكبير من جماعة الإخوان المسلمين للقفز على المشهد السياسي في البلاد وتحقيق الهدف الأسمى بالنسبة لهم وهو ليست (مصر) بالدرجة الأولى ولكن تحقيق ما يُسمّى بالخلافة الإسلامية في العالم. الحقيقة، في عامِ واحد، تصارعت وتيرة الأحداث بشكلٍ مُذهل، فكان الخروج العظيم والكبير والأضخم والذي لم يشهد له مثيلاً في العالم وفي تاريخ (مصر) أيضاً ليضرِب ويتجذّر في تاريخها البالغ سبعة آلاف عام من النضال بدءاً من الثورة الشعبية الأُولى في عهد الملك "بي بي الثاني" منذ حوالى تحديداً أكثر من خمسة آلاف عام، والحقيقة أنّه كانت هناك استعادة. النُقطة المُشتركة في ما بين هذه الثورات هي تحقيق الحريّة والنضال من أجل الإنسانية والكرامة، هذه هي النقطة المُشتركة الرئيسية في ما بين هذه الثورات المختلِفة سواء أكانت ثورات ضدّ المُحتلّ أو ثورات ضد، ولا أُريد أن أُشبّهها وأقول احتلال داخلي بقدر ما هي ضد أنظمة فاسدة ترسّخت لسنوات طويلة للغاية، ولكن الأدوات لتنفيذ هذه الأهداف لم تكن موجودة

جورج غالاواي: يبدو أنّه لدينا الكثير من الأمور السجاليّة، نتعاطى معها بعد الاستراحة  


المحور الثاني

بين الثورة المصرية والجزائرية

جورج غالاواي: أهلاً بكم مُجدّداً في برنامج "كلمة حرّة"، معي " جورج غالاواي" في (بيروت) على قناة "الميادين". نعود اليوم بالذاكرة إلى الثورة الجزائِريّة ونتحدّث كذلك عن الثورات الجارية وهي جزءٌ من ذاك المسار الذي وصّفته منذ قليل، ولم تنتهِ بعد لكنها تُظهِر ملامحها. لقد تحدّث أحد ضيوفنا عن الثورة في (مصر)، فلننتقل إلى ضيفنا الثاني ليحدّثنا عن ثورةٍ أُخرى مُعاصِرة وحديثة في العالم العربي في (تونس). لقد طرحت السؤال على "عبد الرزّاق" منذ قليل، هلّ كلّ ما نجده في السياسة الجزائِرية لا يزال يتمحور حول الثورة ومن فعل ماذا خلال الثورة؟ سوف أطرح السؤال أيضاً على "دندراوي" لنعرِف ما هو الوضع في (مصر) لكن أخبِرنا عن الثورة التونسية، كيف تحدَّدَ دور كلّ جهة فاعِلة في هذه الثورة؟

مُعاز الباي: قبل كلّ شيء، أودّ أن أعود إلى مسألة الثورة الجزائِرية لأنها مُهمّة جداً بالنسبة للتونسيين. في (تونس) نعتبر أنفُسنا جزءاً من هذه الثورة الجزائِرية. (تونس) أو التونسيون شاركوا في هذه الثورة وعاشوها في عمقِهم واختلَطت دماؤهم بدماء الجزائريين ونستطيع أن نقول أنّ المسارات الثورية في الوطن العربي هي أنساق متكاملة. ما حدث في (الجزائِر)، معركة التحرير، ثمّ "تسعينية الجمر" كنّا نعيشها بشكلٍ أو بآخر في (تونس) في أنساقٍ مُختلفة. ما يحدُث في (مصر) يُسقِط تداعياته وظلاله في (تونس). أمّا في ما يتعلّق بسؤالك "جورج" حول مسألة الفاعلين الثوريين إن صحّ التعبير، الذين أنجزوا مهام الثورة قبل سقوط نظام "بن علي"، وأينهُم اليوم. هذا سؤال نستطيع أن نقول أنّه محوري اليوم في الكيان التونسي. التونسي اليوم لا يعيش نبض هذه الثورة، خاصّةً وأنّ هذه الثورة أنجزها الشباب المطالبون بالكرامة، بالحريّة، بالديمقراطية، بالعدالة الاجتماعية. سنواتٌ من الظُلم والحيف والتميّز الجهوي والمحسوبية والفساد والرشوة بالنسبة للنظام، البطالة المستشرية، غياب التنمية العادلة، غياب الآفاق إلى غير ذلك، دفعت التونسيين إلى الانتفاض في أكثر من مُناسبة. كانت هناك مُناسبة هامّة ربّما ينساها البعض في أحداث "الحوض المنجمي" في سنة 2008 حين انتفضت منطقة "الحوض المنجمي"، وهي منطقة تُنتِج الفوسفات، الثروة الأولى في (تونس)، لأنّ هذه المنطِقة حُرِمت. هي تُنتِج أكبر ثروة في (تونس) ومحرومة من أبسط مقوّمات الحياة وكانت هذه الانتفاضة، التي دامت أكثر من ستة أشهُر، المِحَكّ الأول لمواجهة التونسيين مع النظام القمعي لـ "بن علي". ثمّ الحراك الثوري في (تونس) بدأ ينضُج، نستطيع أن نقول بدأ ينضُج منذ 2008. حتّى بعض القوى السياسية أصبحت ملتصقة أكثر بمشاغِل الناس وبمشاغِل الشارِع بعد أن كانت معزولة إلى حدٍّ بعيد لأنّ نظام "بن علي" كان يُرسي ديكوراً ديمقراطياً على مُستوى الأحزاب وعلى مُستوى تعدّدية الأحزاب، لكن على مُستوى الفِعل السياسي الحقيقي كانت هناك عُزلة سياسية وقطيعة سياسية بين الشارِع وبين السياسة. بعد الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني كان هناك أملٌ كبير. التونسي كان يخرُج للشارع ليحتجّ، ليعبِّر عن رأيه، ليحلُم، ليطمح. كنّا نحلم بدستورٍ مدني يُحقّق كلّ طموحات وتطلّعات التونسيين. كنّا نحلم بنظامٍ ديمقراطي يُكرِس حقيقةً قِيَم الإنسان بالحروف الكُبرى لكلِمة الإنسان، وجاءت الانتخابات. الانتخابات أفرَزت خارِطة سياسية في الواقع غريبة جداً، وهذا هو موضع التساؤل والحيرة ربما للعديد من المُراقبين والمحلّلين السياسيين. من نجحوا في الانتخابات ليسوا هم من أنجزوا مهام الثورة. من نجحوا في الانتخابات بعد أيام من فرار "بن علي" من (تونس)، بعد أيام من الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، لم يكُونوا متواجدين في الساحات ولم يواجهوا قمع وبطش البوليس ولم تُسفك دماؤهم ولم يُحرّكوا ساكناً، ربّما بعض المواقف المُحتشِمة التي عبّروا عنها من حينٍ إلى آخر ولا أكثر من هذا، هذه هي الخارِطة السياسية التي أنتجتها أو أفرزتها الانتخابات. اليوم، هناك واقع جديد يعيش عليه التونسيون، واقع أنّ كلّ ما حلموا به وثاروا من أجلِه نُسِيَ في غياهب الملفّات السياسية نتيجةً لوجود مخاطِر أُخرى تُهدِّد حياة التونسيين. من هذه المخاطِر الإرهاب مثلاً، (تونس) اليوم يعيش على وقع الإرهاب، على وقع التفجيرات والألغام، على وقع الاغتيالات السياسية، وأصبح يُطالب بالحدّ الأدنى ألا وهو الأمن، وربّما هناك بعض التونسيين، وقد يكون حديثي هذا مفاجِئاً، أصبحوا يتمنّون عودة القمع مُقابِل التضحية بالحرية التي دفعوا من أجلها ثمناً غالياً 

دندراوي هواري: الأمر نفسه في (مصر) 

مُعاز الباي: نعم 

دندراوي هواري: لو قررنا في استطلاع رأي على عودة "مُبارك" كما يقول الزميل في (تونس)، أعتقد نفس الأمر بالنسبة لـ "زين العابدين"، البعض يرى أنه لو عاد "مُبارك" ليُرشّح نفسه في الانتخابات قد يفوز بأغلبية كاسحة 

مُعاز الباي: نعم، وهذا يطرح مسألة 

جورج غالاواي: هذه نُقطة هامة لا بدّ وأن أُناقشها معكما. في الواقع، في (الجزائِر) Comprador   القوى الاستمرارية قد دُمِّر خلال الثورة لكن في (تونس) و(مصر) لا يزال هذا الرمز موجوداً، وكما قلت لـ "دندراوي" للتو، الدكتاتور نفسه يتمتّع بالدعم الشعبي. في هذه الحال كيف نسمّي ما حصل في الثورة إن كانت الآلية الدكتاتورية لا تزال قائِمة وحتّى في بعض الحالات تُعبِّر عن نفسها من خلال العمل السياسي، فكيف هي ثورة؟ هلّ هي ثورة؟  

