كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

الاعتذار من العراق

مقدّمة: معكم (جورج غالاواي) من "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" يأتيكم من (لندن). أنا (جورج غالاواي) أُقدِّم "كلمة حرّة" حيث لكلّ كلمة الحقّ في أن تكون حرّة.

جورج غالاواي: أهلاً بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معكم (جورج غالاواي) من على قناة "الميادين"، في حلقة تأتيكم من (لندن) ومعي عدد من الخبراء المتمّيزين والمبتدئين الموهوبين مثلي. في الليلة سنناقش الوضع العراقي و (توني بلير) من (لندن) حيث اقترف جرائِمه السيّئة. نحن نناقش ما إذا كان قد قدّم اعتذاراً عن الحرب العراقيّة، وأكثر من ذلك، هلّ الاعتذار كافياً بالنسبة إليكم؟ كيف يُمكن أن يعتذر شخص قتل مليون شخص ودمّرَ بلداً كاملاً وأرسل المتطرّفين متنقّلين في المنطقة والعالم ما أخاف ملايين الناس في العالم برمّته. يُمكنك أن تعتذِر في حال دست إصبع أحدٍ ما، يمكنك أن تعتذر أو أن تنجو من فعلتِك بعد اعتذار يسير إذا ما صدمت سيّارة أحدٍ ما، أمّا عندما تتسبّب بوفاة ملايين الناس بسبب المجازِر والدّمار اللذان نتجا من اجتياح (بوش) و(بلير) واحتلالهما (العراق)،ـ فأيّ اعتذارٍ يكون كافياً؟ لديّ تعليقاتي الخاصّة بهذا الموضوع ولكن دعوني في البدء أُحلّل ما إذا اعتذرَ فعلاً. بصراحة، لم يعتذر، إذ لم يستنِد إلى أيّ تركيبة لغويّة إنكليزية ليقول ما قاله في أثناء مُقابلة لطيفة قُبيل نشر تقرير (تشيلكوت) في ما يتعلّق بالحرب على (العراق) الذي من المُنتَظر أنّ يوجّه إليه انتقادات قاسية، وهذا لا يُمكن وصفه بأنّه إعدادٌ مُسبق للحرب وليس إعادة خوض الحرب بل الاقتصاص ممّن تريد أولاً ومن ثمّ تبدو وكأنّك تأسف على ما حدث من دون أن تكون فعلاً أسفاً وبالطبع من دون أن تتلفّظ بكلمة آسف. قال أنّه يأسف لأنّ الاستخبارات كانت على خطأ، ولكنّه تغاضى عن حقيقة أنّه هو من صوّب الاستخبارات وهو من أصدر القرارات لأجهِزة الاستخبارات لتزويده بالمعلومات التي يُريد، وعندما لم يحصل على ما يُريده تماماً كان يجتاح مساحة الإنترنت بخربشات للأكاديميين ولأُطروحاتهم ولأبحاثهم وأعمالهم الأكاديميّة. لم يكُن يهمّ من كان الشخص ولا المضمون السخيف لإنتاجاتهم، كانت تُنقل إلينا على أنّها معلومات استخباراتيّة. وبعد موت (أحمد الجلبي) سارق المصارِف الذي كان صوتاً صارِخاً في المُعارضة العراقيّة وقضيّته مركزها (لندن) ومعظم أمثاله مُنتَشِرين في دول العالم، وبعدما تبيّن أنّ أكاذيبهم ليست معلومات استخباريّة إنّما تزييف واحتيال وتزوير وتلفيق. لا أعتقد أنّ لوم السيّد ( بلير) لجهاز الاستخبارات أمرٌ مُقنِع لأنّه استبدل كلّ كلِمة "استفهام" في شهادة جهاز الاستخبارات الخاصّ به بعلامة "تعجُّب". في كلّ مرة ذُكِرَ فيها كلِمة "يُمكن" استبدلت بـ “سوف"، وفي كلّ مرّة قالوا فيها "ربّما" قال "بالتأكيد". إنّه هو من زيّف المعلومات الاستخباراتيّة وهو الآن يعتذِر لأنّه تبيّن أنّها كانت خطأ. في كلّ الأحوال، بصفة كوني أحد المُعارضين للحرب على (العراق)، كما هي حال بعض رفاقي الذين عايشوا تلك الفترة والحاضرين معنا هنا الليلة، أنا أصررتُ مراراً على فكرة أنّه لو كان السيّد (بلير)، في ما يقوله عن (العراق)، هو حقيقيّ لما قام باجتياحه. تملُك (كوريا الشماليّة) أسلِحة الدمار الشامل لذا لم يقم (توني بلير) ولا غيره باجتياحها أبداً. الحقيقة في رأيي هي أنّهم علِموا أنّ ادّعاءاتهم كاذبة وهم مجرمون ليس فقط بجرائِم الحرب والجرائِم ضدّ الإنسانيّة، ولا يُمكن أن تكون أسوأ ممّا حدث، بلّ وأيضاً بالكذِب بشكلٍ منهجيّ على البرلمان البريطاني وعلى الملِكة وعلى القوّات المُسلّحة والشعب البريطاني أيضاً. في رأيي، لنّ تتحقّق العدالة من دون مُحاكمة، وبمثول (توني بلير) و(جورج بوش الابن) للمُحاكمة في (لاهاي) لاتّهامهم بجرائِم ضدّ الإنسانيّة وبجرائِم الحرب، كما يجب أن يمتثل (بلير) للمُحاكمة في (بريطانيا) بتهمة التضليل المنهجي للبرلمان. يُمكن استدعاؤه للمثول أمام مجلِس العموم وقد تثبُت إدانته هناك بأسوأ جريمة في الديمقراطيّة البرلمانيّة المبيّنة بشكلٍ واضح، بأشكال التضليل والخِداع المُرتكبة بحقّ المُشرّعين الذين انساقوا خلفه وبالتالي خدعهم. فكرتي الأخيرة قبل الانتقال إلى الحاضرين هنا ستكون هذه: لا شيء من هذا كان مُفاجِئاً لملايين البريطانيين حتّى قبل معرِفتهم بما يعرفونه الآن. كنّا ملايين في تظاهراتنا ضدّ الحرب على (العراق) حين فكّرنا في أنّه لا بدّ من أنّ (العراق) يملك أسلِحة الدمار الشامل. لم نكن نعرِف أنّ هذا كلّه مُجرّد كذِب ولكننا كنّا نعرِف جميعاً أنّ هذا خطأٌ فادِح وهو اجتياح بلدٌ عربيّ ومُسلِم في الفترة التي تنهض فيها الأُصوليّة ويزداد فيها التوتّر بين العالمين الإسلامي وغير الإسلامي، كباراً وصغاراً ، نساءً ورجالاً، كلّنا عرِف ذلك من دون الاستفادة من الاستخبارات ومن دون الاستفادة من صفٍّ من السُفراء من مُختلف دول العالم العربي الذين كانوا يخبروننا أنّ هذه فكرة سيّئة، عرِفنا ذلك ببساطة. لا أحد منّا، حتّى الخبراء المتميّزين من الحاضرين معنا، لم يتوقّع أحد أن تسوء الأمور كما حدثت وكما لا تزال عليه اليوم. لا تنسوا أنّه شوطٌ طويل منذ نهاية القصّة، لقد لقي أكثر من مليون شخص حتفهم ودُمِّرَت دولتان وخُرِّبتا، وفي دول أُخرى بعيدة جداً عنهما تشعُر بالتأثيرات الناتِجة والهزّات الارتداديّة لجرائِم (توني بلير) و(جورج بوش الابن). أنتم تلاحظون أنني أذكُر (بلير) أولاً، هذا لأنّ (بلير) ليس لديه عذر شبيه بعذر (بوش) أيّ أنّه غبيّ، فـ (جورج بوش) مشوّش الأفكار لأنّه أحمق، وبالتالي يُمكن المُرافعة عنه بزعمِ أنّه ليس مسؤولاً عن كلامِه ولا عن أفعالِه لأنّه غبيّ جداً ليعلم، ولكن (توني بلير) ليس غبيّاً. وفي المناسبة، فقد جنى مئة مليون جنيه كمكسب من الجرائِم التي ارتكبها، لذا بالنسبة لي يجب أنّ يمتثل أمام المحكمة لإثبات إدانته ويجب أخذ آخِر فلس يملكه لإعادته إلى الشعب العراقي الذي أفسد له حياته، ويجب أن يمضي بقيّة حياته وراء القُضبان في زنزانة واحِدة مع (جورج بوش الابن) ليكون هذا المصير أقسى من الموت. سأنتقل الآن إلى الحاضرين معنا لأستمِع إلى وجهات نظرهم. أحد رفاقي منذ تلك الفترة، (صباح الجواد) ستبدأ أنت، تفضّل يا سيّدي

