بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا

زاهي وهبي: مساءُ الخير. لولا " شبوبيته" لقلنا أنه ينتمي إلى زمنٍ آخر، يوم كان التمثيل فناً وثقافةً ومعرِفةً قبل أن يكون مهنةً وشُهرةً ونجوميةً وألقاباً تُوزّع على من يستحق ومن لا يستحقّ. ممثلٌ موهوبٌ، والأهم، مثقفٌ مُدرِكٌ لما يريد من عمله في ميدانٍ يُغوي ويُغري بالكثير من المنزلقات ويودي بأصحابه إلى التهلكة أو إلى نوعٍ من الانفصال عن الواقع وعدم التصالُح مع الذات. كتبَ القصّةَ والقصيدةَ واختبر الغُربة والبُعدَ عن الأهلِ والخلاّن. لكنّه ظلّ حاضراً في المشهد الإبداعيّ اللبناني، لا بالمُجاملة والمُسايرةِ والعلاقات العامة بلّ بالموهبة العالية والثقافة العميقة والالتزام المهنيّ الذي يحترم وعي الناس وعقولهم. "بيتُ القصيد" بيتُ المبدعين العرب الباحثُ دوماً عن المتميّزين فكراً وموهبةً يُسعَدُ باستضافة الممثل القدير الأُستاذ "بديع أبو شقرا" أهلاً وسهلاً بك شرّفت "بيت القصيد"

بديع أبو شقرا: أهلاً بك

زاهي وهبي: 13 سنة من الغُربة، سنتان في أميركا و11 سنة في "كندا" أو بالأحرى بين "كندا" و"لبنان" لأنّك تأتي عندما يكون عند حضرتك تصوير أو مسرح أو تصوير مُسلسلات وأفلام. ألم تتعب من الغربة؟

بديع أبو شقرا: تعبت، تعبت بسبب وجود عائلة. لكن في رأيي مفهوم الغربة اختلف في هذه الأيام. لم يعد هناك ذاك المُغترِب البرازيلي أو المقيم في "الأرجنتين" الذي يأتي معتمراً "الطربوش" ويحمل العصا، الاغتراب صار اغتراباً فكرياً. أنا لم أستطع أن أغترِب فكرياً لأنّ التواصُل، المرض الذي اسمه "بيروت" و"لبنان" بقي موجوداً، وأنا خِفتُ من أن أشفى من هذا المرض لأنني إذا شفيتُ من هذا المرض أنسى، وحينها تحدث عندي هجرة فكرية، وهذه أنا لستُ جاهزاً لها أبداً

زاهي وهبي: حلو كثيراً الذي تقوله أُستاذ "بديع"، لكن دعنا في البداية نسمعك ونُشاهدك في ربورتاج بعنوان "علامة فارِقة" ثمّ نبدأ بطرح الأسئِلة

علامة فارِقة:

— توجد أُغنية أحبها كثيراً هي لـ "الشبّ خالد"، قديمة اسمها "بختا"، لا أحد يعرِفها لأنهم يعرفون أغاني "الشب خالد" الجديدة، لكن هذه الأُغنية مُميّزة جداً وتجعلني أحلم كثيراً

— إذا أردت أن أقول أُحبّكِ لإحداهنّ أقول أحبّكِ للمرأة، للمرأة ككيان كلّها

— أنا "بديع أبو شقرا"، عنواني فقط ممثل

— طبعاً أحب أن أكون في هذا العُمر، هو أكثر عُمر أستمتع فيه على فكرة. أتعلمين ما هو الحلو؟ ليتني يمكنني أن أعيش في عُمر الـ 20 أو الـ 22 لكنني أنا الآن في عُمري، لكان ذاك العمر ألذّ

— لا، أكيد لا. لا أُفضِّل أن أبقى طفلاً أبداً، أُفضّل أن أكون في عمري الحالي مثلما أنا

— في كلّ الأشياء التي أقوم بها أشعر

أنه من اللازم أن تلفت لي أولاً انتباهي أنا، أشعُر أنه يُمكنني أن أحلم بها. عندما أبدأ في أن أُفكِر في أنني أُريد أن ألفُت انتباه إحداهنّ، تفشل المحاولة

— لا يوجد أحد أُحبّ أن أتمثل فيه. كلّ شخص يكون لي مثالاً في موقفٍ معيّن، في لحظة مُعينة، في شكلٍ مُعيّن، العملية ليست Package، لا تأتي كلّها في قالبٍ واحِد

— أكثر سؤال جعلني أتطوّر في مهنتي أو وضعني على الطريق الصحيح هو الذي سألني عنه شاب صديقي عندما كنّا نُمثِّل في بروفا، قال لي، ماذا تريد أن تقول؟ قلت له، أريد أن أقول النصّ. قال لي، لا لا، أنت في الحياة ماذا تريد أن تقول؟

— في رأيي، الممثل قبل أن يكون تقنية، قبل أن يكون درساً، هو وجهة نظر. ما عندك لتقول؟ كيف ترى الأشياء، من أية وجهة نظر؟ كيف تجعل الناس يُشاهدون وجهة نظرك أنت؟

— مشكلتي مع الدراما في "لبنان" كانت ولا تزال، هي أننا في رأيي في مُجتمع من اللازم أن نكون فيه واقعيين وحقيقيين أكثر، ولكن هذه الغُربة بين المُجتمع والدراما صارت كبيرة جداً والناس يُسرّون واعتادوا على هذه الغربة وصارت في رأيهم هذه هي الحقيقة

— عندما أُشاهِد نفسي في عمل لا أدري ماذا أقول، أُحاول أن أبحث، أُحاول أن أستمتع بالعمل قدر إمكاني إن استطعت. أشعر بنوع مما أُسميه أنا Healthy schizophrenia أو الانفصام الصحّي وهذا يُتعِب

— الآن في الوقت الحاضر، مشكلتي مع "لبنان" هي الشعب الذي لا يعلم أنّ هذا الوطن ملكه وهو صاحب القرار الأساسي فيه، ولا يتحرّك. في الوقت الحاضر لستُ راضياً عن التوجّهات الفكرية وتفسير الأيديولوجيات وتفسير الأديان وتطبيق كلّ هذه الأشياء، لستُ راضياً عنها لأنّها تأخذ الناس إلى أماكن يجب ألاّ نكون فيها. الحياة فرح لا أحد يأخذ معه شيئاً

— أكثر نقد آلمني هو منّي أنا، عندما أخرُج صباحاً أو أعود من العمل أشعر بنفسي أنني لستُ ممثلاً شاطراً، هذا أكثر النقد الذي يؤلمني من نفسي

— الخطوط الحمراء تُشبه السجن. بالنسبة لي كلّ خطّ أحمر هو سجن. لا يوجد خطّ أحمر، الخطوط الحمراء نحن نخلقها

— سأخبركم بعض التفاصيل القليلة عنّي، لكن التفاصيل هي تفاصيل. إن شاء ألله أتمكّن أن أُخبِركم أكثر عن نفسي. في بعض الأحيان أنا لا أعرف كيف أُخبِر عن نفسي لأنني أتغيّر، وجهة نظري تتغيّر دائماً. لا يمكنني أن أقف عند أشياء وإن شاء الله، بما سنتحدّث عنه الآن تستطيعون أن تعرِفوا عنّي القليل اليوم وليس غداً، غداً قد يكون هناك قليل آخر

زاهي وهبي: مفاتيح كثيرة للحوار وللأسئِلة. هذه الأشياء التي تفضّلت بها تُولِّد الكثير من الأسئلة، لكن أُريد أن أبدأ من الأخير. فِعل تغيير وجهة النظر أو النظرة إلى الأمور في بلادنا يعتبر أحياناً جريمة

بديع أبو شقرا: خيانة  

زاهي وهبي: أو خيانة، أنّك غيّرت رأيك. كيف تتعامل مع هذه المسألة؟

بديع أبو شقرا: تغيير وجهة النظر وقُدرة الرؤيا من وجهة نظر مُختلِفة هي التطوّر العلمي الحقيقي للفكر. نحن عندنا، لأننا مرتبطون دائِماً بتاريخ، مرتبطون بتقاليد، مرتبطون بثقافات مُنزلة، هذه الأشياء تجعل أي تغيير من وجهة نظرك وكأنه طعنً في الظهر لتاريخك وللناس الذين يدعمونك

زاهي وهبي: هذه المقدرة "بديع" على أن تكون مُنطلقاً ولست ضمن هذه الخطوط الحمراء التي تحدّثت عنها، من أين نتجت؟ هذا الوعي وهذه الثقافة وهذه الشخصية التي تمثلها حضرتك ما هي مكوّناتها؟

بديع أبو شقرا: هذه قرار. الإنسان يأخذ قراراً عندما يحسّ أنه شخصٌ تقليدي ومُربّط، يأخذ قراراً ويفصل ما بين الطقوس والفِكر. لا يتخلّى عن الطقوس لأنها حضارته وتاريخه وشكله ولونه ولهجته. هذه الطقوس لا يتخلّى عنها أبداً، ولكن يوجد فصل كبير بين الطقوس وبين الحياة العملية اليومية الحضارية، لكن هذا قرار يأخذه الإنسان في أنه يريد أن يكسر المفاهيم ويحاول أن يبحث عن عناوين جديدة لمفاهيمه، ولا توجد عندي مُشكلة إذا هذه المفاهيم اختلفت بين يوم وآخر وفي اليوم التالي كانت مُختلفة لأنّها جزء من التطوّر

