كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

ظاهرة "داعش"

الضيوف: نديم حوري – نائب المدير الإقليمي في منظمة "هيومن رايتس واتش" ، ناصر زيدان – كاتب ودكتور في العلوم السياسية والقانون العام والجنائي ،سعد سلوم – أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية .

المحور الأول

ظاهرة "داعش" وطبيعتها.
المحور الأول

جورج غالاواي: أهلاً بكم في  "كلمة حرة"، معكم (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" في (بيروت) ونحن نبحث في ظاهرة (داعش) أو الدولة الإسلاميّة في العراق والشام أو الدولة الإسلاميّة كما يفضّلون تسميتها. سنضطر طبعاً إلى التركيز على الفظاعات التي يرتكبها هذا التنظيم في (العراق) وفي (سوريا) وإن أمكنهم، في أماكن أُخرى كثيرة وإن أمكنهم الوصول إلى (بيروت) طبعاً لكن هذا جزء من القصّة. لدراسة هذه الظاهرة دراسة صحيحة علينا أن نفهم من أين تأتي وإلى أين هي ذاهبة وإلى أين تأمل أن تصل؟ ولماذا تجتذب هذا العدد الهائل من المقاتلين والمُدافعين عنها من جميع أنحاء العالم؟ كنت أصفهم في البرلمان على نحو اعتيادي بأنّهم قوّة يتفاوت عددها من 20 إلى 30 ألفاً. الصحافي الإنكليزي الايرلندي المُحترم ( باتريك كوبرن) في صحيفة (الإنديبيندنت) قبل بضعة أسابيع قال أننا نُقلّل من شأن ذلك العدد وعلينا ضربه بسبعة وأن أكثر من 200 ألف مُقاتِل يخدمون تحت قيادة الخليفة الذي عيّن نفسه (البغدادي) أو (السامرّائي) كما هو اسمه الحقيقي. سوف ننظر لماذا تحديداً في (العراق) تمكّنوا في صيف عام 2014 من تنفيذ اجتياحهم الكبير، فقد تمكّنوا من هزم عددٍ كبير جداً من القوّات المُسلّحة العراقيّة والاستيلاء على مدن كبيرة مُهمّة وتاريخيّة ومُتميّزة مثل (الموصل) والاستيلاء على كلّ الأسلحة الأميركيّة التي أُمِدّت بها تلك القوات العراقيّة حيث استعملوها هناك ثمّ نقلوها بهدف نشرها واستعمالها في (سوريا) أيضاً. ما طبيعة هذه المنظّمة المُسماة (داعش)؟ من هو (البغدادي)؟ أيّ حقٍّ يمتلكه في تنصيب نفسه خليفة؟ ولماذا هم متعطّشون إلى الدماء هذا التعطّش؟ لم يرَ العالم همجيّة وبشاعة بهذا الشكل. لا تُرتكب على أرض المعركة وحسب، إنّما وبدمٍ بارد يصلبون ويقطعون الرؤوس ويأكلون القلوب، كلّ هذه الأمور أصبحت تقريباً أنباء يوميّة لقرّاء الصحف ومشاهدي التلفاز وبخاصّة لمراقبي الانترنت في جميع أنحاء العالم. هذا لا يعني أنه لم تكن هناك همجيّة كهذه في السابق، فالولايات المتّحدة قصفت (فيتنام) وقطعت رؤوس بعض الناس أيضا. غير أننا لم نرَ ذلك عن كثب وعلى نحوٍ شخصيّ، ومن الجليّ أنّ لـ (داعش) سطوة على وسائل الإعلام الاجتماعيّة، من الجلي أنّ لديه إحاطة بالتكنولوجيا الجديدة وبتقنيّات التصوير الحديثة وبعمليّة إيصال رسائله إلى العالم، ولديه جمهور في (بريطانيا) يُقدّر عدده بخمسة آلاف من المسلمين الشباب المتغرّبين والمُتطرّفين الذين انحازوا إليه. في (أوروبا) بأكملها بالآلاف، وعبر العالم العربي بضعة آلاف توافدوا للانضواء تحت تلك الراية، راية الخليفة السوداء. وبالطبع فإنّهم يتوافدون من أماكن عديدة أُخرى، من (بنغلادش) و (باكستان) و(إندونيسيا) ومن (ماليزيا) و(الشيشان)، إنّها قوة عالمية من التكفيريين المُتعصّبين. وفي صورةٍ مُحدّدة لن تُنسى، على الأقلّ في (بريطانيا)، شوهد طالب طبّ من (كارديف) في (ويلز) على الكاميرا يقطع رأس أسير سجين لا حول ولا قوّة له. إذاً، سنضع جدولاً بالفظاعات ولكننا لن نفعل ذلك بهدف ممارسة فنّ التلويح لأنّ هذا لن يخدم أيّ هدف حقيقي. فالجميع يعلم مدى وحشيّة هؤلاء الناس، لكن ما لا يعرفونه هو: من هم وماهيّتهم وما هي آفاقهم للمستقبل. ينضمّ إليّ خبراء حقيقيون وأنا الهاوي الموهوب الوحيد هنا. في الاستديو معي ، الدكتور (نديم حوري) من مكتب منظّمة (هيومان رايتس واتش) لحقوق الإنسان في (بيروت)، الدكتور (ناصر زيدان) الكاتب والأستاذ في العلوم السياسيّة والقانون العام والقانون الجنائي، وينضم إلينا عبر الأقمار الاصطناعيّة من (بغداد) الدكتور (سعد سلّوم) أستاذ العلوم السياسيّة والباحث في حقوق الإنسان والحوار بين الثقافات وشؤون الأقليّات في (العراق)، دعني أبدأ بك دكتور (نديم). أعطنا نظرة عامّة حول نوع الفظاعات بحق حقوق الإنسان التي ارتكبتها تلك المنظّمة ولماذا؟

د. نديم حوري (نائب المدير الإقليمي- منظّمة هيومان رايتس واتش): ربّما السؤال الأوّل أهون، الانتهاكات التي وثّقناها ترقى إلى مستوى جرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم حرب، وتحدّثت حضرتك عنها قليلاً في المقدّمة، موضوع الإعدامات الميدانيّة بالمئات سواء لسجناء في سجن "بدوش" أو لمعتقلين من الجيش السوري أو لمدنيين من "الايزيديين" ومن "الأكراد" ومن "الشيعة" ومن "السنّة" أيضاً. أياً من وقف في وجههم سواء عشائر أو غيرها كانت الإعدامات منهم بالمئات، والإعدام حتّى لشخص واحد يُعتبر جريمة حرب. الجرائم الأخرى ضدّ الإنسانيّة و الانتهاكات الجسيمة هي موضوع خطف الأبرياء من النساء والأطفال واستعباد عددٍ منهم. حُكِيَ كثيراً عن الذي حصل مع الايزيديين في العراق، ولكن حدثت عمليّة اختطافٍ لمئة وخمسين طفلاً مثلاً من أكراد "كوباني" وتمّ إطلاق سراحهم بعد ستّة أشهر، أطفال كانوا عائدين من امتحاناتهم المدرسيّة في "حلب" وتمّ اعتقالهم وخطفهم لعدّة أشهُر. ثم اختطاف نساء وأطفال علويين من ريف اللاذقيّة الشمالي منذ حوالى سنة ونصف السنة وبعض النساء ما زلن معتقلات لغاية الآن. موضوع التعذيب وموضوع منع النساء من التنقّل وفرض لباس معيّن عليهنّ وليس فقط على الأقليّات بل أيضاً على الأشخاص الموجودين في الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم في "الرقّة" مثلاً التي زرتها قبل شهر من سيطرتهم عليها، بحيث أنّهم خطفوا عددا من النشطاء في المدينة وأخفوهم ولا نعرف عنهم شيئاً لغاية اليوم، وبالتأكيد هناك أشياء كانوا يقومون بها كي يخيفوا العالم سواء بقطع الرؤوس أو تشويه الجثث وغيرها

جورج غالاواي: دكتور (ناصر)، من المُفترض أن يكون هؤلاء أُناسا متديّنين، من أين يستقّون التبرير الديني الذي يبدو لي على الأقل مُحرّماً في القرآن الكريم نفسه؟ من أين يستقون التبريرات الدينيّة لاستعباد الناس والإتجار بالنساء وبيعهنّ وصلب أُناس من دياناتٍ أُخرى أو حتّى من ذوي الانتماءات التفسيريّة الأُخرى لديانتهم نفسها؟

