إسلاميون...وبعد

برنامج حواري أسبوعي، يعنى بشؤون الجماعات الإسلامية منذ نشأتها الى حاضرها، مع استعراض لمشروع وعقيدة كل منها، دون إغفال المرور على الوضع الراهن، وأخذ وجهة نظر ضيوف الحلقات به.

الصادق المهدي - زعيم حزب الأمة السوداني - الجزء الأول

من مطالبة حزب الامة السوداني بإصلاح النظام الى المطالبة بالتغيير. ومستقبل الحوار في السودان بين النظام والمعارضة. وتحالفات المعارضة في اعلان باريس و"نداء السودان"

المحور الأول

المهدي ونداءات التغيير
1.mp4

محمد علوش: متهمٌ هو بالعمالة والتخطيط لقلب نظام الحكم في البلاد، كما أنه مدعوٌ للحوار مع النظام أيضًا. هو في خارج البلاد الآن، من بلدٍ إلى بلد، أو قل هو في منفى جديد، بملء إرادته أو رغمًا عنه.

يسعى إلى تكوين جبهاتٍ سياسيةٍ معارضة في وجه نظامٍ مستبدٍ على حدّ وصفه. شغل منصب رئيس الوزراء مرّتين، وفي كلّ مرّةٍ أسقِطت حكومته بانقلابٍ عسكري.

خصومه كثيرون من داخل الدولة ومن خارجها. يؤمن أنّ النظام الحاكم في البلاد قد استنفد كامل أوراقه ولا بدّ له من الرحيل. هكذا يرى أو ربما هكذا يظنّ.

فما هي حقيقة الاتهامات المنسوبة إليه؟ وما هو دوره الفعليّ خارج البلاد؟

أهلاً بكم إلى الجزء الأول من الحوار مع زعيم الأنصار رئيس حزب الأمّة القومي السوداني الصادق المهدي.

 

تقرير: الصادق المهدي، زعيم الأنصار ورئيس حزب الأمّة القومي.

انتُخِب رئيسًا لحزب الأمّة في نوفمبر تشرين الثاني عام ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وستّين، وقاد حملة لتطوير العمل السياسي.

أصبح رئيسًا للوزراء في الخامس والعشرين من يوليو تموز عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وستّين، إلا أنّه عُزل بانقلابٍ بعد ثلاثة أعوام.

في أبريل نيسان عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وثمانين انتُخِب رئيسًا للوزراء مرّة ثانية، حتى حدث انقلاب الثلاثين من يونيو حزيران.

دخل السجن مرّاتٍ عدّة بدءًا من العام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وستين. نُفي إلى مصر والسعودية، وهاجر سرًا إلى أريتريا عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وتسعين. وقّع مصالحة مع النظام أواخر العام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وتسعين برعاية رئيس جيبوتي اسماعيل عمر قيلة.

اعتقل في أيار مايو من عام ألفين وأربعة عشر على خلفية خطابٍ انتقد فيه النظام. أفرج عنه بعد شهرين وغادر بعدها إلى العاصمة المصرية.

 

محمد علوش: نحيّيك سيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمّة القومي. أهلاً وسهلاً بك.

حضرتك حاليًا خارج السودان. في حوار مع رئيس حزب الأمّة الفريق الصدّيق محمد اسماعيل لصحيفة الانتباه، يقول إنّك خارج السودان ولن تعود أو لن تكون عودتك بتنازلاتٍ يقدّمها الحزب للحكومة أو للمؤتمر الوطني، ويضيف أنّك تغادر البلاد من أجل تنفيذ برنامج محدّد يهدف إلى الوصول إلى حوار وطني جاد. ما دورك الآن خارج السودان؟

 

الصادق المهدي: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أرحّب بهذا اللقاء مع الميادين، وأعتقد إنّها فرصة لبيان مواقفنا. أنا خرجت من السودان متوجّهًا إلى باريس، لأنّ قوى المعارضة المسلحة كانت موجودة هناك لتناقش مشروع إعلان باريس. إعلان باريس أدّى إلى اختراق وطني كبير لأنه جعل القوى المسلحة تراهن على حل سياسي، وتتخلى عن أيّة رغبة في تقرير المصير، ما جعلها قوة قومية التقت مع حزب الأمّة في إعلان باريس. بعد إعلان باريس، صار علينا أن نقوم بحملة إعلامية ودبلوماسية كبيرة جدًا لنشر أفكار إعلان باريس، وهذا ما قمت به في الفترة منذ أغسطس حتى الآن، وأنا الآن أواصل هذه الجولات التي تعمل على تثبيت أركان إعلان باريس سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا. وتفكيري أن أعود إلى السودان بعد أن أفرغ من هذه المهام التي فتح الطريق إليها إعلان باريس.

 

محمد علوش: هل من ارتباط بين إعلان باريس ونداء السودان الذي عقد مطلع شهر 11 أو شهر 12 في أديس أبابا؟

 

الصادق المهدي: نعم، نداء السودان جنين شرعي لإعلان باريس، لأنّ إعلان باريس جمع بين كتلة مركزية في السودان مهمّة وكتل أخرى كانت تمثل أيضًا قواعد شعبية في السودان، وكانت هناك ضرورة للحوار مع قوى الإجماع الوطني ومع منظمات المجتمع المدني إلى آخره، ففي الفرصة التي أتيحت في أديس أبابا أمكن أن ينضمّ هؤلاء إلى المعنى المتكامل الذي هو نداء السودان الذي يمثل خطوة متطورة عن إعلان باريس، وكذلك في أديس أبابا جاءت تكتلات حزبية أخرى من الداخل وقّعت على إعلان باريس ما جعل الإعلان أوسع قاعدة، والمهمّ في هذه المسائل كلّها أنّنا نحاول أن نجمّع كلّ الأطياف والفصائل السياسية والمدنية السودانية على صعيدٍ واحد ليتفقوا أولاً على السلام العادل الشامل، ثانيًا التحول الديمقراطي الكامل، ونعتقد أنّ هذا المشروع الآن قد خطا خطوات كبيرة بعد اللقاءات الأخيرة في أديس أبابا.