زاهي وهبي: وسبحان الذي يُغيِّر ولا يتغيّر كما نقول بمعنى أنّ الإنسان له الحقّ في أن يتطوّر وينضج ويتغيّر وتتغير وجهة نظره في قضايا حياتية. تربيّنا أُستاذ "بديع" على التغنّي بالغربة وبأنّ "لبنان" ذو جناحين، جناح في الوطن وجناح في المهجر وأغانٍ، وأنت تعلم أكثر منّي. إلى هذا القدر الغُربة فاتنة في مكانٍ من الأماكِن؟

بديع أبو شقرا: لا أبداً. الغربة مرض

زاهي وهبي: حتّى في الزمن الحالي الذي تحدّثت عنه قبل قليل؟ بمعنى أنّ التواصل صار سهلاً جداً

بديع أبو شقرا: علينا أن نفصل بين الغربة في سبيل شيء، خاصّةً في سبيل علم، في سبيل تطوّر، في سبيل معرِفة، أو الغربة في سبيل حاجة أي Refugee أو لاجئ، أي أنا أهرب من مكان إلى آخر

زاهي وهبي: بمعنى لاجئ

بديع أبو شقرا: اللجوء في حدّ ذاته يجعلك تعيش في ثلاّجة، يجعل الإنسان يعيش في ثلاّجة

زاهي وهبي: واليوم نحن نرى هذه الموجات من اللاجئين والنازحين

بديع أبو شقرا: صحيح، من أجل هذا تجد أناساً قدرتهم على التأقلم ليست سهلة، ليست سهلة أبداً خاصّةً في عمرٍ كبير، القدرة على التأقلم مع كلّ شيء، مع الطقس، مع المناخ، مع الأكل، مع التعاطي مع الناس، تجعلك تعيش في ثلاّجة وتجعل أُناساً أنا تعرّفت عليهم ويعيشون في الخارِج منذ وقتٍ طويل لا يزالون يعيشون في عام 1975

زاهي وهبي: صحيح، وأحياناً كثيرة نجد أناساً في الاغتراب يعودون بعد 40 أو 50 سنة ولا يزالون يتحدّثون لهجة الضيعة كما كانت منذ 40 أو 50 سنة عندما هاجروا  

بديع أبو شقرا: وتشعر في المسرحيات ونحن نتحدّث عن المسرحيات الكندية، He’s hanging in the middle، معلّق في النصف. لم يعُد يستطيع أن يعيش هنا ولا يُمكنه أن يعيش هناك. هناك شخص أعرِفه، كبير قليلاً في العُمر أستيقظ باكراً عنده، وحين يستيقظ يقول لي" الدنيا تُمطِر اليوم"، أنظر إلى الخارج وأقول له " الطقس مشمس كيف تُمطِر؟"، فيقول لي، لا، في "لبنان"، في "لبنان". صار له ثلاثين سنة في الخارِج وحين يستيقظ ويرى حال الطقس يقول "إنها تُمطر في "لبنان"، أليس هذا إنسانٌ مُعذّب بالمعنى الحقيقي للكلمة؟

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً. لأنّه مشدود إلى هنا وليس قادراً

بديع أبو شقرا: ليس بمقدوره العيش هنا

زاهي وهبي: لا يجد نفسه هنا ولا يجد نفسه هناك

بديع أبو شقرا: بالضبط

زاهي وهبي: دائِماً في تعاطينا مع المُغترِب اللبناني تلفت نظرنا النجاحات، بمعنى فلان وصل وصار رئيس جمهورية مثلما الآن في "البرازيل"، فلان صار عنده موقع مُهمّ وننسى أثر الغربة على الشرائِح الأوسع من البشر

بديع أبو شقرا: صحيح، لأننا نحن على طول يلفت لنا نظرنا النجاح الفردي، ولكن أنا أعتقد في مقال قرأته مرّة يتحدّث عن نسبة نجاحات اللبنانيين بالنسبة إلى عدد السكان وبأنها ليست إلى هذه الدرجة عظيمة نسبةً لبلدان أُخرى. بلدان أُخرى أيضاً عندها نجاحات كبيرة جداً نسبةً إلى عدد سكّانها الأكبر من "لبنان" ولكن فكرة التغنّي، التغنّي بالأشياء صارت تُضايقني

زاهي وهبي: لماذا؟

بديع أبو شقرا: لأنّ بيتنا ليس نظيفاً، فعلى ماذا سنتغنّى؟

زاهي وهبي: دائِماً نقول بأنّ اللبناني ناجح كفرد في الخارِج، أو ناجح في الخارِج وناجحين كأفراد لكن كشعب لسنا قادرين على النجاح

بديع أبو شقرا: لا شكّ أنّ اللبناني إنسان حيوي جداً، حيوي وهذا واضح أيضاً

زاهي وهبي: وظروفه ربما أيضاً وضعته في مواجهة العالم كلّه

بديع أبو شقرا: حتّى إنه إنسان حيوي بطريقته وبتصميمه وديكوره ولكن المُشكلة ليست هنا، المُشكلة أننا لا نتمكّن من أن نؤسّس لمقوّمات وطن. عندنا مُشكلة في مقوّمات الوطن الذي يعيش بتعايش. فكرة التعايش أنا ضدّها كلياً لأنني أعتبرها فكرة خاطئة، خاصةً حينما يصير التعايش بين الأديان ينعكِس على التعايش بين الشعب. التعايش بين الأديان هو كذبة، لا يوجد تعايش بين الأديان لأنّ كلّ دين بالنسبة إلى الدين الآخر هو كافر

زاهي وهبي: نعم، كلّ دين يمتلك الحقيقة من وجهة نظره

بديع أبو شقرا: بالضبط. إذاً أنا في رأيي، لا يوجد تعايش بل يوجد قانون، قانون علمي علماني منظّم يفرِض حياة إجتماعية مثل الـ Traffic Light، مثل إشارة التوقّف، أخضر وأحمر، هذا هو القانون وهو ينظِم لكيلا يتداخل الناس في بعضهم البعض، حينها يكون قد أصبح عندنا مقوّمات وطن

زاهي وهبي: ربما هذا هو الفرق بيننا وبين بلاد أُخرى، أنّ القانون مُطبّق في تلك البلاد بينما عندنا القانون حبر على ورق

بديع أبو شقرا: نسبي، Relative، على طول القانون عندنا يرتبط بعرف، يرتبط بدين، يرتبط بسياسة

زاهي وهبي: على مَن؟ على هذا الشخص أو ذاك

بديع أبو شقرا: بالضبط

زاهي وهبي: على هذا الذي ينتمي أو لا ينتمي إلى حزب أو إلى طائِفة إلى آخره

بديع أبو شقرا: نحن على إشارة المرور إذا أردنا أن نعكسها على قانون بلد ككلّ عندنا أُناس يقفون على الأحمر وأُناس يقفون على الأخضر، فإذاً نحن نتصادم مع بعضنا

زاهي وهبي: للأسف. شاركت في الحِراك المدني اللبناني أُستاذ "بديع" وكأنك ما زلت لم تيأس من حلم التغيير ومن إمكانية أن يحصل تغيير في "لبنان"

بديع أبو شقرا: أبداً، لأنني لا أعتب على بلدٍ ليس حيوياً وشعبه ليس مثقفاً وشعبه ليس دارساً ومسافراً وله تاريخ، أعتب عليه لأنّه لا يُمكنه أن يقوم بتغيير، لكن لا أعتب على شعب ظروفه لم تجعله منفتحاً إلى هذا القدر ومتحضّراً في ظروف الحياة والظروف السياسية، لكن طبعاً أعتب على "لبنان" لأنّ عندنا في "لبنان" حال انفصام كلّي وواضح، تُشاهِد لبنان في مكانٍ مُعيّن وكأنه "نيويورك" وفي مكان آخر وكأنه في أسوأ الأمكنة معيشياً في العالم وكلاهما في تفس البلد ومختلطان بشكلٍ لا يمكنني من أن أفهمه. من أجل هذا شاركت بالحِراك كحركة تغيير بغضّ النظر إن كنت مقتنعاً بطروحاتهم أم لا، لكن لأنني لم أكن أستطيع أن أمكث في بيتي

زاهي وهبي: كمواطن، نزلت كمواطن لبناني إلى الشارِع، لكن في شِعرك، في القصائِد ونصوص الكُتب التي أصدرتها حضرتك وسنتحدّث لاحقاً عن الشِعر بحدّ ذاته، نُشاهد نوعاً من خيبة أمل من القضايا الكُبرى، من الإيديولوجيا، من هذه المسائِل. ألا يتناقض هذا مع هذا الإيمان بالمواطن وبالإنسان؟