مُعاز الباي: نحن، حتّى في مُصطلح الثورة هناك اختلاف حوله. هناك من يتحدث عن انتفاضة، هناك من يتحدث عن مسارٍ ثوريّ، هناك من يتحدث عن ثورة، وهو الخطاب الرسمي. من يتحدث عن ثورة يريد أن يُسوِّق خطاباً إعلامياً وخطاباً سياسياً لأنّ مهام الثورة انتهت، أنجزنا الثورة فعودوا إلى بيوتكم وانتهى الأمر. في الواقع، نحن نعيش استعماراً بالوكالة، بمعنى خرجَ الاستعمار المُباشِر، واليوم نعيش استعماراً بالوِكالة من قِبَلِ أنظِمةٍ تُنصّب من الخارِج وتبحث عن مباركة القوى الكُبرى، وطبعاً مقابل الحِفاظ على مصالِحها. بمعنى، اليوم في (تونس) مسألة المديونية والديون السيادية لـ (تونس) غير قابلة للطرح في السياق الرسمي. أي لا أحد يتحدث في (تونس) عن مسألة الديون والديون الفاسِدة تحديداً ومسألة مُراجعتها، خاصةً وأننا نعلم أنّ نظام "بن علي" كان يسطو على الكثير والكثير من هذه القروض وهذه التموينات. من يُمسِكون اليوم بزمام السُلطة لا يطرحون هذه المسألة وكأنّ هناك مُقايضة بين البقاء في السُلطة والرضى عن الحاكمين اليوم، وبين المصالِح الأجنبية والمصالِح الكُبرى في (تونس). نحن طبعاً لسنا ضدّ وجود مصالِح في (تونس). لا يوجد تونسي على ما أعتقد يُطالب بالعُزلة عن الخارِج لكن نبحث عن تبادلٍ عادِل، بمعنى، نبحث حقيقةً عن تنمية عادلة، نبحث عن تبادلٍ عادل بيننا وبين مُختلف القوى الأُخرى. السياسيون اليوم، الطبقة السياسية ككل وليس فقط الأحزاب الحاكمة، تتخبّط في مسألة كيف تطرح برنامجاً يُحقّق فعلاً السيادة لـ (تونس)، سيادة حقيقية واستقلالاً حقيقياً وكرامةً للتونسي لأنّ أوّل شعار من شعارات انتفاضة أو مسار أو ثورة الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، وهي انطلقت في السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول وليس في الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، وأول شعار كان "الكرامة"

جورج غالاواي: كما قلت لكم، الثورات قد تشهد تقدّماً لخطوات وتراجعاً لخطوات، وهي مسارات وليست أحداثاً أُخرى. بعد الاستراحة سوف نتحدث مع ضيفنا الذي لم تشهد بلاده أيّة ثورة لنرى كيف يبدو المشهد بالنسبة له 

جورج غالاواي: أهلاً بكم مُجدّداً في برنامج "كلمة حرّة"، معي " جورج غالاواي" في (بيروت) على قناة "الميادين". نعود اليوم بالذاكرة إلى الثورة الجزائِريّة ونتحدّث كذلك عن الثورات الجارية وهي جزءٌ من ذاك المسار الذي وصّفته منذ قليل، ولم تنتهِ بعد لكنها تُظهِر ملامحها. لقد تحدّث أحد ضيوفنا عن الثورة في (مصر)، فلننتقل إلى ضيفنا الثاني ليحدّثنا عن ثورةٍ أُخرى مُعاصِرة وحديثة في العالم العربي في (تونس). لقد طرحت السؤال على "عبد الرزّاق" منذ قليل، هلّ كلّ ما نجده في السياسة الجزائِرية لا يزال يتمحور حول الثورة ومن فعل ماذا خلال الثورة؟ سوف أطرح السؤال أيضاً على "دندراوي" لنعرِف ما هو الوضع في (مصر) لكن أخبِرنا عن الثورة التونسية، كيف تحدَّدَ دور كلّ جهة فاعِلة في هذه الثورة؟

مُعاز الباي: قبل كلّ شيء، أودّ أن أعود إلى مسألة الثورة الجزائِرية لأنها مُهمّة جداً بالنسبة للتونسيين. في (تونس) نعتبر أنفُسنا جزءاً من هذه الثورة الجزائِرية. (تونس) أو التونسيون شاركوا في هذه الثورة وعاشوها في عمقِهم واختلَطت دماؤهم بدماء الجزائريين ونستطيع أن نقول أنّ المسارات الثورية في الوطن العربي هي أنساق متكاملة. ما حدث في (الجزائِر)، معركة التحرير، ثمّ "تسعينية الجمر" كنّا نعيشها بشكلٍ أو بآخر في (تونس) في أنساقٍ مُختلفة. ما يحدُث في (مصر) يُسقِط تداعياته وظلاله في (تونس). أمّا في ما يتعلّق بسؤالك "جورج" حول مسألة الفاعلين الثوريين إن صحّ التعبير، الذين أنجزوا مهام الثورة قبل سقوط نظام "بن علي"، وأينهُم اليوم. هذا سؤال نستطيع أن نقول أنّه محوري اليوم في الكيان التونسي. التونسي اليوم لا يعيش نبض هذه الثورة، خاصّةً وأنّ هذه الثورة أنجزها الشباب المطالبون بالكرامة، بالحريّة، بالديمقراطية، بالعدالة الاجتماعية. سنواتٌ من الظُلم والحيف والتميّز الجهوي والمحسوبية والفساد والرشوة بالنسبة للنظام، البطالة المستشرية، غياب التنمية العادلة، غياب الآفاق إلى غير ذلك، دفعت التونسيين إلى الانتفاض في أكثر من مُناسبة. كانت هناك مُناسبة هامّة ربّما ينساها البعض في أحداث "الحوض المنجمي" في سنة 2008 حين انتفضت منطقة "الحوض المنجمي"، وهي منطقة تُنتِج الفوسفات، الثروة الأولى في (تونس)، لأنّ هذه المنطِقة حُرِمت. هي تُنتِج أكبر ثروة في (تونس) ومحرومة من أبسط مقوّمات الحياة وكانت هذه الانتفاضة، التي دامت أكثر من ستة أشهُر، المِحَكّ الأول لمواجهة التونسيين مع النظام القمعي لـ "بن علي". ثمّ الحراك الثوري في (تونس) بدأ ينضُج، نستطيع أن نقول بدأ ينضُج منذ 2008. حتّى بعض القوى السياسية أصبحت ملتصقة أكثر بمشاغِل الناس وبمشاغِل الشارِع بعد أن كانت معزولة إلى حدٍّ بعيد لأنّ نظام "بن علي" كان يُرسي ديكوراً ديمقراطياً على مُستوى الأحزاب وعلى مُستوى تعدّدية الأحزاب، لكن على مُستوى الفِعل السياسي الحقيقي كانت هناك عُزلة سياسية وقطيعة سياسية بين الشارِع وبين السياسة. بعد الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني كان هناك أملٌ كبير. التونسي كان يخرُج للشارع ليحتجّ، ليعبِّر عن رأيه، ليحلُم، ليطمح. كنّا نحلم بدستورٍ مدني يُحقّق كلّ طموحات وتطلّعات التونسيين. كنّا نحلم بنظامٍ ديمقراطي يُكرِس حقيقةً قِيَم الإنسان بالحروف الكُبرى لكلِمة الإنسان، وجاءت الانتخابات. الانتخابات أفرَزت خارِطة سياسية في الواقع غريبة جداً، وهذا هو موضع التساؤل والحيرة ربما للعديد من المُراقبين والمحلّلين السياسيين. من نجحوا في الانتخابات ليسوا هم من أنجزوا مهام الثورة. من نجحوا في الانتخابات بعد أيام من فرار "بن علي" من (تونس)، بعد أيام من الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، لم يكُونوا متواجدين في الساحات ولم يواجهوا قمع وبطش البوليس ولم تُسفك دماؤهم ولم يُحرّكوا ساكناً، ربّما بعض المواقف المُحتشِمة التي عبّروا عنها من حينٍ إلى آخر ولا أكثر من هذا، هذه هي الخارِطة السياسية التي أنتجتها أو أفرزتها الانتخابات. اليوم، هناك واقع جديد يعيش عليه التونسيون، واقع أنّ كلّ ما حلموا به وثاروا من أجلِه نُسِيَ في غياهب الملفّات السياسية نتيجةً لوجود مخاطِر أُخرى تُهدِّد حياة التونسيين. من هذه المخاطِر الإرهاب مثلاً، (تونس) اليوم يعيش على وقع الإرهاب، على وقع التفجيرات والألغام، على وقع الاغتيالات السياسية، وأصبح يُطالب بالحدّ الأدنى ألا وهو الأمن، وربّما هناك بعض التونسيين، وقد يكون حديثي هذا مفاجِئاً، أصبحوا يتمنّون عودة القمع مُقابِل التضحية بالحرية التي دفعوا من أجلها ثمناً غالياً

دندراوي هواري: الأمر نفسه في (مصر)

مُعاز الباي: نعم

دندراوي هواري: لو قررنا في استطلاع رأي على عودة "مُبارك" كما يقول الزميل في (تونس)، أعتقد نفس الأمر بالنسبة لـ "زين العابدين"، البعض يرى أنه لو عاد "مُبارك" ليُرشّح نفسه في الانتخابات قد يفوز بأغلبية كاسحة