 

محمد علوش: لكن اسمح لي، على ما أعتقد أنه ليس فقط في إعلان باريس، أيضًا في اتفاق أديس أبابا، في إحدى الندوات لك في هذا العام، تقول أنه قرّرت الاطراف المسلحة أنّ النظام لا يفهم إلا لغة العنف، وعليه كوّنوا الجبهة الثورية السودانية لإطاحة النظام بالقوة. هل هذا تمهيد لعمل مسلح في السودان؟

 

الصادق المهدي: هذه مرحلة سبقت، نعم، في تلك المرحلة، الجبهة الثورية قرّرت أن تراهن على الحلّ المسلح، ونحن كقوى سياسية كنّا نرفض هذا المعنى، نقول نعم، مفهوم أنّهم حملوا السلاح لأنّ النظام أجبرهم على ذلك، ولكننا نقول وقلنا لهم إطاحة النظام بالقوة يمكن أن تؤدّي إلى إحدى نتيجتين، إما النجاح وهذا سيفرض على الذين ينجحون في هذا أن يقيموا نظامًا ديكتاتوريًا لأنه لا يمكن لأحد أن يصل للسلطة بالقوة إلا وسيحميها بالقوة، فهذا سيهزم قضية الديمقراطية. ثانيًا إذا فشلت التجربة ستعزّز النظام باعتباره المدافع عن الأمن الوطني السوداني. لذلك ناقشنا معهم ضرورة التخلّي عن إسقاط النظام بالقوة وقبول العمل المشترك السياسي لإسقاط النظام بالوسائل الخالية من العنف، وهذا هو سرّ نجاح إعلان باريس.

 

محمد علوش: جميل. سيد الصادق المهدي، كيف تفسّر إذًا قول الرئيس السوداني عمر البشير قبل أيام عن مخطط إسرائيلي لدعم الجبهة الثورية لاستلام السلطة في الخرطوم بالقوة، يبدأ باستلام الفاشر وإعلانها كعاصمة مؤقتة للبلاد؟

 

الصادق المهدي: هذا هذيان، لا صلة له.

 

محمد علوش: رئيس جمهورية يهذي؟

 

الصادق المهدي: نعم، هذا لا صلة له بأيّة حقيقة، وأنا أعتقد هذا كلام فردي، لا يمكن لأحد حتى داخل نظامه أن يقول هذا الكلام. كلّ أفراد نظامه يعلمون ويشهدون لي بالوطنية، هو ذاته يقول ذلك. كلّ هؤلاء يعلمون وطنيتنا، ثمّ أنا لست جديدًا على العمل السياسي. أنا حكمت السودان مرّتين، وخضتُ المعارضة مرّات، وفي كلّ هذه المرّات كان سجلّنا الوطني ناصعًا للغاية. لا صلة لهذا الذي قيل، هم قالوا أمرين، قالوا أنّ إعلان باريس غطاء لمؤامرة إسرائيلية لتمزيق السودان، وأنّ هذا الكلام أيضًا سيؤدّي إلى عمل مسلح. جوهر إعلان باريس أنه للتخلي عن العمل المسلح.

 

محمد علوش: لإقناع أطراف المعارضة المسلحة للتخلي عن العمل المسلح والدخول في حوار؟

 

الصادق المهدي: نعم.

 

محمد علوش: ولكن أنتم كنتم جزءًا من هذا الحوار. رئيس الجمهورية يدعو إلى حوار، تدخلون هذا الحوار، ثمّ تخرجون من الحوار، وبنفس الوقت يتّهمكم بممارسة عمل مسلح أو التخطيط لعمل مسلح. كيف يستقيم الأمران، رئيس جمهورية يحرص على حوار وبنفس الوقت هناك اتهام لكم بأنّكم تمارسون العنف؟

 

الصادق المهدي: يُسأل هو عن هذا التناقض، لكن الحقيقة فكرة الحوار أصلاً فكرة حزب الأمّة، ليست فكرة النظام. النظام كان يريد أن يحكم بالقوة ويقول في مرحلته الأولى إننا حصلنا على السلطة بالقوة ومن يريد أن يأخذها منّا فليستعدّ لمواجهتنا. هذه الأمور وهذه التصريحات هي التي أعطت منطقًا لمن حملوا السلاح ضدّه.

 

محمد علوش: سيد الصادق المهدي، عفوًا، أنا الآن أستشهد بكلام لحضرتك في 16 نوفمبر 2012 في صحيفة الأهرام المصرية أو الأهرام العربي. تقول "أطالب السودانيين بالنزول إلى الشوارع واحتلال الميادين والسفارات السودانية في الخارج للإطاحة بالنظام الحاكم في السودان". من يقرأ مثل هذه التصريحات كيف يمكن ألا يقبل بما يقول به الرئيس البشير اليوم؟

 

الصادق المهدي: يا أخي، هذا كلام منزوع من محيطه. أنا أقول الآتي، نحن نسعى للحوار، نريد الحوار أن يؤدّي إلى نظام جديد، ودائمًا نقول هذا إسوة بما حدث في جنوب أفريقيا، ولكن في حال أنّ النظام استمرّ في العناد والانفراد نلجأ لعمل خالٍ من العنف، انتفاضة سياسية. هذا الكلام عن انتفاضة سياسية عندما يفشل.