د. ناصر زيدان (دكتور في العلوم السياسيّة والقانون العام والجنائي): من المؤكّد أنّ الاعتبارات الدينيّة التي اعتمدتها حركة "داعش" أو الدولة الإسلاميّة لا تستند إلى وقائع تمُتّ إلى الإسلام الحقيقي بصلة. وهذا ليس رأيي الشخصي، هذا ما أكّده علماء دين إسلاميين كبار. هذا هو موقف مثلاً مرجعيّة الأزهر التي تُعتبر من أهمّ المرجعيّات الإسلاميّة على المستوى العام والمرجعيّات الأُخرى في "كربلاء" في العراق وفي غيرها من الدول. استناد حركة "داعش" إلى الفقه الخاصّ بها هو استناد خاطئ، ولكن لننظر إلى الأمر من زاوية أُخرى. كيف تكوّنت هذه الحركة وما هي الأُسس العقائديّة التي بُنيت عليها؟ منذ أن نشأ الخلاف ما بين "قواعد" "داعش" حالياً والقاعدة بقيادة "أيمن الظواهري" كان هناك تباين واضح من حيث العقيدة ومن حيث الأولويات السياسيّة ما جعلنا نؤكِّد أنّ الاعتبارات السياسيّة والاعتبارات المصلحيّة لها الأولويّة عند حركة "داعش" بحيث أنّها سارت باتجاه تأسيس الدولة لتأمين مصالح مجموعات أكثر من كونها نقطة الانطلاق التي اعتمدتها "القاعدة" الإرهابيّة والتي استندت إلى أنّها تريد أن تُدمِّر كلّ ما يُعارِض كما يقولون، كل ما يعارِض الإسلام. بينما "داعش" اتّجه لتأسيس دولة، وتأسيس الدولة كان يخفي مصالِح ذاتيّة ومصالح خاصّة لهذه الجماعات التي استندت إلى تفسير خاطئ للإسلام ولكن هذا التفسير غير واقعي ولا ينطبق على جوهر الدين الإسلامي الذي يدعو للتسامح، يدعو للتعالي، يدعو لاحتضان الآخرين. منذ بدايات الإسلام كان النبي "محمد"( ص) متسامحا إلى أبعد الحدود، وقصة النبي  معروفة مع جاره اليهودي وكيف أنّه منع عنه الاعتداء وكان جاره يضع عوائق في درب النبي( ص) فمنع عنه الاعتداء، كما أن قول النبي  مشهوراً فيما يتعلّق بالتوصية التي أطلقها للحفاظ على الأقباط في مصر وقال لـ "عمرو بن العاص" "أوصيكم بالقبط". فهؤلاء من الإخوة والمهم أنّ المنطلقات العقائديّة لـ "داعش" لا تلتقي مع جوهر الفقه الإسلامي. هناك طبعاً خللٌ عقائدي ما وُجِد في المناطق التي تسيطر عليها "داعش" حالياً وهناك أيضاً خللٌ ثقافي وفكري وعقائدي لكوادر أتت من أوروبا، وهذه ظاهرة يجب التوقّف عندها. كيف يتزعَّم هؤلاء الذين عاشوا في "السويد" أو في "بريطانيا" أو في "فرنسا" أو في "ألمانيا"، كيف يتزعّمون الآن حركة "داعش" على جزء من "العراق" و"سوريا" ويزايدون على الآخرين باسم الإسلام. في الإسلام، "من قتل نفساً بغير حقّ كأنّه قتل الناس جميعاً"، فهؤلاء يقتلون الأطفال. كيف يُمكن الدمج بين هذه التصرّفات وبين منطلق العقيدة الإسلاميّة التي تدعو إلى التسامح وإلى الرخاء وإلى التعالي؟

جورج غالاواي: هذه الفظاعات إمّا يرتكبها عراقيّون بحقّ عراقيين آخرين أو سوريون بحقّ سوريين آخرين أو هي صنيعة عناصر أجنبيّة تحمّلها بصمتها أو تنفّذها بالوكالة ما قد يُفسّر جزئياً مستوى العنف الهائل. ما تقديرك لهذا الموضوع بناءً على دراساتك؟

د. نديم حوري: لا توجد أرقام محدّدة، لكن السؤال الذي تطرحه هو السؤال الأساسي. كيف يمكن لمجموعة مثل مجموعة "داعش" أن تنتشر في فترة قصيرة بهذه القوّة؟ ما من شكّ بأنّها كانت مدعومة خارجياً، ولعب مقاتلوها من "تشيشنيا" دوراً أساسياً في معارِك معيّنة ولكن قوّتها إن كنّا نتحدّث عن العدد، العدد الأكبر من مقاتليها كانوا من الأشخاص المحلّيين، ونحن نرى حتّى اليوم بأن مجموعة "داعش" نجحت في استقطاب مقاتلين من مجموعاتٍ أُخرى، وهذا هو ربّما السؤال الصعب. يُمكن أن يكون عندنا أفكار اليوم، يمكننا كمراقبين أن نقول بأنّ الذي ساهم بصعود "داعش" وانتشارها هو الدعم المادي القوي جداً على مدى سنوات لمجموعات جهاديّة من قِبل بلدان عديدة كانت تعتقد أنّ بإمكانها السيطرة على "داعش" لكنّها فقدت السيطرة. النقطة الثانية انتشار "داعش" في العراق وسوريا ارتبط بلا شكّ بالجوّ القمعي الذي كان موجودا وهناك شعور بالغبن أيضاً. عندي زملاء تحدّثوا مع عدد كبير من الأشخاص في "الموصل" الذين كانوا يعتبرون في فترةٍ ما وكأن الجيش العراقي في "الموصل" جيش احتلال، فكانوا مستعدّين لأن يتقبّلوا أيّ شخص يساعدهم كي يتخلّصوا بنظرهم من جيش مُعاد وطائفي ضدّهم وعنده اعتقالات وتعذيب. يجب ألا ننسى هذا الموضوع، والشيء نفسه حصل في مناطق كثيرة في سوريا وهناك إحساس أيضاً بأنّ الأجواء لا تحتوي على أيّة مساعدة حقيقيّة للأشخاص الموجودين في تلك المناطق ما ساعد في قبولهم وتقبّلهم لوجود هذه المجموعات. أمّا التحدّي الكبير وربّما النقطة الأخيرة أنّ "داعش" تصرّفت، ولن أقول بذكاء ولكن ببداهة وحنكة في طريقة سيطرتها على المناطق. عندما زرت "الرقّة" قبل شهر كان هناك عدّة نقاط أي كان هناك أشخاص مسؤولون من المدينة، وكان هناك عشائر عندها وجود على الأرض. أخذت "داعش" بالخطف والإعدام قبل شهر وأخفت أيّ شخص يُمكن أن يكون قياديا بديلا لها إلى أن أتى اليوم الذي اعتبرت نفسها في موقف قوّة وسيطرت. ولكي تستبق أيضاً أيّة محاولة لردّة فعل، شاهدنا ما فعلته في العشائر التي حاولت الوقوف في وجهها سواء في سوريا أو في العراق وقامت بإعدامات جماعيّة كي تًعطي أمثولة للجميع. لكن أنا أعود وأقول، نحن نحاول أن نفهم هذا الموضوع وأنا في رأيي موضوع الظلم الذي عشناه في العالم العربي في آخر ثلاثين أو أربعين سنة والّذي ازداد في العراق في آخر عشر سنوات لعب بلا شكّ دوراً أساسياً، وليس من المُستغرب أنّ شخصاً مثل "البغدادي" كان موجودا في سجن "كامب بوكا"، وليس من المستغرب أنّ كثيراً من القياديين في سوريا الذين التحقوا بالحركة الجهاديّة كانوا مسجونين في سجن "صيدنايا". هناك حركة حدثت وهناك سجون لعبت دورا كما لعِبت السجون المصريّة وغيرها دوراً رئيسياً في الستينات والسبعينات في إطلاق أوّل ما يُسمّى بالقياديين الجهاديين الذين لعبوا دوراً أساسياً في هذا الظلم وهذا التعذيب وهم يعيدونه اليوم ويزيدون عليه بمستوى أعلى وأعلى

جورج غالاواي: دكتور (سلّوم) من (بغداد)، نشكر لك انضمامك إلينا. أخبرنا من هم هؤلاء الناس؟ من هذا (البغدادي) أو (السامرّائي) وما هو اسمه الفعلي؟ هلّ هؤلاء الناس عراقيون؟ هل هُم حتّى عرب؟  كيف تحدّد نسبة العراقيين الذين يقاتلون في (العراق) تحت راية (داعش) مقارنةً بالمُقاتلين الأجانب؟ والسؤال الثاني إن سمحت لي، كما تعرِف على الأرجح، أنا أعرف العراقيين جيداً لكن ما هو السبب وراء تمكّن هذه المجموعة من إحكام سيطرتها وفرض حُكمها برباطة جأش على مساحات شاسعة من العراق حيث لو لم تكن القبائل والناس هناك يريدونهم لكانت إطاحتهم ممكنة وبسهولة؟