مُعاز الباي: نعم، وهذا يطرح مسألة

جورج غالاواي: هذه نُقطة هامة لا بدّ وأن أُناقشها معكما. في الواقع، في (الجزائِر) Comprador   القوى الاستمرارية قد دُمِّر خلال الثورة لكن في (تونس) و(مصر) لا يزال هذا الرمز موجوداً، وكما قلت لـ "دندراوي" للتو، الدكتاتور نفسه يتمتّع بالدعم الشعبي. في هذه الحال كيف نسمّي ما حصل في الثورة إن كانت الآلية الدكتاتورية لا تزال قائِمة وحتّى في بعض الحالات تُعبِّر عن نفسها من خلال العمل السياسي، فكيف هي ثورة؟ هلّ هي ثورة؟  

مُعاز الباي: نحن، حتّى في مُصطلح الثورة هناك اختلاف حوله. هناك من يتحدث عن انتفاضة، هناك من يتحدث عن مسارٍ ثوريّ، هناك من يتحدث عن ثورة، وهو الخطاب الرسمي. من يتحدث عن ثورة يريد أن يُسوِّق خطاباً إعلامياً وخطاباً سياسياً لأنّ مهام الثورة انتهت، أنجزنا الثورة فعودوا إلى بيوتكم وانتهى الأمر. في الواقع، نحن نعيش استعماراً بالوكالة، بمعنى خرجَ الاستعمار المُباشِر، واليوم نعيش استعماراً بالوِكالة من قِبَلِ أنظِمةٍ تُنصّب من الخارِج وتبحث عن مباركة القوى الكُبرى، وطبعاً مقابل الحِفاظ على مصالِحها. بمعنى، اليوم في (تونس) مسألة المديونية والديون السيادية لـ (تونس) غير قابلة للطرح في السياق الرسمي. أي لا أحد يتحدث في (تونس) عن مسألة الديون والديون الفاسِدة تحديداً ومسألة مُراجعتها، خاصةً وأننا نعلم أنّ نظام "بن علي" كان يسطو على الكثير والكثير من هذه القروض وهذه التموينات. من يُمسِكون اليوم بزمام السُلطة لا يطرحون هذه المسألة وكأنّ هناك مُقايضة بين البقاء في السُلطة والرضى عن الحاكمين اليوم، وبين المصالِح الأجنبية والمصالِح الكُبرى في (تونس). نحن طبعاً لسنا ضدّ وجود مصالِح في (تونس). لا يوجد تونسي على ما أعتقد يُطالب بالعُزلة عن الخارِج لكن نبحث عن تبادلٍ عادِل، بمعنى، نبحث حقيقةً عن تنمية عادلة، نبحث عن تبادلٍ عادل بيننا وبين مُختلف القوى الأُخرى. السياسيون اليوم، الطبقة السياسية ككل وليس فقط الأحزاب الحاكمة، تتخبّط في مسألة كيف تطرح برنامجاً يُحقّق فعلاً السيادة لـ (تونس)، سيادة حقيقية واستقلالاً حقيقياً وكرامةً للتونسي لأنّ أوّل شعار من شعارات انتفاضة أو مسار أو ثورة الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، وهي انطلقت في السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول وليس في الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني، وأول شعار كان "الكرامة"

جورج غالاواي: كما قلت لكم، الثورات قد تشهد تقدّماً لخطوات وتراجعاً لخطوات، وهي مسارات وليست أحداثاً أُخرى. بعد الاستراحة سوف نتحدث مع ضيفنا الذي لم تشهد بلاده أيّة ثورة لنرى كيف يبدو المشهد بالنسبة له 


المحور الثالث

الثورة التونسية والواقع الحالي



المحور الرابع

الإسلام السياسي والواقع العربي

جورج غالاواي: أهلاً بكم مُجدداً في برنامج "كلمة حرّة" في (بيروت) معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين"، نتحدّث الليلة عن موضوع الثورات مع كبار الصحافيين من (مصر) و(تونس) و(الجزائِر). زميلنا "نبيل" من (الأردن)، لقد أبقيتُك حتّى النهاية لأنّ (الأُردن) لم تشهد أية ثورة. بالاستناد إلى ما سمعته للتوّ، هلّ تشعُر أنّكَ محظوظاً أم لا لعدم وقوع الثورة؟

نبيل غيشان: قطعاً، نحن محظوظون في (الأُردن) لأننا شاهدنا تجارب الآخرين، رأينا ماذا جادت به الثورات أو الفوضى في الشوارِع العربية ومن جنى هذه النتائِج. لذلك أنا، على الصعيد الشخصي، أعتقد أنّ الأُردنيين تعلّموا من الآخرين، من تجاربهم، وأنا أقول أن لا فائِدة من إسقاط نِظام فاسد إذا كنت سأضع مكانه حزباً فاسداً أو فِكرة مستبِدّة. الفِكرة المُستبِدّة هي ما جاءت في الموضوع المصري. الإخوة المصريين أسقطوا حكماً فاسداً لكن للأسف جاء حزب "الإخوان المُسلمين"، هذا الحزب حاول أيضاً أن يستبِدّ في السُلطة وأن يتمدّد على حساب الشعب المصري، لذلك أصبح هناك ثورة مُضادّة أسقطت جماعة "الإخوان المُسلمين". أنا أعتقد أنّ العرب في حاجة ببساطة إلى نظام ديمقراطي، نظام عدالة، نظام يُقدِم على الحداثة، نظام يقوم على الديمقراطية وتداول السُلطة، على احترام حقوق الإنسان، نظام شفّاف، نظام يضع الشعب

دندراوي هواري: كيف سيتحقّق ذلك أُستاذ "نبيل" في ظلّ عدم وجود ثورة؟       

نبيل غيشان: كيف؟

دندراوي هواري: كيف يتحقّق هذا الأمر في ظلّ أنظِمة تستمرّ ولا تؤمن بهذه الأهداف؟

نبيل غيشان: يا سيّدي، المُشكلة لدى العرب هي مُشكلة نفسيّة أكثر مما هي مُشكلة سياسيّة. لقد تربينا أولاً من كلّ الاحتلالات الفرنسية والبريطانية والإيطالية على نمط مُعيّن في التعليم سلبَ العرب روح المُبادرة. العرب في (الأندلس) أبدعوا، الإسلام يتقدّم في (أوروبا) والمسلمون في ديار المسلمين يتأخّرون. المُشكلة هي أنّ تداخل الدين في السياسة أخّر العرب، هذه نُقطة مُهمّة. ثانياً، النظام التعليمي في المنطقة العربيّة نظام مُتخلِّف. ما زال هذا النظام لا يُعطي الثقافة لأنّ الديمقراطية حتّى لو جاءت بها الثورة وجاءت بأفضل الأنظمة، العقلية إذا لم تتغيّر لدى الإنسان العربي في نظرته إلى الآخر، في تعامله مع الآخر، في تعامله مع جاره، تعامله مع السيارة في الشارِع، تعامله مع المدرسة، سيبقى متخلّفاً. لذلك، الشعوب العربيّة مشكلتها بنيوية، مشكلتها أخلاقية بالدرجة الأولى. كلّ الاحتلالات أرادت العرب أن يبقوا متفرّقين، وهذه مسألة في غاية الأهمية. الآن لاحِظ، نحن نتحدّث عن الثورة الجزائِرية، الثورة الجزائِرية ثورة لا خلاف عليها لدى عربيّ. كانت ثورة مدعومة من المُحيط إلى الخليج، لكن الآن الثورات في المنطقة العربية هي ثورات مُختَلف عليها. ثورات، فئات معها وفئات ضدّها، في (سوريا) في (مصر) في (ليبيا) في (تونس) في كلّ الدول التي جرت فيها. هذه نُقطة حسّاسة وفي غاية الأهمية لذلك نحن نريد أن تنعكِس الثورة الجزائريّة، ولا يُمكن مقارنتها بما يجري الآن في الثورات لأنها كانت ثورة تحرّر، تحرّر من الاحتلال. الاحتلال أراد أن يُلحِق بلداً اسمه (الجزائِر)، والمغرب كلّه حتّى (تونس)، ببلد اسمها (فرنسا). أنا أستغرِب وأُريد أن أسأل الآن سؤالاً حتّى للأستاذ "جورج"، كيف يقبل شعب فرنسي قام بالثورة الفرنسية وعنده هذا الإرث التاريخي الكبير، و"ديغول" الذي كان يُقاتل من أجل تحرير (فرنسا) من النازيين، أن تُرتَكب على مدار 132 سنة متواصلة حرب إبادة ذهب فيها مليون جزائِري على الأقلّ