صباح الجواد ( رئيس مؤسسة الديمقراطيين العراقيين ضدّ الاحتلال ): شكراً يا (جورج). أعتقد أنّ ملايين الناس من أنحاء العالم سيوافقونك تماماً على أنّ ما أخذَ شكل اعتذار من (توني بلير) لم يكن اعتذاراً لا بالشكل ولا بالمضمون. في خلال مقابلته اعتذر عن بعض التقارير الاستخباراتيّة وأيضاً عمّا وصفه بأخطاء في التخطيط وما أعقب اجتياح (العراق) واحتلاله، وكلّنا نعرِف حقيقة أنّ (توني بلير) لا يعتذر عن شنّ هذه الحرب ولا عن تعاونه مع الرئيس (بوش) بل عن تطبيق أجندة تحالف من خلال هذه الحرب مع المُحافظين المتشدّدين في (أميركا) للذهاب إلى الشرق الأوسط والتأسيس لنظام عالمي جديد هدفه وضع اليدّ على موارِد الشرق الأوسط والبقاء هناك في المُستقبل القريب. في الواقع، (توني بلير) غير نادم على اتّخاذ قرار المُشاركة في الحرب وحسب بل هو يريد تنفيذ المخطّط نفسه في الوضع السوري، وقد شهدنا ما فعله في (ليبيا) وتدخّلاته في كلّ الشرق الأوسط أيضاً. هذا بصراحة إصرار مُسبق على تطبيق النموذج العراقي في كلّ دول الشرق الأوسط ، وسيبقى الشعب العراقي بهذه الحال في المُستقبل المنظور لأنّه على الرغم من أنّ الحرب انتهت وأنّ الأميركيين قد سحبوا قوّات الاحتلال من (العراق) وأيضاً البريطانيون قاموا بالأمر نفسه إلاّ أنّهم يعودون بشكلٍ مُتصاعِد إلى هذا المُستنقع لأنّهم يستخدمون ذريعة الإرهاب التي أوصلتهم إلى (العراق) بالدرجة الأولى، ليعودوا ويحاربوا "داعش" وغيره. ما نعرِفه كحقيقة هو أنّ "داعش" والمجموعات المُشابهة له هي مجموعات لم تكن موجودة في (العراق) قبل اجتياح عام 2000، إنّها تنمو الآن ليس في (العراق) وحسب إنّما في كلّ مكان في (سوريا) و(لبنان) و(اليمن) و( ليبيا) وغيرها من الدول، وهذه نتيجة مباشِرة لدعم واستخدام هذه المجموعات بهدف تدمير الدول وإسقاط الأنظمة في دول كثيرة في الشرق الأوسط لأنّ سياسات هذه الدول لا تخدُم حكومتيّ (أميركا) و(بريطانيا). وهناك أمثلة كثيرة أيضاً تُثبت أنّ (أميركا) قد دعمت الإرهاب في (العراق) ولدينا تصريحات كثيرة من سياسيين أميركيين يقولون فيها أنّهم يفضّلون مُحاربة الإرهاب هنا على أن يأتي إلينا في (نيويورك) و(لندن) وغيرها من المُدن في أوروبا الغربيّة، فلنحاربه هنا وندعمه من أجل استخدامه في تقسيم الشعب العراقي. فكما تعلم، من بين سياسات الاحتلال في كلّ مكان تقسيمُ الشعب الذي تحاول غزوه. ومن خلال الإتيان بمجموعات مثل التكفيريين الإرهابيين إلى (العراق) فإنّهم حوّلوا الانتباه عن قوّات الاحتلال في (العراق) وأرادوا إرساء جوّ من مُقاتلة الناس بعضهم بعضاً ومقاتلة مجموعات مختلِفة بعضها بعضاً، وفي الوقت نفسه إفلات الاحتلال الأميركي والبريطاني من العقاب. (توني بلير) لم يكتفِ بعدم الاعتذار بل هو يريد أن يُعيد تجربة (العراق) في مكانٍ آخر من الشرق الأوسط إنّما بشعارات مختلِفة. مرّة بشعار الديمقراطيّة ومرّة أُخرى بشعار حقوق الإنسان وفي مكانٍ آخر بذريعة إتلاف أسلحة الدمار الشامل وتهديد الغرب وغيرها، كلّ هذه الأدوات تمويه لتدخّلات مُستقبلية في بعض الأحيان وفي أحيانٍ أُخرى لأسباب إنسانيّة. لقد رأينا التدخّل لأسباب إنسانية مُختلقة في ( العراق)، لقد أنتج ذلك تشتُّت الملايين من منازلهم وأراضيهم وهم يعيشون في بلاد الاغتراب. لدينا الملايين من الأرامِل والأطفال الأيتام في (العراق) ولا نزال نغرَق في الفساد. لقد أحضروا (أحمد الجلبي) والسارقين من أمثاله إلى (العراق) في السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة. في الحقيقة، إنّ الوضع المالي العراقي سيىء جداً، إنّهُم يطلبون قروضاً ضخمة جداً من صندوق النقد الدولي مع كلّ ما سيُرافق ذلك من قيود على المواطنين العاديين في (العراق) في ما يتعلّق بالرواتب وفي ما يتعلّق بفرص العمل وفي ما يتعلّق بالتقاعُد والمعاشات التعاقديّة وغيرها. لذا، فكلّ هذا هي النتائِج المُباشرة لسياسات الحرب والاحتلال، وقبل ذلك أيضاً يجب ألاّ ننسى أنّهم فرضوا عقوبات اقتصادية على (العراق) وهي من أشدّ العقوبات التي فُرِضت على الشعوب في تاريخ البشريّة. لقد أخضعوا (العراق) لهذا الإجراء طوال سنوات ثمّ ألحقوه بحربٍ واحتلالٍ دام تسع سنوات. نعم، يستحق (توني بلير) أن يمثل أمام المحكمة وليس أن يظهر على شاشات التلفزة ويجني ملايين الجنيهات وبتحدّث عن الاشتباكات وغيرها، يجب أن يُسجن وراء القضبان بسبب الجرائِم التي ارتكبها بحقّ الشعب العراقي وبحقّ الفلسطينيين واللبنانيين، ويجب ألاّ ننسى أنّ (توني بلير) ، قبل أن يستقيل، رفض أن يدعو إلى وقف إطلاق النار على (لبنان) لأنّه أراد أن يقضي الإسرائيليون على المُقاومة اللبنانيّة "حزب الله"، وفوق ذلك كان يدعم الأعمال العدائيّة الإسرائيليّة...

جورج غالاواي: كان قد أصبح في ذلك الوقت مبعوث السلام

صباح الجواد: تماماً. هذا أشبه بوضع الملح على جراحك في ما يتعلّق بوضع الشعوب في الشرق الأوسط. ليس هناك من معنى للاعتذار حتّى ولو اعتذر على نحوٍ مُناسِب، ليس هناك من مقدارٍ كافٍ للاعتذار كي يغسل يديه من دماء الضحايا في (العراق) والشرق الأوسط نتيجة جرائِمه البشعة التي اقترفها بحقّ شعوبنا في منطقة الشرق الأوسط

جورج غالاواي: شكراً جزيلاً لك لتأطير موضوعنا الذي سنناقشه في الوقت المتبقّي من حلقتنا. ائتلاف "أوقفوا الحرب" الذي كنتُ أنا زعيمه، وهو أكبر حِراك شعبي في تاريخ (بريطانيا)، ومعنا (آسيا عثمان) اليوم من ائتلاف "أوقفوا الحرب"، لنصغِ الآن لـ (آسيا)

آسيا عثمان (عضو في ائتلاف أوقفوا الحرب): أشكر استضافتك لي. أُريد أن أُعيد ما قاله رفيقي، هذا الاعتذار المنسوب إلى (توني بلير) ليس بأيّ شكلٍ من الأشكال اعتذاراً، وكما قُلت، ائتلاف "أوقفوا الحرب" هو دعوة إلى وقف ذلك. كانت هذه التظاهرة الأولى في حياتي كمراهِقة، ومن غير المنطقي أن أقول أنّ هذه كانت مُشاركتي الأولى كمراهقة والآن بعد عشر سنوات لا نزال نحصِد نتائِج تلك الحرب، ولا نزال نشهد يومياً بروز ما يُسمّى مجموعات إرهابيّة مثل "داعش" وغيرها  ونحن نشعُر بنتائِج وتبِعات تلك الحرب يوماً بعد آخر في الشرق الأوسط، وكما أشرت، فأنّ الأمر الوحيد الذي اعترف (توني بلير) به كما قلت في إحدى المرّات، ولا نزال نشهد يومياً بروز ما يُسمّى مجموعات إرهابيّة مثل "داعش" وغيرها ونحن نشعُر بنتائِج وتبعات تلك الحرب يوماً بعد آخر في الشرق الأوسط. وكما أشرت، فالأمر الوحيد الذي اعترف به (توني بلير) في إحدى المرّات هو أنّ تلك الحرب كانت نتيجتها المُباشرة "داعش"، وكانت نتيجتها المُباشرة تدمير والاستمرار في تدمير الشرق الأوسط. فهناك دول مثل (سوريا) التي كانت مكاناً رائِعاً للزيارة وكذلك (العراق) و(ليبيا) و(اليمن) إلى آخره. حقيقةً أنّه بإمكانه أن يطُلّ على قناة وطنيّة أو على قناة تلفزيونيّة ليقول