د. سعد سلّوم (أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة المستنصريّة):  شكراً جزيلاً على هذه الفرصة. في الواقع علينا ألا نتردّد في توصيف منظّمة إرهابيّة مثل "داعش". هي منظّمة "مافياويّة" تتنكّر بزيّ ديني وتقوم على أيديولوجية الكراهية، لا يُمكن لنا أن نُخطئ في توصيف مثل هذه المنظّمة. حاولت هذه المنظّمة أن تستثمر في الكراهية بمعنى أنّ "داعش" لن تنجح في بيئة مثل البيئة العراقيّة إذا لم يكن هناك تراكم من الظلم خلال السنوات العشر الماضية. إذا أردنا أن نجيب على نحوٍ عام ومُجمل نقول أنّ فشل بناء الدولة بعد عام 2003 كان مسؤولا عن ظهور "داعش" مثلما أن فشل الدولة الوطنيّة كان مسؤولا عن التحوّل الذي يشهده الشرق الأوسط بشكلٍ عام. في عام 2003 فلسفة النظام السياسي الذي قام في العراق كان يقوم على فكرة المكوّنات. بمعنى آخر، نحن انتقلنا من فكرة بناء دولة أُمّة فشلت منذ تأسيس الدولة العراقيّة وحتّى عام 2003 بفعل التدخّل الأميركي والآن تحوّلنا إلى دولة مكوّنات، دولة تقوم على هويّات متخيّلة، أي قسّمت المجتمع العراقي إلى مجموعة مكوّنات ففقد الفرد المواطن هويّته الإنسانيّة. الفرد مثلي أنا على سبيل المثال هو حامل الحقوق الأساسيّة وليس المكوِّن أو الهويّة الجماعيّة فأصبحنا سُنّة وشيعة وأكرادا ومسلمين ومسيحيين وتركمان إلى آخره. بمعنىً آخر، أصبحت هويّة الدولة هي هويّة صراعيّة، هناك نُخب سياسيّة تُحاوِل أن تستثمر في هذه الهويّات الجماعيّة وتقوم بدور سماسرة هويّة وتستخدِم أيديولوجيا التعبئة ضدّ الآخر من أجل الاستحقاقات والصراع من أجل السلطة والثروة. بالتأكيد، في مثل هذا الجوّ الصراع سوف يُنشئ الكثير من الظلم. "داعش" حاولت أن تستثمر في هذا الظلم وحاولت قدر الإمكان أن تحوِّل الكثير من الشعور بالخيبة لدى مكوّنات عراقيّة إلى نوعٍ من العنف، فحاولت أن تستثمر. هل كان من الممكن أن تنجح "داعش" في البيئة العراقيّة لو تمّ تصميم الدولة العراقيّة على نحوٍ آخر؟ بالتأكيد لم تكن لتنجح. حتّى الإسلام السنّي العراقي هو إسلام مُعتدِل، هو إسلام يتبع مدرسة الإمام "أبو حنيفة" وهي رمز الاعتدال، مثلها مثل المدرسة "الأزهريّة". لم يكن هناك وجود للتيارات التكفيريّة أو "السلفيّة" قبل عام 2003 في العراق. لكن هذه التيارات أخذت زخماً بعد الاحتلال الأميركي والكثير من المكوّنات أو الكثير من الأفراد وقعوا ضحيّة لمثل هذه التفسيرات التعسّفيّة للنصّ المُقدّس. "داعش" في النهاية لديها تفسيرها الخاصّ عن الإسلام، هلّ هو إسلام حقيقي أم إسلام غير حقيقي؟ أنا لا أدخل في هذا التوصيف. هناك مجموعة "إسلاميات"، بمعنى آخر هناك عدّة تفسيرات للنصّ المُقدّس. لماذا كان لدينا في خمسينات وأربعينات وثلاثينات القرن الماضي إسلام حضاري يعيش في ظلّه اليهودي والمسيحي والمُسلم؟ لماذا الآن لدينا إسلام طائفي حصري يُلغي الآخر ويُكفِّر هذا الآخر ويُبيد هذا الآخر؟ الأمر يعتمد على طبيعة البيئة وطبيعة التفسير. على سبيل المثال، الموقف من المسيحيين، نحن نستطيع أن نقرأ القرآن قراءة أُخرى. لطالما احتفى الخطاب القرآني بالمسيحي بوصفه مثال المؤمن بالنسبة للمُسلم، وكلّنا قرأنا قصّة "أصحاب الأخدود" التي ذُكِرت في الخطاب القرآني وفي النصّ القرآني باعتبارها مثالاً للمؤمن بالنسبة للمُسلم. كذلك عندما تعرّض المسلمون إلى ضغطٍ وحِصار من المُشرِكين العرب في "قريش" لجأوا في حينه إلى ملكٍ مسيحيّ، ذهبوا إلى الحبشة وأخذوا معهم سورة مريم التي كانت تعبيراً عن صلة قُربى. ثم أن الرسول في المدينة كان قد استقبل نصارى "نجران" في المسجد، وحينما جرى بينهم حوارٌ إيماني وحان موعد الصلاة استأذنه المسيحيون للصلاة خارِج المسجد فطلب منهم الرسول أن يصلّوا داخل المسجِد، هذه دلالةٌ أُخرى على أنّ المسجد لم يكن دار عبادة للمسلمين وإنّما كان دار عبادة للمؤمنين. هذه القراءة هي القراءة التي نشأ في ظلّها الإسلام الحضاري، وتربّينا نحن كجيل والجيل الأسبق منّا على تفسير الإسلام على هذا النحو. ومن ثمّ هناك قراءة تعسّفيّة، هذه القراءة التعسّفيّة للنصّ القرآني وللإسلام ما كانت لتخرُج على هذا النحو إلاّ على يدّ منظّمة مثل "داعش"، وهي تستثمر في هذه القراءة وتُنفِّذ أو تُطبِّق مثل هذه القراءة للإسلام. هي قراءة متطرّفة للنصّ القرآني، كلّ النصوص المُقدّسة سواء في التوراة أو الإنجيل نستطيع أن نقرأها قراءة مُتطرِّفة أو قراءة مُعتدلة وهذا الأمر يعتمِد على الشخص الذي يقوم بالتفسير

جورج غالاواي: لماذا لا تستطيع الحكومة في (بغداد)، الآن بوجود رئيس مجلس وزراء جديد، توسيع رُقعة سُلطتها في البلاد؟ لماذا لا يُمكنها أخذ المُبادرات التي قد تُساعد على ذلك؟ لقد تحدّثت عن قادة القبائل المسيحيّة، دعني أُعطيك مثلاً. (طارق عزيز) يبلغ من العمر82 سنة وهو مريض جداً. لقد كان أكثر القادة المسيحيين تميّزاً في العالم العربي وسجنه الأميركيون. لماذا لا تستطيع الحكومة في (بغداد) إطلاق أشخاص أمثاله كمُبادرة حُسن نيّة؟ ألن يساعد ذلك على توسيع قاعدتهم وتضييق الفرص على "داعش" تالياً؟

د. سعد سلّوم: فعلاً، هناك فرصة غير مسبوقة. الأزمة التي حدثت بعد احتلال "داعش" لـ "الموصل" كانت في الواقع أزمة لمراجعة الذات. أنا أتحدّث على صعيد النُخب السياسيّة الموجودة في العراق وأيضاً بالنسبة لنا كناشطين وأكاديميين ومثقّفين، فرصة للمراجعة الثقافيّة وأيضاً للمطالبة بإصلاحات هيكليّة في السياسة العراقيّة. هناك مجموعة من المؤشرات على أنّ حكومة "العبادي" الحاليّة تتّبع نوعا من خارطة طريق مُصغّرة لإجراء مثل هذه الهيكلة السياسيّة، هيكلة الجيش، محاولة للتعامل مع الكثير من المكوّنات بمنطق الحوار لا بمنطق الإقصاء. هناك ربّما مطالب رمزيّة مثل المطلب بالنسبة لإطلاق سراح "طارق عزيز"، لكنّي أود أن أوضح أن "طارق عزيز" لم يكن مسيحياً، "طارق عزيز" كان بعثياً أكثر من أن يكون مسيحياً ولم يتصرّف في حياته على أنّه مسيحي. لكن في النهاية هو رجل كان يُمثّل نظاما وكان يُمثّل أيديولوجيّة حزبيّة، لكن هلّ من الممكن أن إطلاق "طارق عزيز" أو حتّى الآن الوقوف أمام الحكم بالإعدام على "أحمد العلواني"، هلّ من الممكن أن يُمثّل مؤشراً رمزياً بالنسبة إلى الحكومة العراقيّة على أنّها تتبنّى سياسة أو فلسفة مختلفة عن الحكومة السابقة؟ بالتأكيد أنا أتّفق معك، نحن بحاجة إلى مثل هذه المُبادرات الرمزيّة التي توضّح أنّ الحكومة العراقيّة تريد أن تنعتِق من التقاليد السابقة التي أدّت إلى ما أدّت إليه. بمعنىً آخر، نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة، نحن بحاجة إلى فتح حوار ما بين الدولة والمجتمع، النظر إلينا كأفراد وكمواطنين لا كمكوّنات. نحن في النهاية حاملو حقوق، نريد أن تصل لنا الخدمات، نريد أن يتحقّق لنا الاستقرار السياسي والنفسي والاجتماعي

جورج غالاواي: إسمع دكتور، سنعود إليك لاحقاً. سأعطيك مزيداً من المُقترحات عن أفعال رمزيّة يمكنك الاستفادة منها، ولكنني شاكر جداً لك ولضيفيّ في الاستديو لجعلنا ننطلق في نظرتنا هذه على "داعش" بهذا الأسلوب العلمي المُثقّف. سأعود إليكم 