جورج غالاواي: كيف! هذا سهل             

عبد الرزّاق الجلّولي: فقط أُستاذ "نبيل"، مليون ونصف المليون في الثورة فقط

جورج غالاواي: هذا أمرُ سهل، لكن السؤال نفسه يُطرح على هذه الطريقة، لماذا العقرب يلسع؟ لأنه عقرب! الدول الإمبريالية تتصرّف على هذا النحو لأنها إمبريالية بطبيعتها، قد ترغب بالحرية لنفسها، قد ترغب بالحرية لشعوبها، وقد ترغب حتّى بتطويراتٍ سياسية تقدّميةٍ في بلدانها، لكن ذلك لا يعني أنها لا تعتبر أنّه يحقّ لها أن تجتاح وأن تحتلّ شعوباً أُخرى، للأسف هذه سُخرية القدر. لكن قبل أن أنتقل إليك "عبد الرزّاق"، "نبيل"، لقد ذكرت المسألة مرّتين وألقيت الملامة على الإسلام السياسي، وأعرِفُ أنّ الإسلام السياسي لم يلقَ هذا النجاح، أوافقك الرأي، لكن الإسلام السياسي قد وصلَ إلى الحكم لمدة اثني عشر شهراً فقط في (مصر)، وهو في السُلطة منذ سنتين ونصف السنة في (تونس)، لكن ماذا عن إخفاقات المئة عام الماضية؟ حيثُ لم يكُن للإسلام السياسي أيّة مكانة في السُلطة؟

نبيل غيشان: لم أفهم السؤال

دندراوي هواري: انا يُمكِن أن أُجيب في جزئيّة معيّنة، عن انعكاس الثورة الجزائِرية في الوقت الحالي بالنسبة إلى الثورات في (تونس) على سبيل المثال و(مصر) وأيضاً في (ليبيا) و(اليمن). في الحقيقة، بعد اثني عشر شهراً من وصول "الإخوان" إلى السُلطة اعتقدّ البعض أنّ "الإخوان المسلمين" سيعيدون ما يُسمّى بالاستعمار في ثوبه الجديد متدثّراً بما يُسمّى "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، وبدلاً من الاحتلال الاستعماري العسكري على الأرض سيكون هناك تنفيذ مُخطط وهو تمزيق كلّ وطن على حِدة وليس تمزيق الوطن العربي وحدوده، لا، هذا تمزيق كلّ وطن إلى أكثر من دويلة وبدأ ذلك في (السودان) التي انقسمت إلى دولتين والثالثة لا قدَّر الله قادمة في الطريق. أيضاً ما يحدُث في (الصومال) وأيضاً ما يحدُث في (فلسطين). (فلسطين)، هذه الدولة التي تُناضل من أجل تحريرها منقسمة على نفسها في الداخل إلى دولتين، دولة في (غزّة) ودولة أُخرى في (الضفّة) وهذا شيء مزعج

عبد الرزّاق الجلّولي: سيّد "دندراوي" هنا ربما الفرق بين الثورة الجزائرية، نعم     

جورج غالاواي: اسمح لي أن أطرح هذا السؤال على "عبد الرزّاق"، يمكنكم أن تروا بوضوح من الشقيقين اللذين شهدا الثورة وزميلنا الذي هو مسرور لأنه لم يشهد ثورة، لكن هذا المفهوم، أن ننظر إلى الثورة كخيبة أمل حقيقية، هلّ يشعُر الناس في (الجزائِر) بذلك؟ هلّ يشعرون أنّ الوضع الحالي في (الجزائِر) يستحِقّ التضحيات التي قُدِّمت؟

عبد الرزّاق الجلّولي: في الحقيقة، أُريد أُستاذ "جورج" أن أقف عند مفهوم الثورة، الثورة الجزائِرية والثورات الأخيرة. نحن في (الجزائِر) كجيل نشأنا على مفهوم الثورة، وما حدث في الثورات الأخيرة جَرَحَ قداسة الثورة بالنسبة لنا. لا يُمكن أن نُقارِن ما جرى في الثورة الجزائِرية بالثورات الأخيرة التي جرت في الدول العربية، على أساس أنّ المتغيّرات كثيرة جداً وأنّ هناك فرقاً كبيراً في أن تُناضل من أجل الآخر الذي اغتصَب البيت والدار، وهناك ثورة شاملة كانت في (الجزائِر) من أجل استرجاع الوطن واسترجاع الأرض واسترجاع الإنسان في الثورات الأُخرى التي كانت فيها مطالِب اجتماعية طاغية بشكلٍ كبير ومطالِب سياسية أحياناً ضدّ الآخر في الشعب ذاته. لهذا، أثّرَت كثيراً على مفهوم قداسة الثورة، هذا الإسم الذي كان يعتبر لنا الثورة مُقدّسة. بالنسبة لقضيّة ما يحدُث، تبدأ الثورة ثمّ تنتهي، هنا هذا الإشكال نحن في (الجزائِر) جرّبناه تاريخياً. بعد الثورة وبعد بداية الاستقلال كان قد طُرِحَ السؤال، هلّ النتائِج التي حصّلتها الثورة الجزائِرية بمثابة الأهداف العظيمة التي رسمتها الثورة الجزائِرية وبمثابة هذه التضحيات التي ضحت بها، فقط مليون ونصف المليون في الثورة، لتذكير الأُستاذ "نبيل" حين قال مليوناً، مليون ونصف المليون إبّان الثورة التحريرية فقط وليس فقط لمدة 132 سنة، خلال 132 عددٌ لا يُعدّ ولا يُحصى من القتلى ومن الشُهداء. مليون ونصف المليون فقط في الثورة الجزائِرية إبّان سبع سنوات ونصف السنة. هنا طُرِح السؤال وبدأ النقاش، هل النتيجة أنها بدأت ثورة وانتهت على أنها حرب تحرير كنتاج على أساس أنّ الثورة كانت ثورة شاملة على مستوى الإنسان؟ على مستوى المُجتمع؟ على مُستوى العقلية؟ على مُستوى الاقتصاد؟ على مُستوى السياسة؟ أن تصنع دولة مُتحضّرة بكلّ هذه القِيَم؟ وحدث، يُقال، بين الكثير من التيارات، هناك من يقول أنّ النتائِج هي نتائِج حرب تحرير وليست نتائِج ثورة في حين هناك من يقول لا، هناك نتائِج ثورة على أساس أنها تتجسّد، وأنّ 130 سنة حطّمت البناء النفسي للإنسان خاصّةً الإنسان الجزائِري الذي عاش ثِقلاً كبيراً في بُعدِه عن السُلطة، بعدِه التهميشي في الواقع، فلولا أنّ ما يُسمّى، كما يُسميه البروفيسور "سعيد عيّادي"، الفعل المُقاوم الذكي، وهو عملية استراتيجية تقول أنّ الإنسان الجزائِري، تاريخياً بعد مقاومته الشعبية لم يتوقّف عن المُقاومة نهائياً طيلة قرنٍ وثلاثين سنة في أشكال عديدة وتمركز ضمن بنية المُجتَمع، ولكن بدأ التحرُّك على مُستوى فِكرة أنّ هذه أرضك أيها الجزائِري، هذه حياتك، الحرية تساوي أنت، إذا أردت أن تعيش عليك أن تعيشَ في أرضِك سيداً وليس أن تعيش عبداً. اختلفت الأساليب بين النضال الشعبي والنضال السياسي ولكن هناك تراكُم فكري استطاع في النهاية أن يصِل إلى مُنجَز، أنّه لا بدّ من أن نصل إلى المِفصل الأخير، أن نُحرِّض هذا الإنسان ونربطه بأرضِه، وهنا المُفارقة ربما. الثورة الجزائِرية كان فيها ارتباط عميق في التاريخ، في الوعي التاريخي، في الإنسان في أرضه، في بُعدِه الحضاري والثقافي. حتّى على مستوى التسميات، على مُستوى تسميات المعارِك والأيام، كلّ هذا الإطار جعلَ من الإنسان الجزائِري يقوم بثورة من أعظم الثورات في القرن العشرين

جورج غالاواي: "نبيل"       

نبيل غيشان: أنا أعتقد، دعنا نتساءل، لماذا الثورات التحرّرية في الوطن العربي سواء في (سوريا) أو في (لبنان) أو في حتّى (فلسطين) اليوم يقف الغرب ضدّها بينما هو يقف مع ثورات ما يُسمّى بـ " الربيع العربي"؟ لماذا؟ دعونا نتساءل هذا السؤال! لأنّ الغرب ومن ورائه (أميركا) يريد إنتاج أو إعادة إنتاج إسلام مُسالِم، إسلام يُحقّق مصالِح الغرب. لذلك نرى الآن ما جرى في (مصر) والتقارُب الذي تمّ وكثير من القضايا والتناغُم الذي يقوم بين الثورات أو من يأخُذ أو من يكسب نتائِج الثورة والحزب الذي يستلِم السُلطة هو تناغم مع الولايات المتحدة الأميركية سواء كان في (ليبيا) أو في (تونس) أو في (مصر) لأنّ هذا التناغُم موجود. أمّا من الجانِب الآخر، فالعرب دائِماً يقولون، إذا سمحت لي، العرب دائِماً يقولون أنّ الثورة تأكل أبناءها. " الطاهر وطّار" كتب رواية" الشهداء يعودون هذا الأُسبوع"    