 

محمد علوش: هل الآن حضرتك لست مع القول باحتلال الميادين ونزول الناس إلى الشوارع ومحاصرة السفارات السودانية في الخارج؟

 

الصادق المهدي: هذه الخطة التي ينبغي أن نفعلها إذا فشل مشروع الحوار المطلوب. هذا كلام لا يجب أن يُنزَع من إطاره. أردّ لك على حكاية الإسرائيلي. النقطة المهمّة نحن في حزب الأمّة وأنا في السلطة وفي المعارضة كنّا أكثر الناس حرصًا على وحدة السودان وعلى تجنّب أيّة رائحة لأيّ نوع من العمل الأجنبي، ولكن النظام هو الذي بمحاولة فرض أحادية إسلاموية أدّى إلى إجماع الجنوبيين على تقرير المصير، وأدّى إلى وجود ستّ جبهات قتالية الآن في السودان.

 

محمد علوش: أنا سآتي على ذكرها، ما إذا كان النظام هو وحده من يتحمّل مسؤولية الوضع الحالي السوداني، لكن قبل أن أخرج من نقطة موضوع العمل المسلح، في 2 نوفمبر 2014 منظمة العدل والتنمية، وهي إحدى المنظمات الأممية المراقبة للأوضاع في الشرق الأوسط، تقول وتتحدّث في تقرير عن السودان، تقول إنّ الصادق المهدي زعيم حزب الأمّة المعارض أجرى اتصالات واسعة مع دولٍ عربية، وتسمّي الإمارات، مصر، وبعض الدول الأوروبية للإطاحة بالرئيس السوداني وإزاحته من السلطة بترتيبٍ مع عددٍ من قيادات الجيش السوداني المناهضين للبشير.

 

الصادق المهدي: كلام فارغ لم يحصل. ما حصل هو أنّنا بعد إعلان باريس اتصلنا بكلّ القوى أولاً كما قد ترى، إعلان باريس يضع في صلبه ضرورة إشراك الجامعة العربية في الشأن السوداني إسوة بالاتحاد الأفريقي، وإشراك مصر في الشأن السوداني إسوة بدول الإنقاذ، جيراننا على الجنوب.

 

محمد علوش: وإشراك الاتحاد الأوروبي بأيّة صفة؟

 

الصادق المهدي: الاتحاد الأوروبي أصلاً مشترك في ما يتعلق بالترويكا، كما قد تعلم كلّ الشأن السوداني هذا النظام أخرجه إلى الخارج، فكلّ اتفاقات السودان، 14 اتفاقا، كلّها مبرمة في خارج السودان، في نيفاشا، في أبوجا، في أسمرة، في أديس أبابا، إلى آخره، فنحن قلنا ضروري في إعلان باريس أن يكون للجامعة العربية دور إسوة بالاتحاد الأفريقي، ولمصر أسوة بدول الإنقاذ التي هي جيراننا من الجنوب. زياراتي كانت في إطار هذا الذي أعلنه إعلان باريس، ولا صلة بجماعات عسكرية في السودان، ولا صلة لنا بتعبئة لإسقاط السودان.

 

محمد علوش: ليس عندك أيّة صلة مع أيّ عسكري أو ضابط داخل الجيش السوداني؟

 

الصادق المهدي: أبدًا، نحن نعلم أنّ الجيش السوداني كجيش عنده أهدافه وتطلعاته لأنه يشعر بأنّ مهامه الدفاعية أسنِدت لميليشيات قبلية. ربما تكون هناك مشاكل من هذا النوع، لكن نحن نتحدّث في إطار تعبئة القوى السياسية والمدنية، وهذا الذي نعمل فيه. هذا الكلام عن أنني اتصلت بهذه الجهات لنتعاون من أجل إسقاط النظام خطأ غير صحيح وليس له أيّة صحّة لا في تفاصيله ولا في كليته.

 

محمد علوش: لكن عندك اتصالات مع الداخل، مع قوى المعارضة، التنسيق في ما بينها لقيام جبهة مناهضة للنظام أو للضغط على النظام، لكن تقول بطريقة سلمية.

 

الصادق المهدي: نعم، نحن نوحّد كما قلت لك في البداية، نحن نعمل على توحيد المعارضة، كلّ الذين يريدون نظامًا جديدًا، ونعتقد أنّ داخل النظام نفسه هناك كثيرون يتطلعون لهذا التغيير ويدركون أنّ الأوضاع الحالية تسوق السودان للهاوية، فنحن على اتصال بكلّ هذه القوى لتوحيد الرؤية، ونعتقد أنّ توحيد الرؤية قائم على هذا الأساس.

 

محمد علوش: في حديث لوكالة رويترز بـ28 أكتوبر تشرين الأول الفائت، تقول حضرتك "نحن كأفراد يريدون التغيير في السودان نتطلع إلى تحوّل يشمل نوعًا من الخروج السلس للبشير"، لكن تضيف "إذا صار جزءًا من الحلّ، أعتقد أنّ بمقدورنا إقناع الجميع أنّ من حقه الحصول على معاملة من نوع مختلف في ما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، ولكن إذا جاء التغيير رغمًا عنه، فإنّ من سيأتي بالسلطة سيجد أنّ من الضروري تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية".  في أيّ سياق يمكن وضع هذا؟ أليس تهديدًا لرئيس وأنت تدعو إلى حوار جاد وبنّاء؟

 

الصادق المهدي: يا أخ محمد، أنا أقول كلامًا افتراضيًا، إذا هو تجاوب مع ما سيحدث، نحن الذين نريد الحلّ السلس السلمي، سنعمل على إيجاد مخرج له عبر مجلس الأمن، لأنه هو ملاحَق ملاحَق، ولا تتقادم هذه الملاحقة، والآن السوداني يدفع الثمن، نتيجة لهذه الملاحقة السوداني يدفع الثمن.

