أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

مار نيقوديموس داوود متي شرف - رئيس أبرشية الموصل وكردستان للسريان الأورثوذكس

تهجير المسيحيين من سهل نينوى

المحور الأول

واقع المهجرين.
المحور الأول

غسان الشامي: مساء الخير. عندما يُطبِق الهمج على المدن تخلو الدور من أصحابها، تُصلَب الكنائس وتُحرَق المساجد وتدمَّر المزارات وتُهدَر الحضارة. عندما يُطبق الهمج على الحواضر تستباح الحضارة وتسبى النساء وتُغتصَب الفتيات وتُسرق البيوت وتهجم الغيلان على البشر المسالمين لتُعمِل أنيابها. ما حصل في الموصل وشمال العراق لا يشبه أبدا أي هولاكو أو أتيلا أو تيمورلنك أو جانكيزخان. إنه يفوقهم جميعا. وأبشع ما فيه بعد الذبح هو ذبح البنيان الاجتماعي ودفع المكوّنات الصغرى عدديّا للهجرة. إنه همج لا يقبل إلّا بمن يماثله في الهمجية. ولا مثيل له بذلك سوى الإسرائيلي. صاحب النيافة المطران مار داود متّى شرف، رئيس أساقفة الموصل وكردستان للسريان الأورثوذكس غادر مقر أبرشيته الأقدم والأبهى في الموصل كما غادر شعبها القديم ثم غادر أهله سهل نينوى بعد هجوم الهمج الداعشيّين. إنها معاناة التهجير والإبادة. نستقبله من أربيل لنضع يدنا على الجرح الجديد لهذا الشعب التاريخي العتيق.

سيادة المطران شرف، نيافة المطران شرف كما تقولون أنتم، تحية لك ولجميع الذين أُجبروا على ترك بيوتهم وذكرياتهم. وسؤالي الملحّ: ما هي حال الناس حاليا؟ أعرف أن إمكاناتكم وإمكاناتهم قليلة. كيف تتدبّرون الوضع؟ كيف هم يتدبّرونه؟

المطران شرف: مساء الخير سيد غسان، وأهلا وسهلا بقناة الميادين العزيزة؛ هذه القناة التي عُرفت لدى الجميع باعتدالها في الزمن الذي يشوب فيه التطرّف. شكرا جزيلا لالتفاتتكم، وشكرا جزيلا لمتابعتكم لما يحدث معنا في العراق وفي الموصل بالذات.

غسان الشامي: أهلا بك.

المطران شرف: في الحقيقة، أنت سألتني كيف الناس تتدبّر أمورها اليوم. الناس وضعها متعَب جدا. الناس مهدَّمة من الداخل. أحسن تعبير نستطيع أن نعبّر به عمّا يعيشونه اليوم هو أنهم استطاعوا أن يهدموا الإنسان في داخل الإنسان المسيحي. ولكننا نسعى دائما لكي نثبّت المؤمنين والبشر جميعا بإيمانهم؛ هذا الإيمان الذي يعطيهم دفعا إلى الأمام ليستطيعوا أن يستمرّوا في هذه الحياة المتعَبة هنا في العراق. الناس الآن، الكثير منهم، استطعنا أن نحتويهم. ولكن يوجد أيضا عدد ليس بقليل يفترش الأرض ويلتحف السماء وينام على الأرصفة وفي الحدائق. الوضع مأساوي بكل معنى الكلمة. مأساوي ليس فقط لأن هؤلاء الناس غادروا بيوتهم وسُلبت ممتلكاتهم، ولكن مثلما قلت في البداية: لأنهم استطاعوا أن يهدموا الإنسان في داخل قلوبهم. هذه هي المشكلة.

غسان الشامي: هدم الإنسان أمر كبير لأن الأديان والعقائد الاجتماعية تسعى إلى بنيان الإنسان. ولكن في الواقع هي المرة الأولى في التاريخ، بطول هذا التاريخ، وتاريخكم وتاريخ هذه المنطقة طويل، لم يبقَ مسيحي في الموصل ولم يبقَ مسيحي في سهل نينوى؛ هذا المهد الحضاري لكم. كلهم أتوا إلى كردستان، إلى أربيل وإلى عينكاوة. وبات هناك أكبر تجمّع مسيحي مهجّر. بكل صراحة، هل الشعور لدى هؤلاء الناس، لديكم أنتم الذين تحاولون إدارة شؤون هؤلاء الناس بأنها هجرة مؤقّتة؟ أو دائمة؟ أو أنها محطّة باتجاه مطار جديد أو بلاد أخرى؟