عبد الرزّاق الجلّولي: "الشهداء يعودون هذا الأُسبوع"، نعم

نبيل غيشان: هذه رواية جميلة جداً تتحدّث عن المُجتمع الجزائِري، عن أنه سرت شائِعة في أحد المُجتمعات الجزائِرية تقول أنّ الشُهداء الذين استشهدوا في الثورة الجزائِرية سيعودون في الأُسبوع القادم، فالتخم الناس وما عادوا يعرفون ماذا سيفعلون. كلّ شخص بدأ في تضبيط نفسه وبدأ يُخفي بعض القضايا لأنّ التصرّفات، لو عاد الشهداء، لن يقبلوها. سيقولون أنّ هذه الثورة وهذا البلد ليست على المبادئ التي قاتلوا واستشهدوا من أجلِها

مُعاز الباي: ما وقَعَ بالنسبة للثورات العربية ليس هذا تماماً. هو تحويل وجهة مسار ثوري لصالِح الإسلاميين

نبيل غيشان: لماذا؟ لماذا؟

مُعاز الباي: حسناً، الشيء الأول أنني منذ قليل أحببت أن أُعلِّق على كلامك. قلت أننا إذا غيّرنا هذا النظام فسنُحضِر نظاماً أكثر استبداداً منه أو فاسداً

نبيل غيشان: أو فكرة فاسِدة، نعم

مُعاز الباي: هذه الفِكرة هي ضدّ الثورة في حدّ ذاتها، لماذا؟ لأنّه لا يُمكن التغيير في المنظومة الدكتاتورية إلّا بفعلٍ قويّ، بمعنى، بفعل ثورة، بفعل ممارسة جماهيرية شعبية تكون ضدّ هذا النظام المُستبِدّ، وإلاّ

نبيل غيشان: هذا الذي حدث، هذه هي التجربة المصرية  

مُعاز الباي: لكن، لا بأس    

دندراوي هواري: العمل الثوري في حدّ ذاته كان هدفاً

مُعاز الباي: لا بأس، دعني أُكمِل الفكرة           

دندراوي هواري: ثلاث سنوات كاملة لا نتحدّث إلّا عن الثورة في ظلّ إهمال كامل لما يُسمّى، القضايا الحيوية التي تهدُف إلى الحياة مثل الأمن، الأكل، الشرب

مُعاز الباي: دعني أُكمل الفِكرة

نبيل غيشان: ما الفائِدة؟

مُعاز الباي: دعني أُكمل الفِكرة  

جورج غالاواي: هذا لأنها لم تنتهِ أبداً ولأنها ما زالت مُستمرّة. الثورة الفرنسية تطلّبها الأمر عشر سنوات، وستّ سنوات للثورة البولشيفية. مع التدخلات الأجنبية والمعارِك هذه الثورة لا تزال مستمرة

مُعاز الباي: هذا الكلام يوقعنا في دائِرة مُفرغة. إذا غيّرنا الموجود لنأتي بما هو أسوأ منه فلندع الموجود ويجب ألاّ نُغيِّر. هذه هي المقولة التي يمكن أن يحاول بعض الأنظمة تسويقها للحدّ من الثورات العربية، وربما الغرب أراد من الإسلاميين هذا، أراد من الإسلاميين أن يُقدّموا لنا النموذج الأسوأ لتسيير الحُكم، فبالتالي، كلّ الشعوب المتطلّعة لتحسين وضعها، للكرامة، للعدالة، للحرية، لغيرها، للديمقراطية، ستقول، "انظروا ما يحدث في (مصر)، انظروا ما يحدُث في (ليبيا)، انظروا ما يحدُث في (تونس)، وإيّاكم والانتفاضة، إياكم والثورة"، هذا أولاً. ثانياً، بالنسبة لمسألة أنّ الغرب هو الذي دعَم الثورات العربية فهذا غير صحيح. لنأخذ مثلاً الثورة التونسية التي كانت البداية، وأنا متأكِّد أننا لو لم نقم بها لكان وضعنا أسوأ، لأننا اليوم على الأقلّ حقّقنا بعض المكاسِب البسيطة مثل حرية الإعلام وغيره، حريّة التنظُّم، وربما بعد سنوات نستطيع أن نرتقي بواقعنا التونسي إلى المنشود

نبيل غيشان: جميل

مُعاز الباي: يجب ألاّ نقطع الأمل، لكن دعني أُكمل لك. في الثورة التونسية، النظام الفرنسي نفسه وقف ضدّ الثورة التونسية. وزيرة الخارجية على ما أعتقد

نبيل غيشان: في البداية

مُعاز الباي: نعم، وزيرة الخارجية الفرنسية " ميشال آليو ماري" قالت " سنُساعِد نظام بن علي على قمع التظاهرات"

دندراوي هواري: هنا المصالِح

نبيل غيشان: في (مصر) نفس القصّة. في البداية كانوا مع

دندراوي هواري: في مصر تختلِف المصالِح لأنّ الولايات المتحدة الأميركية تخلّت عن النظام المصري ودفعت ورأت في جماعة "الإخوان المسلمين" الجماعة المُعتدِلة التي يُمكن من خلالها تحقيق أهدافها في مُحاربة تنظيمات إرهابية مثل تنظيم "القاعدة" وخلافه وما يُسمّى بالإسلام السياسي

جورج غالاواي: هلّ تعتقد أنّ (أميركا) قد تخلّت عن القوى الحالية في (مصر)؟ ألا زالت تدعم هذا النظام؟

دندراوي هواري: جماعة "الإخوان"؟

جورج غالاواي: لا، أتحدّث عن السلطة الحالية في (مصر)، ألا زالت تتلقّى الدعم من (أميركا)؟

دندراوي هواري: أي نعم، تخلّت عنها وهو

جورج غالاواي: وماذا عن علاقتكم بـ (إسرائيل) في ظلّ السلطة الحالية في (القاهرة)؟ العلاقة مع (إسرائيل) لم تتغيّر أليس كذلك مقارنةً مع عصر "مبارك"؟

دندراوي هواري: لكن هناك نُقاط مُحدّدة أُستاذ "غالاواي" في ما يتعلّق بالمصالِح. الولايات المتحدة الأميركيّة أُصيبت بصدمة في ما يُسمّى مشروعها الاستراتيجي في المنطقة، خاصّةً في (مصر)، وكانت (مصر) هي نُقطة الانطلاق في الحقيقية ومنصّة الصواريخ الحقيقية التي تنطلِق لتحقيق مصالِحها على الأرض من خلال (مصر). لذلك صُدِمت صدمة بالغة، و"أوباما" يعيش أسوأ حالاته لأنّه راهن على نظام "الإخوان" بكلّ ما أوتيَ من سياسات. إلاّ أنّ المصريين عطّلوا هذا المشروع الجهنّمي للولايات المتحدة الأميركية في ما يُسمّى بالأرض البديلة للفلسطينيين في (سيناء)، تمزيق (مصر) إلى أكثر من دولة وأيضاً العبور بالثورة المصرية إلى مناطق أُخرى، وليكن في الخليج وتمزيق أوصاله. كانت هناك أهداف في منتهى الخطورة تتكشّف يوماً بعد يوم. لذلك، بدأت تُعاقِب النظام المصري الحالي الذي يسير على خارِطة طريق مُحدّدة من خلال قطع المعونة ومن خلال ممارسات وسياسات مؤيِّدة لجماعة "الإخوان" ومُناهِضة لهذا النظام الشعبيّ رغم أنها أيّدت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني. عندما نزِلَ الجيش المصري في يوم 28، كان في نفس المشهد الذي نزِلَ فيه وأيّد فيه الجيش المصري في يوم 30، فما هو الاختلاف؟ إذا كان الجيش أيّد في يوم 25 يناير، الساعة الخامسة في ما يُسمّى "جمعة الغضب" في 28 يناير، وعندما خرَج يوم الثالث من يوليو ليؤيِّد كلّ ميادين (مصر) في ثورة 30 يونيو رغم أنّ ثورة 25 يناير لم تنطلِق إلاّ في ثلاثة ميادين فقط، هي ميدان " القائِد إبراهيم" في (الإسكندرية)، ميدان " الأربعين" في (السويس)، ميدان (التحرير) في (القاهرة) فقط، ولم تخرُج مناطق صعيد (مصر) بمحافظاتها المُختلِفة في ثورة 25 يناير. الأمر تحوّل واختلف تماماً في 30 يونيو، خرجت جميع ميادين (مصر) في محافظتها المُختلِفة لتقول " لا" لجماعة الإخوان وتُطالِب بإسقاط جماعة " الإخوان" التي فشِلَت فشلاً ذريعاً في الداخل، وأيضاً وضعت يدها، يا رجل، لم ينطلِق صاروخ واحد من "حماس" ناحية (إسرائيل) طوال عام "الإخوان"، وهو التعهُّد الذي تعهَّد به الرئيس المصري " محمّد مرسي" للأسف، الرئيس المعزول

عبد الرزّاق الجلّولي: هنا ربما الفرق أُستاذ "دندراوي"، كي نقف عنده

دندراوي هواري: وهي نقاط محدّدة تكشِف لنا هذه المُخطّطات

جورج غالاواي: توجد أُمور كثيرة أخالِفكم الرأي فيها ولا بدّ من أن أجيب عنها في الفقرات اللاحقة، لذلك من الأفضل أن أترأّس النقاش بين الضيوف الأربعة. أعود بعد قليل 