جورج غالاواي: على قناة أميركية

آسيا عثمان: أجل، وليس حتّى قناة بريطانيّة

جورج غالاواي: أكّدوا له أنّ المُقابلة ستكون سهلة

آسيا عثمان: بالضبط، نعم. حقيقة أنّه ظهر على قناة أميركيّة لا يدلّ إلاّ على قلّة احترام، تماماً قبل نشر تقرير تحقيق (تشيلكوت). أن يظهر هناك ولا يقول بصراحة أو حتّى يذكُر أنّ هناك أكثر من مليون شخص قد ماتوا بسبب القرارات المُباشِرة الصادرة عن (توني بلير)  أو (جورج بوش الابن)، إنّه لأمرٌ مروِّع. وواقع أن يُكتَب في الصُحف أنّه اعتذر هو أمرٌ مروِّع. كيف تعتذِر عن تدمير منطقة كاملة وتسلب حياة الناس وتعتبر ذلك أمراً لم يحدث؟ والأمر الآخر هو أسلِحة الدمار الشامل، ذكر هو كما قُلت، أنّ أجهِزة الاستخبارات قد ذكرت مرّات عدّة أن لا وجود لأسلِحة دمار شامل، ذكرت ذلك عدّة مرّات، وكان هناك أيضاً مؤشّرات تدلّ على أنّ (توني بلير) و (جورج بوش الابن) قد اتّفقا قبل البدء بأيّ عمليّات تفتيش، على أنّهما سيشنّان حرباً للقضاء على (صدّام حسين), سواء أهذا صحيح أم غير صحيح، سننتظر الأمور لتتكشّف مع مرور الوقت

جورج غالاواي: عندما تُشاهدين فيلمي الذي سيصدُر قريباً بعنوان "جرائِم (توني بلير)" سيتأكّد لك أنّ هذا صحيح وهو مكتوبٌ بكلّ تفاصيله قبل ثلاثة عشر شهراً من تصويت البرلمان لمصلحة شنّ الحرب

آسيا عثمان: هذا ما سمعته، نعم

جورج غالاواي: كان (بلير) و (بوش) في مزرعة (بوش) في (كروفورد - تكساس)، وبعدما كانا راكعين ويُصلّيان معاً لنجاح أعمالهما في مجال جرائِم القتل الجماعي، قررا الاجتياح  وكلّ شيء آخر كان تضليلاً. ولو نجح مخطّطهما أو كان مثمراً لما كنّا اليوم نخوض في مثل هذا النقاش ولكنتُ رجل سياسة سابقاً ولكان ائتلاف "أوقفوا الحرب" قد فقد صدقيّته وأصبح من الماضي. أمّا حقيقة أنّه لا يزال قائِماً، فهذا لأنّ النتيجة كانت كارثيّة. تابعي من فضلكِ

آسيا عثمان: أنا أوافقك تماماً ويبدو أنّ ما سيتأتّى سيكون مثيراً للاهتمام. كما سبق وقال رفيقي، التدمير الشامل للمنطقة ليس سوى انعكاس واحِد للحرب، هناك المزيد والناس لا تعي ذلك تماماً. بروز الجماعات الإرهابيّة وانتشار رهاب الإسلام في المنطقة والنقل المستمرّ على المنابر الإعلاميّة بضرورة أن يُعزى وجود شخصيّة "الشبح" لتبرير الحرب التي نخوضها وعمليات القتل والتدمير الذي تسببنا به للناس، كلّ هذه الأمور يجري التغاضي عنها في المُجتَمع عموماً. لا يُدرِك الناس فعلاً كيف جرى تلقيننا، إذا صحّ القول، لنُصدِّق أننا كنّا على حقّ في خوض تلك الحرب، مع أنّ مليون شخص قد شاركوا في تظاهرتي الأُولى، وقد تحدّثت إلى عدّة حملات كما ذكرت وكان هذا هو حافزي للدخول في الحراك واستعادة الديمقراطيّة لأنفسنا. فبهذه الطريقة، جرى تشكيل ائتلاف أوقفوا الحرب إضافة إلى منظّمات أُخرى استطاعت جميعها تشكيل تحالفات. لكن الناس يجهلون كلّ نتائِج الحرب على (العراق)، لقد أثّرت في الناس خارِج حدود المنطقة وليس في الشرق الأوسط فقط، وأثّرت في طريقة سرد الأحداث. فنحن لا ننتبه إلى أنّ منطقة برمّتها قد دُمِّرت بسببنا، بسبب الساسة البريطانيين

جورج غالاواي: (آسيا)، سنستمِع إلى مزيدٍ مما لديكِ وإلى الآخرين من الحاضرين بعد هذا الفاصل

المحور الثاني:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون "كلِمة حرّة" من على قناة "الميادين"، معكم (جورج غالاواي) في حلقة تأتيكم من (لندن). نحن نناقش موضوع (العراق) والحرب على (العراق) والاحتلال وكلّ الارتدادات التي تستمرّ في الظهور في المنطقة والعالم  من خلال أنهار الدمّ التي تستمرّ في التدفّق، وعلى نحوٍ خاصّ المسؤوليّة التي تقع على عاتِق الرجل الذي كان يحكُم من هنا، من (لندن)، طوال عشرة أعوام طويلة. (توني بلير) كان رئيس مجلس الوزراء البريطاني، ومن دونه لما تمكّن (جورج بوش الابن) بالتأكيد من التسبب بالدمار الذي يحصل منذ اثني عشر عاماً. لدينا حضور من الخبراء والموهوبين مثلي تماماً، فلنستمع إلى أحد الخبراء، تفضّل سيّدي

كارل الخويري (منتج تلفزيوني): شكراً! أنا (كارل الخويري)، منتج تلفزيوني ومُقدِّم برامج في (لندن). لقد تحدّثت قبل قليل عن ائتلاف "أوقفوا الحرب"، كما فعلت أيضاً زميلتي المتحدّثة (آسيا). شكا بعض الأعضاء من داخل الائتلاف أنّ الحراك فقد شيئاً من حماسته خاصّةً بعد اجتماعه أخيراً هذه السنة. الآن، وبعد فوز رئيس حزب العمّال (جيرمي كوربن)، هلّ تظنّ أنّ الحماسة ستزداد في الاجتماع التالي؟ وماذا في رأيك سيضيف (جيرمي كوربن) إلى الحراك؟

جورج غالاواي: بالتأكيد، بعد اثنتي عشرة سنة سيكون من الصعب المُحافظة على الزخم نفسه والحروب التي شُنّت منذ الحرب على (العراق). لقد جرى بذل مجهود جبّار من قادتنا عبر وسائِل إعلامهم لذرّ الرمال في عيون الناس قدر المُستطاع. إن كان هناك من شيء فاجأني أكثر مما أخفقنا في وقفه عام 2003 هو تمكّنهم من ممارسة الحيلة نفسها مراراً وتكراراً من جديد، أولاً في (ليبيا) والآن في (سوريا)، إنّها الأكاذيب نفسها من الأشخاص أنفسهم تنشرها الصحف نفسها ويبثّها الصحافيّون أنفسهم. هذا يُثبِت بطريقةٍ تُذهل الراحل (إبراهام لنكولن) بقوله "يمكنك أن تخدع بعض الناس بعض الوقت لئلاّ يُعارضوك من خلال القيام بالأمر نفسه مراراً وتكراراً"، وهذا ما أشار إليه (آينشتاين) بالجنون، في القيام بالشيء نفسه مراراً وتكراراً، وتوقّع نتيجة مُختلِفة لأننا سنحصل على النتيجة نفسها. يمكنك القول أنّ الحركات المُعارِضة للحرب في (بريطانيا) قد أصبحت مُرهقة ومُربكة ولم نعُد بالقوة التي كنّا عليها من قبل، ولكنّها ستكون بمثابة مُعجِزة إن تمكّنّا من تكرار هذه الحركة التي أنشأناها لمُعارضة الحرب على (العراق) على المستوى نفسه، أنا أتشارَك في أيّة مسؤوليّة بسبب أيّة أخطاء ارتكبناها في عملِنا. أنا لا أزال اليوم نائِب الرئيس أو أحد نوّاب هذا الائتلاف لذا أنا مسؤول بصورة مُشتركة عن أيّ خطأ ارتكبناه. أنا أسأل الناس الذين يُشيرون على نحوٍ مُبطّن إلى تلك الأخطاء إن كان لديهم أفكار أفضل، إذ قد يقولون لا يمكنك أن تمشي باستمرار من النقطة ألف إلى النقطة باء أو أن تستمرّ في التظاهُر، فأرُد دائماً، "أرجوكم إن كانت لديكم من أفكار أُخرى فقدّموها لنا". فليست الفكرة أننا نرفُض أفكاراً أفضل ولكنني لا أعرِف في هذا النوع من الناس الذي يقف في وجه القوى التي نحن من ضمنها وماذا يُمكن أن تكون تلك الأفكار الأفضل؟ ولكن قد يكون لديك بعض منها، تفضّل لو سمحت

كارل الخويري: أنا أُفكِّر، ما هو في رأيك الدور الذي قد يؤدّيه (جيرمي كوربين) في هذه المسألة؟