المطران شرف: في الحقيقة، رأيتني حين قلت إن الأديان تسعى دائما إلى زرع المحبة، وابتسمت قليلا؛ لأنني أستغرب من هذا التجاهل لما يحدث اليوم. نحن نعاني من فكر يرفض الآخر. وهذا الفكر مستوطن في الشرق. الكل يتجاهل هذا الفكر. يوجد فكر يرفض الآخر. يوجد فكر لا يقبل الآخر. ويستخدمون هذا الفكر من خلال دين ومن خلال شيء مسمى بأمور سماوية. على كل، الناس اليوم تركوا بلدهم الموصل وجاؤوا باتجاه أربيل ودهوك وكردستان بصورة عامة باحثين عن الأمان؛ هذا الأمان الذي فقده العراق منذ عشر سنوات وأكثر. فقدوا هذا الأمان. وكان هذا الأمان متأصّلا في هذه المنطقة، في منطقة كردستان. الناس تركوا بيوتهم وتركوا كل ما تعبوا في تكوينه طوال فترة حياتهم. وجاؤوا إلى هذه المناطق. ولا نعرف ما الأعداد التي تفكّر بالهجرة، ما الأعداد التي تفكّر بأن هذه المنطقة هي محطة، ما الأعداد التي تريد أن تستقر في هذه المنطقة. لأنه يوجد تباين كبير بين الأشخاص. كل شخص له فكره. ونحن نحترم فكر الجميع. يوجد منهم مَن يريد فورا أن يترك العراق لكن ربما ليس لديه جواز سفر. ويوجد منهم مَن يفكّر في تهيئة الظروف حتى يترك العراق. ويوجد منهم مَن يعتبر هذه المنطقة منطقة آمنة سيستقر فيها دائما ولن يعود إلى الموصل. ويوجد منهم مَن يعتبرها محطة، ينتظر لتهدأ الأوضاع حتى يرجع إلى الموصل وقرى سهل نينوى حتى يعودوا إلى القرى المسيحية التي مثلما قلت أنت: لأول مرة في التاريخ، الموصل والقرى المسيحية التي تحيط بها التي تسمى بقرى سهل نينوى، لأول مرة في التاريخ لا تُقرع الأجراس فيها. لأول مرة في التاريخ لا تقام القداديس والصلوات فيها. ونحن في سنة 2014، في عز الثورة الديمقراطية والتطور العالمي وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من مصطلحات أصبحت باهتة الألوان، تافهة المعنى، لا تدع في قلوب سامعيها من العراقيين سوى كل البؤس والمأساة عندما نسمعها.

غسان الشامي: أنا أريد في هذه الحلقة أن أوصل عبركم أعلى نسبة من الواقع للناس. ولكن أنت ذكرت أن هذا الذي يحصل هو فكر. بالمقابل ذكرت أننا في عهد حقوق الإنسان. أولا، من الواضح أن هؤلاء القتلة أو هؤلاء الذبّاحين ليس لديهم فكر. هذا نوع من الهمج لديه مثل في التاريخ. الفكر هو مَن يُعمِل العقل. ولكن أيضا هل حقوق الإنسان مصانة؟ هل هذا العالم الذي يقال إنه متمدّن، هذه الدول التي تقول إنها متمدنة والتي وقّعت على الكلام الذي يُعلَك يوميا عن حقوق الإنسان تسعى إلى حقوق الإنسان؟

المطران شرف: نحن ضحية. نحن ضحية لأمرين. هذه قلتها في غير مقابلة. نحن ضحية للشر الغربي عندما يرتبط بالغباء العربي. عندما يرتبط الشر الغربي بالغباء العربي تكون ضحيته الأقليات. تُسحق من دون أن تستطيع حتى أن تعبّر بأبسط أنواع التعبير عن مدى الموت الذي تعيشه والإهانة التي تعيشها. هذا الفكر الذي تحدثت عنه والذي تعرفونه جميعكم والذي يعرفه الجميع هو فكر موجود في الشرق ويراد به أن يُنقل حتى إلى الغرب. هذا الفكر الذي يرفض الآخر، الذي لا يقبل الآخر، الذي يستبيح كل ما يملكه الآخر ويعتبره غنائم وسبايا وأملاكا. هو حِلٌّ له لأن هذا المقابل لا يؤمن بما يؤمن به هو. هذا الفكر في الشرق ولدى العرب. ولكن في الغرب أيضا توجد مصالح ويوجد كم من الشر الهائل. وأنا قلت دائما: هذه الأكذوبة التي تدعى بحقوق الإنسان الغربية، هذه أكذوبة كبيرة. صدّقها الغرب وعاشها ويحاول أن يجعلنا نصدّقها ونعيشها. إلّا أنها كذبة كبيرة لأنه لا يوجد شيء اسمه حقوق إنسان في العالم كله. في كل العالم لا يوجد شيء اسمه حقوق إنسان. وأرخص ما يوجد اليوم في العالم هو الإنسان، وبالذات الإنسان العربي والإنسان الشرقي. اليوم، الغرب الذي يتحدث بالديمقراطية والذي يتحدث بحقوق الإنسان، وهذا قلته لكل السفراء الذين التقيتهم. قلت لهم: أنتم من أجل أن تغيّروا شخصا تبيدون شعبا بأكمله ومجتمعا بأكمله. من أجل أن تطيحوا بصدّام حسين، دمّرتم العراق. هذا لا يعني أن صدام حسين كان جيدا، ولا يعني أننا كنا نريد صدام حسين. نحن لسنا مستفيدين لا في زمن صدام ولا في زمن غيره. وإلى اليوم نحن نعيش خسارة كاملة في هذا العراق وفي هذا الشرق. نعيش هذه الخسارة ونعتب. وربما سيعاتبني البعض ويقول: سيّدنا، أنت كنت عصبيّا بعض الشيء وصريحا أكثر من اللزوم. يجب أن نجامل. يجب أن نحافظ على مشاعر هذا وذاك وأن ننتبه لنفسنا لأن هؤلاء أشرار. أنا أقول للجميع: لم يعد هناك ما نجامل عليه. لم يعد هناك ما نخاف عليه. لم يعد هناك مَن يهمّنا. فقط يهمّنا أمر شعبنا الذي يباد كل يوم، الذي يُقتل كل يوم، الذي يُسحق كل يوم. غير امرأة أسقطت جنينها. قبل أيام توفيت طفلة عمرها شهران لأنها تلتحف الشمس، وأمها تعبت بها تسعة أشهر. ما الذنب الذي ارتكبته هذه الطفلة؟ ويوجد الكثير والكثير من المآسي. ليس المسيحيون فقط. حتى إخواننا الإزيديون يعانون ويتعبون من أجل أمرين.