المحور الخامس

موقف الغرب من الثورات العربية الحالية

جورج غالاواي: أهلاً بكم مُجدّداً في برنامج "كلمة حرّة"، معكم "جورج غالاواي" من (بيروت)، على قناة "الميادين". نناقش الليلة موضوع الثورات. هلّ هذه الثورات قد أساءت لسمعة الثورات عموماً وكيف يُمكن مُقارنتها مع النضال العظيم المُناهِض للإمبريالية للشعب الجزائِري مع أنصاف الثورات التي نشهدها اليوم. هي نقاشات حامية وحادّة، وكما قلت قبل الاستراحة، الوقت لا يكفي لكي أُعلِّق على كلّ الأمور التي تحدَّث عنها الضيوف الكرام. لكن لا بدّ  من أن أوضِّح نُقطةً واحدة، أُريد أن أُعبِّر عن دعمي لما قاله "مُعاز" في ما يتعلّق بسلوك اتجاهات الثورات العربية. أنا أتٍ من قلب الوحش، آتٍ من ذاك المبنى الذي قام "سايكس وبيكو" فيه بعملهما القذِر. آتٍ من ذاك المبنى حيثُ قام "بلفور" بوعدِه البائِس. أعرِفُ أنّ البريطانيين والفرنسيين والأميركيين لم يدعموا قلب نظام "بن علي"، ولم يدعموا كذلك قلب نظام "مبارك". أعلمُ ذلك لأنني كنتُ هناك، كنت أدعوهم لدعم قلب هذه الدكتاتوريات، فما قاله "مُعاز" هو أمرٌ صحيح. ما أن اتّضح لهم أنّ هذه الأنظمة ستُقلَب لا محال، بدأت هذه الأنظمة الغربية بالبحث عن مكانةٍ جديدةٍ لها وعن موقِعٍ جديد لكي تزيح هذه الثورات عن مسارِها كما قال "مُعاز"، وأيضاً إلى حدٍّ كبير يمكن أن نقول، أنّ هذه القوى الغربية قد نجحت بذلك. "عبد الرزّاق"، أنتَ من الثورة النقيّة، من الثورة التي ندعمها جميعاً، وأُريد أن أُعبِّر عن ذلك لك. هذه نظرتي وقد تلْقى الدعم منكم وقد لا تلقاه. أعتقد أنّ الثورة الجزائِرية كانت ثورةً ناجِحة بشكلٍ كامل ومُطلَق لأنها كانت مُدارة من جانب منظّمة ثورية، من جانب قادة ثوريين حقيقيين ذات وجهةٍ واضحة وأهدافٍ واضحة. كانوا مستعدّين لبذل كلّ الجهود وكلّ التضحيات لتحقيق الفوز وقلب النظام السابق ومحوه بشكلٍ كامل، ما رأيِك؟

عبد الرزّاق الجلّولي: أنا أُوافقك "جورج" في هذا الإطار باعتبار أنّ الثورة الجزائِرية، وهذا ما أردت أن أقوله، أنّه ربّما ما يوضح الفرق أنّ في الثورة الجزائِرية كان هناك هدف واضح، هناك هدف التحرّر ضمن شعبٍ واحد كلّه مؤيِّد، بل على العكس، ربما ما حصل في بعض الثورات العربية أو ما يُسمّى بـ "الربيع العربي"، أنّه كانت هناك تيارات فكرية تخضع لإيديولوجية معيّنة حتّى وإن حملتها هذه الإيديولوجية أو حملها تيارها الفِكري على التحالف مع آخر يُمثّلها في الأفكار ضدّ الرؤية الوطنيّة. هناك غياب لرؤية واحدة في مفهوم الدولة أو مفهوم الوطنية أو مفهوم هذا الوطن، وما طغى اليوم هو الرؤية القصيرة، الضيقة، لإيديولوجية معينة، لوجهة نظر مُعيّنة والتعصُّب لأجلها. ما حصل في (الجزائِر)، كان هناك تيارات قبل الاستقلال وكانت كلها تيارات مُناضلة. "نجم شمال أفريقيا" و"حزب الشعب" في ما بعد "وصال الحاج" كان يُطالب بالاستقلال، كان الحزب الذي يُطالب بالاندماج، "فرحات عباس" في "حزب البيان". كانت أيضاً جمعية العلماء المُسلمين التي تبدأ من إصلاحات على مستوى الهوية، على مُستوى اللغة، استرجاع القوام الحضارية، وهناك "الحزب الشيوعي". حينما قامت الثورة التحريرية، الكلّ اتّحدَ ضمن ثورة واحدة والهدف الأول هو الاستقلال وهناك قائِد واحد وهو "جبهة التحرير الوطني" وكلّ الأهداف تصُبّ في هذا الإطار، نلتقي بالاختلاف من أجل الوصول إلى هدفٍ مُعيّن. هذا ما جعل الثورة الجزائِرية لها ذاك الانتشار الكبير ولها تلك القُدسية، خاصةً وأننا إذا أردنا العودة إلى ثورة (الجزائِر)، هذا جاء من تراكمات تاريخية، بمعنى لم تتوقف الثورات. حتّى الثورات السياسية أو النضال السياسي بدأ مع مطلع القرن العشرين، مع عودة الأمير "خالد " حفيد الأمير "عبد القادر"، ثمّ حزب "نجم شمال أفريقيا" الذي كان يضُمّ كلّ المغاربة وتحولّ إلى "حزب الشعب" في الجزائِر. كلّ هذا النضال السياسي والنضال الشعبي تحوّل إلى هدفٍ واحِد وهذا ما ميّز الثورة الجزائِرية، وضوح الهدف، وضوح الرؤية، هناك دولة، هناك بُعد إنساني، وأيضاً لم تكن لنُخبة من دون الشعب. كانت ثورة واحدة على كلّ المُستويات، يشترِك فيها الشعب وتشترِك فيها المرأة. حينما نذكر مثلاً نموذج "جميلة بوحيرد"، والكلّ يذكُر "جميلة بوحيرد". "جميلة بوحيرد" هي المرأة الوحيدة ربما بين العرب التي استطاعت أن تصنع النموذج، أن تنتقل، مما يُسمّى عند علماء الاجتماع، من الموقف إلى صناعة النموذج. النموذج الذي كان يُصوَّر في الغرب فقط عند "جندارك". فكما قال "نزار قباني"، "جندارك بلادي" أي أكبر من "جندارك فرنسا"، فهي التي تحوّلت من أخذ الموقف وردّة الفِعل إلى مُستوى الفِعل لأنها واعية بالحال الاستعمارية، واعية بدور الإنسان، والمرأة الجزائِرية والمرأة العربية انتصرت للإنسان، انتصرت للأرض، للمقوّمات، وانتصرت للمرأة كذلك وانتقلت من فضاء ما يُسمّى الفضاء الجداري، هذا الفضاء الذي عُرِفَ في المرأة الجزائِرية والمرأة العربية، البيت، الدار، "الزنقة"، "الحومة"، إلى ما يُسمّى بفضاء أكبر، أن تُصبِح حال نضال، أيقونة لنضال في العالم ككلّ يُضرب فيها المثل من أجل الحريّة. إذاً، مُستوى القِيَم الذي حرّك الثورة الجزائِرية هو الذي جعلها بتلك القداسة، بتلك الطهارة، وأصبح الهدف واضحاً، إمّا أن أموت أو ننتصر كما قال "عُمر المُختار"، الثوري الليبي سابقاً، " نحن لا نستسلم ، ننتصر أو نستشهِد". فهذا الإطار هو الذي حرّك. حتّى أنّ "جميلة بوحيرد" حين حوكِمت قالت لهم، " أعرِف أنّكم ستعدمونني ولكن اعلموا أنّكم باغتيالي ستغتالون مبادئ الحريّة في بلادكم، وأنّ (الجزائِرَ) مهما فعلتم ستكون حرّة مُستقلّة". هذا الخطاب هو خطاب حضاري جداً على مستوى الإنسان، أنا لم أُحارب بقدر ما استرجعت القِيَم الإنسانية التي

جورج غالاواي: هذه المًشكلة "دندراوي"، تلك الشخصية الكُبرى التي ذكرها للتوّ، وهي بالنسبة لي من الأهم لاسيما مقارنةً مع شخصية "عبد الناصر". هلّ السبب هو موت الإيديولوجيات؟ هلّ الإسلاميون هم الوحيدون الذين يملكون إيديولوجية؟ وهي ليست فعلاً بالأيديولوجية وليست ناجحة أو جذّابة إلى هذا الحدّ نظراً لعدم وجود أيّة أيديولوجيات أُخرى موجودة في هذه الحقبة الحالية؟                                