المحور الثاني

كيف تكون هذا التنظيم وما الأسس العقائدية التي بُنيت عليه؟
المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون "كلمة حرّة". معكم (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" في (بيروت) ونناقش ظاهرة (داعش). من هم؟ وما ماهيّتهم؟ ما الذي يمثّلونه؟ وما الذي يفعلونه؟ وما الذي سيصنعونه في المُستقبل؟ وما الذي بإمكان بقيّتنا فعله حيالهم؟ دكتور (ناصر)، النظريّة التي أعمل وفقها هي أنّ (داعش) يمثّل ردّ فعلٍ تحسسي على مرضٍ كامنٍ في هذه المنطقة. مرضٌ بدأ بفرض الاستعمار للحدود التي وضعتها اتفاقيّة (سايكس بيكو)، مرض تسارع الإخفاقات، دعنا لا نصف الأمر بقسوة أكثر للنهج الذي سارت عليه كلّ الأنظمة العربيّة من رؤساء جمهوريات وملوك سواء من الاشتراكيين أو القوميين أو البعثيين، جميعهم خيّبوا آمال الناس بطريقةٍ أو بأُخرى. الإخفاق في إحراز استقلال حقيقي للعالم العربي، الإخفاق في طرد الكيان الصهيوني من (فلسطين)، الطائفيّة السياسية التي فرضها اجتياح واستعمار (العراق) بخاصّة على يد (بريمر) الذي عمل لتفاقم وتعميق الاختلافات بين العراقيين على أسس دينيّة وعقائديّة، ولهذا السبب فإنّ هذه البذرة التي زُرِعت في الأرض ربّما منذ زمن (سايكس بيكو) قد نمت الآن من وجهة نظري لتصبح زهرة قبيحة جداً فعلاً. ما إجابتك عن ذلك؟

د. ناصر زيدان: صحيح أنّ ظاهرة "داعش" الإرهابيّة نتجت من مجموعة من العوامل التاريخيّة منذ "سايكس بيكو" مروراً بالاضطهاد الذي عاشه الشعب الفلسطيني واغتصاب "فلسطين" على يدّ الإسرائيليين، وأيضاً هناك شيء من ردّة الفعل على فشل الأنظمة في المنطقة العربيّة، ولكن على وجه التحديد الأرضيّة التي كانت حاضنة أكثر من غيرها لهذه الظاهرة هي في جزء أساسي من "العراق" ومن "سوريا". إذا التجربة الأميركيّة في "العراق" كانت فاشلة جداً وساهمت في إنعاش هذه الظاهرة، كما أنّ تجربة الحكم في العراق كانت أيضاً فاشلة وساهمت في إنعاش هذه الظاهرة. وما جرى في "سوريا" أيضاً شكّل نوعا من التغذية لهذه الظاهرة التي انتعشت نتيجة ما حصل في جزء كبير من "سوريا"، ولكن هذه الحركة ليست ردّة فعل على ظروف محلّية في منطقة الشرق الأوسط وفي المنطقة العربيّة فقط. هي أيضاً تحدّ للسياق الدولي العام، وبالتالي عندما أُعلِنت الدولة الإسلامية في 18 آب/ أغسطس المنصرِم  كانت تحدّيا للسياق العام الذي تسير به المنظومة الدوليّة، وهذه المنظومة الدوليّة الناتجة من تجارب وأعراف وقانون دولي عام. تحدّت "داعش" هذه الأعراف وتحدّت هذه القوانين. من المتعارف عليه وفق الاتفاقيات الدوليّة أنّ الدولة تُنشأ بواسطة وجود أرض محدّدة، شعب، وسلطة. فـ "داعش" أعلنت عن دولة أرضها غير مُحدّدة وشعبها غير مُحدّد والسُلطة أيضاً غير معروفة ولا تتكوّن السُلطة وفق الأُسس المُتعارف عليها لتكوين السلطة، كانتخابات أو مُبايعة أو ما إلى ذلك. هذا الأمر هو تحدّ للمنظومة الدوليّة بشكلٍ عام وليس فقط ردّ فعل على ظلم أو اضطهاد أو حتّى على السياق الديني المُشوِّش الذي تعيشه المنطقة العربيّة منذ حوالى العشرين سنة. هناك تشويه ديني تُساهِم فيه أوساط دوليّة استفادت منه "داعش"، ولكن تصرّفات "داعش" هي أيضاً ردّة فعل على النمطيّة الدوليّة المُشوّهة التي تتعاطى بها المنظومة الدوليّة أو ما يُسمّى "المجتمع الدولي" مع قضايا المنطقة، وبالتالي "داعش" ليست تحدّي للمنطقة العربيّة أو لشعوب المنطقة العربيّة أو لدول المنطقة العربيّة فقط إنّما هي أيضاً اعتراض وتحدّ للسياق الدولي العام الذي يتجاهل القضايا العربيّة أو القضايا في العالم الثالث، بل وبشكلٍ مُختلِف يُساهم في تغذية هذه التفاعلات للوصول إلى فوضى كما نعيش اليوم. صحيح أنّ قرار مجلس الأمن 2170 حرّم التعاطي مع الدولة الإسلاميّة أو ما يُستسهل تسميته دولة "داعش". ولكن حتّى الآن هناك من يتعاطى تجارياً ويستفيد من تجارة النفط مع المناطق التي تُسيطر عليها "داعش". وهناك أيضاً من يُغذّي بالسلاح الدولة الإسلاميّة أو منظّمة "داعش". كان هناك خبر لا أدري مدى صحّته أنّ هناك طائرات مجهولة ترمي كمّيات من السلاح في مناطق نفوذ "داعش". الأمر يدفعنا إلى طرح سؤال آخر، هلّ هناك من يُغذّي هذه الحركة أو هذه التجربة الإرهابيّة أو التجربة اللقيطة من المجتمع الدولي؟ سؤال جدير بالطرح لأنّه يستحيل في الواقع الراهن من حيث الترابط الاجتماعي والترابط الاقتصادي بين دول العالم، يستحيل أن يعيش هذا الكيان من دون أن تكون هناك أبواب أو نوافذ له على الخارج كما هي الحال في السلاح وكما حتّى في العلاقات الخارجيّة. هناك مواطن، بصرف النظر عن الخلل العقائدي الذي يعيشه، يأتي من "السويد" إلى "الرقّة"، كيف يصل هذا المواطن؟ قد يكون له أصول عربيّة أو إسلاميّة، وقد لا يحمل هذه الأصول. كيف يصل إلى "الرقّة" أو "الموصل" أو إلى "دير الزور" عن طريق مواصلات دوليّة شرعيّة؟ حتّى سياق المواصلات الدوليّة أصبح منظّم دولياً. هناك دخول إلى المطارات الدوليّة والخروج منها، كيف تأتي هذه الظاهرة من دون أن تكون هناك رعاية أو ما يُشبه الرعاية الدوليّة؟ هلّ منظومة الحريّات التي كرّسها الإعلام العالمي لحقوق الإنسان أو الاتّفاقيات الدوليّة كالحقوق المدنيّة والسياسيّة والحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة، هلّ تسمح هذه المنظومة القانونيّة الدوليّة برعاية أو تغذية مثل هذه المنظّمات؟ سؤال لا بدّ من طرحه ولا بدّ من التفكير بتمعّن في الإجابة عنه

جورج غالاواي: لكن الدولة لا تكون شرعية أبداً عندما تنشأ، أليس كذلك؟ الولايات المتّحدة أسّست نفسها عبر حربٍ ثوريّة ومن خلال إلحاق الهزيمة بالمحتلّ الاستعماري، أو لنضرب مثلاً عصرياً، (كوسوفو) التي اعترف بها كثير من الدول بكونها دولة ولكنّها اقتُطِعت فعلياً من دولةٍ أُخرى ورسّمت حدودها القانونيّة على نحوٍ أحادي مؤيّدو الانفصال. إذاً، أليست الطريقة المنطقيّة الوحيدة التي يُمكننا من خلالها مُقاربة هذا هو أن الدول تنال الاعتراف وفقاً للمناطق التي تُسيطر عليها، و "داعش" سأطرح السؤال على الدكتور (سلّوم) بعد قليل، حالياً على الأقل تُسيطر على منطقة أكبر من بريطانيا العُظمى