غسان الشامي: اسمح لي سيدنا. أنا أعرف تماما مدى الجرح الذي يحفر في نفسك وفي نفس المسيحيين وفي نفس الإزيديين أيضا. وهو جرح عميق فعلا. وأنا أقدّر صراحتك تماما وأفهمها. لا بل أريدها كثيرا كي تصل هذه الصراحة إلى الناس في هذا العالم العربي الذي ينام كثيرا على سرير هناءة كاذبة. ولكن أيضا اسمح لي أن أقول لك إن البطريركية أيضا وغبطة البطريرك مار أفرام والشهادة الإيمانية، شهادة الإيمان بأنكم أنتم الصخرة، وعلى الصخرة بنى المسيح كنيسته. هذه الصخرة الإيمانية تطالب بأن تبقوا شهودا إلى يوم الدين في هذه الأرض وعدم الهجرة. ما المطلوب فعلا؟ ما المطلوب فعلا كي يبقى الناس في بلادهم، في العراق، في سورية، في كل مكان؟


المحور الثاني

القرارات الدولية.
المحور الثاني

غسان الشامي: أهلا بكم مجددا في "أجراس المشرق" في حوار مع نيافة المطران مار داود متى شرف، مطران أبرشية الموصل وكردستان في شمال هذا العراق الحزين. نيافة المطران، قبل الفاصل سألتك وقلت إنني أعي وأقدّر تماما ألمك وصراحتك، وإن البطريركية تقول للناس: ابقَوا. ما المطلوب فعلا كي يبقى الناس وألّا يهاجروا؟

المطران شرف: أنت ذكرت اسم أبينا الأقدس مار اغناطيوس أفرام كريم الذي أرسله الله هدية للكنيسة السريانية الأورثوذكسية في العالم أجمع، أدام الله بقاءه وأطال عمره. هذا الإنسان الذي بدأ مسيرته البطريركية بزيارة أكثر منطقتين منكوبتين وهما حمص الحبيبة الجريحة والموصل الجريحة. زارهما بعد أقل من ثلاثة أسابيع من بطريركيته. وبدأ مسيرته البطريركية بزيارة هذه المناطق المنكوبة. وعندما سئل وعوتب من البعض أنه لماذا يا صاحب القداسة تذهب إلى هذه المناطق في هذه الظروف القاسية؟ أجاب وقال: أنا أصبحت بطريركا لأكون أبا للآباء وأبا لأبناء الرعية في كل وقت، وأهم الأوقات في وقت آلامهم قبل أن أكون معهم في أفراحهم. نطلب بركته.

غسان الشامي: نعم، هو أتى في الزمن الصعب. أتى فعلا في الزمن الصعب.

