أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

وجوب سحب الشرعية من داعش

ما هو موقف أهل السنة والجماعة من داعش, الموقف الشرعي الواضح والبين؟ وأليس من الضرورة تأسيس حلف سني ضد داعش والفصائل الإرهابية؟ يجب علينا تعبئة العالم الإسلامي ضد داعش وفصائل الإرهاب في المساجد والمنابر والإعلام والخطاب السياسي والجامعات والمدارس والبرامج والمسرح وكل وسائل التعبير والتكوين والتربية والبناء الحضاري.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبياّكم وجعل الجنّة مثواكم.

من مميّزات الشريعة الإسلامية الوضوحُ، ومن صفات القرآن الأساسيّة أنّه كتابٌ واضحٌ من دون إبهامٍ، "قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

والقرآن نورٌ، وكلّ آياته جاءت من عالم النور، ولم تقصُر أو تعجُز أبداً عن تشخيص أمراض البشر وطريقة علاجها الناجع. ولأنّ القرآن واضحٌ كالشمس في كَبِدِ السماء، فيجب أن تكون كذلك الأحكام الصادرة عنه، كونه المصدر الأساس والأول للتشريع الإسلامي وصناعة الفتيا. وبناءً عليه، فإنّ الأحكام التي صدرت ضدّ داعش وفصائل الإرهاب في العالم الإسلامي التي خطفت الإسلام وأساءت إليه إلى أبعد الحدود لم تكن واضحةً ولا بيّنةً، وكانت في بعض الأحايين متذبذبةً لم تحمل سمة الجديّة الشرعية المُطلقة.

ولعلّ هذا الإضطراب في تبيان موقف الإسلام من داعش وأخواتها بشكلٍ حازمٍ وشرعيٍ وربّاني هو الذي ما زال يفتح شهيّة الشباب العربي والمُسلِم للانضمام إلى دول الخلافة الموعودة، فوسائل الإعلام تقدّم عنوان داعش مفخّماً، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وبعض العلماء يتحدّثون عن تنظيم الدولة أو تنظيم التوحّش والوحشية ببعض التحبّب كما لو كان داعش مترجِماً لعهد السلف الصالح.

فما هو موقف أهل السنّة والجماعة من داعش، وبقية الفصائل الإرهابية؟ وما هو الموقف الشرعي الواضح والبيّن من هذه الجماعات؟ أليس من الضرورة تأسيسُ حلفٍ سُنّي ضد داعش والفصائل الإرهابية؟ وكيف نؤسّس التلاقي السنّي في العالم العربي والإسلامي وعلى مستوى المرجعيات الإسلامية لمواجهة داعش؟ ومن هي الفئات التي تُعطي الشرعية لداعش في خط طنجة جاكرتا؟ وكيف نتعاطى مع هذه الفئات لسحب الشرعية الإسلامية منها ومن داعش التي نجحت في سرقة الإسلام كتاباً وسُنّةً، وقادت حرب تدميرٍ للداخل العربي والإسلامي؟

إنّ الكمّ الهائل والمدوّي لإفرازات الفعل الداعشي في العالم الإسلامي وفي القارّات الخمس يُملي علينا ضرورة تعبئة العالم الإسلامي ضدّ داعش وفصائل الإرهاب في المساجد والمنابر والإعلام والخطاب السياسي والحكومات والجامعات والمدارس والبرامج والمسرح وفي كلّ وسائل التعبير والتكوين والتربية والبناء الحضاري.

وجوبُ سحبِ الشرعية من داعش عنوان برنامج أ ل م، ويُشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة فضيلة الدكتور محمود سعيد ممدوح المفكّر الإسلامي الكبير والباحث في الفكر الإسلامي والدراسات الإسلامية، وهو من أساطين العلماء، ومن تونس الحبيبة فضيلة الشيخ الدكتور محمّد الكامل سعادة الشريف القاضي والإمام السابق في جامع الزيتونة، وأيضاً من أساطين علماء الزيتونة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً. طبعاً مشاهدينا هذه الحلقة دقيقةٌ للغاية، ولذلك اخترت لها عامودين من أعمدة الفقه الإسلامي والأصول أيضاً، من الأزهر الشريف ممثلاً في الدكتور محمود ممدوح، ومن الزيتونة الدكتور محمّد الكامل الشريف، وأتصوّر أنّهما من أهل العلم والفقاهة والتقوى، ولن يتكلّما إلا بما يُرضي المولى عزّ وجلّ في هذا السياق.

أبدأ من مصر إذا سمحت، الشيخ الدكتور الفاضل محمود. هل داعش تنسجم والفقاهة السنيّة؟ هل داعش وبقية الفصائل الإرهابية هي من سنخ الإسلام، هي الإسلام، هي تكرّس مفهوم الإسلام من قريبٍ أو بعيدٍ؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاّة والسلاّم على سيّدنا ومولانا محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. أشكر الأستاذ الفاضل يحيى أبا زكريا على هذه الإستضافة، وأحيّي الأستاذ الشريف حفظه الله تعالى.