بديع أبو شقرا: لا، لأنّ في رأيي أنا الإيديولوجيا مثل كلّ الكُتب الأُخرى العظيمة عبر التاريخ، هي مراجع في المكتبة، ولكن الذي نتج منها أحزاب، من اللازم أن يكون قد صار هناك انفصال بين كلّ الأيديولوجيات، العقائِد، والحزب العلماني العلمي الحضاري الذي يُمكن أن يُنفِّذ المشاريع في البلد أو يطرح طروحات مشاريع اجتماعية سياسية فكرية. صار عندي نفور من فكرة ارتباط الأحزاب والشعوب بالأيديولوجيات وتوابعها لأنّها أصبحت تكوِن حالاً مثل

زاهي وهبي: مثل دينٍ جديد

بديع أبو شقرا: صحيح، صارت مثل دين، وهذه المسألة لا تنجح. أنا مع الوطن العلماني كلياً لأنّه حتّى للإنسان المتديِّن جداً الوطن العلماني يخدمه أكثر

زاهي وهبي: أُستاذ "وديع أبو شقرا"، حضرتك ابن أُسرة مُناضلة يسارية ماركسية. اليوم فهمك لليسار كيف؟ ما هو اليسار في نظرك في عالم اليوم؟

بديع أبو شقرا: أنا في رأيي، اليسار في عالم اليوم صار حالاً ليبرالية علمانية فيها حيِّز كبير من الحياة

زاهي وهبي: هناك البعض ممن تنقّزهم كلمة اليسار بحدّ ذاتها ومصطلح الليبرالية، خصوصاً الماركسيين والثوريين

بديع أبو شقرا: مثلما قلت لك، الماركسية وغيرها صارت بالنسبة لي مراجع وأنا في رأيي أنّ بعض المرّات كما قال لي أحد الرجال الذي كان شيوعياً من زمان، قال لي، "بالنسبة لي "كندا" دولة شيوعية أكثر من الاتحاد السوفياتي

زاهي وهبي: لأنّ عندهم خدمات اجتماعية

بديع أبو شقرا: لأنّ في النهاية تطبيق الإيديولوجيا مسألة خطيرة

زاهي وهبي: تابعت أخبار المؤتمر الأخير لـ "الحزب الشيوعي اللبناني" وفوز الأُستاذ "حنّا الغريب" بالأمانة العامة؟

بديع أبو شقرا: صحيح

زاهي وهبي: كيف تلقيت هذا التغيير؟

بديع أبو شقرا: بالدرجة الأولى وبغضّ النظر إذا التغيير بالنسبة لي إيجابي أو سلبي، ولكن هناك تغيير. هذه هي المسألة الوحيدة التي صار فيها انتخابات طبيعية في البلد

زاهي وهبي: منذ فترة

بديع أبو شقرا: في كلّ شيء. هذا هو المكان الوحيد الذي حدثت فيه انتخابات وتغيّر الاتجاه إلى اتجاه آخر، شيء حلو

زاهي وهبي: نعم. أتعتقد أنّ اليسار اليوم ممكن أن يلعب دوراً أعمق وأوسع وأكثر فعالية في زمن ٍ فيه تناحر طائفي ديني مذهبي، توجد فتن تُرمى وتُبثّ وأنت ترى كيف أن بلادنا غارِقة في دمّ أهلِها

بديع أبو شقرا: صحيح. أعتقد أن في اليسار صارت هناك حال من التجانُس بين اليسار واليمين الحضاري، اليمين الجديد واليسار الجديد، صار من اللازم أن يكون هناك نوع من مفاهيم جديدة لأنّه من وجهة نظري صارت كلّ حال قومية دينية إيديولوجية وحتى جنسية أنا بالنسبة لي هي حال قمعية وعنفيّه في العالم

زاهي وهبي: جنسية بمعنى

 بديع أبو شقرا: بمعنى أنني أنا لبناني وأنت سعودي   

زاهي وهبي: ولكن هذه تزداد، في بلادنا ازدادت وربما في أوروبا أيضاً تعود إلى التصاعُد، وفي أميركا نرى تيّار "دونالد ترامب" وهذه التيّارات

بديع أبو شقرا: طبعاً تتصاعد. هي تخلق، كلّما خُلقت تيّارات متشدّدة تخلق في وجهها تيّارات متشدّدة أُخرى لتحافظ على بيتك، وفي رأيك تكون هكذا تُحافِظ عليه. ولكن أنا في رأيي كلّ هذه حالات عنصرية عنفيه صارت بالنسبة لي، حتّى أنا القومية العربية بمفهومي لم تعُد القومية العربية التي نتغنّى نحن فيها، صار في رأيي لها مفهوم آخر من اللازم أن يُجاري الحضارة ويُجاري شكل الشعوب وتوزيعها والأنثروبولوجيا خاصتها وكيف صارت، وصار من اللازم أن نُجاريها

زاهي وهبي: صحيح، تقول أُستاذ "بديع" في أحد نصوصك الشعرية، الحقيقة تراكُم لحظات. هلّ من الممكن أن نصل في يوم من الأيام إلى هذه الحقيقة في تراكُم لحظات حياتنا وتجاربنا واختباراتنا؟

بديع أبو شقرا: ليس من الضروري أن نصل إلى الحقيقة لأنّها لن تُغيِّر من شيء. نحن نسعى إلى الحقيقة المرحلية، من أجل هذا هي تراكُم. اليوم وجدت حقيقة وغداً أوجِد حقيقة جديدة أو أوجِد حقيقة أُخرى، ولكن الحقيقة المُطلقة لا تهمّني أبداً إذا وصلتَ إليها أم لا ولا تعني لي، وفي رأيي لن تقوم بأيّ تغيير على الصعيد الإنساني. وأنا هدفي التغيير وأن تصير العلاقات الإنسانية فيها سلام أكثر

زاهي وهبي: الذي تفضّلت به أُستاذ "بديع" يردّنا إلى الذي بدأنا فيه حول مسألة النُضج والتغيير في الحياة وتغيُّر وجهات نظر الإنسان. على كلّ حال سنعاود الحديث عن تجربتك في الدراما وفي المسرح وفي السينما ولكن قبلاً دعنا نُشاهِد مشهداً من فيلم "كارلوس" الذي حضرتك شاركت فيه، ونتوقف من بعده مع موجز إخباري سريع ثم نُتابع "بيت القصيد "

{يُعرض مشهد من فيلم "كارلوس" من إخراج "أوليفييه أساياس"}

المحور الثاني:  

{تُعرَض مشاهد من مسرحية "فينوس" من إخراج "جاك مارون"}               

زاهي وهبي: مشهد من مسرحية "فينوس" لــ "جاك مارون" مع "ريتا حايك"، سبق وتحدثنا مع "ريتا" عن هذه المسرحية الجميلة العميقة والصعبة في الوقت نفسه، والتي هي مُقتبسة عن عمل أميركي أعتقد

بديع أبو شقرا: لـ "ديفيد آيفس"

زاهي وهبي: ما الذي جعلَك تأتي من "كندا" إلى "لبنان" لتُشارِك في هذا العمل؟

بديع أبو شقرا: أكثر ما شدّني في هذا العمل قبل النصّ هو فكرة المازوشية التي خلقت عند "ليوبول فانسا شير مازوخو"، وكانت التسمية نسبةً لاسمه. الفكرة التي أعجبتني فيها هي كيف أنّ المُجتمع الرأسمالي، المُجتمع الذي يعتمد فقط على الأموال والصرعة، كيف يأخذ فكرة الحبّ المُطلَق الذي هو جداً نقي ويحوّله إلى سلعة من جلد وجنازير ويصبح موضة مثلما يحوّل المجتمع الرأسمالي في كلّ الأشياء، يأخذ فكرة إنسانية حقيقية ويحوّلها إلى سلعة ويعود ليبيعها لنا

زاهي وهبي: مثلما حوّل صورة "غيفارا" مثلاً

بديع أبو شقرا: بالضبط. هذه الأشياء

زاهي وهبي: أيقونة الثورة في العالم والثائرين تحوّلت إلى ماركة تجارية

بديع أبو شقرا: ويعاود بيعها لنا ونحن نشتريها، وتُصبِح على الرفوف في كلّ الأماكن. هذه المسرحية تتحدّث عن الحبّ المُطلق، الحبّ اللانهائي، The Unlimited Love الذي هو في الحقيقة أكبر حبّ حقيقي، الحبّ الذي لا حرج فيه ولا طبقية بين الرجل والمرأة، حتّى لو كُتب في سنة 1879   

زاهي وهبي: نعم. دعنا نستمع إلى ما يقوله "جاك مارون" عن حضرة جنابك ونتوسّع أكثر قليلاً

 

 

كلام يوصل:

جاك مارون – مخرِج مسرحي: "بديع" الممثل و"بديع" الإنسان هما نفسهما بالنسبة لي لأنّه إنسان هنيء، بديع" ممثل هنيء لأنّه إنسانٌ أصليّ، جذور "بديع" عميقة في الأرض وكبيرة ومتمسكة جداً بالبلد وبنفوسه وقريته وأصله، "ربيع" إنسان أصلي. القصة بدأت بتحية ومرحباً معي أنا "جاك، وقال لي أنا "بديع" وبدأنا العمل سوياً منذ سنتين ولم نتوقّف. مسرحية "فينوس" كانت رحلة عظيمة وما زالت مُستمرة. ما عادت العلاقة، إن أردتِ، علاقة عمل بين ممثل ومُخرِج ومنتج. صرنا جدياً عائِلة سواء مع "بديع" و"ريتا" أو مع فريق العمل، لكن بالتحديد أنا و "ريتا" و"وديع" أصبحت الأشياء بيننا تُفهم من دون أن تُقال. "بديع" عنده قوة تركيز وحضور على المسرح مميّز جداً. عنده صوت وطاقة تمسككِ، إذا أردتِ، وتجعلك تدخلين فيه كلياً وفي الوقت نفسه هو رجل حسّاس كثيراً، وهذا الـ Mix يميزه عن غيره وهذا شيء حلو جداً جدياً. عندما يُركّز الجميع عليه سواء أكان يقول شيئاً أو لا يقول شيئاً، إن كان صامتاً أو كان يتحرّك، وهذه الأشياء، إذا أردتِ، حينما تُشاهدين "بديع"، عندما تنظرين إليه أكان أمام الكاميرا او على المسرح، تقولين بأنه يؤدّي المهنة بشكلٍ صحيح. "بديع"، أو كما يقولون الآن "بديع"، أنا أجد أنه حتّى الآن حقّقت نجاحات كثيرة وحلوة، في رأيك هلّ أنت اكتفيت؟ أم إلى أين ترغب أن تصل؟

زاهي وهبي: إذاً، شكراً للأستاذ "جاك مارون"، تفضّل "بديع أبو شقرا" الجواب عند حضرتك

بديع أبو شقرا: بالتأكيد لم أكتفِ، لم أكتفِ، ما زلت في البداية، ما زلت أبدأ، في كلّ يوم أبدأ

زاهي وهبي: ما مردّ هذا السؤال في رأيك؟

بديع أبو شقرا: مردّ هذا السؤال لأنني طرحت عليه مشروعاً منذ حوالى الأسبوعين وكان يقول لي، think you’re not ready for that I بمعنى ربما لست جاهزاً بعد إلى هذا القدر من هذه الشغلة، فقلت له، "دعنا نجرِّب، وإذا نجح المشروع سيكون خطيراً جداً"، والعمل هو مسرحية

زاهي وهبي: مسرحية "فرضاً أنّه"؟

بديع أبو شقرا: لا، ليست "فرضاً أنّه" بل مسرحية تليها. مسرحية "فرضاً أنّه" بدأنا نتمرّن عليها ونعمل عليها وهي مسرحية

زاهي وهبي: أيضاً أنت و"ريتا"؟

بديع أبو شقرا: أنا و "غبريال يميّن"

زاهي وهبي: "غبريال يميّن" الممثل اللبناني المعروف

بديع أبو شقرا: صحيح. ممثلون على المسرح، والمسرحية أيضاً غريبة جداً وأعتقد أنها ستقوم بنقلة في بعض الأشياء، لكن المشروع الذي فاتحته به هو مشروعٌ خطِر، لكن أنا على بالي

زاهي وهبي: مسرح أيضاً؟

بديع أبو شقرا: مسرح نعم

زاهي وهبي: واضح أنّ المسرح هو شغفك الأول أو شغفك الأبرز إذا جاز التعبير

بديع أبو شقرا: طبعاً، لأنّ المسرح هو الوحيد الذي يجعلك تصل إلى نفسك أكثر من أيّ فنٍّ آخر، يجعلك تستطيع أن تصل إلى الداخل، كما كتبت في كتاب " واعتزلت الحياة في الرابعة"، وكأنّه يصبح معك مثل بنطلون الجينز بحيث تستطيع أن تقلبه من الداخل إلى الخارج حتّى ترى ما في داخله أكثر

زاهي وهبي: لم يتّسع المجال لنتحدّث عن كلّ عمل بمفرده، لكن في ما يتعلّق بمسرحية "فينوس"، هناك جدلٌ أثاره الأفيش الإعلاني عن هذه المسرحية. في رأيك، هذا الجدل يدلّ على محتوى أو له علاقة بمحتوى العمل؟

بديع أبو شقرا: طبعاً. هو جزء من العمل

زاهي وهبي: من أية ناحية؟

بديع أبو شقرا: من ناحية الشكل، من ناحية اللبس، من ناحية الإيحاء، ولكن للأسف، الإيحاء فوراً يتحوّل إلى

زاهي وهبي: إيحاء جنسي؟

بديع أبو شقرا: لا، حتّى ولو كان إيحاءً جنسياً ربما يتحوّل إلى إيحاءٍ رخيص فوراً. الإيحاء الجنسي ليس رخيصاً أبداً ولكنك تُرخّصه عندما تقول كما قالوا في مشهدٍ مشين أو من هذا القبيل، فوراً نربط بين الجنس والرخص بينما بالنسبة لي الجنس هو من أرقى الأشياء في العالم وأكثرها شفافية ورُقيّاً وحقيقة

زاهي وهبي: ويكفي أنّه سبب هذه الحياة بشكلٍ أو بآخر

بديع أبو شقرا: طبعاً

زاهي وهبي: في نفس الوقت أُستاذ "بديع"، في فترة قريبة "فينوس" و "بنت الجبل" التي هي إعادة لمسرحية الأُستاذ "روميو لحّود" مع "ألين لحّود" ورحم الله "سلوى القطريب" التي قدّمت العرض الأساسي من هذه المسرحية. عملان لا يُشبهان بعضهما البعض، ما الذي أخذك من هنا إلى هناك؟

بديع أبو شقرا: أنا ممثل. والممثل أنا أُشبّهه بالمعجونة. الممثل هو معجونة

زاهي وهبي: تعرِف أحياناً مردّ السؤال ما هو؟ تجد أحياناً ممثلين يعيشون عمرهم وحياتهم المهنيّة كلّها في شخصية واحدة أو ـشخصيات متشابهة. ليس كلّ ممثل عنده القدرة لأن يُقدِم عملاً بلدياً قليلاً وفولكلورياً غنائياً، إذا أردنا القول، وعمل إلى هذا القدر نفسياً. إذا أردت أن أتحدّث عن "فينوس"، مسرحية فيها بُعد فلسفي ونفسي وإلى آخره

بديع أبو شقرا: هي أيضاً، لنعود إلى فكرة أنّ الممثّل وجهة نظر. الممثّل أينما وضعته عليك أن تُظهر هذا العمل أو هذه الشخصية من خلال وجهة نظر الممثل. أنا تقنياً ضدّ فكرة تقمّص الشخصية وأن تعيشها وتجد الممثل في هذا الدور يختلِف شكلاً ومضموناً بشكلٍ كامل عن هذا الدور، لا. هذه في رأيي صار فيها جزء من التقليد. أنا في رأيي، الدور هو أنا في هذا الدور وذاك الدور وذلك الدور ولكنّني أُظهِر هذه الشخصية من وجهة نظري، لكن سأظلّ أنا

زاهي وهبي: نعم. في هذا المعنى حضرتك كمُمثل شريك أساسي في العمل ولست أداةً بيد المُخرِج أو الكاتب

بديع أبو شقرا: حُكماً، حكماً. ربّما أُظهِر وجهة نظر المُخرِج من خلالي، لكن أنا ممرّ 

زاهي وهبي: كم على الممثلٌ أن يكون مرِناً أو مطواعاً في التعامل مع المخرجين؟ ربما لفت إلى هذه الإشارة الأُستاذ "جاك مارون"

بديع أبو شقرا: هنيء تعني أنّ الممثل من المُفترض أن يتعرّى من كلّ شيء ولا يعود عنده أيّ نوع من المحظورات وأيّ نوع من الرواسب المتعلّقة به لكي يتمكّن من أن يخدم، كما يقولون في "تونس"، نخدم في هذه المسرحية، لكي يتمكّن من أن يخدُم هذا العمل ليصل بالشكل الصحيح

زاهي وهبي: مسرحية "بنت الجبل"، هل أضافت إليك كممثل؟

بديع أبو شقرا: حكماً أضافت لي

زاهي وهبي: ماذا؟

بديع أبو شقرا: الإضافة الأساسية التي أضافتها لي

زاهي وهبي: ربّما أنت شاهدت العرض القديم عندما كنتُ طفلاً؟

بديع أبو شقرا: نعم، شاهدته على الفيديو، لكن الإضافة الأساسية التي أضافتها لي هي مسألة حلوة جداً، ولا نريد أن نتحدّث عن الشخصية عن الإخراج وعن التمثيل وعن غيره لأنّ الموضوع قد يطول. لكن هناك مسألة لفتتني كثيراً وهي تعاطي الناس عاطفياً مع ذكرى قديمة جداً. كيف تمكّنوا أن يُشاهدوا وأن يعيشوا اللحظات التي عاشوها من زمان في وقتنا هذا وخاصّة الجمهور المتقدم قليلاً في العمر، هذه المسألة أمتعتني جداً

زاهي وهبي: خصوصاً أنّ الراحلة "سلوى القطريب"، أطال الله عُمر "روميو لحّود"، لها مكانة في وجداننا جميعاً. قلت في الربورتاج في البداية أنّه سألك زميلك عمّا تريد أن تقوله، ماذا تريد أن تقول كممثل؟