 

محمد علوش: لكن ألا يُفهَم أنه بطريقة مخالفة وكأنها ورقة ضغط غربية على الرئيس البشير للتنحّي عن السلطة وبمساعدة أطراف من الداخل؟

 

الصادق المهدي: يا أخي، هذا الكلام، البحث عن شمّاعات، الذي حدث هو أنه في السودان ارتُكِبت جرائم. نحن وثقنا لها، أنّ هناك جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، والأمم المتحدة، ليس الأمريكان، الأمم المتحدة بإجماعها بما في ذلك الروس والصينيون أرسلوا وفدًا للسودان تحرّى عن الحالة في دارفور ورفع تقريرًا بأنّ هناك تجاوزات، فيها جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية. هذه التجاوزات جعلت مجلس الأمن بالإجماع يقرّر أن يُحال الملف السوداني للمحكمة الجنائية الدولية، فهذه ليست مؤامرة من جهة معيّنة، مجلس الأمن بإجماعه. نحن نعتقد أنّ السودان الآن يدفع ثمن أنّ رئيسه وآخرين من السلطات في السودان ملاحَقون. هذه الملاحقة تجعل السودان الآن لا يستطيع أن يدخل في أيّ كلام جدّي عن إعفاء الدين الخارجي ولا عن رفع العقوبات إلى آخره، فالسودان الآن يُعاقَب نتيجة لهذا. نحن تحدّثنا مع جهات كثيرة في الأمم المتحدة وفي الولايات المتحدة والدول الكبرى بأنه إذا أمكن للسودانيين أن يتفقوا على تسوية لوقف الحرب وتحقيق التحول الديمقراطي، يستحق المتهمون الآن في السودان أن يوجد لهم مخرج آمن، وهم قالوا مستعدون لذلك.

 

محمد علوش: من؟ الغربيون؟ الأمم المتحدة قالت أنها مستعدّة؟

 

الصادق المهدي: نعم، إذا كان السودانيون اتفقوا على ذلك.

 

محمد علوش: إسقاط هذه التهم عن البشير أو إيجاد مخرج له؟

 

الصادق المهدي: لا، هناك وسيلة، هناك البند 16 في نظام المحكمة، يمكن أن يرفع الأمر من المساءلة القانونية إلى بند آخر، والبند 16 هذا هو مدخل لتسويات سياسية، فنحن نعتقد أنّ هذا ممكن.

 

محمد علوش: هو مرتبط فقط بالحوار، أي أن يصل السودانيون إلى حوار أم إلى انتقال للسلطة؟

 

الصادق المهدي: هو طبعًا الافتراض أنّ السودانيين الذين نيابة عنهم حُمِل هذا الموضوع لمجلس الأمن ضحايا لما حدث عليهم، فإذا كان الضحايا وافقوا على هذه التسوية، هذا يمكن أن يجد تجاوبًا دوليًا فيحدث خروج آمن في هذا الموضوع، ولكن في حال أنّ هذا عجز أو فشل وسقط النظام بوسيلة أخرى، الذي سيحدث أنّ النظام القادم، هذه افتراضات، إذا حدث ذلك النظام القادم سوف ينفذ مطلب المحكمة الجنائية الدولية. أنا أقول أنه إذا نجح الحوار يمكن للسودانيين أن يطالبوا مجلس الأمن.

 

محمد علوش: هل الحوار ما زال قائمًا بينكم وبين السلطة؟

 

الصادق المهدي: الذي يحدث الآن هو ببساطة شديدة، النظام يجري حوارًا سمّاه 7 زائد 7، حوار 7 زائد 7 هذا حوار داخلي. أنت سألت لماذا نحن خرجنا عنه، نحن خرجنا عنه لأننا افترضنا أو اشترطنا أمرين، الأمر الأول أن تكون رئاسة هذا الحوار محايدة، لا مؤتمر وطني، ثانيًا أن تتوافر الحريات،  أنا اعتُقِلت لأنني صرّحت برأي فهذا يعني غياب الحريات. هذه العوامل هي التي جعلتنا نقول حوار الداخل عقيما، ولكن هناك حوار آخر تقوده الهيئة العليا الأفريقية، هذا الحوار الآن سائر.

 

محمد علوش: والنظام جزء منه؟

 

الصادق المهدي: حوار يقوده السيد إيمبيكي الذي هو رئيس جنوب أفريقيا السابق. الآن، توجد مشاكل، أولاً لأنّ النظام يريد أن يناقش مسألة السلام على وسائل مجزّأة مع الجبهة الثورية، مع الحركة الشعبية قطاع الشمال، ومع فصائل دارفور، منفصلين، وهناك فكرة أنه لا، يجب أن يجري لقاء جامع حتى يكون هذا الحوار جامعًا وبرئاسة السيد تابو إيمبيكي، وغيابنا الأخير في أديس أبابا كان بحث هذه الأمور، وأنا بعد هذا البحث كتب لي السيد تابو إيمبيكي خطابًا يسأل عن خريطة الطريق المقبولة للحوار الذي يشرف عليه وهو حدّد ما يعتقد أنه وسائل.

 

محمد علوش: مساعدة لإنجاح الحوار.