د. ناصر زيدان: إعلان "فرجينيا" الذي جاء بعد الثورة الأميركيّة اعترف بالمنظومة الدوليّة العامّة، وما حصل في "يوغوسلافيا" السابقة، في "كوسوفو" أو في "مونتي نكرو" أو في مناطق مختلفة، كانت هذه المجموعات التي تنتمي إلى جغرافيا مُحدّدة تعترِف بالنظام الدولي العام وتريد الاستقلال ولكن في سياق هذه المنظومة الدوليّة. هنا الأمر مُختلِف عند "داعش"، "داعش" ترفض المنظومة الدوليّة بالمُطلق. ترفُض أن تكون جزءاً من هذه المنظومة الدوليّة، والمجتمع الدولي بتكوينه السياسي والقانوني أيضاً يرفض هذه الظاهرة. الإشكاليّة هنا مُختلفة، "داعش" ترفُض أن تتعامل في السياق المالي المُعتمد في العالم من حيث التحويلات، هي تصدر عملة خاصّة بها على الطرق البدائيّة القديمة. أيضاً، اتّفاقيّة "فيينا" في عام 1978 حدّدت واجبات الدول. واجبات الدول إن كانت ستنسلِخ كجزء عن دولة أمّ أو إن كانت دولة تريد الاندماج مع دولة أُخرى عليها واجبات. أولاً حماية السكّان هي من واجبات الدول وهذا الأمر مُختلِف عند "داعش"، ثانياً احترام السياق الدولي العام الذي تعيش فيه المجموعة البشريّة بشكلٍ عام. من ناحية أُخرى، ميثاق الأمم المتّحدة وأعتقد إن لم أكن مخطئاً، المادّة 23 حدّدت أنّ سلطة الأمم المتّحدة وسلطة مجلس الأمن ليستا مقتصرتين على الدول الأعضاء فقط، تشمل صلاحيّته في الحفاظ على الأمن الدولي كلّ المناطق الجغرافيّة في العالم. أيضاً هذا يطرح سؤالا، هلّ تستطيع "داعش" أن تتمرّد على السياق الدولي العام وعلى ميثاق الأمم المتّحدة؟ وهذا الأمر أيضاً يطرح سؤالاً من الجهة الأُخرى. كيف حتّى الآن يتجاهل المجتمع الدولي وتتجاهل الأمم المتّحدة ويتجاهل مجلِس الأمن هذا التمرّد على السياق الدولي العام وهذا التهديد المنقطع النظير للسلم الدولي؟ لأنّ حالة "داعش" أعيد وأؤكِّد ليست حالة اعتراضيّة على وضع في المنطقة العربيّة أو في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الشاب الذي يأتي من "السويد" أو من "بريطانيا" أو من "النمسا" ليقاتِل في جزء من "سوريا" أو من "العراق" يحمل اعتراضاً على المنظومة الدوليّة رغم أنّ الحقوق والحرّيات في تلك البلدان مؤمّنة لهؤلاء. إذاً، لماذا يعترِض هؤلاء في مناطق من سوريا ومن العراق على السياق الدولي العام الذي يسير به المُجتمع الدولي اليوم؟

جورج غالاواي: لكن دكتور، أنت تتحدّث عن الشرعيّة الدوليّة. السبب الوحيد الذي جعل (العبادي) و(المالكي) من قبله أو أيّاً يكن من يحكم العراق الآن، جاء نتيجة خروقٍ واضحة للقوانين. اجتياح العراق واحتلاله كانا عملين غير قانونيين. ليس علينا العودة إلى الوراء، الولايات المتّحدة تقصف (سوريا) الآن من دون أيّ أُسسٍ قانونيّة من أي نوع. لم يسعوا وراء استئذان الحكومة في (دمشق) ولم يُعطَ إذنٌ من هذا النوع، لهذا فإنّ كلّ قنبلة تُسقطها الولايات المتّحدة على (سوريا) تُعدّ قنبلة غير قانونيّة. لذا فإنني أتساءل لماذا تفترض مثل تلك السيادة للشرعيّة الدوليّة في هذا الشأن؟

د. ناصر زيدان: سبق للولايات المتّحدة الأميركيّة أن غزت العراق في العام 2003 بدون قرار من مجلِس الأمن وبدون تغطية دوليّة، وتمّت هذه التغطية لاحقاً. الآن، القرار 2170 صنّف "داعش" على أنّها منظّمة تهدّد السلم الدولي وتمّ تكوين هذه المجموعة الدوليّة لضرب مواقع "داعش". من المتعارف عليه أنّ ممارسة أيّ أعمال عسكريّة في أيّة دولة يجب أن تكون إما بغطاء دولي من مجلس الأمن، أو بموافقة السلطات المحلّية. وهذا التحالف الذي يُمارِس أعمالا عسكريّة ضدّ "داعش" في جزء من "العراق" وجزء من "سوريا" ليس حاصلاً على قرار من مجلس الأمن ولا يحصل أيضاً على رضى السلطات السوريّة على الأقل. ولكن هناك مشكلة في "سوريا" ولا نستطيع أن نتجاهلها. لا نستطيع أن نعتبر أنّ السلطات السوريّة تفرِض سيطرتها على كامل الأراضي السوريّة وبالتالي نفترض أنّ أي عمل عسكري في هذه المناطق المتمرّدة على الشرعيّة يجب أن يُقتَرن بموافقة السلطات المحلّية. الأمر ليس سراً وهناك أكثر من 60 بالمئة من الأراضي السوريّة لا تُسيطر عليها السلطات السوريّة. بصرف النظر عن الرأي السياسي سواء كنت إلى جانب النظام أو إلى جانب المعارضة في "سوريا"، لا تستطيع أن تُسلِّم بفرضيّة الحصول على إذن من السلطات السوريّة لمُحاربة "داعش" لأنّ القرار 2170 صنّف "داعش" منظّمة تهدّد السِلم العالمي. في المقابل أيضاً نتساءل كأكاديميين وكنُخبة وكمواطنين، لماذا هذا الاعتراض من قِبل السلطات الشرعيّة السوريّة على التدخّل الدولي لضرب "داعش". هذا يقودنا السؤال إلى ما تكلّم به منذ لحظات زميلنا العزيز، هلّ في منشأ هذه المنظّمات كان هناك دور ما لبعض الأنظمة سواء في سوريا أو في العراق حتّى وصلت إلى الحدود التي وصلت إليها؟ خاصّة أنّ بعض رموز هذه الحركات وبشكلٍ خاصّ "داعش"؟ من المعروف أنّهم كانوا في سجون النظام في "سوريا" أو في "العراق"، لكنّه سؤال يُطرح

جورج غالاواي: دكتور (نديم)، (شكسبير) قال: "إنّ الخيانة لا تُثمر أبداً، ولوّ أنّها أثمرت لما تجرّأ أحد على تسميتها خيانة". أليس الواقع هو أنّ عدداً هائلاً من الناس في (العراق) وفي (سوريا) يؤمنون أنّ تلك الدولة ليست شرعيّة؟ وإن أردت، هذا هو المنهل القانوني والأخلاقي الذي يستقّون منه شرعيّتهم الذاتيّة المُدرِكة

د. نديم حوري: ما من شكّ أنّ لا أحد قام باستطلاع للرأي في هذه المناطق، لكن ما من ّشك أيضاً أن هناك فراغ حقيقي في "العراق" وفي "سوريا". ما لفت لي نظري في "سوريا"  أنّه عندما نشأت حركات المُعارضة للحكومة السوريّة تبنّت علماً مختلفاً، وكأنه كان يوجد منذ البداية نوع من كسرٍ بين عالمٍ اعتبروه عالم النّظام وبين عالمٍ آخر كأنّهم يريدون بناءه. هناك شيء منه وبلا شكّ كان هناك فقدان للمرجعيّة ودخول عنصر آخر خاصّةً في "سوريا". في مناطق كثيرة زرناها خاصّةً في شمال "حلب" وفي "الرقّة" و" ريف الرقّة" ومناطق من "دير الزور" وجدنا بأنّهم تعبوا من الفوضى . أي أنّ بعض المناطق التي سقطت تحت سيطرة مجموعات مُسلّحة من المُعارضة للحكومة كانت تعاني من حالة الفوضى، مجموعات عديدة جداً من المسلّحين. كان هناك سرقات ولم يكن هناك أمان بل قصف مستمر من الطيران الجوّي السوري  وبراميل متفجّرة  وصواريخ "السكود" وغيرها، فكانت هناك حالة من الرعب. في الفترة الأولى، كان عندي أشخاص اتصلت بهم من "الرقّة" وكنت قد تعرّفت عليهم شخصياً قبلاً. في الفترة الأولى كنّا نعرف على الأقل ما هي القوانين، ربّما لم نكن نحبّها ولكننا نعرِف ما هي القوانين التي يجب تطبيقها، وإذا طبّقناها لا يتعدّون علينا. هذا الشقّ الأخير، شقّ "ألا يتعدّون علينا" تغيّر مع الوقت. عدد كبير من الأشخاص أُجبروا بعد فترة على ترك مناطقهم لأنّهم لم يعتقدوا أنّ الأمور ستصل إلى هذا الحدّ من العنف وحتّى من الاعتباطيّة وتطبيق القوانين وتغييب القوانين وغيرها من هذه المواضيع. لكن لا شكّ أنّ هنالك فراغا. وأنا أعود وأقول أنه بالتأكيد يمكننا أن نجد مسؤوليّة للمجتمع الدولي وتوجد مسؤوليّة للمجتمع الدولي، ولكن المسؤولية عندنا كشعوب ومناطق ومجتمعات. كمنظومة إقليميّة يجب أن نعترِف بالفشل. أين الجامعة العربيّة من هذه الأزمات؟ هناك نوع من تغييب هذا الدور. كيف نحن سكتنا على مدى أكثر من عشرِ سنوات على البث التلفزيوني للتحريض الطائفي عند جميع الأطراف؟ وكنّا حتى نشجّعهم ونشاهدهم ونجعل منهم مشاهير في التلفزة وغيرها من وسائل الإعلام، وبعض الأشخاص الذين يبثّون السموم كلّ يوم عندهم أكثر من مليوني متابع على المواقع الاجتماعيّة مثل "تويتر" وغيرها. هذه أسئلة لم نطرحها بشكلٍ جدّي في السابق. لماذا لا ننتفض عندما نرى أنّ هنالك إجحافا حقيقيا؟ الذي حصل في العراق واستبدال نظام دكتاتوري حسب توصيفنا لهذا الموضوع بنظام أيضاً دكتاتوري يعيد ويعاقب مجموعات هائلة من العراقيين، كان يجب أن يكون هنالك ردّات فعل محلّية أهم من التي حدثت. نحن لا نستطيع أن نوقف سياسيات  ومصالح الدول الكبرى مثل الولايات المتّحدة التي ستتابعها دائماً وكذلك الأمر مع روسيا ومع أوروبا، ولكن المطروح هو مسؤوليّة المعنيين أولاً ولماذا تركوا الأمر يصل إلى هذا الحدّ؟ واليوم كما قال زميلنا في "العراق"، يجب أن يكون فرصة لإعادة النظر في أشياء كثيرة في المنطقة. اليوم هنالك علامات استفهام، ليس لدينا كامل الأجوبة ولكن يجب أن نسأل الأسئلة الحقيقيّة التي قد تؤلِم، التي قد تدفعنا إلى إعادة النظر في أشياء عديدة والاعتراف بالفشل. ما قلته حضرتك صحيح، هنالك فشل لأنّه لو كان هناك نجاح لما نجحت "داعش" في السيطرة على الموصل عندما كانت أعدادها أقلّ بكثير من الجيش العراقي، لما كانت نجحت "داعش" في السيطرة وفي أن تأخذ قاعدتين عسكريّتين للحكومة السوريّة في "الرقّة" عند فشل المجموعات المُسلّحة الأُخرى بعد سنة ونصف السنة. هذه أسئلة يجب أن نسألها وأن نُراجع دورنا أيضاً في ذلك. لماذا سكتنا عن تعليم الدين بشكلٍ خاطئ على أجهزة التلفزة؟ لماذا سكتنا أو لم نكن نعتبر الأمر أساسيا عندما كنّا نرى بعض الشيوخ يطلّون علينا بخطابات كراهية تقصي الآخر وترفضه؟ هذه  الأمور في رأيي أساسيّة، لكن هلّ هي كافية اليوم لردع "داعش" عسكرياً ؟ كلاّ، ولكن هلّ هي أساسيّة لنبني أموراً أُخرى على أُسس سليمة؟ أكيد. في النهاية الكلّ انتقد "سايكس بيكو، "داعش" قالت نعم أنا سأُنفِّذ ما كنتم تقولونه وسأمحي هذه الحدود، لكن نحن لم نكن نعيد النظر لكي ننتهي بـ "داعش"! نريد مُجتمعات عادلة، نريد مجتمعاتٍ فيها حقوق، نريد مجتمعات نُسائِل فيها المسؤولين. مثلاً اليوم أسمع أنّ الولايات المتّحدة ستدفع بالأموال لتدريب الجيش العراقي لكنّهم لم يسألوا أنفسهم عمّا فعلوه خلال عشر سنوات عندما تواجدوا في "العراق" وكانوا يدفعون المليارات من الأموال؟ كلّ هذه المواضيع في رأيي اليوم مطروحة بلا أجوبة، ما زلنا في بداية الطريق