جورج غالاواي: كان (جيرمي كوربين) أحد قادة ائتلاف "أوقفوا الحرب" إلى أن وقعت الحرب، وبعد ذلك بقليل أصبح رئيس ائتلاف "أوقفوا الحرب"، وأنا أؤمن أنّه لا يزال ملتزماً كلّ أهدافه. ولكن كما نكتشِف، وقد ناقشت هذا الأمر في حلقة سابقة من "كلِمة حرّة"، أنّ الأمر مُختلِف بين أن تكون جالساً في مكتبِك وأن تكون في مركز القرار، وحتّى الآن لم يتمكّن "جيرمي كوربين" من ترجمة التفويض الديمقراطي الهائِل الذي حقّقه عبر الفوز بنسبة ستّين في المئة تقريباً من مجموع الأصوات في منافسة مع خمسة نوّاب. لم يتمكّن حتّى الآن من ترجمة ذلك في مركز القرار وفي البرلمان وفي السياسة البريطانيّة، ولكنني أؤمن أنّه يقوم بأفضل ما يُمكنه وبكلّ ما يستطيع القيام به ولكنّه مُحاط بأشخاص يُحبّون الحرب. هو مُحاط بأشخاص على المقعد الأمامي يطمحون إلى شنّ حربٍ جديدة في (سوريا)، وهذا لا يعني أنّ (سوريا) لا تخوض حرباً أصلاً ولكنّهم يريدون المُشاركة في الحرب على (سوريا). فلنستمع إلى شخصٍ آخر

حسن الكاتب (صحافي وإعلامي): مرحباً، اسمي (حسن الكاتب). أود طرح سؤالٍ سريع. هناك بعض العراقيين الذين يعيشون هنا في (لندن) وهم على علاقة جيّدة مع (توني بلير)، وهم يظنّون أنّ المُحافظة على علاقاتهم بـ (توني بلير) ستمنحهم نوعاً من القوّة والتأثير نوعاً ما، وأنّ (توني بلير) قد يفيدهم أو يفيد المُجتمع العراقي بطريقةٍ أو بأُخرى. ما هي نصيحتك لأولئِك الذين يفكّرون بهذه الطريقة؟ يعتقدون أنّهم في محافظتهم على علاقة جيّدة بـ ( توني بلير) ومعاملتهم له بطريقة حسنة ومُهذّبة فأنّه سيعاملهم بالمثل وسيصغي إليهم وسيقوم بشيءٍ ما لمُساعدتهم وبشكلٍ خاصّ مع (توني بلير). ما نصيحتك لهؤلاء العراقيين الذين يعيشون هنا في (لندن) أو في الخارِج؟

جورج غالاواي: لقد عرفتُ أشخاصاً كهؤلاء في الماضي، وقد ذكرنا أحدهم وهو الراحل ( أحمد الجلبي) سارق المصارِف الذي أدّى دوراً مهماً. فقد كان مقرّباً إلى المُحافظين الجُدد في الولايات المتّحدة الأميركيّة ومن معاونيهم هنا في "الداوائر البليريّة" في (لندن)، فهو لم يخدعهم أو شيء من هذا القبيل بلّ قال فقط كعراقي الأمور التي أرادوا منه أن يقولها والأمور التي أراد هو أيضاً قولها. ظنّ أنّهم سيدعمونه للوصول إلى السُلطة في (العراق)، ولكنّه في النهاية على ما أعتقد فاز بمقعدٍ واحد بُعيد الغزو والاحتلال لـ (العراق). ما سأقوله لهم يا صديقي هو التالي: هؤلاء الناس لا يكترثون البتّة لأمر الشعب العراقي، لا يرون سوى المصالِح في الشعب العراقي وهذا أمرٌ مختلِف تماماً. فأنا أقول دائِماً، لا تخلطوا بين هؤلاء الناس والمسيحيين، يؤمن المسيحيون بالرُسل عليهم السلام أمّا هؤلاء الناس فيؤمنون بالربح وكيف يأخذون الكميّة الكُبرى منه، هذا هو اهتمامهم الوحيد بالشعب العراقي. لا أحد منهم يهتمّ إلى أيّ طائِفة تنتمي إلى (العراق)، بصراحة إنّهم لا يعرِفون حقيقة الفوارِق بين الطوائِف. إذا طلبتم إليهم أن يُكرّسوا خمس دقائِق للحديث عن الفرق بين السنّة والشيعة أعدكم أنّ تسعة وتسعين في المئة منهم سوف يخفقون في الاختبار. إنّهم لا يهتمون ما إذا كان الشعب العراقي من المُسلمين أو غير المُسلمين، يُمكنكم أن تُصلّوا وتصوموا وأن تفعلوا كلّ ما تريدون، إنّهم لا يهتمون بهذا الأمر، اهتمامهم الوحيد هو الذهب الأسود الكائِن تحت رمال (العراق) والموقع الاستراتيجي لدولة (العراق) في قلب المنطقة المُنتِجة للطاقة في العالم. إنّهم يريدون السيطرة على موارِد (العراق). وما دمتم في (العراق) تسمحون للأجانب بالتحكّم بموارِدكم فسيكونون أصدقاءكم، ولكن أيّ عراقيين سيسمحون للأجانب بالتحكّم بموارِد بلدهم؟ وإذا سمحتم لي فأودّ إضافة فكرة، يحقّ لأيّ شعب بأن يقوم بثورة ويُسقِط حكومته، في النظام الديمقراطي يُمكنكم القيام بذلك عن طريق الانتخابات، تفضّلوا وقوموا بهذا وأتمنّى لو كان بالإمكان القيام بهذا هنا في (بريطانيا) في الغدّ، أمّا في غياب الديمقراطيّة والانتخابات فيحقّ لأيّ شعب أن يقوم بثورة بالقوّة ويُسقِط نظام حُكمِه، أمّا ما لا يحقّ لهم القيام به فهو الطلب إليَّ أن أُرسِل ابني لقصف دولتهم لتحقيق ذلك، لا يحقّ لهم ذلك! ولا يحقّ لهم أن ينالوا دعمي إذا كنت مؤمناً بأنّ ما يخططون له في هذه الدولة هو أسوأ من النظام الذي يريدون إسقاطه. ومن حقّي أن أقول لـ "داعش" و"القاعدة"، ليس من حقّكما المُطالبة بدعمي لثورتكما لأنّ ثورتكما هي في نظري بشِعة جداً وهي أبشع من المعصية ومن أيّ جريمة رأتها عيناي، لن أدعم ثورتكما أبداً. مجرّد وصفها بثورة، هذا لا يعني أنّ الثوريين سيدعمونها، تفضّل

حسن الكاتب: بما أنّك تطرّقت لهذه المسألة، لماذا بعض المتمرّدين في (سوريا) و(العراق) أو أيّ دولة سنيّة أُخرى لم يقتنعوا بعد بأنّ (أميركا) و(بريطانيا) ودولاً أُخرى ليست مُهتمّة بهم ولا تهتم بحرّياتهم، لماذا لم يستوعبوا هذا الأمر؟ لماذا لا يزالون يلجأون إلى هذه الدول لتنجدهم؟ ألم يفهموا هذا الأمر بعد؟

جورج غالاواي: سنتناول جهة واحدة من السياسة الإسلاميّة السنيّة، فلنأخذ "الإخوان المسلمين". "الإخوان المسلمون" مختلفون بين دولةٍ وأُخرى وهم ليسوا أصلاً متآلفين ضمن الدولة الواحدة، ولكن الخطّ المُتّبع تاريخياً منذ الخمسينات هو التقدّم والتراجع أمام الإمبريالية، وبشكلٍ خاصّ أمام (أميركا)، كما أنّ (بريطانيا) قد أدّت دوراً في الخمسينات في نشأتهم ، تحديداً في (مصر) و(العراق) و(سوريا) أيضاً. هذا خطأ كبير، وأنا لستُ شيعياً، أنا لست إيرانياً، لكن الثورة الوحيدة التي استمرّت منذ أكثر من ثلاثين سنة، الرافضة بشكلٍ حازم للولايات المتّحدة الأميركية، هي الثورة الإيرانية. وأولئِك الذين يدعمون الثورة الإيرانية في الدول العربيّة والعالم كانوا مُعارضين بشكلٍ حازم للسيطرة الأجنبيّة على مناطقهم ومواردهم. وأنا لا أقول هذا لأسباب دينيّة بل أقول ذلك بصفة كوني ناشطاً سياسياً بالارتكاز على ما تراه عيناي وخبرتي، فالناس إذا كنتم تعرفونهم، أنا مفاجأ بكونهم لا يزالون عراقيين ولا يزالون يريدون المُحافظة على صداقتهم مع (توني بلير) مع أنّه قتل الملايين من شعبِهم في الحرب ومنذ بدئِها، وعلى الرغم من أنّه قد قتل مليوناً قبل الحرب في أثناء فترة العقوبات، وعلى الرغم من أنّه دمّر دولتهم وأرسل الملايين إلى المنفى وتسبّب بوجود الأرامل والأطفال والأيتام والمتسوّلين والجائِعين وتلويث المياه وغياب الكهرباء في بلادٍ مُنتِجة للطاقة. لا يُمكنني أن أتصوّر أيّ نوع من العراقيين هم هؤلاء لأنهم بالتأكيد عراقيون لا يؤمنون بوجود يوم حساب وأنّه سيمثل أمام المُحاكمة الأخيرة. نعم، السيّد الذي يرتدي القميص الأخضر