 

الصادق المهدي: نعم، وأنا رددت عليه أمس بمشروع ما أعتقد أنه سيجعل الحوار ناجحًا. حتى الآن إذًا يوجد حوار حول الحوار ولكن لم يُقطَع بعد بصورة نهائية كيف سيسير الحوار. الآن في أديس أبابا كما قلت النظام وافق على صيغة معدّلة لإعلان باريس لأنّه لمّا اجتمع السيد تابو إيمبيكي مع ممثلي الحوار الداخلي وافقوا على شيء هو في الواقع إعلان باريس ناقص البنود المتعلقة بإدانة النظام. إذًا هناك أفكار، يمكن أن تنضج هذه الأفكار فتؤدّي في النهاية إلى حوار شامل، جاد يخاطب قضايا السودان، السلام العادل الشامل، والتطلع لتحول ديمقراطي، ولكن الآن لا أستطيع أن أقول إنّ الحوار سائر لأنّ هناك نقاشاً حول خريطة الطريق.

 

محمد علوش: في ما يتعلق بترشيح الرئيس عمر البشير لولاية جديدة، حضرتك في 30 أكتوبر 2014، تقول إنّ ترشح الرئيس عمر البشير إلى ولاية رئاسية جديدة يكرّس عملية انتهاك دستور البلاد. هل هذا يعني إجهاضًا للحوار إذا ما استمرّ الرئيس البشير في الترشح لولاية جديدة؟

أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير. مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.


المحور الثاني

تجربة الإسلاميين في حكم السودان
المحور الثاني

محمد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا ومع ضيفنا رئيس حزب الأمّة القومي السوداني السيد الصادق المهدي. نرحّب بك مرّة أخرى سيد المهدي.

كنت سألت قبل الفاصل في ما يتعلق بحديثكم عن أنّ ترشح البشير لولاية جديدة هو انتهاك لدستور البلاد، سألت ما إذا كان سيجهض الحوار إذا ما استمرّ في هذا الترشح.

 

الصادق المهدي: الحوار لم ينتهِ إلى نتيجة بعد، ولذلك كلّ شيء يحدث قبله محمول على مسؤولية الأطراف المعنية. إذا كان الرئيس البشير يعيد ترشيحه أو غيره، هذا يخصّ الحزب الحاكم، ولكن نحن نعلّق على هذا من ناحية سياسية، ونقول إنّ النظام نفسه مقتنع بضرورة التغيير والإصلاح، ولذلك أبعِد عدد من القادة كدليل على الاستعداد للإصلاح، ولكن في نظام رئاسي ديكتاتوري كما في السودان، كلّ الصيد في جوف الفرا، كلّ المسؤولية حقيقة مسؤولية رأس الدولة، وإذا كان يريد أيّ نوع من الإصلاح، فلا بدّ من أن يكون الإصلاح على حساب الشخص المسؤول عن الأعمال كلّها.

 

محمد علوش: هل أفهم من كلامك سيد المهدي أنه لا يمكن الخروج من النفق الآن الذي أنت تتحدّث عنه في السودان إلا بخروج رأس السلطة منها؟

 

الصادق المهدي: أنا أودّ أن أردّ على سؤالك، أنت تقول إذا كان هذا يمنع الحوار، أنا أقول لك الحوار لم يصل بعد إلى نتيجة ولكن أنا أعلّق سياسيًا على ما يفعله الحزب الحاكم، الحزب الحاكم عنده توجّه، قبل هذا التوجه بضرورة عمل إصلاح وتجديد، ولكن أبعد عناصر ثانوية في المسؤولية وترك صاحب المسؤولية الأساسية، فهذا إذًا خطأ. الخطأ الثاني أنّ دستورهم، وهو دستورهم وليس دستورنا.

 

محمد علوش: أي ليس دستور السودان؟

 

الصادق المهدي: هو دستور السودان، ولكن الذي فعلوه هم من جانب واحد. دستورهم ينصّ على ألا يتجاوز الرئيس دورتين، فهناك تناقض مع الدستور، هناك تناقض مع التوجّه السياسي، مطلوب الإصلاح، هناك تناقض أيضًا من أنّ الرئيس البشير الآن مشلول في الحركة الدولية، هو يفقد الآن الشرعية الدولية، وهذه كلّها يدفع السودان ثمنها. هذه ملاحظات سياسية نقولها، ولكن إذا أجروا انتخابات لرئاسة وغيرها بقانون من عندهم وبالصورة الحالية هذا يدلّ على عدم الجدّية، لأنّ المطلوب أن تكون الانتخابات نتيجة لما يُتّفق عليه عبر الحوار.

 

محمد علوش: بما فيها ترشح البشير للرئاسة، أي أنتم تشترطون، أنا أسأل، أنتم كقوى معارضة تشترطون أن يُناقَش كبند من بنود الحوار؟

 

الصادق المهدي: طبعًا، وأصلاً متفَق على ذلك كبند من بنود الحوار.

 

محمد علوش: متفق عليه بين المعارضة ألا يترشح؟

 

الصادق المهدي: حسب خريطة الطريق التي وضعها الوسطاء أنّ هذه المسائل ينبغي أن تُحسَم داخل الحوار، كبند من بنود الحوار.