المطران شرف: نعم. وقداسته دائما يريد أن يثبّت الجميع في أرض الآباء والأجداد وعدم اقتلاع جذورنا. وهذا فكر كل الكنيسة. وحتى قداسة بابا روما أيضا يذكر هذا الأمر. وأرسل قبل أيام مندوبا عنه، الكاردينال فيلوني. وأيضا غبطة البطريرك لويس ساكو، البطريرك الموجود في العراق والذي نتعاون معه دائما ونعمل جميعنا هنا في هذه الظروف نحن وبقية الكنائس من أجل تثبيت الشعب. هذا صحيح. وأمر طبيعي أننا نريد كل الرعية أن تبقى في الوطن وأن تتجذّر أكثر وأكثر وألّا تنقلع من جذورها لأنها ستنقلع من تاريخ آبائها وأجدادها، من تاريخ موغل في القدم لأكثر من سبعة آلاف سنة، حتى قبل المسيحية. ولكن، إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع. نحن اليوم يجب أن نعطي حلولا للشعب. الشعب ينادي.. هذا الذي قلت لك. يفترش الأرض ويلتحف السماء. يفترش الأرض ويلتحف السماء بكل معنى الكلمة. ليس تمثيلا وليس تشبيها بل بكل معنى الكلمة يفترش الأرض ويلتحف السماء. ينام في العراء. هذا الإنسان حين تقول له: تثبّت في أرض الآباء والأجداد والتاريخ، يمكن أن يتهوّر في أن يقول كلمات حتى غير مؤدّبة في وجهك أو يثور عليك ويقول: أنت لا تشعر بي. فنحن اليوم نقول للشعب: تثبّتوا في إيمانكم. هذا ما نستطيع أن نطلبه من الناس أن يتثبّتوا في إيمانهم بالله الإله الحقيقي وليس الإله المزيّف. توجد آلهة مزيّفة كثيرة. لكننا نطلب من شعبنا اليوم أن يتثبّت في إيمانه وفي علاقته بالله الحقيقي؛ هذا الذي هو وحده سيزرع الأمن في قلب هذا الإنسان والذي سيجعله يستطيع أن يتحمّل البقاء في العراء. ولكن اليوم حين أقول له: لا تهاجر، بالتأكيد نحن لا نريده أن يهاجر. بالتأكيد نحن نرفض مبدأ الهجرة لأن الهجرة هي موت آخر وذوبان أيضا وترك للوطن. هو مصير مجهول وقاتم ومظلم. لا نعرف شيئا عن هذا المصير. لكن هذا لا يعني أنه في وطنه يعيش ظروفا أفضل. لا. هذا الإنسان يعيش ظروفا سيئة في وطنه. وطن من دون كرامة غربة. نحن غرباء في وطننا. يا ناس، أحِسّوا بنا يا جماعة. وطن من دون كرامة غربة. وغربة مع كرامة تصبح وطنا مع الوقت، مع الأسف. بقلب مجروح نقول هذا الكلام. يا ناس، كفى مجاملة على حساب مستقبل هؤلاء الناس. لا نستطيع نحن أن نطالبهم بأكثر مما يستطيعون. لا نستطيع. سامِحونا. نحن نريد من الجميع البقاء. ولكن لا نريد لهم البقاء من دون كرامة. إمّا أن يبقوا بكرامتهم أو أن يبحثوا عن الكرامة في أي مكان في العالم. في أي مكان في العالم يبحثون عن الكرامة. نحن لا توجد لنا كرامة في وطننا. اسمح لي أستاذ غسان.

غسان الشامي: تفضّل، تفضّل.

المطران شرف: نحن لا توجد لنا كرامة في وطننا. نحن نهان في وطننا. نحن نُقتل في وطننا. نحن أقلية في وطننا. نحن مسلوبون كل الحقوق في وطننا. نحن لا نستحق ونحن أهل هذه الأرض أن يكون واحد منّا رئيسا للجمهورية لأننا مسيحيون لأن الدستور يقول، وهذا دستور خاطئ، إنه يجب أن يكون رئيس الجمهورية مسلما. لماذا يجب أن يكون رئيس الجمهورية مسلما؟ مَن هو ابن هذا الوطن؟ ونحن المسيحيين كنا قبل الإسلام في هذا الوطن.

غسان الشامي: لماذا وصلتم إلى هذا؟ لماذا لا تدافعون عن حقوقكم؟

المطران شرف: ندافع ولكن لا حياة لمن ننادي.

غسان الشامي: اسمح لي سيادة المطران. هناك صورة عن المسيحي أنه عندما يهاجَم يوضّب أغراضه ويمضي. إمّا أن يهاجر أو أن يقول إنني بلا كرامة. ولكن يجب أن يدافع عن هذه الأرض. يجب أن يجد طريقة. يجب أن يقاتل. لماذا هذا التكفيري وهذا الإرهابي يهجم ويقاتل وهي ليست أرضه؟ هو يجيء من أفغانستان ويجيء من باكستان ويجيء ويجيء، وهناك أبناء الأرض. لماذا هذه الصورة عن المسيحي أنه لا يدافع؟

المطران شرف: نحن لسنا أناسا جبناء. ولكن الله أعطانا الحكمة. قال: كونوا حكماء كالحيّات. أنت تحارب مَن؟ أنتم اليوم لمّا كنتم تنقلون أحداث غزة وكان قلبنا يدمى من أجل شعبنا في غزة الذي يُقتل كل يوم، كنا ننزعج من أجله. ولكن على الأقل الشعب في غزة لديه صواريخ. كان يضرب بهذه الصواريخ تل أبيب وإسرائيل. بأضعف الأمور كان يدافع. نحن لا نملك سكّينا. كيف أستطيع أن أدافع عن نفسي وأنا لا أملك أي نوع من أنواع السلاح؟ يأتيك هذا التكفيري، هذا الذي يرفض الآخر ويقول إنه يريد أن يموت. جاء لكي يموت حتى يصعد إلى الحوريّات، الـ72 حوريّة والغلمان المخلَّدين الذين لا ينزفون دما. نحن ليس لدينا هذا الفكر. نحن لدينا قلم وورقة وثقافة وعلم. ليس لدينا شيء آخر نحارب به. المسيحي في المكان الذي لا يكون فيه قانون لا يستطيع أن يعيش. نحن نستطيع أن نعيش في المكان الذي يظلّله القانون. المكان الذي فيه قانون نستطيع أن نعيش فيه. المكان الذي ليس فيه قانون يدافع عنّا ويحفظ حقوقنا لا يمكن أن نعيش فيه؛ لأننا لا نملك سلاحا، لم نتربَّ لا دينيا ولا اجتماعيا ولا عائليا على ثقافة الدم والقتل والسلب. لا توجد لدينا هذه الثقافة. افهمونا. الآخر لديه هذه الثقافة. هل تدافع عن نفسك أمام وحش؟ هذا وحش. نحن لسنا وحوشا. نحن نمثّل الإنسانية الحقيقية. لا نعرف أن نذبح. لا نعرف أن نقتل. لا نعرف غير أن نكتب ونتثقّف ونثقّف الذين من حولنا مثلما ثقّفنا العرب والمسلمين في ما مضى عندما جاؤونا فاتحين. ولا نعرف إذا كانت فتوحات أو غزوات. ولكن عندما دخلوا بلادنا ثقّفناهم، ونحن السريان بالذات. سوف يلومنا التاريخ لأننا ترجمنا الكتب وعلّمناهم وثقّفناهم. وإلى اليوم كنا نثقّفهم وباعونا برخص التراب. بلادنا التي كنا نموت من أجلها تقيّأتنا، تقيأتنا. طردونا، أخرجونا، ذبحونا. أية حالة إنسانية أو بشرية نقدر أن نعبّر بها؟ رجاءً افهمونا. رجاءً افهمونا. نحن لسنا مثل غيرنا.