جورج غالاواي: هناك الكثير من الأسئلة التي طرحتها والتي تتمخّض تلقائياً من هذا الوضع. سنسأل الدكتور (سلّوم) في (العراق) للإجابة عن بعض تلك الأسئلة بعد هذا الفاصل


المحور الثالث

منهجية وسطوة التنظيم على وسائل الإعلام الإجتماعي.
المحور الثالث

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون كلمة حرّة، معكم (جورج غالاواي) على قناة "الميادين" في (بيروت)، نبحث في ظاهرة (داعش) والمتمركزة طبعاً وعلى نحوٍ مبدئي ومُسيطرة على منطقة بمساحة بريطانيا العُظمى بين الحدود وعبر الحدود في أجزاء من (سوريا) و(العراق)، ولكنّها تحمل عقليّة توسّعيّة أبعد بكثير من ذلك. سأتوجّه إلى الدكتور (سلّوم) معنا من (بغداد). من غير العادل أن نطلب منه الإجابة عن كلّ الأسئلة التي نطرحها هنا في (بيروت)، لكنّه قد يرغب في استهلال جدلٍ على بعض تلك الأسئلة، لكن قبل أن تفعل دكتور، أريد أن أطرح عليك سؤالين مُتعلّقين بطرحنا. عندما جرى طرد (الزرقاوي) وما يسمّى (القاعدة) من (العراق) على نحوٍ فعّال من المنطقة علي يد "المُغتربين" العراقيين أنفسهم ، كان ذلك بذريعة أنّ العراقيين لا يريدون عيش أسلوب حياة (القاعدة) ، وبالتالي فإنني أسأل، كيف أمكنهم السيطرة على منطقة هائلة وعدّة مُدن مثل (الموصل) مثلاً من دون أن تواجههم كما اتّضح مقاومة حقيقيّة تقريباً. أهذا بسبب الإرهاب البشع الوحشي؟ أم هو بسبب وجود شعور فعّال في (الموصل) وأجزاء أُخرى من غربيّ (العراق) بأنّ الحكومة في (بغداد) غير شرعيّة وأنّ جيشه ليس جيشاً وطنياً أبداً. وعند هذه النقطة إذاً، ما السبب إن لم يكن ما أشرنا إليه، أن الجيش الذي تولّى التمويل الأكثر تكلفة في التاريخ على نحوٍ مُطلق، والأفضل من بين الجيوش المُسلّحة بأجهزةٍ حديثة في التاريخ قد هزمه هؤلاء بعدما رمى أفراده أسلحتهم وبزّاتهم وضُبّاطه تخلّوا عن رجالهم