مايكل أوكونيل( مدرِّس): مرحباً، أنا (مايك)، أُستاذ مادّة تاريخ الأديان في المدرسة الكاثوليكية غربيّ (لندن). أودّ أن أعود إلى موضوع (توني بلير) وغياب اعتذاره في مقابلته الأميركية. هناك نقطتان أشار إليهما وأودّ منك التعليق عليهما إذا كان ذلك ممكناً. الفكرة الأولى كانت تافهة إذ يقول للآخرين أنّ لا شيء فعلتموه كان ناجحاً أيضاً، فقال أنّ الضربات الجويّة لم تُحقّق هدفها والتقليل من التدخل لم يكن مفيداً على السواء، هذا تكتيك تلجأ إليه عندما تتهرّب من الاعتذار عمّا اقترفته وتدّعي أنّ أداء الآخرين لم يكن أفضل. والأمر الآخر الذي قاله هو تكتيك مُشابِه، فقد قال أنّ (صدّام) ربّما كان سيسقط في "الربيع العربي" عندما يصل إلى (العراق). لذا أودّ رأيك في هاتين المسألتين

جورج غالاواي: في (إيرلندا) نُسمّي هذا تبادل الاتّهام، ماذا عن القيام بهذا! ماذا عن القيام بذاك! أنظر ما حدث هناك! بدلاً من التركيز على جرائِمك التي يتّهمك الناس بارتكابها. كان (صدام حسين) دكتاتوراً مثل أيّ حاكم فعلي في العالم العربي من المحيط إلى الخليج وبشكلٍ تقديريّ. كانت ديكتاتوريات عاملت مُعارضتها السياسيّة بشكلٍ وحشي ولكنّها نسبت بعض النجاحات إلى اسمها وإلاّ لما قرروا ضربها. زعموا أنّهم يريدون نزع سلاح (العراق) وهذا يعني أنّ لديهم أسلِحة، أرادوا أن يُدمّروا قاعدة العلوم في (العراق)، هذا يعني أنّ لديه قاعدة علوم، وكانت (إسرائيل) مُصممة على تدمير (العراق) لأنّ (العراق) كانت الدولة العربيّة الوحيدة التي تُشكّل تهديداً مُحتملاً لـ (إسرائيل). بالتأكيد عندما تحلّلون جميع الأخطاء والجرائم التي ارتكبها نظام (صدّام حسين) وحقيقةً حزب "البعث" بشكلٍ عام وليس في (العراق) فقط، ستكتشفون أنّهم مفلسون لأنّ الثمن الحقيقي لأفعالهم مُقارنة بالمنافِع الناجمة عنها تترُك علامة حمراء في سجلّ الحسابات أنّا في ما يتعلق بما إذا كان سيسقط (صدّام حسين") نتيجة "الربيع العربي" فأنا لا أدري، ولكن ما أنا واثق بشأنه هو أنّ الناس في (العراق) اليوم يفضّلون بالتأكيد لو كان (صدّام) ما زال موجوداً بدلاً مما لديهم الآن هناك. هذا نوعاً ما مقارنة خاطِئة لأنّها ترتكز على مدى فظاعة الوضع الآن. يصعب تخيّل أن يسوء أيّ وضع أكثر مما هو عليه الآن، إذا لا يشعُر أحد بالأمان والجميع على بعد ثوانٍ من موتٍ مُحتَمل، والحياة نفسها جحيم على الأرض. سنتحدّث إلى أحد العراقيين من الحاضرين معنا بعد هذا الفاصل

المحور الثالث:                                                        

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون "كلمة حرّة"، معكم (جورج غالاواي) من على فناة "الميادين" في حلقة تأتيكم من (لندن)، نحن نناقش موضع (توني بلير و(العراق) وهلّ اعتذر أم لم يعتذِر؟ أخرجنا كاميرات "الميادين" إلى شوارِع (لندن) اليوم لنستمِع إلى آراء الناس. شاهدوا هذا

المحاورة: هلّ التحقيق بشأن الحرب على (العراق) مُهمّ بالنسبة إليكِ؟

رأي امرأة 1: نعم، إنّه مهمّ

رأي رجل 1: نعم، لأنّ الاستقرار في الشرق الأوسط مهمّ بالتأكيد للجميع

رأي شابة محجّبة 1: نعم لأنّ هذا لا يؤثِّر في حياتي عموماً وإنّما يؤثّر في كلّ جاليتي كمسلمين أو كبشر ببساطة

رأي شابة 1: نعم، إلى حدٍّ ما، لأنّ ما يحدث في الشرق الأوسط حالياً هو في رأيي نتيجةً للتدخّل الغربي، وـجِد أنّه تسبب بكثيرٍ من المشكلات. وإذا نظرنا إلى الحرب على (العراق) وما يحدُث فإنّ كثيراً من مسبباته جرى تمويلها من (أميركا) بحدودٍ معيّنة، وإذا نظرنا إلى المجموعات المتطرّفة وفكّرنا كيف يتلقّون تمويلهم نعم، بالنسبة إلى هذه المسألة كبيرة . نحن نتحدّث عن (العراق) ولكن ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط برمّتها حالياً مُهمّ

شابة محجّبة 2: نعم هذا مهمّ لأنّه لا يؤثِّر فينا فقط الآن وإنّما يؤثِّر في الأجيال القادمة لأنّ المسلمين هم من يواجه هذا الصراع وهم المتأثّرون بأيّ ثورة تحدُث. هذا الأمر يمسّنا ويجب أن نعرِف ماذا يحدُث

جورج غالاواي: قبل الفاصل قدّمتُ وجهة نظري بخصوص ما إذا كان (العراق) اليوم أسوأ مما كان عليه وما إذا كان (صدّام) سيسقط في خلال "الربيع العربي" في أيّ حال من الأحوال، وما إذا كان (توني بلير) محقاً عندما يقول أن لا أحد قد نجح في مهمّته. أنا لم أتحدّث عن هذه النقطة بشكلٍ كامل ولكنني سأفعل في سياق الحلقة ، لكنني أودّ أن اُفسِح في المجال لعراقيين اثنين حاضرين معنا بأن يُسجّلا مداخلتهما. (صباح) تفضّل

صباح الجواد ( رئيس مؤسسة الديمقراطيين العراقيين ضدّ الاحتلال ): في ما يتعلّق بإسقاط (صدّام حسين) من خلال الربيع العربي أعتقد أنّ نظام (صدّام) كان سيسقط قبل الربيع العربي. إذا عدت إلى التجربة المثيرة مع (الكويت) كانت مُعظم مُحافظات (العراق) قد تحررت عن طريق ثورات في جنوبيّ (العراق) وفي (كردستان) أيضاً، فمن بين المُحافظات العراقيّة الثمانية عشرة كانت اثنتا عشرة منها تحت حكم الثوار. طوال فترة النظام، حيث حكم النظام منذ عام 1968، طوال هذه الفترة كان (صدّام) مدعوماً من الغرب وممولاً منه  ومُسلّحاً منه، وكلّ الأسلِحة الكيميائيّة التي تحدّثوا عنها تزوّده إياها الأميركيون والقوى الغربيّة أيضاً، وأنا أتذكّر في الحقيقة حادثة منطقة (حلبجة) عندما استخدم (صدّام) الأسلِحة الكيميائيّة ضدّ سكّان (حلبجة). من بين الحكومات الغربيّة ومن ضمنها الأميركية من ألقوا اللوم على الإيرانيين بسبب هذا الهجوم

جورج غالاواي: طوال ستّة أشهُر بقي الأميركيون يُصرّون على أنّ (إيران) هي التي استخدمت الأسلِحة

صباح الجواد: تماماً. ومُعظم الدعم كان يذهب إلى (صدام حسين) إلى أن غزا، وحتّى في الحرب العراقيّة الإيرانيّة كان (صدّام) لا يزال مدعوماً من الغرب. تخلّوا عنه فقط عند غزو (الكويت) لأنّه وصل إلى شيء يعود إليهم، وأعتقد أو هم يعتقدون أنّه جزء من منطقة نفوذهم وبالتالي فإنّ (صدّام) أصبح يتخطّى الحدود التي رسموها له، لذا يجب احتواؤه. إذا نظرت إلى ما حدث في (البصرة) جنوبي (العراق)،  قوّات الاحتلال الأميركي، لا لم تكن حينذاك قوّات احتلال ولكن القوات الأميركيّة في (الكويت) و(العراق) سمحتا لـ (صدّام) بأن يستخدِم الطائِرة المروحيّة الخاصّة به لمُحاربة الثوار الذين يُكافحون في جنوبي (العراق). فهذا يُثبت أنّهم لم يكونوا يُريدون إسقاط (صدّام) لأنّ التحفّظات كانت مذكورة ومُعلّمَة من النظام السعودي وأنظمة خليجيّة أُخرى وهي تقول أنّ إسقاط نظام (صدّام حسين) سيُشجِّع (إيران) على التوسّع وسيُصبِح نفوذها أكبر في المنطقة. (صدّام) في رأيي كان يُمكن إسقاطه