أخي الكريم، هذا الموضوع موضوعٌ دقيقٌ للغاية، والمسؤوليّة في نظري لا تقع على فئةٍ معيّنة. أتكلّم من داخل الإطار السنّي في العالم الإسلامي، وأقول إنّ هذه المسألة هي مسألةٌ فكريةٌ في الطراز الأول. اسمح لي أن أقول لك إنّه بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانيّة، أنا أتكلّم من داخل البيت السنّي، سنة 1343 للهجرة، وتشرذم المسلمين في دويلاتٍ بفعل اتفاقيات سايكس بيكو وتعطيل الشريعة الإسلامية، نظر المسلمون والنخبة الإسلامية في حالهم، فوجدوا أنّ الشريعة الإسلامية قد عُطّلت ونُحّيت عن الحياة إلا في أمورٍ تخصّ النواحي الشخصية، وهذا يخالف قول الحق تبارك وتعالى "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ"، ويخالف قول الحق تبارك وتعالى " جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا"، ويخالف عدداً كبيراً من الآيات التي تدعونا إلى تحكيم الشريعة الإسلامية في كلّ أمور حياتنا بلا استثناءٍ على الإطلاق.

المسلمون عندما حاولوا أن يتحرّكوا لإستعادة الحكم بالشريعة الإسلامية، وجدوا أنّ الأفق السياسيّ يكاد أن يكون مُقفلاً تماماً، ذلك أنّهم أحيطوا بأنظمةٍ ودساتير تمنع قيام أيّ حزب إسلامي أو أيّ تجمع سياسي إسلامي، فماذا يفعلون؟ الأفق السياسي قد أُغلِق تماماً، والشريعة تطالبهم بالحكم بكتاب الله تبارك وتعالى، فانقسم المسلمون الذين يدعون إلى الحكم بكتاب الله تبارك وتعالى إلى قسمين، قسم الإصلاحيين، وقسمٌ آخر هو قسم الأصوليين. الأصوليون هؤلاء لهم اتجاه في الوصول إلى الحكم أو استئناف الحياة الإسلامية أو إعادة الدولة الإسلامية مرّة ثانية.

من هؤلاء الأصوليين جماعة داعش أو جماعة النصرة أو القاعدة أو هؤلاء القوم. هؤلاء لهم فكرهم ولهم طريقتهم، وخطأهم الفكريّ الأساسي يرجع ليس من نطلاقهم السياسي، ولكن من انطلاقهم الذي ساوى أو مشوا فيه على طريقة محمّد ابن عبد الوهاب، هذه الطريقة التكفيرية التي تعادي الغير وتُقصي الغير، وتقوم على أساس تكفير المُخالِف أو تبديعه، فلا يوجد عدلٌ أو صالحٌ على وجه الأرض إلا إذا كان معهم، وإن شئنا قرأنا تاريخ هذه الدعوة، دعوة محمّد بن عبد الوهاب، نجد أنّ ما يقوم به الآن هؤلاء القوم إنما سبقهم إليه في منطقة وسط الجزيرة وفي غير هذه المنطقة محمّد ابن عبد الوهاب وجماعة محمّد ابن عبد الوهاب من تكفير المُخالِف وتبديع المُخالِف.

وأحبّ أن أقول، تفعيل التكفير، هذه مسألة مهمّة جداً، المذاهب الإسلامية تختلف في ما بينها، والإختلاف الذي ما بين المذاهب الإسلامية هو اختلافٌ فكريٌ في الطراز الأول، ولا يتطوّر الاختلاف إلى منازعاتٍ مُسلّحة إلا في مواضع قليلة جداً، وقد انتهى هذا الأمر من قرونٍ طويلة. ولكنّ تفعيل التكفير حصل بدعوة الشيخ محمّد ابن عبد الوهاب، وهذه الدعوة مستمرّة إلى وقتنا هذا، وما داعش وغير داعش إلا أبناءٌ شرعيّون مُخلِصون مُحِبّون لهذه الدعوة قاموا عليها ونظروا للمُخالِف نظرات شديدة جداً ونظرات تكفيرية وتبديعية، وهذا الذي أدّى بنا إلى ما نحن فيه الآن.

والحاصل أنّ هذا الأمر هو أمرٌ سياسي وأمرٌ فكري ينبغي أن يُعالَج على أساس أنّ المسلمين لهم الحق في تطبيق شريعتهم، ولهم الحق في أن ينفتحوا على الأوضاع السياسية التي تكون موجودة، يجب أن يُفتَح لهم الباب ليشاركوا ويدخلوا ويخرجوا ويقوموا ويقعدوا ويكون لهم يد طويلة في الحكم بكتاب الله سبحانه وتعالى. نحن نجد الآن طبقاً للدساتير التي تحيط بنا، الأحزاب الليبرالية لها حريّة الوجود والتشكيل، ولها حريّة الوصول في المشاركة وحريّة الوصول إلى الحكم، والأحزاب الاشتراكية والشيوعية، ولكن انعدم الأفق أمام المسلمين تماماً. ماذا يفعلون؟ ظهرت هذه الجماعات.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، طبعاً سوف أنتقل إلى تونس وأعود إليك للحديث عن لوثة التكفير وحكم الإسلام في التكفير. بالمناسبة، التكفير كان عنواناً إسلامياً، عندما تقرأ الفرق بين الفرق للأسفراييني البغدادي، والمِلَل والنِحَل لابن حزم الأندلسي، والآخر المِلَل والنِحَل للشهرستاني، تدرك أنّ أمة الإسلام قصم ظهرها التكفير، مذ ذاك سوف نحاول أن نبحث من أين جلب محمّد بن عبد الوهاب تكفيره.