د. سعد سلّوم: في الواقع، هذا السؤال جوهري. نحن في داخل العراق نطرحه بطرق مختلفة، نطرحه في السياسة وفي الإعلام ونطرحه حتّى على صعيدٍ أكاديمي ودائماً نُحرِج السياسيين بهذا السؤال، ما الذي حدث؟ هلّ هناك خيانة؟ هلّ هناك قدرات هائلة ومُذهلة لتنظيم مثل "داعش" بحيث استطاع في لحظات  ان يهزم جيشاً بهذا التجهيز الهائل؟ في الواقع، نستطيع أن ندخل بإجابة تحليليّة، نحاول أنّ نُفكِّر معاً. في ضوء افتقارنا إلى المعلومات الدقيقة، نلجأ إلى التخمين وإلى رسم سيناريوهات عديدة. أوّلاً، المناطق التي سيطر عليها "داعش" كان يُسيطر عليها بحكم الأمر الواقع. منذ سنوات كان يأخذ الجزية أو يأخذ الفدية من كثيرٍ من الناس، كان يأخذ نوعا من أنواع الضرائِب وكان يقوم بعمليّات تهريب، كان يأخذ حتّى نوعا من أنواع الضرائب من الموظّفين والشركات وحتّى الكثير من المؤسسات الرسميّة التي لم تكن تستطيع أن تعمل إذا لم تدفع له نوعا من الضريبة. بمعنى من المعاني، إنّ ما حدث في "الموصل" في حزيران كان إعلاناً لدولة "داعش" التي كانت دولة أمرٌ واقع في ما سبق. من أين تأتي "داعش" بهذه القوّة؟ هلّ الخصم ضعيف؟ نعم، كانت هناك مشكلة هائلة في السياسات الأمنيّة الموجودة والمُدارة من قِبل الحكومة العراقيّة. الآن بات واضحاً، كنّا نكتب بشكلٍ مستمرّ حول هذه القضيّة، ومن الإعلام كان هناك الصحافيّون الذين كانوا على قدرٍ هائل من الشجاعة بحيث كانوا يمارسون النقد بشكلٍ يومي لهذه السياسات الأمنيّة. كانوا يتحدّثون بشكلٍ عام عن مستويين من الثقة كان من المُفترض أن يتوفّرا ما بين الحكومة ومكوّنات المجتمع العراقي، الثقة الاجتماعيّة وهي الأهم طبعاً، الثقة ما بين الأفراد العراقيين والمكوّناتٍ الاجتماعية التي هي أساس التماسك الاجتماعي، والثقة السياسيّة وهي ثقة الأفراد بالنظام السياسي . في الواقع، كانت الثقة بالنظام السياسي ثقة مهزوزة لدى مُعظم أطياف المُجتمع العراقي، لهذا شهدنا من النُخب السياسيّة محاولة للتعبئة ضدّ الآخر في المواسم الانتخابيّة، ونوعاً من الاستثمار بالطائفيّة. الطائفيّة للأسف، تحوّلت إلى نوع من الـ Business في العراق وفي المنطقة العربيّة في معظم بلدان الشرق الأوسط، أصبحت Business مُربِحا. أيضاً "داعش" حاولت أن تستثمر في الـ Business الطائفي باستثمارها الكثير من الظلم في اتجاه مُكوِّنٍ مُعيّن ومحاولة الظهور بمظهر المُدافع عن هذا المُكوِّن. إذاً، سرّ قوّة "داعش" أولاً هو الاستثمار في هذا الظلم الموجود ومُحاولة تقديم أو تسويق نفسها بوصفها المدافع عن هذا المكوِّن، هذا أولاً. ثانياً، القدرات النفسيّة الهائلة لدى "داعش"، شهدنا قدرة على استثمار الصورة وعلى استخدام التعبئة والحرب النفسيّة لدى "داعش". "داعش" هي تحالُف دولي قبل أن تكون دولة أمر واقع. شاهدنا الولايات المتّحدة تحاول أن تتصدّى لـ "داعش" لتكوين أكبر حلف أو تحالُف في تاريخ العلاقات الدوليّة، لكن "داعش" في حدّ ذاتها تمثِّل أكبر تحالف من ثمانين دولة، أي أفرادها يأتون من "أستراليا" مروراً بـ "اوروبا" ووصولاً إلى "الولايات المتّحدة".  من أكثر من ثمانين دولة يأتي مقاتلون للانضمام إلى "داعش" والقتال في "سوريا" وفي "العراق". وعن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، خلقت "داعش" ما يشبه أمّة "ديجيتال"، أمّة رقميّة. نحن لدينا مجرّد تخمينات عن الأرقام، 20 ألف أو 30 ألف مُقاتِل أو 80 ألفا، لكن ماذا عن الموالين والمؤيّدين لـ "داعش"؟ ليس لدينا أيّ رقم تقريبي لأنّها أمّة افتراضيّة، ليس لدينا فكرة تماماً عن هذه الأرقام. ومن ثمّ، كلّ هذا الجوّ يُفسِّر قدرة "داعش". هناك نوع من السياسات الأمنيّة الخاطئة، هناك نوع من التواطؤ مع قادة الجيش، هناك نوع من الصمت والتواطؤ الإقليمي والدولي، هناك نوع من الاستثمار بـ "لحظة داعش"، دعنا نسمّيها "لحظة داعش". الكثير من الدول في الإقليم استثمرت "لحظة داعش" وكذلك أيضاً هناك دول ليست جيران العراق فحسب، أنا أقصد دول فاعلة على مستوى دولي ولها حضورها في المنطقة أيضاً، استثمرت "لحظة داعش" للعودة بقوّة وفرض رؤيتها بالنسبة للمنطقة. إذا تحدّثنا عن حلفاء أو شركاء "داعش" سوف تنفتِح لنا قائمة كبيرة. هلّ بالضرورة هؤلاء الشركاء الإقليميون أو الدوليّون هم مسؤولون عن صناعة "داعش"؟ ذلك سؤال آخر. لكن الاستثمار بـ "لحظة داعش" وتقطيع أوصال المنطقة والتفكير في فترة ما بعد الدولة الأمّة. فشلت الدولة الوطنيّة في الشرق الأوسط وهناك إعادة ترسيم لحدود هذه الدول في المنطقة العربيّة، و "داعش" مهمّة من أجل البدء في هذا السيناريو. الأمر لا يتعدّى مجرّد سقوط "الموصل"، لا يتعدّى أخطاء الحكومة العراقيّة، هناك نوع من فشل نموذج في المنطقة العربيّة، فشل نموذج الدولة الوطنيّة، واعتاشت "داعش" على هذا الفشل. ثانياً، هناك نوع من الفشل على مستوى دولي في الاندماج الاجتماعي في الغرب. المقاتلون الأجانب ما كانوا ليأتوا إلى العراق أو إلى سوريا ويقاتلوا هنا لو لم تكن هناك أزمة اندماج اجتماعي في الغرب، ومن ثمّ أنا أُعيد وأُكرِّر هذه العبارة مرّة ثانية. هذه لحظة مُراجعة، هذه لحظة كاشفة عن أزمة الدولة الوطنيّة في المشرق العربي، وهي كاشفة عن أزمة الاندماج في الغرب. ومن ثمّ، إذا كانت "داعش" تمثِّل تحالُفا دوليا وتبني سطوتها على أساس أمّة رقميّة، نحن أيضاً بحاجة إلى تظافر إقليمي ودولي وداخلي. نحن كنُخب مثقّفة وأكاديميين وناشطين مدنيين علينا أن نستعدّ لهذه اللحظة بمراجعة ثقافيّة لأن "داعش" بصراحة هي نتيجة وليست السبب الذي نتحدّث عنه الآن. بمعنى آخر، فشل الدولة الوطنيّة أنتج لنا وحشاً بالأمس وأنتج لنا "داعش" اليوم وسوف يُنتِج لنا غداً "فرانكنشتاين" جديد. نحن بحاجة إلى مُراجعة الثقافة التي أنتجت "داعش" وتفكيك هذه الثقافة مهم. هناك قوّة صلبة، استخدام القوة لطرد "داعش" ولمحاولة التعامل معها أمنياً وعسكرياً، لكن الـ Soft Power (القوة الناعمة) مهمة، هي معركة داخل العقول والقلوب. معركة إصلاح ديني، معركة إصلاح ثقافي، وأيضاً معركة إصلاح سياسي

جورج غالاواي: حسناً دكتور (ناصر)، هذا تحليل مذهل بالنسبة لي. أليس من الجليّ هنا أنّ ما نفتقر إليه هو نموذج بديل؟ نموذج أكثر جاذبيّة من الوحشيّة والعدميّة لـ (داعش)، وأنّ النمط الحالي للدول القوميّة الذي كان قانوناً أصيب آنفاً بالإفلاس الأخلاقي. ولهذا، وكنموذج بديل يُطرح في وجهه فإنّ ما هو مُناهض للوضع الراهن لا يُمكن الدفاع عنه

د. ناصر زيدان:  للأسف، هذا الاختلال الدولي الهائل القائم منذ أكثر من عشر سنوات فاجأ العالم بأنّه أنتج تفريخات غريبة عجيبة عن السياق الذي سارت عليه البشريّة منذ أكثر من مئة عام. فانقسام العالم في مرحلة معيّنة حتّى ما قبل الحرب العالميّة الثانية وما بعدها بين اليمين واليسار، والسياق الذي بدأ مع انهيار الاتّحاد السوفياتي في الأحاديّة القطبيّة قد فشل. هناك أيضاً خلل فكري وعقائدي بمعنى لا تجربة "يوكوهاما" بنهاية التاريخ أقنعت أحدا ولا فكرة "صراع الحضارات" التي انطلقت منذ بداية هذا القرن أيضاً  شكّلت مُقاربة موضوعيّة في العالم، فأصبح هناك خلل سياسي وخلل عقائدي وخلل فكري في العالم أدّى إلى هذه الانتاجات أو هذه المخلوقات الغريبة العجيبة ومنها "داعش". هلّ فشلت الدولة الوطنيّة؟ في أجزاء واسعة من العالم لم تفشل هذه الدولة، فشلت في هذه المنطقة. لا نستطيع أن نقول أنّ توحيد أوروبا هو نتيجة فشل الدول الوطنيّة، الدول الوطنيّة في أوروبا ما زالت قائمة حتّى لو كان الاتّحاد فاعلا ومؤثِّرا في أوروبا ولكن الدول الوطنيّة ما زالت قائمة. أيضاً، المقاربات المطروحة اليوم هي ليست فشل الدول الوطنيّة بل على العكس، محاولة إنتاج دول وطنيّة أكثر انكماشاً في المساحة أو محصورة أكثر، وكما تعلمون جميعاً أن ما سُرِّب عن سيناريو إنشاء خمسة عشر دولة في المنطقة على أنقاض خمس دول وطنيّة قائمة هي إحدى هذه الأفكار، إحدى هذه المقاربات. نحن لا نستطيع أن نتحدّث عن فشل الدول الوطنيّة، نستطيع التحدّث عن فشل أنظمة في معالجة الشؤون الوطنيّة وفي محاولة استيعاب طروحات قام بها معارضون أو ما إلى ذلك أو عدم اعتماد المؤسسات في طريقة الحكم في الدول الوطنيّة. نحن لا ننسى أنّ في جزء كبير من الدول الوطنيّة في المنطقة أصبحت الدولة تتبع للشخص، جيوش تتبع لشخص وجيوش تتبع لحزب، وهذا مناف لمنطق الدولة التي يجب أن يحترم عموميّة المؤسسات. المؤسسات يجب أن تكون لمجموع الشعب. نحن أسأنا طريقة التصرّف أو التعامل مع مفهوم الدولة الوطنيّة وبالتالي فإنّ هذه الإساءة لا نستطيع أن نحوِّل تفسيرها على أنّها خلل أو إثبات فشل للدول الوطنيّة. أنا أرى أنّ الفشل الأساسي متأتّ عن الخلل الدولي، وما يحصل اليوم في المنطقة وتحديداً بروز ظاهرة "داعش" متأتّ عن مساهمة دوليّة وإقليميّة كبيرة في إنتاج مثل هذه المقاربات. هناك من غذّى متطرّفين وهناك من احتضن متطرّفين، وهناك بعض الدول التي دفعت بالمتطرّفين إلى ساحة المعركة لكي ربّما يتخلّصوا من هؤلاء، وهناك أيضاً من كان غافلاً عن نشوء هذه الظواهر القاتلة، وأيضاً في المقابل لنا حقّ التساؤل، لماذا غياب المُحاسبة الدوليّة؟ ما يحصل في العراق وفي سوريا ينطبق عليه وصف جرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة كما قال زميلنا. أين هو القضاء الجنائي الدولي؟ لماذا غُيِّب القضاء الجنائي الدولي في هذه الفترة؟ رغم أنّ القضاء الجنائي الدولي وثب وثبات هامّة في الماضي القريب سواء في محمية "سيراليون" أو "رواندا" أو محكمة "يوغوسلافيا" السابقة أو حتّى في "كمبوديا" أو في "دارفور" في "السودان". لماذا غُيِّب القضاء الجنائي الدولي ما يُرتكب اليوم في بلاد الشام أو في ما يُعرف اليوم بـ "العراق" و"سوريا"؟ هناك جرائِم ضدّ الإنسانيّة، منظّمة حقوق الإنسان الدوليّة مُقصِّرة في هذا الاتّجاه، أيضاً مجلس الأمن مُقصِّر ولم يحِل أيّ من الجرائم التي تُرتكب، وهناك جرائم متعددة اعترف بها المجتمع الدولي ارتكبت في "سوريا" وفي "العراق" ولم يتحرّك مجلس الأمن كما تحرّك  مثلاً في "ليبيا". لماذا القرار 1773  صدر في ليلةٍ واحدة في ليبيا وتمّ اتخاذ إجراءات لمكافحة انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة كما قيل عن الجرائم التي ارتكبها "معمّر القذّافي" ؟ وتحرّك المُجتمع الدولي بغطاء دولي. لماذا لم يحصل هذا الأمر في العراق وسوريا؟ وبالتالي، كان هذا التحرّك الدولي كفيل بألا يسمح بولادة هذا الوحش الجديد الذي اسمه "داعش"