بديع أبو شقرا: من كلّ عمل تريد أن تقوم به، من المفروض أن يكون عندك غير النصّ الذي تريد أن تقوله وغير الحدث الذي تريد أن تمثله، من المفروض أن يكون عندك نص مخفي، في حال أردت أن تتحدّث عن مسألة كبيرة من خلاله، تريد أن توصل وتُعيِّش الناس في جوّ عام من خلاله، غير اللحظة الآنية المشهدية التي تقولها

زاهي وهبي: ربما من خلال هذا الخيار الذي اتّخذته في الحياة أنّ تكون ممثلاً

بديع أبو شقرا: حكماً، ممثل ولست مؤدّياً. هناك فرق كبير جداً عندما لا يكون عند الممثل شيء ليقوله، فيكون قد تحوّل إذا أردت إلى مادّة إعلانية

زاهي وهبي: نعم، ربما برغي في ماكينة كبيرة  

بديع أبو شقرا: وهذا هو الخطر، حتى لو كان قد نال شهرة كبيرة، لأنه طبعاً أنت تعرِف، في الجوّ العام يمكن أن يأتي المرء بمُطلق إنسان ويجعل منه نجماً في ظرف ثلاثة أو أربعة أشهر

زاهي وهبي: سنتحدّث بعد قليل وسأسألك عن أثر الشُهرة والنجومية على الممثل، لكن قبلاً، بما أننا ما زلنا في المسرح، ما الذي بقي في ذاكرتك ووجدانك وفي داخلك، من أوّل عرض مسرحي احترافي حضرتك أطللت فيه وهو "جدار" ربما مع المُخرجة "سهام ناصر"

بديع أبو شقرا: اشتغلت على نطاق الضيعة قبلاً في مسرحية فولكلورية

زاهي وهبي: مع الأُستاذ "رضوان حمزة " صديقنا الشاعر

بديع أبو شقرا: مع الأُستاذ "رضوان حمزة" طبعاً، وهذه كانت أول تحضير لي. مسرحية "الجدار" كانت أوّل عمل تجريبي بدأنا نختبر فيه العالم والشباب الرافض والتجريد والأشياء غير المفهومة. كانت هذه مثل المكان الذي يجيبك جدياً إن كنت قادراً على الحلم بهذا القدر، إن كنت قادراً على الوصول إلى الأماكن الخطيرة بهذا القدر في داخلك. هناك أُناس لم يتمكّنوا من المُتابعة

زاهي وهبي: يُحكى أُستاذ "بديع" كثيراً وحُكي كثيراً بالأحرى عن أزمة المسرح، ومنذ أن اخترعوا السينما قيل أن السينما ستلغي المسرح وبعد ذلك أنّ التلفزيون سيلغي المسرح. اليوم في عصر الصورة، في عصر الذكاء الصناعي، في عصر هذه الميديا المفتوحة هلّ المسرح له مُستقبل يستمرّ في رأيك؟

بديع أبو شقرا: أنا في رأيي ترسّخ أكثر

زاهي وهبي: لماذا؟

بديع أبو شقرا: لأنّ المسرح هو الأخطر في عملية التغيير في المُجتمعات. المسرح هو الذي يُهدّد السلطات أكثر، أكثر من السينما وأكثر من التلفزيون

زاهي وهبي: من خلال وجودك في الغرب أُستاذ "بديع"، هلّ لا يزال المسرح يستقطب أناساً؟ يستقطب متفرّجين؟

بديع أبو شقرا: طبعاً، عند بعض الناس يشعُر المتفرج أنّه حين يذهب إلى المسرح يكتسب شيئاً معيناً في حياته، ولكن هذا المسرح بحاجة إلى دعم. تركيبته في كلّ العالم، حتّى في البلدان التي هي مهيّأة لأن تُشاهده والشعوب المُهيأة لأن تُشاهد مسرحاً أكثر، المسرح بحاجة إلى دعم، وهذه عملية اقتصادية تُطرَح في الوزارات المعنية التي هي مسألة بسيطة، أنها تأخذ المال من الشركات الكبيرة برعاية الوزارات المعنية عبر المؤسسات المانحة وتوزّعها على المشاريع المسرحية التي تُقدّم وتوجد لجان لتدرسها، وهذه الأموال التي تُؤخَذ من الشركات الكبيرة تُصبح Tax Deductible أي لا يدفعون ضريبة عليها. إذاً هم يربحون والمسرح يربح. هذا الـ Cycle ليس موجوداً عندنا وهذا في رأيي هو الوحيد الذي يُمكن أن يُنقذ المسرح وخاصّةً إذا فُرِضَ على الشركات، التي تُنتج أموالاً يُمكن أن تُغطّي ميزانية عجز دولة، أن يقتطع كمية محدّدة من المال للمسرح

زاهي وهبي: أُستاذ "بديع"، بعد الاستراحة نسمع وجهة نظرك قي الدراما التلفزيونية اللبنانية والعربية، في السينما، ونتحدّث قليلاً عن تجربتك السينمائية والشعرية أيضاً في الكتابة ولكن بعد استراحة سريعة

المحور الثالث:

{تُعرض مقتطفات من فيلم "رصاصة طائِشة" من تأليف وإخراج "جورج الهاشم"}          

زاهي وهبي: مشهدٌ من فيلم "رصاصة طائِشة". كان يوجد عمل مسرحي في الزمانات اسمه " رشاشة طايسة". ربما أثناء مشاهدة هذا المشهد القوي فوراً يخطر على البال مسألة العُنف الأُسري والعُنف ضدّ المرأة

بديع أبو شقرا: موقع المرأة في المُجتمع

زاهي وهبي: وهذه قضية مطروحة في "لبنان" بقوّة، ويوجد زملاء فنانون وفنانات إعلاميون يُشاركون أحياناً في تظاهرات وفي اعتصامات رفضاً لهذا العُنف ضدّ المرأة أو القوانين الجائِرة التي لها علاقة بالجنسية وبغير الجنسية لأبنائها، أي منح جنسيتها لأبنائها. يبدو أنه عندك "بديع" أحياناً هوى في الأفلام أو في الأعمال التي تطرح قضايا من هذا النوع

بديع أبو شقرا: صحيح. الفيلم ليس مُباشراً من هذه الناحية

زاهي وهبي: أنا أتحدّث عن المشهد

بديع أبو شقرا: لكن هذا الخلل في المُجتمع بحيث يجب ألاّ نتمكّن من أن نقرأ أو أن نستطيع أن نقرأ امرأة أو رجل، أكان أسود أو أبيض، مثلي أو غير مُثلي. يجب ألاّ نقرأ هذه الأشياء. نقرأ فقط إنساناً. يا عمّي، نحن كأننا أحدهم يحفر قبره بيده في هذا المُجتمع

زاهي وهبي: حضرتك شاركت في فيلم دعائي أو إعلاني لجمعية "كفى"

بديع أبو شقرا: صحيح، العنف. نحن عندنا فكرة الرجولة التي هي في رأيي أنا

زاهي وهبي: مرتبطة بالاستبداد والتسلّط والعنف

بديع أبو شقرا: لا معنى للرجولة، ليست موجودة في القاموس. علينا أن نحلّ هذه الأشياء لأنها صارت تتسبّب بخللٌ كبير، خللٌ لا نُحسِن كيف نتخلّص منه، يُعيق التطوّر في كلّ المجالات

زاهي وهبي: قبل أن أتحدّث عن السينما، في الدراما اللبنانية دائماً توجد شكوى أُستاذ "بديع" من غربة هذه الدراما عن الواقع وتجنّبها أن تتناول قضايا جوهرية وحيوية. في رأيك، هذا الانطباع هو انطباع في محلّه أم انطباع ظالِم للدراما اللبنانية التلفزيونية؟

بديع أبو شقرا: لا ليس ظالماً أبداً

زاهي وهبي: غير ظالم

بديع أبو شقرا: ولكن التلفزيون، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ التلفزيون هو حال تجارية أكثر من غيرها. من أجل هذا في بعض الأحيان يدخل إلى البيوت من دون استئذان، من أجل هذا في بعض الأحيان يجب أن يكون ملطّفاً قليلاً، ولكن الغربة عن الواقع صارت عندنا عميقة جداً

زاهي وهبي: ما السبب في رأيك؟ هلّ هو الكاتب؟ الكتّاب؟ النصّ؟ غياب النصّ؟ هلّ هو المُنتِج المستثمر الذي يتجنّب هذه القضايا؟ أين في رأيك الخلل؟ أكيد ليس الممثل من يتحمّل المسؤولية

بديع أبو شقرا: الممثل هو آخِر من يتحمّل المسؤولية. في رأيي يوجد سببان، السبب الأول هو الـ Habit أي العادة، على أننا اعتدنا أن نظهر بأكثر جمالية مُمكنة أولاً، ثانياً اعتمادنا على السوق العربي أكثر من السوق المحلّي، من أجل هذا أحياناً نُحاول أن نُرضي الأسواق العربية بالأشياء التي يُمكن أن نُرضيهم فيها. والمسألة الثالثة التي هي أنهم دائماً يستعملون هذه الكلمة ويبرّرون هذا الغربة بموجبها، في أنّ الناس شبعوا من القصص التي فيها مشاكِل ويريدون الترفيه فقط هكذا، هذه يستعملونها كتبرير