 

محمد علوش: في محاضرة لك بـ29 أكتوبر 2014 في لندن، تتحدّث عن تجربة الإسلاميين في الحكم، في السودان تحديدًا، تقول تجربة غيّرت مفهوم الحرب في الجنوب إلى حرب جهادية راكمت 62 قرارًا من مجلس الأمن الدولي أغلبها تحت الفصل السابع، كلّ الاتفاقيات التي وقّعها النظام مع أطراف مسلحة، وفي أماكن أجنبية، في حين لم تكن هناك اتفاقات مع جهات مدنية، كلّ اتفاقات السلام كانت ثنائية علمًا أنّ أسباب النزاع متشابهة. إذا كان بهذه الصفة، كيف تحاور أنت نظامًا تصفه بكلّ هذه الصفات؟

 

الصادق المهدي: أنت أصلاً تحاور من تختلف معه، لا تحاور فقط من تتفق معه. نحن نقول هذه الأشياء كلّها لكي تعلم الأطراف، يعلم الرأي العام السوداني، إلى آخره، أنّنا نتحدّث مع هؤلاء كدليل على تجربة فاشلة، ونريد أن نجد مخرجًا للسودان. إذا النظام صار مستعدًا للحوار معنا ومع غيرنا لكي ننقذ السودان من هذا الدمار، لا نرفض هذا، والمهمّ في الموضوع في التجربة كلّها أنّ هذه التجربة، لا يوجد شكّ عند كثير من الإسلاميين في العالم، أولاً مُدانة بأنها دخلت إلى السلطة بالانقلاب العسكري، وهذا يُعتبَر حسب كلام الشيخ الألباني باطلاً، ثانيًا ربطت ما بين الإسلام والقهر والظلم والفساد والحزب الواحد، وهذه كلّها أشياء تناقض تمامًا مبادئ الإسلام الأساسية. لذلك، نحن نعتبر التجربة فاشلة من هذه الناحية، ولكن هذا لا يعني أنّها إذا أرادت أن تحاورنا لإيجاد مخرج لبلادنا، نقول لا، نحاور بأمل أن نجد الوسيلة.

 

محمد علوش: لكن البعض يقول أنّ حضرتك توصّف توصيفًا سياسيًا ليس لواقع كما هو وإنما لأبعاد سياسية مرتبطة بالصراع والخلاف مع السلطة، وكأنها هي مسؤولة عن كلّ المشاكل التي طالت السودان والتي جزء منها كان قبل وصول حتى الإنقاذ إلى الحكم.

 

الصادق المهدي: يا أخ محمد، أنا لم أقل هذا الكلام. أنا لم أقل أنّ مشاكل السودان خلقها النظام. أنا أقول السودان عنده مشاكل. مثلاً مشاكل الحرب الأهلية، هو طوّر المسألة من حرب لإحداث الأمن والسلام إلى حرب جهادية، هذا بطبيعته أدّى إلى تكتّل مسيحي وخارجي ضدّ التجربة السودانية، وطوّر البُعد الدولي، فهذا الخطأ. ثانيًا النظام أصرّ على أنّ هوية السودان إسلامية عربية تُفرَض  (من علم). هذا بطبيعته أدّى إلى أنّ الجنوبيين، وقد كانوا يحاربون ويعملون لحلّ مشاكلهم، لأول مرّة في حياتهم أجمعوا في اجتماع في أكتوبر 1993 في واشنطن أنّ النظام هذا قد حدّد هوية السودان بأنها إسلامية عربية ونحن لسنا عربا ولسنا مسلمين ولذلك نطالب بتقرير المصير. نحن لا نتحدّث مطلقاً عن أخطاء النظام وحده ولكننا نتحدّث عن الأخطاء التي ارتكبها النظام.

 

محمد علوش: هناك اتهامات لك سيد الصادق المهدي، حضرتك كنت رئيس وزراء لمّا جاء الانقلاب في الـ89، أنّك لعبت دورًا كبيرًا في ما آل إليه الوضع في جنوب السودان، هذا الكلام أخذناه من كتاب "الصادق المهدي والانكفائية ودعوى التجديد" للمؤلف الدكتور عمر القراي، يقول "كان رئيسًا للحكومة في فترة 85-89، لم يوقف الحرب بين الشمال والجنوب، لم يقبل باتفاقية السلام التي وقّعها السيد محمد عثمان الميرغني مع الحركة الشعبية، لم يلغِ قوانين سبتمبر التي رفضها كلّ الشعب السوداني، ثمّ هو الذي ابتدر تسليح القبائل العربية في كردفان ودارفور"، ونرى الآن الصراع المسلح هناك. يحمّلك كلّ هذه المسؤولية.

 

الصادق المهدي: نعم، وهو طبعًا معارض ومعادٍ، له الحق في أن يتمادى في العداء. أولاً في ما يتعلق بفكرة أنّني لم أوقف الحرب، أول من تحدّث عن أنّ ما في الجنوب هو ليس قضية أمنية وإنما سياسية وثقافية ودينية هو شخصي في كتيّب صدر في عام 1964، ومنذئذٍ سعينا سعيًا جادًا عبر كلّ الوسائل التي اتخذت مراحل أولها النداء للحلّ عبر المائدة المستديرة وعبر أحزاب السودان، مجمل أحزاب السودان، وفي كلّ مرحلة قطعنا شوطًا قطع الطريق أمامنا الانقلاب العسكري، حتى آخر لحظة، عندما قام هذا الانقلاب، كنّا قد اتفقنا مع الحركة اتفاقًا صريحًا وواضحًا بأننا نريد حلّ الحرب الأهلية، وكنّا سنجتمع في مؤتمر قومي دستوري في 18 سبتمبر 1989، قطعوا الطريق أيضًا أمام الحلّ. فالمجهودات التي بُذِلت من جانب حكومتي ومن جانب حزبنا لحلّ مشكلة الجنوب سلميًا كانت كثيرة للغاية، ولكن في كلّ مرحلة للأسف قطعها الانقلاب العسكري.