سماحة الشيخ الدكتور الفاضل محمّد الكامل الشريف، ما الذي تضيفه إلى ما قاله سماحة الدكتور محمود؟ وأيضاً أريد أن أفهم، هل هذه الجماعات القاتلة، الذابحة، الحارِقة، السالِخة، المُدمّرة، المُفسدة في الأرض، العابثة بالأعراض والنماويس والبُنى التحتية للدول والمجتمعاتـ تمثّل الإسلام ولحد الآن لم يصدر حكم ضدّها؟ مَن هي هذه الجماعات؟ هل هي مُسلمة فنتعاطى معها على أساس الإسلام، أم هي، لا نستطيع أن نقول كافرة بين قوسين لأننا سنقع بأزمة التكفير ثانية؟ كيف نتعاطى معها من المنظور الإسلامي، أي ما المطلوب من الأزهر الشريف، من الزيتونة، من الحواضر العلمية، القرويين في المغرب، جامعة الأمير عبد القادر الجزائري في الجزائر؟ ما المطلوب منها؟ ألا يجب أن ترفع الصوت عالياً، يا قوم هؤلاء لا ينتمون إلى محمّد ابن عبد الله؟

 

محمّد الشريف: شكراً جزيلاً وشكراً لفضيلة الشيخ الدكتور محمود.

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وأستعين والحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافي مزيده والصلاّة والسلاّم على سيّدنا ومولانا محمّد نبيّ الرحمة ومفتاح الخير والعِصمة وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. من تونس الخضراء ومن جامع الزيتونة المعمور، نسلّم عليكم سلاماً لا يكاد يوصف وثناء أرّق من النسيم واللّطف.

 

يحيى أبو زكريا: جزاك الله.

 

محمّد الشريف: هذه من المصائب التي أصيبت بها المجتمعات الإسلامية وهي الإرهاب وما يتفرّع عنه من تقتيلٍ ومن تكفير، وهذا الإرهاب الذي روّع النفوس وفرّق بين الجماعات وفرّق بين الشعوب الإنسانية، منها التي تنتمي إلى الإسلام ومنها حتى الخارجة عن الإسلام، فلقد روّعت العالم، ونحن نعلم أنّ الدين الإسلامي هو دين الإنسانية، وما محمّدٌ الذي بعثه الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، فهو شعارٌ ودليل على أنّ الإسلام هو دين رحمةٍ ودين تقوى وعمل وإخلاص لكي يُحسِن العبادة، عبادة الله سبحانه وتعالى، ويُحسن المُعاشرة بين أفراد المجتمعات. ولهذا قال تعالى في كتابه العزيز "يا أيّها الناس"، والخطاب للبشرية جمعاء، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"، فالتتويج هنا بالتقوى والعمل الصالح والإخلاص، لا للإرهاب ولا للتقتيل ولا للتكفير ولا لبثّ الرعب في نفوس الناس لغايات ومصالح دسيسة ولغايات ومصالح هي ذائبة وهي وضيعة، من وراء ذلك التسلّط على الحكم وتفريق المجتمعات وإضعافها وبثّ الدسائس والفتن فيها، حتى كانت وإلى الآن المساجد محلّ هذه الفتن، وكذلك دور العلم ودور الثقافة وبقية شرائح المجتمع، يعيشون هذا الإرهاب. ومعلومٌ أنّ هذا الإرهاب منطلقه كثير من شرائح المجتمعات والطوائف، منها التيّار الوهّابي، ومنها كذلك التيّار البهائي ومنها كذلك تيّارات قديانية وغيرها التي هي تنتشر شيئاً فشيئاً في المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات الإنسانية.

ولهذا، عندما ندرس تاريخ هذه الطوائف وهذه الشرائح، نجدها أولاً هي انطلقت من أماكن وردت في السنّة أن هذه الأماكن هي من أماكن الشياطين والعياذ بالله، ونجد من هذه الآثار تأثّرهم بالنظريات اليهودية التي هي تأثّرت أيضاً بالنظريات الفلسفية اليونانية وغيرها، ونجد هذا في مستوى العقيدة، في مستوى العقيدة التي هم يجسّمون الذات الإلهية وهذا انحرافٌ في العقيدة، في هذه التيّارات والشرائح التي تنتشر شيئاً فشيئاً في المجتمعات الإسلامية، وحتى في المجتمعات الإنسانية. هذا من ناحية، ثمّ من ناحية أخرى لهم جفوة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنّهم ينكرون من يحتفل بذكرى ميلاده صلّى الله عليه وسلّم، وأنهم ينكرون من توسل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنهم يفعلون ما يفعلون من الأشياء التي هي خاطئة، فهم على خطأ كبير وجهل بالدين الأصلي، الدين الحقيقي الذي نبع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بوحيٍ من الله.