جورج غالاواي: في عام 1991

صباح الجواد: أجل، وحتّى قبل هذا الوقت، لو لم يقم الغرب، وأنا أتذكّر بصفتي عضواً في المُعارضة لـ (صدام حسين) كنّا نُطالِب القوى الغربيّة بعدم التدخّل في شؤوننا الداخليّة لأنّ النظام العراقي هو مسؤوليّة تخصّ الشعب العراقي. إذا أردنا الإبقاء على (صدام) فنحن من يقرر وكذلك الأمر إذا أردنا التخلّص منه، الأمر لا يعني الحكومة البريطانيّة ولا الأميركية، ولا يحقّ لهما أن يفرِضا علينا نوع النظام الذي يجب أن يكون لدينا، فنحن لا نفرِض شروطاً على الشعب البريطاني لمن ينتخبون كلّ أربع سنوات وغير ذلك. إذاً (صدام) كان مدعوماً من الغرب وقد دفع الشعب العراقي أثماناً باهِظة للتدخّل الغربي، فهُم إمّا يدعمون الطاغية التي كانت في (العراق) في زمن (صدام حسين)، ثمّ عندما تخلّى الغرب عن (صدام) رزح الشعب العراقي تحت وطأة عقوبات اقتصاديّة طوال سنوات طويلة، ثُمّ شُنّت حرب أُخرى عليه ووقع تحت الاحتلال طوال تسع سنوات أيضاً، ولقد رأينا نتائِج هذه السياسات في الغرب. كما تعلم، يتفاوت تعداد الشعب العراقي من خمسة عشر إلى عشرين مليون نسمة، إذا أحصيت عدد الناس في المنفى تجد أنّهم أكثر من ثلث الشعب العراقي. أربعون في المئة من الشعب العراقي قد عانوا كثيراً ولا زالوا يُعانون نتائِج هذه الحرب. كنتُ مُعارِضاً لـ (صدام حسين) منذ تولّبه السُلطة عام 1968. في الحقيقة، كنتُ مُعارِضاً للنظام الذي قام "حزب البعث" بالانقلاب عليه عام 1963 وهو حكومة (القاسم) . ولكن على الرغم من مُعارضتنا (صدام حسين) وقفنا مع ائتلاف "أوقفوا الحرب"، وبالمناسبة كنتُ عضواً في ائتلاف "أوقفوا الحرب" طوال سنوات وكنتُ أحد المتحدّثين في التظاهرات

جورج غالاواي: عام 2003

صباح الجواد: نعم، وأنت تعلم يا (جورج)، لقد شاركنا في الائتلاف مع أننا مُعارضون لـ (صدام حسين)، ولكننا عرفنا أنّ هذه الحرب لن تكون ضدّ (صدّام حسين) بلّ ستكون في الدرجة الأولى ضدّ الشعب العراقي ومصلحته، وقد تبيّن أنّ هذا صحيح تماماً لأنّهم دمّروا (العراق) وتخلّصوا من (صدام) ولكنّه كان عميلهم طوال خمس وعشرين سنة. لكن الشعب العراقي هو من دفع ثمن هذه السياسة، وأرادوا أن يدفع الشعب السوري ثمن تدخّلهم أيضاً ، والشعب الليبي واليمني واللبناني. إنّها السياسة المُتّبعة نفسها! وقد ذكرتُ أيضاً مسألة القوى نفسها التي برّرَت حرب عام 2003  والتي تحاول الآن تبرير مُغامرة مستقبليّة ستحدُث في (العراق) فيرسلون قوّاتهم لقصف (العراق) و(سوريا) وفي دول أُخرى ربّما من الشرق الأوسط.  هذا يجب أنّ يتوقّف لأننا هزمنا التدخّل الأميركي في (العراق) والتدخّل البريطاني في (العراق)، والناس في (البصرة)، سأقتبس كلام أحد العسكريين البريطانيين الذي قال: " عندما ذهبنا إلى (البصرة) ووصلنا إلى النفط رأينا الأولاد يخرجون ويرمون الحجارة علينا. بعض مضيّ خمس عشرة دقيقة على رمي الحجارة يختفي الأولاد الصغار ويظهر الفتيان الأكبر سناً وهم يحملون بندقيات "آي كاي 47" ليقاومونا". معظم  عديد القوات البريطانيّة بقوا في (البصرة) محبوسون في قواعدهم العسكريّة في المطار لأنّه لم يكن بمقدورهم الخروج بسبب المقاومة ضدّهم، وكذلك الأمر مع الأميركيين. رفض الشعب العراقي نظام (صدام حسين) ورفض أيضاً احتلال (بريطانيا) و(أميركا) وسيستمرّ في القيام بهذا، واليمنيون سيستمرّون في القيام بما يقومون به والسوريون الشجعان أيضاً سيقومون بالأمر نفسه في (سوريا)، والمُقاومة اللبنانيّة ستستمرّ في إحباط مُخططاتهم لقيام الشرق الأوسط الجديد

جورج غالاواي: آمين. نعم يا سيّدي

حسن الكاتب ( صحافي وإعلامي): كلّنا نعلم أنّ الحرب على (العراق) كانت خطأ، ولكن كان هناك عراقيون يؤيّدونه، وأعتقد أنّك إن عدت إلى الوراء، إلى عقدٍ مضى، لم يكن العراقيون العاديون، وتحديداً الشيعة، مؤيّدين لـ (إيران)، ولم يكونوا يهتمّون بالفلسطينيين ولم يعتبروا الأميركيين أعداءً لبلادهم. أظنّ أنّ النتائِج الإيجابيّة لحرب (العراق)، حتّى لو كانت بسيطة، هي تغيير آراء العراقيين وبخاصّة الطائِفة الشيعية، إذ أصبحوا يُدركون من هُم فعلاً أعداؤهم وأنّ الحليف هو فعلاً (إيران) والعدوّ هو (أميركا) وعدوّهم هو (إسرائيل) الصهيونيّة، وأعتقد أنّهم كانوا يُدركون هذا في السنوات القليلة الماضية وبخاصة  بعد ما كانت تقوم به "داعش" في (العراق)، أدركوا أنّ عليهم أن يكونوا جزءاً من محور المُقاومة. هذا أمرٌ يُدهشني أن أراه في شوارِع (العراق)، إذ لم أكن أتخيّل أنّ الشيعة في (العراق) أصبحوا يناصرون الفلسطينيين الآن. كان هذا خارِج حدود التصوّر منذ عشر سنوات. أظنّ أنّهم أدركوا كثيراً من الأمور الآن وأنا لم أتوقّع أن يُغيّروا آراءهم خصوصاً بعدما كانوا يدعمون (توني بلير) و(جورج بوش) ويسمحون لهما بالتقدّم في (العراق). لذا في رأيي، هي حقّقت نتائِج إيجابيّة ولكنّها و يا للأسف أراقت كثيراً من الدماء قبل أن يُدركوا الحقيقة، ولكنّهم أدركوا الحقيقة الآن وآمل منهم ألاّ يُكرروا في المُستقبل خطأً مماثلاً وأن يكونوا قد تعلّموا الدرس الآن. وعلى الدول الأُخرى أن تتعلّم مما حدث في (العراق) كمثالٍ ساطع يُبرِز من هو العدوّ الحقيقي ومن هو حليفهم الحقيقي

جورج غالاواي: آمين، هاتان مساهمتان حقيقيّتان وصادقتان. من يرغب في إضافة فكرة مُختلِفة أو شبيهة؟ تفضّلي يا سيّدتي

خنساء الصباح: إسمي (خنساء الصباح)، طالبة دكتوراه في العلوم الاقتصادية.  سؤالي لك هو، إلى أين في رأيك يتّجه الوضع في (العراق) والشرق الأوسط عموماً؟ وما هي توقّعاتك لمُستقبل تلك المنطقة؟

جورج غالاواي: أودّ أن أضع لكم تصوّراً متفائِلاً ولكنني بذلك أكون كاذباً. أعتقد أنّ الشرق الأوسط سيشهدُ صراعاً طويلاً ومريراً جداً، ولكن لديّ إيمان بأنّ الشعب سينتصر في النهاية. في رأيي أنّ الوضع العسكري في (سوريا) بدأ يتغيّر، وإذا وصل في النهاية إلى التغلّب في ساحة المعركة على التكفيريين الأصوليين آكلي القلوب وقاطعي الرؤوس المتوحّشين العدميين. إذا وصل الأمر إلى التغلّب عليهم في أرض المعركة فهذا سيقوّي محور المُقاومة الذي كان صديقنا يتحدّث عنه لتوّه، هذا سيقوّيه وسيشجّعه ليكون موقفه أقوى، ومُساهمة (روسيا) في إيقاع الهزيمة بهذا العدو سيجعل (روسيا) أكبر وأقوى وسيشجّع (روسيا) لاتّخاذ القرار بقولهم " بما أننا هنا يجب أن نتّخذ قراراً" مثلاً، مع أنّ هذه ليست وجهة نظر قناة "الميادين"، إنّها وجهة نظري ووجهة نظركم ولهذا السبب اسم البرنامج "كلمة حرّة"، ولكن وجهة نظري هي أنّه يجب أن تطلب الحكومة العراقيّة المُساعدة من (روسيا) لإلحاق الهزيمة بالمجموعات المُسلّحة نفسها التي تحتلّ مساحة كبيرة من (العراق). وفي رأيي، على الشعب الفلسطيني أن يطلب المُساعدة من (روسيا) لزيادة قوّته في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأنّ لا أحد آخر سيفعل. وتملك (روسيا) القوّات في المنطقة، وفي ظلّ هذه الظروف سوف تتمتّع بموقف دولي قويّ جداً. أُحبّذ أن تؤدّي (روسيا) دوراً مستمراً في المنطقة. أمضيت أفضل سنوات حياتي أشتُم (سايكس) و( بيكو) ولم يخطر لي يوماً أنّ شيئاً أسوأ من (سايكس) و(بيكو) يمكن أن يمرّ، ولم يخطُر لي يوماً أنني سأتمنّى يوماً ما لو نعود إلى (سايكس) و(بيكو). لمن لا يعرِف من بين الحاضرين عن هذه المُعاهدة، كانت هذه المُعاهدة الفرنسيّة الإنكليزية التي قسّمت العالم العربي إلى 23 دولة عربيّة. اليوم لدينا إمكانيّة تقسيمه إلى 500 إمارة عربيّة تتقاتل في ما بينها على أساس ديني وطائِفي ومذهبي. هذا ما يريده الغرب، كلّها تتقاتل في ما بينها وتحتاج جميعها إلى جيشٍ قوي وقوّة جويّة وكلّها تحتاج إلى أدوات وإلى ما يُمكن أن يبيعه تجّار السلاح. هذه نهاية مُحتملة، إنّها مُمكنة لأنّه وبحسب خبرتي، وهي خبرة طويلة، العرب والمسلمون لا يحتاجون إلى تشجيعٍ كبير كي ينقسموا. يُحبّ بعضنا لوم "الخواجة" ويلومون الأميركيين والبريطانيين والأتراك والإسرائيليين، ولكن الحقيقة في الأمّة الإسلاميّة أنّه ليس من الصعب زرع الانقسام بين الناس. إذاً، النتيجة المأساويّة ستكون إنشاء مئات الإمارات في العالم العربي وبالتالي يرجع العرب قروناً إلى الوراء. أمّا الحالة الفُضلى التي يُمكن أن تحدُث هي أنّ تؤدّي هذه الصراعات الكبيرة إلى حركة تهدف إلى الاتحاد، الوِحدة بين العرب والشعوب التي يصل عددها إلى 300 مليون نسمة والتي لديها لغة واحدة وربٌّ واحِد وتتمتّع بثقافة وتاريخ مشتركين وكلّ هذه الأراضي والنفط والغاز يُمكنها أن تُشكِّل قوّة عُظمى، يُمكنها أن تكون قوّة لا يُمكن أن يتجاهلها أحد في العالم، هذه هي النتيجة الفُضلى. سنرى في القسم التالي، هلّ يوافق الناس على ما أقوله أم لا؟ سنعود بعد قليل