أما حكاية أنني لم أوافق على اتفاقية السيد محمد عثمان الميرغني، هذا غير صحيح، لمّا تمّت الاتفاقية تمّت بطريقة أدّت إلى معارضة في داخل البرلمان، وكان هناك ضرورة لإجازتها باتفاق الرؤية في البرلمان، لأنني لا أحكم فرديًا، أنا أحكم ومعي آخرون، عندما أبرمت الاتفاقية كان هناك رفض لها داخل أوساط حزب الأمّة وداخل الجبهة القومية الإسلامية، الجبهة الإسلامية القومية، هؤلاء كانوا يشكّلون قوة في داخل البرلمان وكان عليّ أنا قبل أن أوافق أن أقنعهم، وبالفعل تمّ إقناعهم، ونتيجة لذلك تمّ اتفاق لإيجاد الحلّ على أساس، نعم، اتفاقية الميرغني، ولكن الذي حدث هو أنّ الانقلاب الذي قام في سبتمبر 89 جاء ليقول إننا بموجب هذا الاتفاق قد تخلينا عن المرجعية الإسلامية، ولذلك أحدثوا الانقلاب. الانقلاب نفسه من أسبابه أنّنا طوّرنا اتفاق الميرغني وجعلناه مقبولاً لكلّ القوى السياسية، فعملوا الانقلاب قبل أن ننفذه، أنا لم يكن ممكنًا أن أوافق على اتفاق الميرغني وحدي، كان لا بدّ  أن أقنع الأطراف التي ترفض الاتفاق، وأقنعتهم فعلاً، وصار هذا جزءًا من برنامج الحكومة. هذه من الأسباب التي جعلت الجبهة الإسلامية القومية تقوم بالانقلاب لتحمّلنا المسؤولية على أننا نحن تخلينا.

 

محمد علوش: لم يكن لك أيّة أخطاء خلال هذه الفترة؟

 

الصادق المهدي: أنا أردّ لك عن الأخطاء، أننا سلّحنا القبائل، غير صحيح، الذي حدث لتسليح القبائل، تسليح القبائل تمّ في أثناء الحكومة الانتقالية التي كان يرأسها المشير سوار الذهب، وهذا لم يكن تسليحًا للقبائل بالشكل الحالي، وإنما القبائل العربية أعطيت أسلحة لتحمي نفسها، لأنه كان هناك هجوم الهدف منه تطهير عرقي لإبعاد العناصر العربية من مواقعها، فهذا في شهادة تامة من الناس الذين سلّحوا هذه القبائل لمواجهة هذا الموقف.

 

محمد علوش: بإشارة منك، حضرتك؟

 

الصادق المهدي: أنا لم أكن في الحكومة، أنا أقول لك حكومة انتقالية، حكومة السيد المشير سوار الذهب، في تلك الأثناء أعطوا السلاح للقبائل العربية للدفاع عن نفسها.

في ما يتعلق بإلغاء قوانين سبتمبر، الناس هؤلاء يتحدّثون هذياناً. قوانين سبتمبر نحن حزب الأمّة كنّا أكثر الناس معارضة لها وسُجِنّا سنة ونصف السنة في معارضتها، ولكن خضنا الانتخابات في عام 86 بأننا لا بدّ من إلغائها، ولكن لا يمكن أن ألغيها بمفردي، لا بدّ أن يلغيها البرلمان. البرلمان كان فيه تكتّل ما بين الحزب الوطني، الاتحاد الديمقراطي الذي يقوده السيد محمد عثمان الميرغني والسيد حسن الترابي. لمّا جاءت نتائج الانتخابات، هؤلاء اتفقوا في ما بينهم على عدم، الموافقة على عدم إلغاء قوانين سبتمبر. قوانين سبتمبر نحن، حزب الأمّة، أكثر ناس عانينا من تطبيقها وأكثر ناس عانينا من معارضتها وسجنّا سنة ونصف السنة لأننا عارضناها واعتُبرنا أننا خرجنا على الدين إلى آخره إلى آخر هذه الترهات التي قالها النظام في ذلك الوقت، ولكن عندما جئنا في السلطة أنا عندي برلمان، حتى ألغيها لا بدّ أن تلغيها أغلبية البرلمان، كان في ذلك الوقت قد اتفق السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور الترابي على عدم الموافقة على إلغائها، فعندنا في البرلمان هذه المشكلة، قالوا ونحن قلنا جيد، هم ليسوا موافقين على إلغائها ولكن يمكن أن يوافقوا على تجميدها إلى أن نجد بديلاً، وهذا ما فعلناه. أنا كان رأيي، في حزب الأمّة، أن نحرص نحن على إلغائها حتى ولو وقفنا في المعارضة، لكنّ الحزب قرّر لا، نقبل ما يقبله الاتحاد الديمقراطي حتى نبرم تحالفًا مع الاتحاد الديمقراطي، وهذا هو الثمن الذي دفعناه في أنّ تجميدها بدل إلغائها، ولكن موقفنا لا تستطيع جهة في السودان أن تدّعي أنّها عارضت قوانين سبتمبر أكثر منّا، بل ودفعت ثمنًا أكثر منّا.

 

محمد علوش: سيد الصادق المهدي، وأنت تردّ على الاتهامات التي توجَّه لكم، كان هذا طبعًا في ما يتعلق بوجودكم في الحكومة بحسب ما يقول أو خلال فترة إدارتكم السياسية، هناك اتهامات أنّكم في حزب الأمّة أيضًا تمارسون نوعًا من الديكتاتورية التي أدّت إلى استقالة العديد من أعضاء وكوادر الحزب، منهم طبعًا مبارك فاضل المهدي الذي هو قريبك، إضافة إلى أشخاص آخرين.

قبل أن أسمع منك الإجابة، أنا أخذت مقطعًا من كتاب "الصادق المهدي في آخر تجلياته"، أبكر آدم إسماعيل يتحدّث عن كيان الأنصار الذي تتزعّمه حضرتك، نستمع لما يقوله، أنا أريد منك إجابة لو سمحت على هذا الموضوع.