ولهذا انتشر الرعب من خلال هذه الأعمال التي يقومون بها من تقتيلٍ ومن بث الرعب ومن انتشار، حتى عمليات تُقتَرَف ضدّ الأبرياء، ضدّ الأطفال وضدّ النساء وضدّ الرجال وضدّ الشيوخ، وكلّ هذه الأعمال من شأنها أن، يعتقدون أنّها توصلهم إلى غاياتهم من الاستيلاء على الحكم ونشر ما يعتقدونه من تكفير، وما يعتقدونه كذلك من إصلاح يبغون تحقيقه ومن وراء ذلك التسلّط على الحكم وعلى الأنظمة، وهذا خطأ كبير، ضرورة أنّ الإسلام هو دين رحمة وهو دين تسامح وهو دين اعتدال وهو دين الوسطية وهو دين العدل، والله سبحانه وتعالى قد بيّن لنا، عندما نقوم بواجب الدعوة الإسلامية، قد بيّن لنا الطرق والمسالك التي ننجح بها، وهو الله سبحانه وتعالى هو الموجّه والمعلّم والواعظ، وهو الذي أوحى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أوحى عليه من الأحكام ومن التوجيهات ومن الأوامر ما يبيّن لنا الطرق الصحيحة التي توصلّنا إلى حياةٍ سعيدةٍ في دنيانا ورضا المولى في الآخرة.

ولهذا، قد بيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في خصوص الدعوة الإسلامية. قال تعالى في كتابه العزيز "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، حينئذٍ هذا الطريق الذي يهدي الناس إلى الحقيقة وإلى القرب إلى الله سبحانه وتعالى هو طريق المصطفى الذي بيّنه لنا الرسول عليه الصلاّة والسلام في كثير من المواضع وفي كثير من الأحيان. ولذا فإني أقول في هذا الخضم الذي تعيشه البشرية من انتهاكاتٍ ومن اعتداءاتٍ ومن إرهاب ومن تقتيل ومن تشتيت المجتمعات ومن تهديم العمران، وكذلك جعل الناس يعيشون في فقرٍ وفي مجاعة وفي تشتّت، هذه كلّها بعيدة عن الدين الإسلامي، فدين الإسلام هو دين الرحمة ودين التسامُح، ولهذا انتشر الإسلام عن طريق الكلمة الطيّبة، وانتشر الإسلام عن طريق القدوة الحسنة، وانتشر الإسلام بالسلوك الحسن وبالأخلاق المحمّدية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليم، ولنا في ذلك أمثلة، فانتشار الإسلام مثلاً في الصين وفي اليابان وفي أوروبا، كلّ ذلك انتشر عن طريق الكلمة الطيبة والصدق في العمل، وكذلك القدوة الحسنة. بهذه القِيَم وبهذه العبادة انتشر الإسلام، ولا عن طريق الرعب ولا عن طريق القتل ولا عن طريق بثّ السموم ولا عن طريق التفريق بين المجتمعات وبين الأحبّة.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الدكتور محمّد، ولعلّ ما يعضد قولك قوله تعالى "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ".

مشاهدينا فاصلٌ قصير، ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع ضرورة سحب الشرعية من داعش وأخواتها في خط طنجة جاكرتا.

سماحة الشيخ الدكتور محمود سعيد ممدوح، كنتَ تتحدّث عن الأقلية التي سرقت الإسلام، ممثَّلة بمحمّد ابن عبد الوهاب. أولاً، أودّ أن أعرف كيف استطاعت هذه الأقلية أن تسرق الإسلام على حين غفلةٍ ونومٍ من المسلمين؟

ثانياً، كيف استطاعت هذه الأقليّة أن تعمّم أدبياتها في العالم الإسلامي وتصير ناطقة باسم أهل السنّة والجماعة، بدليل أنّه إذا أريد للإسلام أن يفسّر يُقال قال شيخ الإسلام فلان وهو واحد، وأيضاً قال الشيخ محمّد بن عبد الوهاب، فلا توحيد إلا توحيده ولا فتوى إلا فتاواه ولا سُنّة إلا سنّته ولا منهج إلا منهاجه؟

أين كنتم يا علماء الأزهر؟ أين كنتم يا علماء الزيتونة؟ أين كنتم يا علماء القرويين؟ أين كنتم يا علماء طاجاكستان وأذربيجان والجزائر وموريتانيا والكويت ومصر وكل البلاد الإسلامية؟ أين كنتُمُ؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم. الحركة الوهّابية منظّرُها الفكري الأساسي هو أحمد ابن عبد السلام ابن عبد الحليم ابن تيمية، المتوفّى سنة 728. هذا رجلٌ كان من علماء الحنابلة وتبنّى بعض المسائل في العقائد وفي الفروع، والحقّ يُقال، كان متشدّداً جداً، ولكنني وجدته في الجزء 21 من الفتاوى التي نُشِرت له، يقال لها فتاوى فلان، هذه الفتاوى في الجزء الحادي والعشرين، يذهب إلى أنّ الإجتهاد يجوز في المسائل العقدية، ابن تيمية نفسه يذهب إلى أنّ الاجتهاد يجوز في المسائل العقدية.