جورج غالاواي: دكتور (نديم)، الدكتور (سلّوم) في (بغداد) استعمل العبارة التي أدّعي تأليفها في شأن وحش (فرانكنشتاين). لقد سألت (ديفيد كاميرون) في البرلمان في أن يشرح مسألة وحش (فرانكنشتاين) الذي كان منهمكاً في صناعته. سألته: هلّ قرأت رواية (فرانكنشتاين) حتّى النهاية؟ أتعلم أنّك عندما تبتدع وحشاً فإنّ ذلك الوحش قد يخرُج عن السيطرة ولهذا السبب فإننا نُسمّيه وحشاً؟ هلّ بالإمكان إلحاق الهزيمة بذلك الوحش أم سنشهد في العام المقبل أو الذي يليه تقدّماً لهذه الظاهرة ؟

د. نديم حوري: المشكلة أنّ هذا الـ "فرانكنشتاين" عنده عدّة مسؤولين عنه لو فلت منهم. أنا في رأيي، الجواب يجب أن يكون أنّه في النهاية ليس هناك من مستقبل لـ "داعش" أو كما يقولون، "باقية وتتمدّد". هلّ لدي أُعجوبة؟ هل سأعرِف أنه سيكون في السنة المقبلة أو بعدها؟ لا أعرِف. لكن إذا بقيت الحركة كما هي لا أستطيع أنّ أتخيّل أن تنجح في الحكم الحقيقي على هذه المناطق. قد تتحوّل كما رأينا "طالبان" في "أفغانستان"، تتحوّل من حركة كانت فقط تقتل وتُعذِّب وتغتال إلى حركة تُحاول بشكلٍ فاشل ولكنها تحاول أن تحكُم مناطق معيّنة. آمل، وفي رأيي هناك مسؤوليّة علينا كنشطاء حقوقيين ومدنيين وغيره، أن نعمل لكي تفشل "داعش". ولكن من أجل أن تفشل في الحقيقة وليس فقط عسكرياً غداً، من أجل أن تفشل في الحقيقة يجب أن نبني مشروعاً بديلاً في العالم العربي. هنالك تجربة سابقة منذ سنوات في أيام سقوط العثمانيين بحيث كان هناك فراغ في المنطقة العربيّة وكانت هنالك أفكار كثيرة، منها وطنيّة ومنها قوميّة وغيرها، ولكن كان هنالك مشاريع واليوم ليس لدينا مشاريع. يجب علينا أن نُدافِع عن منظومة "حقوق الإنسان"، يجب علينا أن نُدافع عن المواطن وحقّ الفرد بالاختلاف، ولكن نحن أيضاً نحتاج إلى هذه المشاريع وأن يكون هناك منظومة تحمي هذه الحقوق. من يحمي حقوق الفرد اليوم في "الرقّة"؟ نحن اليوم أمام تحدّ حقيقي. عملنا كمجموعة حقوق الإنسان هو أن نوثّق الانتهاكات، "داعش" نفسها توثّق انتهاكاتها وتنشرها وهي تقول، "أنا لا أهتمّ بما تفكّرون، لا أهتم بالقانون الدولي"، وهذا تحدّ حقيقي. ولكن أنا في رأيي يجب كسب المعركة وليس فقط المعركة العسكريّة ولكن أيضاً معركة القلوب والعقول كما قال زميلنا في "بغداد"، ولذلك أنا في رأيي هنالك حالة وعي اليوم عند عدد كبير من الأشخاص في العالم العربي. كما نقول في الإنكليزية، Something really went wrong بمعنى فقدنا الصواب في مكانٍ ما، واليوم التحدّي هو أن ننجح في طيّ الصفحة وهذا قد يأخذ بعض الوقت، وللأسف هذا الوقت ندفع ثمنه دمّاً من المدنيين وغيرهم. هذا هو التحدّي الحقيقي. اليوم، عندما نعمل على سوريا ونرى أنّه ليس هنالك أُفق لحلّ حقيقي، عندما نذهب إلى العراق ونرى بصراحة أنّ المجموعات التي تصدّت فعلياً لـ "داعش" كانت ميليشيا شيعيّة وهي التي كانت القوة الضاربة فنسأل أنفسنا، هلّ هو مشروع سنّي أو مشروع شيعي، هلّ هذه هي البدائل اليوم؟ أم أنّ المشروع في سوريا أو هو مشروع "داعش"، يجب أن ننقل الأزمة إلى مكانٍ آخر إلى مشروع بديل آخر يحترِم الإنسان وحرّيته

جورج غالاواي: حسنا، لقد جرى شيء خطأ إلى حدٍ بعيد قال الدكتور (نديم). بالإنكليزيّة لتأكيد المسألة. معكرة للقلوب والعقول، هكذا يصوّرها وعلى نحوٍ ممتاز، وأشكر الدكتور (نديم) والدكتور (ناصر) والدكتور (سلّوم) في (بغداد)  وإليكم وجهة نظري الخاصّة. الدول القوميّة هي نموذج غير طبيعي وضعيف، لهذا السبب فإنّ الاتحاد الأوروبي يُصبح أكثر اندماجاً وهو آخذٌ بالتوسّع أكثر فأكثر في ضمّه مزيداً من الدول، وأعتقد أنّ العرب يدفعون ثمن أشياء عدّة. هناك الكثير من المسؤولين عن قصّة هذا الوحش (فرانكنشتاين) ولا شكّ في ذلك، لكن السبب الأساسي وراء حدوث هذا هو الافتقار إلى الوحدة بين العرب. أترون؟ لدى الأوروبيين عذراً في كونهم دولاً قوميّة، بعضهم نرويجيون وآخرون يونانيون لكنّكم جميعاً عرب، لديكم لغّة واحدة، لديكم حضارة مُشتركة ، تؤمنون بإله واحد، ولديكم منطقة تمتدّ من المحيط إلى الخليج، ولديكم كلّ الثراء المُمكن في الموارد الطبيعيّة، وانظروا إلى الفوضى المُختلّة التي آلت إليها الأمور. كما قلت غالباً من على منبر هذا البرنامج، إنني مؤمن بالعرب في الواقع أكثر مما يؤمن العرب بأنفسهم، ويبدو لي أنّ النموذج الفاشل لـ (سايكس بيكو) الذي فُرِضَ من المبنى الذي جلست فيه ثلاثين عاماً، حيث جلس رجُلان لم يعرفا شيئاً عن البُلدان التي كانا يقسّمانها ولم يزوراها قط، وكان معهما مسطرةٌ وقلم رصاص وقسّما أرضكم بحيث يتمكّنان من وضع عرائسهما الدمى  على العروش ولاحقاً الكراسي الرئاسيّة بحيث يتمكّن هذان الرجلان من حُكم هذه الأرض الهائلة لمصلحة الناس الذين وضعاهما على تلك الكراسي عوضاً عن العمل لمصلحة شعوب تلك المنطقة. هذا هو الفشل الحقيقي . على العرب أن يُسارعوا إلى إحراز تقدّم سريع نحو الوحدة في ما بينهم، تلك هي الطريقة الوحيدة لإلحاق الهزيمة بـ (فرانكنشتاين). إن لم نفعل، فإنّ فيروس (فرانكنشتاين) سينتقل من بلدٍ إلى آخر. كان من دواعي سروري تقديم هذه الحلقة، وآمل أن تكونوا قد استمتعتم بها. وإن كان كذلك، فإلى اللقاء في الحلقة المقبلة بإذن الله