زاهي وهبي: وما منع دمج الاثنين ببعضهما البعض؟

بديع أبو شقرا: هو هذا ما نقوله. على الأقل أن تستطيع مشاهدة، في مُسلسل معيّن، الشارع الذي تراه صباحاً حين تخرُج من البيت

زاهي وهبي: يبدو أنّ عندك عمل جديد، مسلسل تلفزيوني مع الكاتبة والممثلة السيدة "كارين رزق الله". دعنا نستمع إلى ما تقوله عن تجربتك وعن حضرتك ثمّ نعود إلى الاستديو

كلام يوصل:  

كارين رزق الله – ممثلة: إذا أردت أن أحكي لكِ عن "بديع" كفنان أقول لك أنّه فنان حسّاس، في داخليته الكثير من الأشياء ويمكنه أن يُخرِج منكِ الكثير من الأشياء عندما تكونين في وجهه. إذا أردت أن أحكي لك عن "بديع" كإنسان أقول لك أنّه إنسان ليس كليشيه، إنسان لا تتعرفين دائِماً على شخصٍ مثله عنده أفكاره وعنده كيانه، ليس تقليدياً ولا أعلم. شعرت حيت تعرّفت عليه أنني كسبتُ صديقاً مدى الحياة. لم أشعر كثيراً بوجود فرق أحسست بـ "وديع" أينما كان، "بديع" في المسرح، مثلما هو "بديع" في السينما مثلما هو في التلفزيون. بطبيعة الحال، كلّ شغلة من هذه الشغلات لها تقنيتها على المسرح، ودائماً على المرء أن يلعب Over على المسرح قليلاً وعلى التلفزيون عليه أن يُخفّف أكثر وعلى السينما عليه أن يُخفف المزيد. أشعُر بأنه يُملئ مكانه في كافة الأمكنة وأشعر بأنه ممثل شامل يمكنه أن يلعب الكثير من الأشياء والكثير من الأدوار. أعرِف "بديع" كممثل من زمان، وربما هو غاب فترة وترك البلد لكن عندما علِمت أنه موجودٌ هنا من أجل المسرح استغلّيت الفرصة وقلت بأنه من اللازم أن يكون معي في هذا العمل. من بعد أن وافق "بديع" كنت قد كتبت ثلاث حلقات فقط من المُسلسل وصرت أكتُب لـ "بديع"، وهذا شيء مهم جداً عندما يكون الكاتب يرى الشخصية أمامه، يرى هذا الممثل وقدراته ومدى عطاءاته، يمكنه أن يكتب له أحسن بكثير مما يكون قد أنهى كامل العمل ومن ثم يعود إلى اختيار الـ Cast. هذه تقنية دائماً أتّبعها أنا، أنتقي الممثلين قبل أن أكتُب أو أكون قد كتبت القليل من الحلقات. فستشعرين هذه المرّة "بديع" جدياً غير عمّا كان قبلاً في التلفزيون. أنا أحببت الدور الذي يلعبه كثيراً، أحببته وأعتقد أنّه هو أيضاً أحبّ الدور وأعتقد أنّ العالم سيُفاجأون كثيراً وسيحبونه كثيراً، أكثر بكثير مما كانوا يحبونه قبلاً، مع أنهم بالتأكيد كانوا يحبونه قبلاً، لكنهم سيشاهدون شخصاً عن جدّ من Caliber مرتّب جداً ويمثل في التلفزيون، وهذا شيء نحن نفتقده كثيراً لأنّ عدد الممثلين عندنا فعلاً قليل. سأسأله سؤالاً، سأقول لـ "بديع"، ما هي الأشياء أو المواصفات أو حتّى الأحاسيس التي يمكنك أن تقول عنها "هذه أنا"؟ وما هي الأشياء التي يُمكنك أن تقول عنها "هذه ليست أنا"؟  

زاهي وهبي: حلو كثيراً ما قالته كارين عن حضرتك. قبل أن تُجيبها، المُسلسل يُفترض أن يُعرَض خلال شهر "رمضان المُبارك" على شاشة الـ LBC اللبنانية

بديع أبو شقرا: واسمه " مش أنا"

زاهي وهبي: مشّ؟

بديع أبو شقرا: "مش أنا"

زاهي وهبي: من هو الـ" مش انا"؟ هي حكاية شاب مُغترِب يعود إلى

بديع أبو شقرا: صحيح، ويلتقي بامرأة

زاهي وهبي: إذاً فيه شيء منك، فيه شيء من تجربتك

بديع أبو شقرا: طبعاً، لكن الشغلة الأساسية والفكرة في المسلسل بأنّه بعد فترة، لكن في سياق القصّة، تُصبِح كلّ شخصية تكتشف أنّه " أنا أعيش لكن هذا ليس أنا! أنا من اللازم في الحقيقة أن أكون شيئاً آخر، هذا ليس أنا". وهذه تنعكِس على أنفسنا في المُجتمع وفي أنّنا في المُجتمع نحن كثيراً لسنا نحن

زاهي وهبي: نعم، وهذه صعبة جداً إذا شعر بها المرء في عمرٍ متقدّم، إذا شعرها الإنسان

بديع أبو شقرا: أجل، أصعب، تصير أصعب

زاهي وهبي: ربما إذا كان المرء في بداية عمره أو في منتصف عمره يمكنه أن يُغيِّر

بديع أبو شقرا: وأن يكون جاهزاً أكثر أيضاً ليُغيِّر

زاهي وهبي: ويقوم بالأشياء التي هي " أنا"

بديع أبو شقرا: صحيح، يبحث عن الأنا

زاهي وهبي: ورداً على سؤال "كارين رزق الله"؟ المشاعر والأحاسيس التي تقول" هذا أنا" والمشاعر الأُخرى والأحاسيس التي تقول "هذا ليس أنا"؟

بديع أبو شقرا: المشاعر والأحاسيس التي أقول عنها " لست أنا" هي المُجاملات أو مُحاولة لفت النظر

زاهي وهبي: نعم

بديع أبو شقرا: والأحاسيس التي أقول عنها "هذه أنا" هي التصرّف بشكلٍ حرّ والحكي بكلّ حرية مُطلقة ومن دون أيّ حرج، هذه أكبر حقيقة مهما كانت صادمة ومهما كانت جريئة

زاهي وهبي: هذا السؤال حاولت تمريره في تقديمي لحضرتك، عندما قلت فعلاً حضورك في المشهد الإبداعي لا علاقة له بالمُجاملة وبالعلاقات العامة بقدر ما هو له علاقة بالموهبة، ولست أقول هذا مُجاملةً لك لأنني لستُ مضطراً لقوله. كان بإمكاني أن أقول شيئاً آخر

بديع أبو شقرا: هناك مسألة قبلاً، فقط أريد أن أُزيدها سريعاً لأنها نقصت. متعةً وحقيقةً نشوة كبيرة جداً عندما يستطيع المرء أن يكون على حقيقته. من أجل هذا، الناس عندما يعيشون لحظاتهم على حقيقتهم يستمتعون، ثم يعودون لإعادة كلّ تاريخهم ويشاهدون كيف هم تصرّفوا بشكلٍ ليس على حقيقتهم ويقولون " أفّ شو راح علينا"

زاهي وهبي: إن شاء الله لا نعيش هذا الشعور في الواقع في حياتنا الشخصية وأنا أتحدّث عنّي وعنك هنا. هلّ إذا قلنا الدراما ربما، كونها عمل تلفزيوني، خصوصاً أنّه يُقال دائِماً أنّ التلفزيون يدخل إلى كلّ بيت بلا استئذان وإلى آخره، فهناك بعض الخطوط والمُنتج والمال وإلى آخره. هلّ السينما، وأتحدّث هنا عن السينما اللبنانية هي أكثر حرية، أكثر جرأة في الطرح؟ الأعمال التي حضرتك شاركت فيها تخرُج منها بخلاصة مُعيّنة، وما هي هذه الخلاصة؟       

بديع أبو شقرا: أجل طبعاً، السينما مثل المسرح، تصنع حضارة أكثر من التلفزيون. التلفزيون مادّة تنتهي، لكن السينما والمسرح لا ينتهيان

زاهي وهبي: يُقال أنّ التلفزيون بلا ذاكرة بينما السينما هي الذاكرة الحقيقة في الفنّ

بديع أبو شقرا: طبعاً، السينما هي المرجع الذي تضعه في المكتبة

زاهي وهبي: ومن الممكن أن نراه أكثر من مرّة

بديع أبو شقرا: وليس في "لبنان" فقط بلّ في كلّ العالم. السينما اللبنانية أيضاً، هناك جرأة كبيرة في طرح السينما اللبنانية، ولكن أنت تعرِف أنّ السينما اللبنانية تعتمِد في تمويلها على المؤسسات المانحة من خارِج الوطن، وإذا اعتمدت على إنتاج وطني عليها أن تكون سينما بموازنة قليلة لأنّ السوق المحلّي لا يكفي إنتاج السينما