أحمد ابن عبد السلام ابن تيمية كان في نزاعٍ مع علماء عصره، نزاع كبير، وبسبب منعه زيارة النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم تأسيساً، أي زيارة تكون تابعة، فأدخِل السجن ومات فيه رحمه الله تعالى. هذه الأفكار أحيا الشق الأول منها، ابن تيمية أؤكّد أنه بعد ذلك قال بأنه يجوز الاجتهاد في المسائل العقدية، في المجلّد الحادي والعشرين من الفتاوى، وأنا ذكرت هذا في عدة أماكن. جاء محمّد ابن عبد الوهاب وكان رجلاً قليل العلم، فأخذ الشقّ الأول من كلام أحمد ابن عبد السلام ابن تيمية الذي يعارض كلّ من لم يكن على طريقته وعلى نحلته وعلى آرائه، فكان الناس عنده بين اثنين، إما أن يكون كافراً أو أن يكون مُبتدعاً.

محمّد بن عبد الوهاب فعّل مسألة التتكفير، هناك مذاهب فيها اختلافات كثيرة، ولكن تفعيل التكفير الذي قام به هو محمّد بن عبد الوهاب، وهذا مدوَّنٌ وموجودٌ في تاريخ نجد وفي تاريخ الدعوة الوهّابية وغير الدعوة الوهّابية، هذا موجودٌ وهم دوّنوه بأنفسهم، فلمّا ظهر محمّد بن عبد الوهاب كان يعرض دعوته على الناس، فالناس حنابلة أو غير حنابلةٍ ليسوا على طريقته ولا على مذهبه، فكان يعارضهم ويحكم عليهم بالكفر، فاجتمع حوله أناس وكان هناك من هؤلاء الناس أمير. هذا الأمير، أو كان شيخاً للجماعة الموجودة، كان هو شيخاً قوياً، فتحالف معه، هذا تكون له الإمارة السياسية، والشيخ محمّد بن عبد الوهاب تكون له الإمارة الدينية، واشتغل محمّد بن عبد الوهاب في من حوله بالقتل والنهب وسبي النساء وأخذ الذهب وأخذ الزروع وحرق الزروع وحرق الثمار، ومحمّد بن عبد الوهاب بنفسه حضر بعض هذه المواقع، واستمرّ هذا السِجال في جزيرة العرب إلى حوالى 50 سنة أو مئة سنة سابقة. استتبّت الدعوة الوهّابية، وبظهور النفط أنشئت جامعات كثيرة وأنشئت مراكز علمية كثيرة حول هؤلاء، فصدّروا هذه الدعوة إلى بلاد العالم الإسلامي، فانتشر هذا الفكر، وأنشئت معاهد قوية وأنشئت مساجد، وتولّى الخطابة لهم كثيرون من الناس من طنجة إلى جاكرتا كما ذكرت، هؤلاء الناس، وتخرّج من جامعاتهم أناسٌ يحملون فكرهم وهم الآن في مناصب علمية كبيرة في العالم الإسلامي، ولو شئتَ لسمّيت لك الكثير والكثير منهم.

هؤلاء ماذا فعلوا؟ كانوا سفراء لهذه الدعوة، وزاد الأمر على ما سبق أنّ هذه المراكز العلمية التي كانت في هذه البلاد التي هي أساس الدعوة الوهّابية، أنشئت فيها مراكز علمية كالجامعات هنا وهنا وهنا، احتاجت هذه المراكز إلى عدد كبير من العلماء والمدرّسين والدُعاة لكي يقوموا بتعليم الطلبة، فجاؤوا بعلماء من الأزهر ومن الزيتونة ومن القرويين ومن الهند ومن الباكستان، شاركوهم في تنشئة هؤلاء الطلبة، ولذلك سكتوا عنهم ونتج من هذا أن جزاهم هذا الفكر، هذا الفكر الآن لا يقتصر على وسط الجزيرة ولا على أطرافها، ولكنّه انتقل إلى العالم الإسلامي كلّه كما قلتم من طنجة إلى جاكرتا.

الآن، بالنسبة إلى المراكز العلمية التي تُخالف الدعوة الوهّابية، كالزيتونة والقرويين والأزهر، هؤلاء، وأنا أرى، هؤلاء لهم تاريخ عظيم في التعليم وفي الدعوة، ووقفوا ضدّ هذه الدعوات وتحدّثوا صراحةً وكتبوا ضدّ هذه الدعوات، وأظنّ أنهم قد في ضعفهم وفي الإحاطة بهم قاموا بما عليهم، ولكن الآن كما يقولون، أو أرى والله أعلم، أنّ الكرة الآن في ملعب، هذا صراحة أظنّ ولي خبرة طويلة في هذا الموضوع، الكرة الآن في ملعب الإدارات العلمية للبحوث والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض، هي الآن القائمة على هذه الدعوة، ينبغي أن نعرف الآن ما هو رأيها، هل ما زالت تدرّس كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب، هل ما زالت تقوم بالعناية بالأصول الثلاثة لمحمّد بن عبد الوهاب، هل ما زالت تدرّس كتاب كشف الشبهات لمحمّد بن عبد الوهاب، هل ما زالت تحيط بهذه الكتب وتقوم عليها وتطبعها مرّات ومرّات.