دندراوي هواري: أعتقد في الفترة الأخيرة، وما أظهره وصول جماعة "الإخوان المسلمين" إلى الحكم، أنه قُتِلَت جميع الإيديولوجيات والأحزاب والحركات الثوريّة. على سبيل المثال، في (مصر) لم تعُد هناك إيديولوجية يُمكن أن نُطلِق عليها أيقونة بعد 30 يونيو/ حزيران. تغيّرت المفاهيم تماماً وانصرف الشارِع تماماً عن كلّ النُخَب وارتمى في حضن المؤسسة الوحيدة التي أعتقدَ أنها القادرة على قيادته وهي المؤسسة الوطنية الحقيقة، القوّات المُسلّحة المصرية، ثمّ بحث عما يُسمّى بإعادة إنتاج الزعيم الشعبي مثل "جمال عبد الناصر" الذي كان مُفجِّر كلّ الثورات، وفي سنة 1958 بعد عام 1952، فيلم "جميلة بوحيرد" المصري العظيم الذي كان مصرياً جداً وكان عنواناً عريضاً ودعماً لنضال "جميلة بوحيرد"، وعرّف هذه المناضلة العظيمة والثورة الجزائِرية، وكانت "جميلة بوحيرد" في هذا الفيلم ما هي إلاّ شخصية، إنما كان التركيز بشكلٍ عام وفي الإطار العام على الثورة الجزائِرية النقيّة في تحرير البلاد من المُستعمِر، وكان "جمال عبد الناصر" بطلاً ومؤمناً بهذا الأمر. في الحقيقة، في ما بعد، نعم التيار الناصري حاول أن يستعيد ثوبه من جديد، ولن نستغرِب كثيراً في أن يُحاول البعض أن يقول " أنا ناصري". أنا أعتقد أنه لا توجد إيديولوجية حالياً تحكم الشارع، جميع الأيديولوجيات قولاً واحداً، جميع الإيديولوجيات ماتت، (مصر) مثلاً، على سبيل المثال، تبحث عن الزعيم الشعبي، ولذلك رُفِعَت صُوَر "جمال عبد الناصر" في "ميدان التحرير"

جورج غالاواي: لكن المبادئ الأساسية الثلاثة والسمات الأساسية لـ "عبد الناصر" كانت مُعارَضة ومُحاولة قلب الأنظِمة الملكية العربية مثل (السعودية)، ومُناهضة الهيمنة الأميركية وتأثير علاقات (مصر) بالاتحاد السوفياتي، وثالثاً العداوة المُطلقة لـ (إسرائيل). لكن الوضع مُغايِر حالياً، حيثُ أنّ السُلطة اختلفت علاقتها حالياً في (مصر) مع (أميركا) ومع (روسيا) وحتّى مع (إسرائيل)، وإن كان الدعم الأميركي بات أقلّ حالياً، بالتالي، من الواضح أنّ ما من "عبد الناصر" جديد على الساحة، ما مِن تيار ناصري جديد، هلّ هذا الوضع ينطبق أيضاً على (تونس) كذلك؟ غياب أية منظمة ثورية مثل "المنظمة الثورية الشعبية" في (الجزائِر)، وغياب شخصية نافذة مثل "عبد الناصر" قد تركت الثورة في (تونس) يتيمة؟

مُعاز الباي: أعتقد أنّه في (تونس) الوضع يختلِف كثيراً. الفارق الوحيد أنّه في (مصر) هناك، كما قال الزميل، الجيش وطني، المؤسسة العسكرية وطنية ولديها امتدادات شعبية. في (تونس)، الجيش مؤسسة حُيِّدَت وعُزِلت عن الفعل السياسي منذ الاستقلال، منذ سنة 1956. الشارِع التونسي اليوم ربّما يبحث كذلك عن الزعامة، يبحث عن شخصية الزعيم الذي يجمع التونسيين وربما هناك استعادة لصورة "بورقيبة"، رجُل دولة الاستقلال، إلى غير ذلك، ويُحاول القيادي السياسي " الباجي قائد السبسي" أن يتقمّص، بشكلٍ أو بآخر، هذه الشخصية، وهذا يُعطيه نوعاً من الشعبية، وهذا ما يُفسِّر ربما بعض الالتفاف الموجود حوله. بعض القوى اليسارية، أغلب القوى اليسارية كذلك في (تونس) تُحاول أن تتشكّل داخل جبهة، "الجبهة الشعبية"، وهذه القوى إلى جانب القوى الليبرالية تُحاول كذلك التشكُّل داخل جبهةٍ أوسع هي "جبهة الإنقاذ" بما فيها "حزب السيّد الباجي قائد السبسي" وغيره من القوى، نسجاً على تجربة (مصر) التي سبقتنا في إطار أنّ جميع القوى السياسية تكتّلت في اتجاه إيجاد مخرج أو حلحلة الوضع القائِم، هذا على المستوى السياسي. على مُستوى الشارِع العام وعلى المُستوى الشعبي، ما زال هناك نوع من التململ داخل الشارِع، لمسوا، وهذا حتّى على مستوى الإحصاءات وعلى مستوى سبر الآراء، لمسوا أنّ عدداً كبيراً من التونسيين أصبحوا غاضبين من الطريقة التي سيَّرت بها "النهضة" الحزب الإسلامي الحاكِم وشركائه في الحكم. كذلك، التداعيات الاقتصادية لسياساتهم والتداعيات الاجتماعية لسياساتهم بدأت تبرُز للعَلن على المُستوى المعيشي، وهذا مؤثِّر جداً في المرحلة السياسية القادمة. اليوم هناك بحثٌ عن مخرج حواري وسلمي للانتقال بالسُلطة، هناك حديث عن حكومة تكنوقراط، حكومة مُحايدة وغير مسيّسة وغير منتمية لأيّ حزب، وتتعهد بعدم الترشُّح لانتخابات قادمة. تركت (تونس) والحوار ما زال متواصلاً، وللآن لم يتمّ التوافُق حول شخصية من سيقود هذه الحكومة، لكن الواضح أنّ جميع الأطراف وعوا إلى أنّ الأزمة لا يُمكن حلّها إلاّ في إطار حوار تفادياً للسيناريو

جورج غالاواي: "دندراوي"، هذا هو سقوط الإيديولوجيات عندما تبدأون البحث عن حكومة تكنوقراط     

دندراوي هواري: أنا أتّفق في هذه النُقطة، لكن الشعوب، خاصّةً الشعب المصري في تعداده الـ 94 مليوناً، نحن أصبحنا 94 مليوناً، خاب ظنّه في النُخَب. خاب ظنّه في النُخَب المُتصارِعة، حتّى النُخَب المدنية والليبرالية التي كان من المُفتَرض أن تصعَد وتحتضن وتظهر في المشهد السياسي، هي نُخب متقطّعة الأوصال، نُخب ضعيفة، نُخَب متصارِعة في ما بينها في الداخل، غير متوحِّدة، بعيدة تماماً عن نبض الشارِع على الأرض. بمعنى، ليس لها علاقة بالشارِع. لذلك، الشارِع لا يعرِف كثيراً من هذه الرموز ويكرهها ويكره رموزها مثلما يكره جماعة الإخوان. أنا فقط أُريد أن أرجع إلى نُقطة أنه لا يوجد مثيل للعظيم " جمال عبد الناصر"، أي نعم، ولكن مع الاختلاف. هذا القياس يشوبه بعد عن الحقيقة لأنّ الظرف الزمني والمشهد السياسي الدولي مختلفان تماماً عما نعيشه الآن في الحراك السياسي، في المُعادلة السياسية، المُعادلة الدولية، في المصالِح الدولية المتشابكة، في كون العالم أصبح قرية صغيرة، في أشياء كثيرة، فأنا أرى أنّ الفريق أوّل "عبد الفتاح السيسي"

جورج غالاواي: أقول دوماً، لو كان لـ "عبد الناصر" قدرة استخدام التلفزيون والأقمار الصناعية لاتّحَد العرب. نُكمِل بعد الاستراحة

المحور الخامس              

جورج غالاواي: أنتم تُشاهدون قناة "الميادين" وبرنامج "كلمة حرّة" معي، "جورج غالاواي"، في (بيروت). نتحدّث الليلة عن موضوع الثورات وكيف أنّ الوضع كان مثالياً في ثورة (الجزائِر)، وكيف أنّ الأُمور كلّها كانت واضحة، ومنذ ذاك الحين باتت الأمور أكثر تعقيداً. "نبيل" من (الأُردن)، حيثُ لم تقع أيّة ثورة، أقلّه حتى وقت تصوير هذه الحلقة، وأنا متأكد أنّ الثورة لن تقع حتّى وقت البثّ، هلّ لا زلت تشعُر بأنّك محظوظ؟

نبيل غيشان: أنا ما زلت أعتقد أنّنا في (الأُردن) محظوظون لما جرى، لكن هذا لا يعني أننا راضون عن الأوضاع. في (الأُردن) نحن في حاجة إلى إصلاح، في حاجة إلى مُحاربة فساد، في حاجة إلى ديمقراطية، في حاجة إلى تداوُل سلطة، في حاجة إلى مؤسسات سياسية قادرة على العمل. أنا أتحدّث عن برلمان فاعِل قادر على مُراقبة الحكومة ومُحاسبتها وإسقاطها، وعن حكومة تكون أيضاً قادرة على العمل وأن تكون صاحِبة قرار في كلّ القضايا الوطنيّة الأُردنية، وأيضاً صحافة حرّة تُعبِّر عن المواطنة. الأُردنيون يريدون اليوم أن يروا بلدهم أفضل، أن يُشارِكوا في صناعة القرار السياسي لأنّ الأُردنيين لا يُريدون أن يبقوا متفرّجين، أيضاً يُريدون أن يروا أحزاباً سياسية قوية. المُشكلة الآن في (الأُردن)، لا توجد أحزاب سياسية قوية. البرلمان لا يستطيع مُحاسبة الحكومة، هذه قضايا نحنُ كأفراد في الشعب الأُردني نُريد أنّ نرى مُحاسبة حقيقية، وأن يُحاسَب كلّ شخص على أيّ خطأ يرتكبه وأن تكون هناك ديمقراطية وتداول حقيقي للسُلطة، لكن نحن ضدّ الفوضى. من يرى ما يجري في (سوريا) لا يُمكن أن يقبل التغيير حتّى لو طالت مُدّة التغيير لخمس سنوات أُخرى، ننتظر لكن لا يُمكن أن نذهب أو نقبل بالفوضى لأنّ المُغامرة تقود إلى المقامرة، وهذه المقامرة السياسية لا نريدها. نريد أن يبقى نظامنا السياسي لكن نريد نظاماً يحترِم شعبه ونظاماً قادراً على أن يكسب ودَّ شعبه