غسان الشامي: أنا أحاول أن أدعك تكمل كل ما لديك من هذا الألم. ولكن أيضا أريد أن أقول لك ما يقوله الناس. هناك صورة قلتها لك عن المسيحي إنه لا يقاتل. بصراحة، منذ الـ2003 الوضع في الموصل وسهل نينوى لم يكن بخير. الجميع يعلم أن تنظيم القاعدة كان في الموصل وأن المسيحيين جُمّعوا في سهل نينوى. والكثيرون قالوا إن هذا التجميع سوف يؤدي إلى مذبحة في وقت من الأوقات. ألم تستشعروا خطرا منذ 11 عاما؟ أنا أعلم أنك أتيت رئيس أبرشية في آخر الـ2011. وعندما سامك المثلّث الرحمات مار زكّا الأول عواص ذهبت إلى هذه المنطقة في هذا الوضع الصعب. ولكن ألم يستشعر أهلنا في الموصل، أهلنا في نينوى أن هناك خطرا محدقا ليكون لديهم جزء من الدفاع المسبق عن هذه البلاد مثلا؟

المطران شرف: نحن كنا نشعر ونشعر وبشكل كبير. ولكن حبنا للوطن كان يعمي عيوننا. نعم، كنا نشعر. منذ طفولتنا يُسَبّ إيماننا لأننا مسيحيون في الموصل. ولكن حبنا لوطننا وتعلّقنا بوطننا وتجذّرنا العميق في أرضنا كان يعمي عيوننا عن كل هذه الأمور. وكنا نتجاهلها بإرادتنا لأننا نحب وطننا ولم نكن نريد أن نتركه. ولم يكن هناك حل أمامنا في مثل هذه الظروف؛ أن نستوعبهم وأن نقبلهم وحتى كنا نسمع سُبّاتهم ولا نستطيع أن نردّ. ولكن كان يدفعنا إلى هذا حبنا للوطن. أنا كنت في أستراليا ولكن تركت أستراليا من أجل عشقي للموصل. ولكن هذه الموصل التي عشقتها طردتني وأهانتني وأقلّت من كرامتي وكرامة رعيتي وشعبي. واليوم أية محبة بقيت لديّ لهذه المنطقة؟ مع الأسف، بدموع أتكلم على هذا الأمر. نحن لماذا أتينا إلى كردستان؟ أتينا إلى كردستان لأمر واحد: يوجد قانون. يا ناس، افهمونا. منذ عشر سنين لا يوجد قانون في العراق. مافيات تحكم بغداد: سلب ونهب وقمع وميليشيات وطائفية ومحاصصة. وكل هذه نتيجة لهذه السياسات الخاطئة التي زرعتها أميركا والتي زرعها الغرب. وأنا أكرّر: الشر الغربي عندما يلتحم بالغباء العربي تكون نتيجته موت الشعوب. وها نحن نموت الآن أمام عيون الجميع ولا حياة لمن تنادي، مع الأسف. أرجو أن تتحمّلوا انفعالي، رجاءً. أنا أعتذر من الجمهور. أنا أعتذر من المستمعين. أنا أعتذر من كل إنسان لربما أجلخ أو أجرح مشاعره. ولكنّي أعاني من جرح عميق عمره أكثر من سبعة آلاف سنة. نُقتل نحن الذين كنا نعيش في هذه الأرض. واليوم لن تبقى هناك مسيحية إذا لم يستتبّ القانون في هذا الشرق. نحن جئنا إلى كردستان لأن في كردستان...

غسان الشامي: سأذهب إلى فاصل. كما ترى نيافة المطران، أتركك تقول ما تريد. نحن في "الميادين" لدينا سياسة أن يعبّر الناس عن هذا الواقع لأننا نذهب إلى الواقع كما هو. اسمح لي أن أذهب إلى فاصل. وبعد الفاصل، سأتركك تذهب عميقا في التعبير عما يجول في نفسك. وأرجو منك أن يكون هذا الحوار صرخة حقيقية لكي نقدّم للناس أننا أبناء وطن واحد ونريد أن نبقى إذا أراد الجميع أن نبقى. انتظرونا أعزائي بعد الفاصل.