موقفها الآن هي الأساس من هذا، لا تطلبوا من الأزهر، الأزهر فعل الكثير والكثير. ولكن الآن الكرة في ملعب هؤلاء وكما يقولون الذي حضر العفريت يصرف العفريت، نريد رأيهم الآن، ماذا تقولون الآن في هذه الدعوة التكفيرية؟ هل يجوز أن يقتل المُسلم مُسلماً آخر؟ هل كان يجوز سبي النساء؟ هل كان يجوز حرق الزروع والثمار؟ أخبرونا بهذه الاشياء، أنا أرى أنه ينبغي أن تقوم هناك محادثات علمية صريحة بين هؤلاء القوم وبين غيرهم من المسلمين حتى نرى إلى أين نحن ذاهبون. الآن نحن نريد من الأزهر أو من الزيتونة أو من القرويين أو من علماء من أي بلاد أخرى أن يبيّنوا عدم دعمهم لهذه الدعوة وتركهم لهذه الدعوة، ولكنّ أصحاب الدعوة هم أنفسهم ماذا هم قائلون؟ ماذا هم فاعلون؟ يا أستاذي، عشراتٌ من العلماء ناظروهم وكتبوا لهم وردّوا عليهم وهم على أفكارهم، وهذه الأفكار تسرّبت إلى بلاد المسلمين، فهذه المشكلة الآن هي عندهم. الذي حضّر الشيطان وحضّر العفريت يجب عليه أن يصرفهم.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الدكتور الكامل المُحترم، هل عندما نقول أنّ حركات الذبح أخذت الشرعية من محمّد بن عبد الوهاب، وبالتالي هذه الفكرة نشأت في جغرافية إسلامية تتمتّع بغنىً وافر ومال وسطوة كبيرة، هل خوف المسلمين من سحب الشرعية من داعش مردّه الخوف من هذه الدولة التي رعت الوهّابية في بداية المطاف؟

 

محمّد الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أغتنم  هذه الفرصة وعلى هذا المنبر، فإنّي أقدّم اقتراحاً، في إبرام وعقد مؤتمر، مؤتمر بين علماء  المسلمين، سواءٌ هذا المؤتمر يقع في الزيتونة أو في الأزهر الشريف أو في المغرب الشقيق، ويجتمعُ فيه علماء المسلمين وكذلك مع مَن يخالفهم، فالحوار أساسي في هذا المجال، والحُجّة والدليل قائمة في هذا المجال، وعلينا أن نقف صفًا واحداً ضدّ من خالف الإسلام أو لم يفهم المقاصد الشرعية الإسلامية، وكذلك من ناحية أخرى إذا كانت هنالك نوايا من خلف ما يقدّمونه للمجتمعات من تقتيلٍ ومن إرهاب، أي من وراء ذلك أيادٍ أجنبية مُعادية للإسلام ومُخالفة للإسلام تسعى إلى ذلك، ومن ناحية أخرى الاستبداد ببعض الأنظمة وربما السعي إلى الزعامة الإسلامية ولهذا فيكون هذا المؤتمر العلمي العالمي الذي يكون في قلعة من قلاع العلوم الشرعية التي انتشرت وانبثقت منها كما سبق الذكر كالزيتونة والأزهر الشريف وكذلك بالنسبة للقرويين، وهذا يكون القول الفصل فيه في اتّباع وانتهاج المنهج السوّي الذي يدعو إليه الإسلام، كما تعلمون أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم سيّدنا محمّد قد بُعِث رحمةً للعالمين ولا للتقتيل ولا للتكفير ولا للاستبداد ولا لبثّ الفتن، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، وكذلك في خصوص الدعوة الإسلامية، الدعوة الإسلامية التي هي تُبنى على الحكم والموعِظة الحَسَنَة والجدال الحَسن والحوار الطيّب.

هذا من ناحية، ثمّ من ناحية أخرى، لا ننسى ملء الفراغات، فلقد وقعت فراغات في كثير من الأقطار التي تنتسب إلى الإسلام، هذه الشغورات والفراغ هو فراغ علمي وفراغ ثقافي وفراغ فكري، جرّ هذه الشعوب أو شرائح كثيرة من هذه الشعوب إلى هذه المصائب التي نقاسيها إلى وقتنا الحاضر. ولهذا أدعو إلى ملء هذه الفراغات بمواصلة العمل في الدعوة الإسلامية، وكذلك خصوصاً معالجة قضايا الشباب والتحاور معهم لأننا نجد هؤلاء الشباب الذين وجدوا أنفسهم في ضلالات، ووجدوا أنفسهم في ضياع، ولم يجدوا من يعتني بهم من الناحية العقدية، وكذلك من الناحية الأخلاقية، وكذلك من الناحية العلمية، فهم أقرب إلى الجهل من العلم، رغم شهاداتهم ورغم تفكيرهم وتنوّع تفكيرهم، فإنهم بقوا في ضلالات، ولهذا يجب علينا أن نملأ هذه الفراغات وأن نحاور شبابنا في مختلف البلدان ونساهم في حلّ مشاكلهم حتى نجلبهم إلينا، لا بدّ من إصلاح الوضع، ما وقع الخطأ فيه ولا بدّ من جمع العلماء المسلمين ليقولوا قولهم الفصل في هذا المجال، ونحن في حاجةٍ إلى تكوين مؤسّسة تجمع العلماء المسلمين من مختلف الدول الإسلامية، وليكونوا قولتهم النهائية في هذا المجال.