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون "كلمة حرّة" من على قناة "الميادين"، معكم (جورج غالاواي). نحن نتحدّث إلى أُناس مُميّزين جداً هنا في هذه الأُمسية ولكننا أخذنا الكاميرات إلى شوارِع (لندن) لنستمِع إلى آراء الناس . شاهدوا هذا

المُحاورة: أنتِ تعلمين أنّ (بلير) قد اعتذر وقال أنّه ارتكب خطأً، ما رأيكِ في هذا الكلام؟

رأي شابة محجّبة 1: أظنّ أنّه كان عليه أن يُدرِك هذا من قبل لأنّه أزهق أرواحاً كثيرة وتسبب بحروبٍ عديدة هناك نتيجةَ لما فعله

رأي رجل 1: أعتقد أنّه اعتذارٌ متأخِّر جداً، وهو يُخفي اتّفاقه مع (بوش) وآخرين، لقد تأخّر جداً. وما يجب القيام به هو أكثر بكثير من مُجرّد اعتذار، إنّه مُنعدِم الجدوى

رأي شاب 1: لقد قام بما قام به ولا مجال للعودة عنه

المُحاورة: هلّ تعتقد أنّ (بلير) و(بوش) ومن أيّد الحرب على (العراق) يجب أن يتحمّلوا المسؤوليّة؟

 رأي رجل 2: نعم، كلّهم يتحمّلون المسؤولية ولقد أخطأوا جميعهم

رأي رجل 1:  لا، لا أعتقد أنّه مسؤولٌ مُباشرة عنها. تقع المسؤولّة على كلّ التحالُف وحقيقة أنّهم لم يفهموا تماماً تعقيدات الانقسامات في داخل (العراق). ذهبوا من دون فهمٍ تاريخيّ ومعرِفة للجغرافيا السياسيّة، كانت كارِثة بلا ريب، لذا يجب المُشاركة في تحمّل المسؤوليّة

المُحاورة: هلّ يجب أن يدخُل (بلير) السجن بسبب ارتكابه جرائِم حرب؟

رأي شابّة 1: نعم، يجب أن يدخل السجن، ولكن إذا نظرنا إلى غير (بلير) فهناك رؤساء كُثُر يجب أن يُزجّ بهم في السجون. (نتنياهو) على سبيل المثال

رأي امرأة مُحجّبة 1: نعم، في رأيي يجب أن يدخُل السجن لأنّ آلاف الأطفال والنساء اليافعات والرجال والمُسنين أيضاً كلّهم قُتلوا

جورج غالاواي: (آسيا عثمان) هي من ائتلاف "أوقفوا الحرب"، فلنستمِع إليها مُجدداً  

آسيا عثمان: أودّ فقط التعقيب على الموضوع الذي تطرّقت إليه قبل قليل بخصوص الحِراك ضدّ الحرب. أنا أُوافق ما قاله (جورج) في أنّه  وبعد اثنتي عشرة سنة خَفَتَ الصوت بسبب التعب لكن أودّ القول أننا شهدنا تحرّكات ولا يزال هناك نوعٌ من الوِحدة في العمل. كانت هناك مُعارضة للحرب على (ليبيا) وأيضاً في التدخّل في الشأن السوري، ومارسنا الضغط على النوّاب كما قامت حملات كثيرة أُخرى وقد تمكّن (جيرمي) من حشد الأصوات، ولأنّه نجح في تحقيق مركز في السُلطة، هذا أمرٌ جيِّد وعلينا أن ننتظر لنرى نتائِجه. في ما يتعلّق بالوضع في الشرق الأوسط، كنتُ تحاول أن تتوقّع ماذا سيحدُث في المنطقة، وكما قلت فإنّ تقسيم المنطقة إمارات متعددة كان ليُعدّ قبل خمسين أو خمس وعشرين سنة أمراً مُستغرباً أمّا الآن فأنّه مُرجّح أكثر من أيّ وقتٍ مضى. كلّما استمرّت الحرب استمرّت السياسات الخارجيّة، كما تعلم السياسة الخارجيّة هي التي أنشأت هذا الوضع وهذا يعني أننا سنشهد سنوات وسنوات من الإرهاب والقصف المُستمِرّ والدول التي تشعُر بالتهديد والتي كلّ منها تريد القضاء على الأُخرى. في الواقع، لقد ازدادت الطائِفيّة في الشرق الأوسط وهذا أمرٌ ليس وليد المُصادفة بلّ تمّت تغذيته بسبب سياسة الغزو وعن طريق السياسة الخارجيّة التي اعتمدتها (بريطانيا) و(أميركا)، وهذا شيء يُستخدَم لزرع الانقسام بين الناس وغزوهم تالياً، وليحصلوا على مزيدٍ من الموارِد وكسب الحُلفاء، وعندما لا يسترضيهم هؤلاء الحُلفاء يُصبحون فجأة إرهابيين. لطالما أدهشني كيف أصبح (صدام حسين) الحليف المُمتاز لـ (بريطانيا) ولـ (أميركا) ، وفجأةً أصبح العدو الأسوأ ، أسوأ رجل على قيد الحياة ويجب التخلّص منه ويجب إنقاذ الشعب العراقي من هذه الدكتاتوريّة، وقد تغاضى كثيرون من الناس عن هذا الأمر عموماً، تغاضوا عمّن أعطى الغرب الحقّ في تقرير طريقة حُكم كلّ دولة لنفسها ومن سيحكمها. كما يجب أن ننظُر إلى حالات القتل والحالة الإنسانيّة وأنّ هناك الآلاف والآلاف من الناس في المنفى، وهذا ليس الوضع فقط في دولةٍ واحدة بلّ لدينا (سوريا) و(ليبيا) و(اليمن) وسيستمرّون على هذا النهج كما قُلت إلى أن يُدرِك الناس أنّ (بريطانيا) و(أميركا) والدول الأُخرى ليست هي في الحقيقة حليفة لهم بلّ عدوّ، وقبل أن تُصبِح هناك وحدة تجمع بين الشعوب لمصلحة هذه الشعوب ودولها لن يتحقق الاستقرار في رأيي في دول هذه المنطقة، ويجب أن نفهم أنّ  يجب على الشعب العراقي والشعب السوري وسائِر شعوب الشرق الأوسط يجب عليهم أن يستعيدوا الديمقراطيّة ليحكموا بها، وبأنّ زمن العودة إلى زمن الإمبريالية والاستعمار لا تصبّ في مصالِحنا وهي العقلية التي يبدو أنّها ما زالت لدينا، فبهذه الحالة لنّ يعُمّ السلام.  لذا، فالفكرة المُستغربة لنا قبل سنوات وهي قيام مئات الإمارات التي تتقاتل في ما بينها أصبحت بصراحة في هذه الفترة غير مُستغربة حالياً