المحور الثالث

مقاربة سياسية ودور الفاتيكان والمنظمات العالمية.
المحور الثالث

غسان الشامي: أهلا بكم أعزائي من جديد في "أجراس المشرق" في حوار مؤلم ومعبّر مع رئيس أبرشية الموصل وكردستان للسريان الأورثوذكس مار داود متى شرف. سيادة المطران، ألمك أعتقد أنه وصل إلى الكثيرين. ولكن أيضا لا بد من أن نقارب ما يحدث من منطلق سياسي. أنت غالبا ما تقول إنك لا تريد أن تتدخل في السياسة، ولكن جزء من الكلام الكبير هو سياسة. لا يوجد في هذا الكون إلّا ما يرتبط بالسياسة. حتى تاريخيا، أنت تعرف، البطريركيات كانت مرتبطة بأنطاكية، وأنطاكية مرتبطة ببيزنطة. كل شيء سياسة. لا بد من مقاربة ما يحدث على هذه الشاكلة. وأريد أن أسألك: البارحة مثلا صدر قرار عن الأمم المتحدة، وهو قرار يجرّم بطريقة أو بأخرى داعش كما يجرّم جبهة النصرة. هل تصدّقون هذا القرار؟

المطران شرف: هذه نكتة، نكتة. هذه نكتة. أضحكتني كثيرا. أنا كنت محتاجا أن أضحك.

غسان الشامي: أنا أريدك أيضا أن تضحك.

المطران شرف: "يا معوّدين"، منذ عشر سنوات ونحن نُذبح بأيدي هؤلاء الناس. سورية الغالية، سورية التي أنا شخصيا أعشقها أكثر من حياتي، وأكثر من بلدي أحبها، سورية منذ ثلاث سنوات تُذبح بيد النصرة وبيد داعش. الآن جاء ببال الأمم المتحدة أن تجرّمهم؟! ممن يضحك هؤلاء الناس؟ هل من المعقول أنهم يعتبرون كل هذه البشرية سذّجا. هذه تمثيليات. هذه تمثيليات. أنا لست رجل سياسة، لا أفهم. ولكن أنا شخصيا أحكي نبض الشعب وما يقوله الشعب وما يقوله الناس. هؤلاء الناس في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن جرّموا داعش، وداعش مرّ عليها في العراق والموصل وسنجار أكثر من شهرين وهي تذبح الناس وتفرض عليهم قوانينها السخيفة وما إلى ذلك من أمور. الآن أتى ببالهم أن يجرّموا داعش؟ ممن يضحك هؤلاء الناس؟ على كل، نتمنى.. يقول: امشِ مع – إلى باب الدار. نتمنى أن يكونوا صادقين وأن يجرّموهم وأن يعاقبوا مَن يموّلهم لأن هؤلاء عبارة عن حثالات ورعاع في الشوارع. من أين لهم الأموال لكي يشتروا أسلحة؟ ليس لديهم مال لكي يقصّوا شعرهم ولحاهم. فهل لديهم أموال لكي يشتروا أسلحة بهذا القدر؟ فمَن يموّلهم؟ وهم يعرفونهم حق المعرفة. فليؤدّبوهم وليقطعوا مصادر التمويل. ذبحوا سورية وذبحوا العراق وسيذبحون كل الوطن العربي من أجل مصالح. يا أخي، كل هذا البترول، "يحرق أبو هذا البترول"، تعالوا خذوه. لم نعد نريده. لكن دعونا نعِش بسلام. يكفي. الإنسان لا يريد اليوم.. المواطن العراقي مع الأسف يبكي على الكهرباء والماء. تراني منذ ساعة أمسح عرقي لأن الكهرباء مطفأة. لا نستطيع أن نشغّل مروحة، لا نستطيع أن نشغّل مكيّفا. نحن سنة 2014 يا عالم.

غسان الشامي: وفي لبنان هكذا، وفي سورية هكذا. الحال من بعضه يا سيّدنا.

المطران شرف: هؤلاء العرب "يستاهلون". الحكي بيني وبينك.

غسان الشامي: لا، الحكي ليس بيني وبينك. بيني وبينك وبين الناس، مع الجمهور الذي يسمع. ليس بيني وبينك.

المطران شرف: بيني وبينك

غسان الشامي: وبين المشاهدين.

المطران شرف: والشعب والبسطاء من المشاهدين الذين أحبهم وأعشقهم، وأنا أتحدث بلغتهم. لا أتحدث بلغة الحكماء بل بلغة البسطاء. هؤلاء العرب يستأهلون. هذا الشكل يعجبهم. في الموصل، العراقيون يعرفونها، يقولون: فلان لا يحبّ سوى قتّاله. وهؤلاء يحبّون الأشرار الغربيين. هناك رؤوس عربية تحب هذا الشر الغربي. والشعوب ... ولا تقوم على هذه المجتمعات التي تسرقها في وضح النهار وتأكل خيراتها في وضح النهار وتعيّشها طوال عمرها تبحث عن الماء، عن الكهرباء، عن قارورة غاز، عن معجون بندورة، عن أكل وشراب. العالم أين وصل!!! ونحن أين وصلنا. على كل، الله يعيننا ويعين هذا الشعب المسكين البائس المغلوب على أمره.