نحن في حاجةٍ إلى ذلك، ولا بدّ من التواصل، ولعلّ أكبر مساعد في هذا المجال وسعي لجمع شتات المسلمين وجمع شتات العلماء الذين هم متفرّقون في هذه البلدان، وكلٌ ينزوي في زاوية، والإنزواء في وقتنا الحاضر لا يكفي وثمّ لا يأتي بنتيجةٍ هي ناجعة، ولهذا فإني أدعو وسائل الإعلام التي تسعى إلى فعل الخير، التي تسعى إلى نشر الكلمة الطيّبة وتوحيد المسلمين، تساعدنا في هذا المجال، عسى أن تكوّن مؤسسة بين علماء المسلمين المُخلصين المتّقين الذين هم يسعون إلى نشر الفضيلة ودرء المفاسد ودرء هذا الإرهاب الذي يمثّل خطراً بعد خطر بعد خطر حتى يتحقّق هدفه في ذوبان المجتمعات الإسلامية ويتّضح له الطريق في الاستبداد مرة أخرى كما وقع الاستبداد في قرونٍ سالفة.

ولهذا فإنّي أدعو مرّةً أخرى، سيّدي الكريم، فإني أدعو مرة أخرى إلى جمع شتات العلماء في مؤتمرات متتالية والتواصل، وكذلك ملء الفراغات بالعلوم الشرعية ونشر الأخلاق المحمّدية. تصوّر أنّ شبابنا اليوم هو منغمس في المُخدّرات ومنغمس في الملاهي ومنغمس في الأمور التي ضيّعته من جميع الجوانب، ضيّعت شخصيته من الهويّة العربية الإسلامية وضيّعت كذلك ما هو مقبلٌ عليه، حتى أنّ العائلات قد تأثرت بهذه التيّارات وتشتّتت وتفرّقت، ولم يكن للأب كلمة ولا للأم كلمة في تربية أبنائها وبناتها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد الشريف سعادة، أنا أتصوّر أن المسألة أكبر من التلاقي والإجتماع والمؤتمرات، نحن نحتاج فعلياً إلى فضائية خاصة بالتكفير والتفكير، لأنّ برنامجاً واحداً، أ ل م، قطعاً ويقيناً لا يكفي لإصلاح ما أفسد من أمر في أمّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، نحتاج إلى فضائية تبيّن  التكفير، كيف كان، كيف انطلق، دُعاته، أفكاره، كتبه، مناهجه، من خلال برامج مع علماء، وفي نفس الوقت ترسم للأمّة مسارات التفكير الذي يؤدّي إلى الحضارة وإلى النهضة.

سماحة مفكّرنا الإسلامي الدكتور محمود، عندما نتحدّث عن داعش والنصرة والقاعدة وفصائل الذبح والذبح وفصائل جئتكم بالذبح، طبعاً ينظرون إلينا كصفصطائيين، لماذا؟ لأنهم الحق، لأنهم من يُجسّد القرآن وحقيقته، لأنهم من يُجسّد عصر السلف الصالح، بينما هم التلف الطالح للأسف الشديد. وبالتالي الداعشي والمُنتمي إلى النصرة والقاعدة يتصوّر أنه يخدم المولى عزّ وجلّ وأنه يُعِدّ لآخرته تماماً كالحركة الصهيونية التي تعتقد أنّ كلّ البشر ينتمون إلى طبقة الهوييم، والهوييم لفظة عبرية تعني أجساد بلا روح كالحشرات تماماً، يجوز قتلهم لإرضاء المولى ياهو.

فإذاً هنا كيف السبيل للتعامل مع هؤلاء؟ هل أعتبرهم شيخ محمود بُغاة؟ هل أعتبرهم خارجين عن الدين؟ هل أعتبرهم مسلمين أخطأوا الدرب والنهج والفهم؟ ثمّ قد يُقال أنّ الإثم الأول يتحمّله من أنشأ بذرة هذا الفكر، وإنما هم تبعوا هذا الفكر وقالوا في خضم العمى الفكري والعلمي، قالوا هذا هو الإسلام وبالتالي لا ضير عليهم بتعبير بعض علماء الإسلام. فحلّل لنا هذه المُفردات يرحمك الله تعالى.