جورج غالاواي: لكن السؤال الأساسي هنا هو كيف ستصبون إلى ذاك الوضع من دون ثورة؟ لقد تحدّثت عن سلسلةٍ من المطالِب وأنا أُوافقك الرأي عليها جميعاً، لكن من يتولّى السُلطة في بلدك الآن؟ القادة في بلدك، لن يقدّموا لكم أيّاً من هذه المطالِب فكيف ستحقّقونها؟

نبيل غيشان: لا، أنا أتحدّث عن الثورة بالمعنى العنيف، بمعنى أنني لا أُطالب بأن تكون هناك ثورة بالعُنف. أن يكون الإصلاح تدريجياً وألا يكون هناك استعمال للسلاح، أن يكون هناك حوار، أن يكون هناك إسقاط للحكومة في البرلمان

دندراوي هواري: ثورة إصلاحية داخلية            

نبيل غيشان: ثورة بيضاء حقيقية من دون دماء. هذه الثورة قادرة، "أوروبا" كلّها

دندراوي هواري: لماذا بعض الأنظمة العربية، إذا كانت الشعوب استفادت من الفوضى في البلاد التي اندَلعت فيها ثورات "الربيع العربي"، لماذا لم تستفد (الأردن) وأمثالها من الأنظمة أيضاً مما حدث للأنظمة الأُخرى وتبدأ في ثورة إصلاحية داعمة داخلية؟

نبيل غيشان: يا سيّدي، النظام في (الأُردن)

جورج غالاواي: لكن هذا هو بيت القصيد تحديداً، لا يُمكن أن يُعِدّ المرء "عجّة" من دون أن يكسُر البيض! لا يُمكن أن يجلب التغيّرات الجذرية في حال عدم موافقة القادة إلاّ إذا حقّقتم هذه التغييرات الجذرية، وأنت تملِك ترف تواجدك في بلدٍ حيث لم تقع أيّ ثورة ولم يحدُث أيّ تغيير جذري. ربّما تحدث الثورة لكن من دونها لن يحدُث أيّ تغيير جذري. "عبد الرزاق"، ما يقوله "نبيل" هو أمرٌ واضِح في كلّ العالم العربي. يوجد خوفٌ من الثورة لأنّ الثورة سُرعان ما باتت تتحوّل إلى ثورةٍ عنيفة، وتنقلِب الأُمور رأساً على عقِب

عبد الرزّاق الجلّولي: في الحقيقة، حين تتحوّل الثورة عن معناها الحقيقي، هذا يُعتَبر أزمة وانتكاساً للإنسان. ذاك الإنسان الذي صبر على الظلم، على الطغيان، ثمّ حينما يحلُم ويشعُر أنّه صنع نفسه ويُحقّق ذاته ينتكِس بفعل تراجُع أو النتائِج السلبيّة لبعض الثورات حينما نُقارن دائِماً الثورة الجزائِرية العظيمة والناجحة ببعض الحركات التحرّرية وبعض حركات التغيير في "الربيع العربي" كما يُسمّى. اليوم أريد أن أنتقل إلى قضيّة الزعامات. الثورة الجزائِرية لم تجعل زعيماً واحداً بل كانت الزعامة للجماعة، أسّست منذ البداية بيان الأول من نوفمبر ووضعت فيه الكثير من المؤسسات المُختصّة السياسية في الداخل وفي الخارِج. كانت الأُمور مُهيكلة للجماعة ولم يكن من زعيم للثورة الجزائِرية وهذا ما ساعد في نجاحها. عبادة الزعامات هذه التي أضرّت بنا، نعم

جورج غالاواي: ذاك كان أمراً جيّداً، كنتم محظوظين

عبد الرزّاق الجلّولي: نعم. هذا ربما ما يُسيء اليوم لبعض الثورات العربية ويُسيء إلى الشعب. كفانا البحث عن زعامات، يجب أن نبني دولة مؤسسات، الدولة التي تقوم على المؤسسة وتكون فيها الكلمة للمؤسسة لا للزعيم. تجاوزنا مُستوى الزعيم والأمر المُفدّى والملك المقدّس والرئيس المقدّس، لا. كلٌّ يؤدّي دوره في هذا المُجتمع، كلٌّ له مُهِمّة في هذه الدولة يقوم بها ويؤدّي دوره وينتهي ويذهب ثمّ يأتي الآخر. هذا المفهوم هو الذي سيخلق عند الوطن العربي وعند البلاد العربية مفهوم الهوية ومفهوم المواطنة الحقيقية التي يُمكن أن تصنع التغيير. من دون هذا سنبقى نعيش، لماذا نحن نعيش عُقَد 14 قرناً ونتعايش مع المشاكِل؟ كلّ من يصنعون الآن أو من يُصوّرون أنفسهم بين قوسين أنهم هم زعماء التحرّر، اليوم كلّهم يعبدون الذات. أتحدّى أيّ حزبٍ اليوم في الوطن العربي يقوم بعمليّة انتخابات وتغيير. نعرِف رؤساء الأحزاب منذ بدأوا إلى اليوم، لا يوجد هناك تغيير حقيقي. كلٌّ يتمنى في اللاوعي الداخلي أو في اللا شعور أن يكون هو الحاكم وهو صاحب الكرسي وإذا ما مسكه فلن يتخلّى عنه، هذه هي إشكالية المواطن العربي، البحث اليوم عن دولة مؤسسات لا دولة أشخاص

جورج غالاواي: ثورةٌ عربية يجب أن تكون على هذا النحو. أن تكون (فلسطين) في قلب أجندتها، وأن تُعبِّر عن معارضتها المُطلقة للدولة المُستوطنة في (فلسطين) المُحتلّة وأن تُقدِّمَ دعمها المُطلَق للشعب الفلسطيني القابِع تحت الاحتلال. لا بدّ من أن ترفُض الاحتلال الأجنبيّ، إمّا بشكلٍ مادّي من خلال وجود الجنود الأجانب على أراضيها أو حتّى الاحتلال الافتراضي من جانب الهيمنة على الاقتصاد والموارِد الطبيعية والهيمنة على الثروات الطبيعية أيضاً من خلال استلام السُلطة المُهيمنة على القرار، ولا بدّ لهذه الثورة من أن تسعى لتحقيق وحدة الشعب، ولذلك نرى أنّ ظلامية الإسلاميين الذين يلتهمون القلوب في (سوريا) لا يُمكنهم أن يضطلعوا بهذا الدور، الدور التوحيدي في الشعب هو خلف الثورة. لا يُمكنهم أن يفعلوا ذلك ولا يريدون حتّى أن يفعلوا ذلك لأنّهم يرفضون كلّ شخص لا ينتمي إلى ذاك التفسير الظلامي الضيِّق للإسلام الذي يشعرون أنهم ينتمون إليه، والمسيحيون العرب أو العرب، من أيّة أقلية دينية أو أي شخص يعيش في العالم العربي مثل الأقليات مثلاً الكردية، لن يكونوا قادرين على التماهي مع هذا التعريف لأنه لا مكان لهم في هذا القالب. كما أنّ الثورة العربية التي لا بدّ من أن تنطلق من فِكرة حكم الرجل الواحد أو الملك الواحد أو الأمير الواحد أو القائِد الواحد لا علاقة لها بالحرية لاسيما وإن كان هذا الأمير أو هذا القائِد يتصرف خِدمةً لمصالِح الآخرين. نحن في انتظار ثورةٍ من هذا النوع، لم تُبصر النور بعد لا في (تونس) ولا في (مصر) ولا في أيّ مكانٍ آخر، لكنني مؤمنٌ أنّ الثورة آتية لا مُحال لأنّ منطق الفِكرة العربية، المُثل العربية التي تجلّت بالقيادة الشعبية الثورية الجزائِرية وفي الصورة الملحمية لـ "جمال عبد الناصر". إذاً المنطق خلف هذه المُثل سيُصبِح جليّاً لما يكفي من الناس ليعتبروا أنّ هذه هي الثورة العربية وسوف تكون ناجحة، من "الأطلسي" إلى "الخليج". هذا هو رأيي إن كان رأيكم مختلفاً تابعونا لأنّ أيّاً من ضيوفي قد وافقني الرأي اليوم وربما لا يكون مختلفاً، لكن هذه هي قيمة برنامج "كلمة حرة"