غسان الشامي: لفتني تصريح خلال زيارة المبعوث البابوي إليكم، الذي جاء إليكم، الكاردينال فرناندو فيلوني. يقول إن وضع المسيحيين صدمنا. كلمة صدمنا حقيقةً صدمتني.

المطران شرف: لم أسمع الكلمة. لم أسمع ما قلته.

غسان الشامي: سأكرّر. الكاردينال فيلوني عندما زاركم مؤخرا، المبعوث البابوي، قال إن وضع العراقيين صدمنا. هذه الكلمة، أنا كصحافي، كإعلامي، كمتابع، صدمتني. هل الفاتيكان لا يعرف ما يحدث؟ هل هو غائب عن أورشليم تماما؟ وأريد أن أسألك: ماذا يقدّم الفاتيكان حاليا لهؤلاء الناس الذين تقول إنهم يلتحفون السماء ويفترشون الأرض؟

المطران شرف: على كل، أنا لا أحب هذه الأسئلة منكم كصحافيين.

غسان الشامي: لماذا؟

المطران شرف: لكن سأجيبك. اصبر اصبر.

غسان الشامي: أنت قلت الحقيقة...

المطران شرف: أنت تدقّ على وتر غير جميل. اصبر اصبر. أنا سأقول الحقيقة. أبدا لم أقل غير الحقيقة.

غسان الشامي: تفضّل.

المطران شرف: أبدا لم أقل غير الحقيقة. أنت تسألني وأنت تعرف أنني غير تابع للفاتيكان. لكنني أحب مَن بالفاتيكان وهم إخوتنا. ونحن اليوم في العراق نعيش كمسيحيين فقط. لا يوجد كاثوليكي وأورثوذكسي ومذاهب أخرى. نحن مسيحيون فقط ونعاني. ما قاله الكاردينال إن ما رأيته صدمني لأنه في الحقيقة كل ما يُنقل عما يعانيه المسيحيون اليوم في العراق، الذين هُجّروا أقصد، هو أكثر بكثير مما يُعرض عبر الإعلام. هو أكثر بكثير. ولهذا، يصدم مَن يأتي ويراه. ولكن الفاتيكان يمارس ضغوطا معيّنة حسب ما قالوا لنا. يمارس ضغوطا معيّنة. وأيضا الرجل جاء وجلب معه مساعدات كدفعة أولى مئة ألف دولار. ويمكن أن تصل إلى المليون دولار من الفاتيكان. والناس يعملون جهدهم من الناحية الإنسانية، مشكورين. يعطيهم ألف عافية. أولا وآخرا هم كنيسة، والكنيسة هي سلطة روحية وليست سلطة تنفيذية. نحن لسنا دولا ذات جيوش وذات وزارات داخلية ووزارات دفاع. نحن مؤسسات روحية. فالفاتيكان يعمل ما عليه مثلما أصحاب القداسة والغبطة البطاركة أيضا يفعلون ما عليهم. قبل فترة بالتأكيد سمعتهم في اجتماع مجلس بطاركة الشرق: قداسة سيدنا أفرام كريم وغبطة الراعي ويوسف يونان ولحّام، وأصحاب الغبطة والقداسة جميعهم، وبطريرك الأرمن الأورثوذكس والكاثوليك، جميعهم. والكل يعمل من أجل هذا الشعب. الكنيسة لم تقصّر. لا يوجد أي تقصير من ناحية أية كنيسة من الكنائس. التقصير هو من الدول. التقصير هو من الدول.

غسان الشامي: اسمح لي، هنا أريد أن أسألك. أنا سألتك هذا السؤال كي يعرف الناس ماذا يحصل. من واجبنا أن نوصل الحقيقة للناس. ليس لأن نيافتك أورثوذكسي سرياني، ولكن أيضا قلت هذا القول لغبطة البطريرك ساكو. ولكن، نريد أن نعرف جميعا ما هي احتياجات هؤلاء الناس. مَن يقدّم الدعم؟ هل هناك دول تدعمكم؟ هناك صراخ إنجليزي. أنت تعرف الإنجليز ماذا فعلوا ببلادنا منذ بلفور حتى هذه اللحظة. هناك صراخ فرنسي. فابوس جاء إليكم واقترح الهجرة. ماذا يحتاج الناس فعليا؟ إلامَ يحتاجون؟ ومَن يقدّم لهم هذه الاحتياجات؟