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم. المسؤولية الآن كما قلت لكم تقع على طائفتين من المسلمين. الطائفة الأولى، الذين أحضروا هذا العفريت، يجب عليهم أن يصرفوه، وطريق ذلك أظنّ أنه يكون عن طريق المباحثة العلمية الدقيقة. الآن محور يتكلّم في مسألة تراجع ابن تيمية عن هذه الأمور وقوله بجواز الاجتهاد في الاعتقاد، هذا يزيح هذا الفكر تماماً ويقضي عليه تماماً. مجالٌ آخر يتفاهم في مسألة توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات التي ينفذون منها لتكفير المسلمين. محورٌ ثالث يبحث في الحروب التي حدثت في جزيرة العرب وفي العراق وفي حضرموت وفي غير ذلك وكلّفت المسلمين أرواحاً ودماءً كثيرة، وأرسل السلطان العثماني محمّد علي باشا المصري بجيشه إلى هذه البلاد ومات ناس من هؤلاء وناس من هؤلاء. من الذي يتحمّل هذه المسؤولية؟ ولم تكن هذه الحروب في سنةٍ واحدة. هل يجوز أن يقوم مسلم بسبي مؤمنة تقول لا إله إلا الله؟ هل يجوز لك وأنت تحارب أن تفعل هذا بالمؤمنين، تحرق الزروع والثمار؟ فأنا أرى  الله أعلم، من الذي يقوم بهذا لا بدّ أن يكون لديه سطوة وقوة، أرى أن تكون هناك محاور، هذه المحاور تبحث مسألة، ومحور آخر يبحث مسألة ثانية، وهكذا في المباحثة مع هؤلاء العلماء الذين إلى الآن أو الدُعاة الذين إلى الآن يقومون بتدريس هذه الكتب التكفيرية التبديعية. هذا أولاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، عفواً، قبل الانتقال إلى الثانية، أرجوك من باب الاستفادة منكم، لكن يقيناً أقولها جازماً، وأنا لي تجربة، تجربة مناظرات مع الطرف الذي تتحدّث عنه، هو غير قابل للمراجعة، هو غير قابل للمناظرة. أول ما تدعوه للمناظرة يقول لك يا مجوسي، يا كافر، يا مُلحِد. كم شُتِمنا نحن؟

 

محمود ممدوح: صحيح، وكُفّرنا وبُدّعنا وقبور وسوء وإلى آخره.  يا سيدي هذا الآن الوضع السياسي متحرّك جداً والعالم انفتح، والله سبحانه وتعالى يقول "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً" إلى آخر الآية، فهؤلاء إذا كان الله سبحانه وتعالى قال هذا عن أهل الكتاب، فما بالك بالمسلمين، فيجب عليهم أن يأتوا إلينا وأن نذهب إليهم وأن نتكلّم في هذه الأمور. الدعوة إليهم قائمة من عشرات السنين، ولكنّهم لم يتحرّكوا، لكنّ الوضع الآن، مشكلة تحيط بالمسلمين أجمعين من طنجة إلى جاكرتا، والدعوة التكفيرية تذهب إلى هنا وهناك وقد أضرّت هذه البلاد، الآن أصبحت التفجيرات في داخل هذه البلاد بل بجوار المسجد النبوي الشريف وبجوار البقيع الشريف. إذاً هناك مشكلة حقيقية ينبغي أن ننفتح عليها ولا نفعل كما تفعل النعامة، ينبغي أن نفعل هذا.

الموضوع الثاني، فتح الأفق السياسي للمسلمين. المسلمون الآن كما قال فضيلة الشيخ، هناك هجمة على تفكير المسلمين، على أخلاق المسلمين، على عقيدة المسلمين، هجمة إعلامية كبيرة جداً، وهذه بلا شكّ أثّرت على المسلمين ولن يصلًح حالهم إلا بوجود من يقوم بشأنهم على أساسٍ من الدعوة الإسلامية وعلى أساس تطبيق الشريعة الإسلامية، فيجب فتح الأفق السياسي. لماذا تعادون كل من يقول نريد أن نحكم بكتاب الله؟ لماذا كل من يقوم لله سبحانه وتعالى ويريد شريعة الله يكون مصيره كذا وكذا؟ هذا يضرّ كلّ الناس، ينبغي أن تتداوَل السلطة بين المسلمين، لا تكونوا على قبيلة ولا على أسرة ولا على جاهل يتولّى المسلمين.

يا سيّدي، وجدنا أناساً يتولّون على المسلمين ويقومون في مقام الإمارة والرئاسة عليهم وهم لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، وهذا مخالفٌ للسياسة الشرعية ولا يجوز على الإطلاق. لا يقوم على المسلمين إلا عالمٌ بأمور الدنيا وأمور الآخرة وأمور الدين، فينبغي علينا أن نفتح الأفق السياسي للمسلمين. هب أننا الآن حصل منا تفريق لداعش، ما هي النتيجة؟ سيتفرّقون هنا ويتفرّقون هنا ويحدث القتل. يا سيّدي، ألم تسمع بما حدث في صنعاء واستشهاد 300 في مسجد بدر وكان على رأسهم شهيد المنبر مولانا العلامة الدكتور السيّد الشريف مرتضى بن زياد المحطوري، عالِمٌ من أكابر علماء المسلمين ومن أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكان داعياً للتقريب بحاله ومقاله؟ مات 300 إنسان جاء للتفجير ودخل المسجد. الآن يا سيدي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود داهمني الوقت، وأعدك بحلقات أخرى لأن الموضوع دقيق وحسّاس وينبغي أن يُعالَج من كافة أطرافه من باب أداء الأمانة أمام رسول الله يوم يسألنا كيف تعاطيتم مع رسالتي الحَنَفيّة السمحة، الناصعة البياض.

سماحة الشيخ المُفكّر الإسلامي محمود سعيد ممدوح من علماء الأزهر الشريف والمُفكّر الإسلامي من مصر الحبيبة، شكراً جزيلاً لك.

من تونس الحبيبة الدكتور العزيز محمّد الكامل سعادة الشريف شكراً جزيلاً لك، أمتعتنا.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.