زاهي وهبي: هنا نعود إلى نفس المُشكلة، أنّه يمكن للتمويل أن يتدخّل في الموضوع؟

بديع أبو شقرا: حكماً. المكتب السينمائي، هناك شيء اسمه في "لبنان" مكتب الجمعية السينمائية المرتبطة بوزارة الثقافة أو لا أدري نسيت في أية وزارة، ولكن تعتمد على نفس المبدأ الذي هو أن يقتصّوا الأموال من الشركات الكبيرة وأن يعطوها لهذه الفنون من أجل دعمهم لأنّ هؤلاء هم من يصنعون الحضارة، وهؤلاء الذين يؤدّون إلى الانتشار، وليس هذا فقط، هؤلاء الذين يجرّون وراءهم انتشاراً اقتصادياً وسياحياً وثقافياً وحضارياً ويجرّون وراءهم( ذيلاً) كبيراً جداً على كلّ بلدان العالم

زاهي وهبي: نرى دائما أنّ السينما اللبنانية لا تتمكّن من أن تكون سينما مستقلّة بذاتها من ناحية التمويل، دائِماً هناك تمويلٌ أجنبي وتمويل أوروبي بشكلٍ خاص. سؤالي أنا، هلّ هذا التمويل، الجهات الممولة تتدخّل في مضامين الأفلام المُنتجة؟

بديع أبو شقرا: لا أظنّ أنها تتدخّل ولكن عندها توجّه عام. هي تُعطي المال لأنّ عندها توجّه عام، وهنا توجد مسألة خطيرة تحدث في هذا الموضوع. عندما يكون الأوروبيون مثلاً أو الأميركيون أو من أيّ مكان في العالم يدعمون فنّاً معيناً، هم يدعمونه ليس فقط من أجل الفنّ، يدعمونه من أجل توجّهات خاصّة بهم. ربّما توجهات سيّئة وربما توجّهات جيّدة جداً، ولكن في كلتا الحالتين نحن صرنا في هذه الحال مادة Exotic للعالم، وهذا ما لا نريد أن نكونه، نحن لسنا مادة Exotic للغرب

زاهي وهبي: للأسف، نجد هذا في بعض الروايات وفي بعض الكُتب الشعرية لأنّ هاجس الكاتب يكون أن يُترجم كتابه، أو "رجاءً ترجموني فأنا كتبت Exotic، كتبت مثلما أنتم تحبون أن ترونا"، وهذا يؤثِر

بديع أبو شقرا: أنا أعرِف من "كندا" مثلاً، عندما يُطرح عليهم موضوع وقصّة فيلم فيه مثلاً مُعاناة امرأة مُحجّبة مثلاً، فوراً يعطونك التمويل لأنّ هذا الموضوع يهمهم. يهمهم عن نيّة طيّبة وليس عن سوء نية، ولكن بالنسبة لنا هذه حال Exotic وأنا ضدّها

زاهي وهبي: ربما من آخر الأعمال السينمائية لحضرتك التي شاركت فيها، "يللا عقبالكن". سنستمع إلى رأي بعد الاستراحة من الممثلة "نِبال عرقجي"، ولكن سنتوقّف لو سمحت لي مع استراحة سريعة 

المحور الرابع:

{يُعرض مشهد من فيلم "يللا عقبالكن" من إخراج "إيلي خليفة"}                                     

زاهي وهبي: كفّ حقيقي هذا؟

بديع أبو شقرا: لم يصل

زاهي وهبي: مشهدٌ من فيلم "يللا عقبالكن" مع السيناريست والممثلة "نبال عرقجي" التي سنسمع رأيها. ولكن هذا الفيلم أيضاً يتحدّث عن قصة علاقة المرأة والرجل وهناك نماذِج مُختلفة لهذه العلاقة أو للنساء بشكلٍ خاصّ لأنّ الفيلم يركِّز عليهنّ. أشعر بأنّ هذا الموضوع يشغلك، حتّى في كتاباتك هناك جزء هام عن النساء

بديع أبو شقرا: للحقيقة، هذه الأشياء تفضح الخلل في مجتمعنا، لأنّ نحن لا شكّ عندنا خلل في المجتمع في العلاقات بين الرجال والنساء، وفي العلاقات الزوجية وغيرها. وهذا الخلل ناتجٌ من تاريخ طويل عريض من الانفصام والقمع والتطوّر من ناحية والتخلّف من ناحية أُخرى ما خلق خللاً كبيراً في هذا المُجتمع ويتجسّد هذا الخلل في أكثر نواحيه في العلاقات بين الرجل والمرأة، خصوصاً عندما يصير الرجل في داخل نظام الزواج ونظام المُجتمع ليتحوّل فوراً إلى سُلطة، والمرأة، التي في الوقت نفسه تحتاج إلى كلّ الشغف وتحتاج إلى كلّ الحبّ، تصل إلى مرحلة لتجد أنّ هذا الحبّ وهذا الشغف ما عادا يؤمَنان لها بالشكل السليم فتشعُر بنقصٍ كبير جداً والمُجتمع لا يسمح لها بالحرية وفي التصرّف كما تريد

زاهي وهبي: تخلق علاقات بديلة وعلاقات غير شرعية

بديع أبو شقرا: بالضبط، واللوم يقع في رأيي أنا على الرجل فقط

زاهي وهبي: نعم، ولكنه يُلقى دائِماً على المرأة أكثر في المُجتمعات الذكورية. نستمع لو سمحت لي إلى رأي "نبال عرقجي"

كلام يوصل:

نبال عرقجي- ممثلة وكاتبة سيناريو: "بديع أبو شقرا" بالنسبة لي من أهم الممثلين في "لبنان". هو قوي كممثل وشخصيه ونفسيته أيضاً حلوة. أنا عندما أصل إلى الـ Set وأعلم أنّ "بديع" موجود أعلم أنّ نهاري سيكون جيداً لأنه لذيذ ومهضوم وملتزم في عمله. يصل على الوقت ودائِماً يضحك. لا أعرِف إذا "بديع" يعرِف أن يصرُخ أصلاً لأنني في حياتي لم أسمعه رفع صوته. نجد ممثلين لربع ساعة في مسلسل ويعتقدون بأنفسهم "ديفا" و"بديع أبداً ليس هكذا، حلو الشغل معه. أنا تعرّفت عليه منذ عدة سنوات وكنّا كلانا مدعوين على برنامج تلفزيوني لكي يتحدّث كلٍّ منّا عن أعماله وكنّا نجلس إلى جانب بعضنا البعض فبدأنا نتحدّث مع بعضنا البعض وكانت المرّة الأولى التي نتعرّف فيها على بعضنا البعض، وبعد ذلك، هنا إذا أردتِ خُلِقَت علاقتنا. عندما كنت أحضِّر "يللا عقبالكن" كان هو يعيش في "كندا" فاتصلت به وعرضت عليه الدور، دور الرجل المتزوّج الذي أنا مُغرمة به، وجاء وصوّرنا والآن نُصوِّر " يلّلا عقبالكن شباب" الذي هو الجزء الذكوري من "يلّلا عقبالكن" و"بديع" عنده دور أساسي فيه. "بديع" منتقٍ جداً لأدواره فإن شاء الله يكون عندنا نصوص أكثر وأدوار أكثر من أجل أن يظهر أكثر لأنّه بالنسبة لي، مهما كان معروفاً ومهما كان موهوباً ومهما كان كلّ ما تريدينه من المفروض أن يظهر أكثر وأكثر. أتمنّى أن يكون هناك ممثلون أكثر مثله وفي شطارته كممثل وفي نفسيته كإنسان لأنّ هذا الشخص بالنسبة لي فظيع، وأيضاً شهادتي مجروحة فيه لأنني أموت في هذا الشخص. "بديع" سؤالي لك، لماذا لا تترُك "كندا" وتأتي لتعيش هنا لأننا نحتاج ممثلين مثلك، فـ " ضب كلاكيشك" وأحضر زوجتك وأولادك وارجع إلى هنا

زاهي وهبي: أشكر "نبال، وفّرَت عليّ سؤالاً

بديع أبو شقرا: سألته هي

زاهي وهبي: كنت وضعته للآخر هذا السؤال، والحلو أنّنا لحقناك على موقع التصوير، تصوير “يللا عقبالكن" الجزء الشبابي واضح، وحين تحدّثت "كارين رزق الله" أيضاً واضح أنه في موقع تصوير المسلسل أليس كذلك؟

بديع أبو شقرا: صحيح

زاهي وهبي: فنحن ننتظرك في مُسلسل وفي فيلم سينما وفي عملٍ مسرحي مع "جاك مارون"

بديع أبو شقرا: صحيح

زاهي وهبي: وهذا يعني أننا سنراك كثيراً في "بيروت" وفي "لبنان". تفضّل، علِّق على سؤال "نِبال"

بديع أبو شقرا: "نبال" إنسانة مناضلة. She makes things happen، تجعل الأشياء تحصل. بالنسبة إلى سؤالها، لماذا لا آتي وأعيش هنا، الفكرة تراودني في اليوم الواحد 24 مرّة، كلّ ساعة مرّة ، لكنها خطرة قليلاً العملية

زاهي وهبي: لماذا؟

بديع أبو شقرا: لأنها عملية خطرة الانتقال من بلد إلى بلد مع جيش، نحن جيش، ثلاثة أولاد وعليك أن تُغيِّر أماكِن