 

أبكر آدم إسماعيل: الواقع أنّ كيان الأنصار هو كيانٌ طائفي ديني محافظ أشبه بالفدرالية الإثنية منه إلى أيّ شيءٍ آخر، ويعيد إنتاج نفسه من خلال إعادة إنتاج علاقات القرابة والجهل كآلياتٍ تسمح للوعي الأسطوري بالاستمرار في إعادة إنتاج نفسه، ومن ثمّ بالتغطية على التناقضات الموضوعية في الحياة الاجتماعية بالوعي المزيَّف.

 

محمد علوش: إذًا كنّا نستمع إلى ما قاله أو ما كتبه أبكر آدم إسماعيل في كتابه "الصادق المهدي في آخر تجلياته"، وهو يتحدّث عن كيان الأنصار. كيف تردّ على هذه الاتهامات؟

 

الصادق المهدي: أنا أعتقد أنّ هذه تخرصات لا معنى لها لأنّني أنا الذي أدخل في كيان الأنصار تحويل العمل من عمل مرتبط بمسائل وراثية إلى عمل مرتبط بمؤسسة وبانتخابات. إمام الأنصار يُنتخَب، مجلس الحلّ والعقد يُنتخَب، المجلس التنفيذي يُنتخَب. نحن نقلنا الحركة الأنصارية من تكتل تقليدي إلى تكتل حديث، وهذا معروف في كلّ المجالات. هيئة شؤون الأنصار الآن هي هيئة حديثة قائمة على المؤسسية وعلى الشورى وعلى المشاركة. في رأينا هذا إنجاز كبير جدًا، نقل كيانًا أساسيًا في السودان من الروابط الوراثية إلى الروابط المؤسسية.

في ما يتعلق بموضوع حزب الأمّة، حزب الأمّة الآن ينفرد في الساحة بأنه الحزب المعارض الوحيد الذي عقد سبعة مؤتمرات، وكلّ قياداته منتخبة وهو الحزب الآن الذي يعمل مؤسسيًا، وهذا موثق وموجود ومعروف. السيد مبارك الفاضل لم يُبعَد ولا طرد. السيد مبارك الفاضل ترك الحزب لأنّ الحزب قرّر عدم المشاركة في الحكومة بالإجماع، وهو قرّر أن يعارض هذا الرأي، وخرج من الحزب وأنشأ حزبًا له ثمّ تشتّت حزبه هذا، ولكنّه لم يطرده أحد، هو الذي خرج على الحزب وعلى قرارات الجماعة. نفس الشيء حصل بالنسبة للدكتور آدم مادبو، هؤلاء جماعة خرجوا ليس لأنني طردتهم، أنا لم أطرد أحدًا ولم أبعد أحدًا، هؤلاء خرجوا لأنّهم بعد أن اتخذ الحزب قرارات، مثلاً بالنسبة للدكتور آدم مادبو، بعد أن اتخذ الحزب قراراته كاملة وفي مؤسساته في المؤتمر السابع للحزب، هو رفضها، ولذلك هؤلاء الناس الذين خرجوا على الحزب هؤلاء لم يطردهم أحد ولم يقلهم أحد، هم الذين عارضوا المؤسسية فانعزلوا.

 

محمد علوش: هذا الكلام هو ليس فقط آتيًا من أشخاص كانوا داخل الحزب وخرجوا منه. الدكتور ياسر محجوب الحسين في دراسة له "الصادق والزمن الضائع" نشرتها "سودان نايل" يوم 26-04-2011 يقول "حزب الأمّة اليوم عبارة عن شركة عائلية ذات مسؤوليات محدودة، فهو حزب الأسرة الواحدة، الأبناء والأصهار، وهم المسيطرون على مفاصل الحزب، يحتاج الحزب اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى قيادة تعيد له هيبته ووقاره".

 

الصادق المهدي: الحزب أنا أذكر لك قياداته. عنده رئيس، 3 نواب رئيس، 3 مساعدين للرئيس، رئيس مكتب سياسي، أمين عام، هي امرأة الآن، من هؤلاء القيادات العشرين التي تقود حزب الأمّة في الرئاسة وفي المكتب السياسي وفي المكتب التنفيذي، لا يوجد من أقربائي إلا واحد، نائبة الرئيس.

 

محمد علوش: التي هي؟

 

الصادق المهدي: التي هي الدكتورة مريم، واحد من عشرين، لكن صحيح أنا عندي أبنائي وبناتي، عندهم نشاط، ليس نشاطًا بموجب وراثتهم وإنما نشاط بموجب انتخابهم في مواقع مختلفة. صحيح عندهم تأهيل، وبالعكس أنا أعتقد هذا شرف لهم، لأنهم دخلوا في العمل السياسي الآن ليس في زمن الغم الذي فيه اعتقالات وفيه مصادرات إلى آخره. أغلب القيادات الوطنية السودانية أبناؤهم أبناء ذوات، يعيشون في الخارج ويعيشون بعيدين من العمل الكفاحي والنضالي. هذا يُحمَد لهؤلاء الشباب أنّهم الآن يعملون في هذه الأجهزة مناضلين ولكن هذا لم يؤدّ إلى أن يكونوا هم المسؤولين عن العمل هذا كما قلت لك.

 

محمد علوش: كلّ الشكر والتقدير لك الصادق المهدي زعيم الأنصار، رئيس حزب الأمّة القومي، في هذا الجزء. في الجزء الثاني، إن شاء الله في الأسبوع القادم، سوف نتحدّث عن المهدية، تعريف المهدية، والاجتهادات الفكرية التي تثير الجدل من قبل حضرتك.

شكرًا جزيلاً لك مرّة أخرى، وكلّ الشكر والتقدير لكم مشاهدينا على حسن المتابعة. إلى اللقاء في الأسبوع القادم.