جورج غالاواي: لا، لم تعُد كذلك. والفيلسوف العظيم (بوب مارلي) قال يوماً "حرّر نفسك من العبودية الفِكرية فلا أحد يستطيع تحرير عقولنا سوى أنفسنا" وهذا شرط أساسي للناس في العالم العربي. إن كانت لديكم عقليّة استعماريّة، دعوني أصوغ هذه الجملة بشكلٍ آخر، إن لم تحترموا أنفسكم فلماذا على الآخرين أن يحترموكم؟ إن كنتم تريدون من الأجانب الدخول لإدارة بلادكم وقصفكم وغزوكم واحتلالكم ونقل السلطة من يد إلى أُخرى والسيطرة عليكم أو على مواردكم والاستفادة منها فلماذا يحترمكم أيّ أحد؟ سيضحكون خفيةً ويأتون لأخذ كلّ ما يُمكنهم. الفِكرة التي أثرتِها بخصوص إلصاق فكرة الشرّ هي فكرة رائِعة مع أنني لم أكن موجوداً فأنا لستُ مسنّاً كما أبدو، "المهدي" كان أوّل الشياطين في الصحافة البريطانيّة والطبقة السياسية في الفترة المُمتدّة بين القرنين التاسِع عشر والعشرين. رُسِمت صورة له أظهرته بـ "المهدي المجنون" الذي كان يُحاول أن يتوسّع في العالم الإسلامي وقد يتوجّه إلى (بول مول) والـ (بيكاديللي) وقد أضافوا أمثلة كثيرة في ذلك الوقت. وصف رئيس مجلس الوزراء البريطاني (أنتوني أيدن) الرئيس (عبد الناصر) بـ "كلب القاهرة المجنون". سأل رئيس مجلِس الوزراء البريطاني (أنتوني أيدن) : "من سيساعدني في تقييد كلب (القاهرة )؟". (ياسر عرفات) كان شيطاناً بعض الوقت ثمّ أصبح دمية ثمّ أصبح شيطاناً وعاد ليُصبِح دمية إلى أن أضعت عدد المرّات التي تغيّر فيها موقفهم تجاهه. كان هناك (صدام حسين) ثم الرئيس السوري (بشّار الأسد) والسيّد (حسن نصر الله) ولقد نسيتُ كثيرين بالتأكيد، ولكن من المُذهل أنّ الناس يصدّقون هذه الأمور. فجأةً يُصبِح أحدهم نموذج (هتلر) الجديد والسخرية الأغرب هي أنّهم أخبرونا طوال أكثر من سنتين وعلى نحوٍ يوميّ أنّ "داعِش" هو الخطر الأكبر على البشريّة إلى أن بدأت (روسيا) بقصفه والقضاء عليه فأصبحت (روسيا) عدوّاً أكثر تهديداً مما كان عليه "داعش" ، وتبيّن أنّه إذا كان الغرب يقصف "داعش" فإنّه كان يقصف الأماكن الخطأ. أنا أتساءل كيف يُمكن أن يحدُث هذا. فلنستمع إلى السيدة هنا

رنا قاسم: مرحباً، اسمي (رنا) وأنا ناشطة. سأبدأ الحديث عن "داعش". فـ (أميركا) والدول الغربيّة لم تقصف يوماً "داعش" بل كانت تزوّده بالسلاح وكانوا يرسمون له سياجاً ويقولون له يُمكنك القيام بما تريده في داخل هذه المساحة ولكن إيّاك أن تخرُج منها. وبخصوص الوقوف إلى جانب بعض الحكومات من دون أُخرى يُمكننا القول أنّهم يُمارسون سياسة ازدواجيّة المعايير في ما يتعلّق بالشرق الأوسط. ففي موضوع (البحرين)، تؤيِد المملكة العربيّة السعودية إجراء الإصلاحات ويقولون أنّه على الشعب والحكومة أن يتفاوضا فيما قادة المُعارضة وراء القضبان، وهم يستمرّون في الحثّ على وجوب الجلوس والتفاوض بينما الحكومة هناك تقتل شعبها. أمّا في (اليمن)، ولأنّ الحكومة اليمنية والحوثيين هم مؤيّدون لـ (إيران) وهم داعمون لوضع نهاية لدولة (إسرائيل) وهم إلى جانب الشعب الفلسطيني، وكذلك (سوريا) فهي الدولة العربيّة الوحيدة التي تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني سواء أكانوا يُقدّرون ذلك أم لا. فالكثيرون قد أصبحوا إرهابيين الآن وبعضهم ذهب إلى الحرب في (العراق) أو (سوريا) فيما كثير من الفلسطينيين يُحاربون إلى جانب (الأسد) . فالغرب وبخاصّة (أميركا) و(بريطانيا) يقولون، نحن نريد التخلّص من طاغية (سوريا)، وفي (العراق) نريد تدمير ما تبقّى، وفي (اليمن) نريد القضاء على الحوثيين ، أما في الدول الأُخرى فهم يدعمون من يُناصِر (إسرائيل) ويُريدون القضاء على من يُهدّد (إسرائيل). إنّهم يقسّمون العالم بهذه الطريقة فقط. (أميركا) و(بريطانيا) تقفان إلى جانب (إسرائيل) وهما حليفيها وهما ضدّ كلّ ما يُهدد (إسرائيل)

جورج غالاواي: هذه ليست ديمقراطيّة بل نفاق

رنا قاسم: نعم، هذا نفاق

جورج غالاواي: ألّفت السيدة (كلينتون) مجموعة منذ سنوات أسمتها "أصدقاء (سوريا) الديمقراطية"، ولكن الأعضاء القياديين والمُموّلين، وهم من الطغاة والدكتاتوريين، أسقطوا في ما بعد كلمة "يدمقراطيّة" لأنّهم أدركوا أنّ الكلِمة ستبدو مُبهمة لأنّه حتّى الكلاب في الشوارِع ستهزأ من فكرة أنّ المملكة العربيّة السعوديّة ستكون مثلاً صديقاً لـ ( سوريا) "الديمقراطيّة" في غياب أيّ شكلٍ من أشكال الديمقراطيّة في المملكة العربيّة السعوديّة. يكاد الوقتُ ينفذ، فلنستمِع إلى أيّ أحد لم يتحدّث بعد أو إلى شخص يشعُر بضرورة التحدّث مُجدداً. نعم يا سيّدي

حسن الكاتب: تحقيق (تشيلكوت). نحن ننتظره منذ سنوات. متى سيصدر؟ وأنا لا أشعُر بأنه سيحقق العدالة ويُعاقِب المتسببين بالحرب على (العراق)، أعتقد أنّه سيكون لتمويه الجرائِم وأنا لا أثق به، ومتى سنرى فعلاً أشخاصاً أمثال (توني بلير) وهم في قبضة العدالة؟ لأنني لا أؤمن بأنّ هذا التحقيق سيضمن هذا

جورج غالاواي: دعني أُخاطر أن أتلقّى البيض على وجهي. أنا لا أعتقد أنّه سيكون مموِهاً للجرائِم لأنني أعتقد أنّ الطبقة البريطانيّة الحاكمة قد قرّرت التضحية بـ (توني بلير). لقد قرّرت أنّه لم يعُد ذا فائِدة لها ولم يعُد موضع ثقةٍ عندها وأظنّ أنّ هذا هو أحد الأسباب التي جعلَت من عدم الاعتذار اعتذاراً، ليستشعِر باقتراب أسماك القرش إليه في المياه. قد أكون مخطئاً ولكن هذا هو رأيي بصراحة. لقد وصفت تحقيق (تشيلكوت) عندما كان قيد الإعداد منذ أيمتى؟  منذ ثماني سنوات؟ هلّ مرّت فعلاً ثماني سنوات؟

أحد الحضور: ستّ سنوات

جورج غالاواي: لا، بدأ في عهد (غُردن براون) عام 2008، إذاً إنّها سبع سنوات. منذ سبع سنوات وتكاد تُصبح ثماني سنوات، جرى الاستماع إلى آخر شاهد منذ خمس سنوات. إنّهم يُعالجون منذ خمس سنوات التقرير نفسه ، ولكنني وصفتهم عندما أعلَن (غُردن براون) عنهم أنّهم تظاهرة لامعة للطبقة الحاكمة حسب الأعضاء في الفريق وشروط التحقيق وأحكامه المرجعيّة وحقيقة أنّه ليس من صلاحياته إصدار الأوامر في الأوراق وتجاه الناس، وحقيقة أنّه لن يستمِع إلى الناس أمثالي مع أنني عرفت (العراق) وزرته أكثر من أيّ سياسي بريطاني آخر. كنتُ الشخص الوحيد الذي التقى (صدام حسين)، وأنا الشخص الوحيد الذي يُمكنه أن يُقدِّم لهم أية معلومات لأنّ السفارة كانت قد أغلَقت أبوابها منذ زمنٍ طويل، يُمكنني أن أُقدِم لهم كلّ ما يريدونه ولكنّهم لم يرغبوا في الحديث إليّ ، لذلك كانت توقّعاتي ضعيفة في خلال هذه السنوات بالتأكيد ولكنني أعرِف أنّ هذه كارِثة كبيرة. لقد قال (شكسبير) "الخيانة لا تُزدهِر أبداً وإذا ازدهرت لن تجرأوا على تسميتها خيانة". لو كانت هذه الشراكة ناجحة لأصبحنا في خارِج هذا الميدان ولكن لأنّها كانت فشلاً كارثياً أظنّ أنّ النخبة البريطانيّة تعلم أنّها في حال عدم التضحية بـ (توني بلير) أمام الناس والعالم فستفقِد ثقة العالم بها أكثر مما فقدته حتّى الآن . يقولون أنّهم سينشرون التقرير في يونيو-حزيران أو يوليو- تموز 2016 ولكن لا تحبسوا أنفاسكم. كان معكم (جورج غالاواي) في "كلِمة حرّة" من على قناة "الميادين" إضافةً إلى نُخبة مُذهِلة من (لندن)