المطران شرف: الحقيقة أن الجميع يساهم. ولكن يوجد بطء. هنا مثلا، أنا أردت أن أتحدث قليلا عن إقليم كردستان. واسمح لي أن أتكلم؛ لأن هذا الإقليم استضافنا واحتضننا. وإن لم يكن إقليم كردستان يحتضن المسيحيين عندما جاؤوا من الموصل، كنا سنُذبح عن بكرة أبينا. ألف عائلة كانت ستُذبح. فنحن نشكر الحكومة في إقليم كردستان رئاسة وحكومة ووزراء. أنا شخصيا وزير الداخلية في إقليم كردستان اتصل بي عندما كنت في الموصل وطلب مني أن أنفذ بجلدي لأن داعش وصلوا إلى المنطقة، وساعدني في هذا الأمر مشكورا، هو وقطاعات الجيش التي كانت متبقية قبل انهيارها؛ الجيش العراقي طبعا. ساعدني في أن أخرج في ذاك الوقت. طبعا أنا آخر مطران غادر الموصل. ولكن الحكومة الآن في كردستان بعد لقاءاتنا معها.. الناس بكل صراحة أعلنوا كل أنواع المساعدة وقالوا: كل ما نستطيع فعله في كردستان هو مجاب لكم. وأعتقد أنه كانت هناك اليوم منحة مالية سوف تعطى للشعب. لا أعرف تفاصيلها. لا أستطيع أن أتحدث عنها. لكن ربما لاحقا ستُعلن أمام الجميع. وأيضا دول العالم كلها اشتركت وقداسة سيدنا البطريرك أفرام أعطى نداء لكل كنائسنا في العالم أن تجمع أموالا لتساعد الشعب هنا. وفي 3 آب أقيم قدّاس في كل العالم السرياني في أنحاء العالم وجُمعت أموال. لم تصلنا بعد، لكن بالتأكيد ستصلنا. وقلت لك إن الفاتيكان أيضا يساعد، ومنظمات دولية عديدة تساعد. وتوجد دول تأتي؛ مثلما جاء وزير الخارجية الفرنسي وجاء السفير الكندي وجاء نائب في البرلمان الألماني، نائبة رئيس البرلمان، ووزير الخارجية الألماني ونائب وزير الخارجية الإيطالي. جاؤوا جميعهم وعرضوا مساعدات. لكن يوجد بطء. يوجد بطء في العمل. هذه هي مشكلتنا. اليوم يجب أن ننهي أولا، قبل أن نتحدث بأي موضوع، يجب أن ننهي أن يكون هناك إنسان ينام على الأرض. هذا الموضوع مهم جدا. لا نعرف أين المشكلة. لماذا نعمل ليل نهار وحتى الآن هذه المشكلة موجودة.

غسان الشامي: ضاق بي الوقت. سؤالي الأخير لك في ما يحصل الآن، وهو سؤال أتمنى أن يكون الجواب عنه قصيرا: هل تقبلون أن تكونوا ذمّيّين في الألفية الثالثة؟ طوائف درجة ثانية وثالثة ورابعة؟ حضور سياسي حتى ضمن كردستان، ضمن كوتا؟ بصراحة، ماذا يمكن للمسيحيين أن يفعلوا إذا خرجوا من هذه البلاد؟

المطران شرف: سألتني: هل تقبلون أن تكونوا ذميين؟

غسان الشامي: نعم.

المطران شرف: نحن لسنا ذميين ولا نقبل أن نكون ذميين. هذه قلتها عدة مرات وأقولها وأكررها. الذمي هو العبد. نحن لسنا ذميين ولا نقبل أن نكون ذميين. ومَن يرتضي لنفسه أن يكون ذمّيّا فليمت، له أشرف من أن يعيش ذميا. لا نريد أن نكون في ذمة أحد. نحن الله خلقنا أحرارا وسنموت أحرارا. ومَن أوجد هذه الفكرة، فكرة الذميين كان يكره الآخر ولا يريده ولا يقبله. نحن لسنا ذميين ولا نقبل أن نكون ذميين. هذا أولا. وحتى موضوع الكوتا، حتى موضوع العدد البسيط الذي يعطى لنا بحكم أننا اليوم أقلية؛ هذا غبن لحقّنا. ويوجد ظلم في الدستور العراقي لنا نحن المسيحيين. ليس للمسيحيين فقط. لكل الأقليات عندما يُكتب أنه يجب أن يكون رئيس الجمهورية مسلما. يجب أن يكون رئيس الجمهورية مواطنا عراقيا صادقا. هذا ما يجب أن يكتبوه، كائنا مَن يكون.

غسان الشامي: وصلت رسالتك، وضاق وقتي. أنا أشكرك جدا يا سيدي.

المطران شرف: شكرا أستاذ غسان.

غسان الشامي: أعزائي، ما من جرح يحفر عميقا في الروح أكثر من أن تهان وتُطرد لأنك أعزل إلّا من المحبة. ما من اضطهاد يعادل الشعور بالظلم الذي ينتاب الإنسان المسلّح بالطيبة. إنهم يدفعون مجتمعاتنا نحو التقوقع أو الهجرة. وإذا تابعنا تلهّينا بالقشور ولم نذهب إلى المقاومة سيكون مصيرنا كمصير الثور الأرجنتيني الذي يساق إلى المسلخ.

شكرا لرئيس أساقفة الموصل وتوابعها مار نيقوديموس داود متى شرف. شكرا للزملاء في "الميادين". شكرا لكم على دعمكم ومتابعتكم.

وسلام عليكم وسلام لكم.