زاهي وهبي: صبية وصبيان وزوجتك طبعاً

بديع أبو شقرا: نعم. الانتقال ليس عملية سهلة، والبلد لا يُشجِّع أبداً، لا يُشجِّع إذا أردنا أن نحيِّد مسائل الزبالة والفساد وغيره وإلى آخره. الذهنية هي التي تُخوّفني أكثر بالنسبة إلى الأولاد، أكثر من الأشياء الحياتية اليومية. هذه التي تُخيفني

زاهي وهبي: أهلك ألا يلحّون عليك؟ حضرتك ابن "عماطور" وهي ضيعة جميلة جداً في الشوف اللبناني، أهلك ألا يلحّون عليك لتعود مثلما تُلِحّ "نبال"؟ 

بديع أبو شقرا: طبعاً بلى، يطلبون كثيراً أن أعود لأنّ لمّ شمل العائِلة مثلما كنّا نعيش من زمان في الضيعة، جدتي وجدي وخالاتي وعمّاتي وصبحية هنا وصبحية هناك والنادي وغيره، هذه أولادي لن يعيشونها

زاهي وهبي: حضرتك "بديع" أتيت إلى موقع التصوير، إلى الاستديو هنا، وكنت تُدرِّس الأولاد على "السكايب"، من هنا إلى "كندا"

بديع أبو شقرا: صحيح

زاهي وهبي: كم هذا العالم أيضاً صغُر في الوقت نفسه

بديع أبو شقرا: أجل طبعاً، أنا صرت أريد أن أتواصل معهم ليس فقط كيفكم وأحبكم، لا، أريد أن أتواصل معهم بشكلٍ آخر عبر الإنترنت. أُحاول أن أُدرِسهم قليلاً لكي يظلّ هذا التواصل موجوداً وإلاّ لربما ينسونني

زاهي وهبي: الشُهرة والنجومية، أشارت "نبال" أنها لا تعنيك وبأنك تتصرّف بشكلٍ تلقائي. مررنا خلال الحوار، أثر الشهرة على الممثل ممكن أن يكون أحياناً سلبياً جداً؟

بديع أبو شقرا: حُكماً. حُكماً يصير سلبياً جداً

زاهي وهبي: كيف؟

بديع أبو شقرا: وخاصةً إذا الإنسان ليس محصناً

زاهي وهبي: تصير الشُهرة هي في حدّ ذاتها وفي همّه الأساسي أن يكون معروفاً

بديع أبو شقرا: يصير كالبالون الفارِغ. أحد الأساتذة مرّة في الجامعة قال لي، " انتبه" عندما بدأت أظهر على التلفزيون وبدأتُ أُعرَف، قال لي "انتبه، على طول عليك أن تدعم شهرتك بثقافة وإلاّ يصبح الديكالاج كبيراً جداً وتصبح فاضياً، وهذا أخطر شيء

زاهي وهبي: وسمِعت النصيحة

بديع أبو شقرا: طبعاً. حاولت قدر الإمكان

زاهي وهبي: إصرارك على الكتابة، رغم أنّك اليوم ممثل معروف له مكانته وله احترامه مثلما شاهدنا في هذه الشهادات التي مرّت، إصرارك على الكتابة، تكتب الشعر، تكتب القصّة، هو في هذا الاتجاه؟ في هذا الإطار؟

بديع أبو شقرا: إصراري على الكتابة فيه شيء آخر. الكتابة بالنسبة لي هي أكثر مكان فيه حريّة في التاريخ

زاهي وهبي: نعم. الورقة البيضاء هي الشاشة التي لا يوجد فيها خطوط حمراء

بديع أبو شقرا: هي أكثر مكان فيه حريّة وتكتب فيها كما تريد، وخاصّة الآن في مواقع التواصل الاجتماعي صار بإمكانك أن تطرح وأن "تفشّ خلقك" أكثر وأكثر. الكتابة هي المكان المُقدّس إنسانياً بالنسبة لي

زاهي وهبي: يظهر من خلال نصوصك "بديع" أن أحداً ما يتلمّس، وبأنك تريد أن تكون شاعراً أو كاتباً لنصٍّ نثري أو قصّة. هل توجد عندك هذه الحيرة أم لا؟ مهما كان في بالك تحوّله إلى كتابة بمعزِل عن شكل هذه الكتابة

بديع أبو شقرا: في البدايات، لأكون صريحاً، في البدايات أولّ ما بدأت أكتُب وأُفكِّر أن أطبع، كانت تختمر في رأسي فكرة أنني أُحوِّل جزءاً منّي إلى شاعر وعنوانه شاعر، ولكن هذه عادت واختفت وصارت الكتابة فقط حال بوح وتفريغ

زاهي وهبي: بمعزل عن الماهية أو الصفة أو اللقب

بديع أبو شقرا: أو العنوان

زاهي وهبي: لغاية الآن صاروا ثلاثة كتب، "نفَس" وهو شعر

بديع أبو شقرا: "الرجل الذي رقص"

زاهي وهبي: أيضاً شعر

بديع أبو شقرا: و" اعتزلت الحياة في الرابعة" وهي قصّة

زاهي وهبي: وأيضاً موضوع الرجل والمرأة في هذه القصص حاضر

بديع أبو شقرا: في الأساس طبعاً

زاهي وهبي: لأية امرأة تكتُب "بديع أبو شقرا"؟

بديع أبو شقرا: إلى كلّ امرأة، لأنّه بالنسبة لي لا توجد امرأة لا يُكتَب لها. مثل الذي يقول أنه لا توجد امرأة بشعة في العالم، هي امرأة فكيف ستكون بشعة يا أخي؟ لا يصح هذا، هي امرأة ومن غير المُمكن أن تكون بشعة

زاهي وهبي: حلو كثيراً. هذا الاحترام للمرأة، هذه النظرة للمرأة على هذا النحو في مُجتمع ذكوري وفي بيئة جبلية إلى حدٍّ ما مُحافِظة بشكلٍ أو بآخر، طبعاً أعطتنا الكثير من المثقفين والمُفكرين والفنانين ولكن بشكلٍ عام كلّ بيئة ريفية فيها شيء من المُحافظة. من أين أتت هذه النظرة المُختلفة تجاه المرأة؟

بديع أبو شقرا: عندما بدأت أرى المرأة كإنسان وليس كعنوان في أنها امرأة. عندما استطعت أن أرى أنّ كلّ العلاقات بين الناس لا يوجد فيها Taboo، الـ Taboo يخلق من خلال تغليف العلاقة أو تغليف شكل العلاقة بكذبة مُعينة من أجل أن تحاول الوصول إلى أشياء مُعينة. ولكن الحرية المُطلقة في العلاقات الإنسانية لا يوجد فيها محرّمات وبدأت تخلق من هنا الفِكرة. ما معنى كلمة عيب؟ أنا بالنسبة لي لا معنى لها كلمة عيب. كلّ شيء له تبرير علمي، له تفسير علمي. العيب مسألة

زاهي وهبي: ربما العيب أن يؤذي المرء الناس

بديع أبو شقرا: عيب التعدّي على حرية الآخرين، ولكن فكرة العيب، وهذا عيب يجب عليكِ ألا تقومي به، وهذه عيب يجب ألاّ تلبسيها، وهذا عيب لا يصح أن تقولي له أنك معجبة به، هذا عيب لا يصح أن تتقدمي أنتِ له لأنّ الرجل يجب أن يتقدّم، هذه كلّها انكسرت، انتهت

زاهي وهبي: "بيروت" أيضاً حاضرة في كتاباتك "بديع". هلّ تكتُب لـ "بيروت" أو عن "بيروت"؟

بديع أبو شقرا: أكتُب لـ "بيروت" لسبب واحد. لأنّ "بيروت" هي أكثر مكان يمكنه أن يستقبل ويقبل. من كلّ الأماكِن التي زرتها هي أكثر الأماكن الذي بإمكانها أن تستقبل ويقبل كلّ شيء

زاهي وهبي: على الرغم من كلّ ما تعيشه من مآسٍ وأزمات وما مرّ عليها من حروب

بديع أبو شقرا: طبعاً. أنا في رأيي، "بيروت" هي المدينة القابلة لكلّ شيء

زاهي وهبي: حلو، حلوة هذه النظرة لـ "بيروت". "عماطور" قريتك الجبلية الشوفية، ماذا يبقى في وجدانك، في ذاكرتك، في وعيك من "عماطور" معك؟ بمعنى في المكان الذي تذهب وتأتي إليه، في حلِّك وترحالك

بديع أبو شقرا: هي طقوسي، شكلي، هي رائحتي، هي صوتي، هي المكان الذي بدأت منه كلّ شيء. من هناك بدأت كلّ شيء

زاهي وهبي: أُستاذ "وديع أبو شقرا" أتمنى لك التوفيق. إن شاء الله في اللقاء المُقبل يكون عدد الكُتب صار أكثر ونتوسّع أكثر في تجربتك الكتابية. حاولنا كما يقولون أن نقطف من كلّ بستان باقة ونمرّ على أبرز مفاصل التجربة. سُعِدت بلقائك، أهلاً وسهلاً

بديع أبو شقرا: وأنا أيضاً، شكراً على الاستضافة وأن شاء الله تبقون بهذه الهمّة

زاهي وهبي: ألله يخليك. شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج الأُستاذ "علي حيدر"، لمنتجة البرنامج السيّدة "غادة صالِح"، الشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله