إسلاميون...وبعد

برنامج حواري أسبوعي، يعنى بشؤون الجماعات الإسلامية منذ نشأتها الى حاضرها، مع استعراض لمشروع وعقيدة كل منها، دون إغفال المرور على الوضع الراهن، وأخذ وجهة نظر ضيوف الحلقات به.

مستقبل تيار الجهاد العالمي وصراعاته الداخلية

مقاربة لخارطة الصراع بين داعش والقاعدة : أماكن تمدد التنظيمين في ليبيا، سوريا، اليمن، الاردن، مصر، تونس، الجزائر، وقوة كل منهما

محمّد علّوش: أهلاً بكم مشاهدينا إلى الجزء الثاني من هذه السلسلة التي تتناول واقع ومستقبل تيّارات الإسلام الجهادي أو السلفية الجهادية.

في الحلقة الماضية تحدّثنا حول الأدبيّات التي تحملها هذه التيّارات، وما القواسم المشتركة بينها بإختلاف المناطق سواء كان في المشرق العربي أو في المغرب العربي. في هذه الحلقة نحاول أن نخصّصها لواقع هذه التيّارات مستشرفين مآلاتها الفكرية والسياسية وحتى الأمنية.

ضيوفي معنا طبعاً الدكتور مروان شحادة وهو باحث متخصّص في الجماعات الإسلامية من الأردن، أهلاً وسهلاً بك.

 

مروان شحادة: أهلاً.

 

محمّد علّوش: معنا أيضاً الأستاذ هادي يحمد من تونس وهو إعلامي متخصّص في الحركات الإسلامية، نرحّب بحضرتك. ومعنا أيضاً الدكتور أحمد موصلي أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية. مرحباً بك دكتور.

أعود إليك دكتور مروان لأسأل، طبعًا أثرنا في الحلقة الماضية حول وجود الظاهرة الأردنية داخل التيّار السلفي الجهادي، وجود منظّرين كبار أمثال أبي قتادة الفلسطيني أو أبي محمد المقدسي وهناك شخصيات أخرى ويبرز بعضها الآن كما يُقال عن الدكتور أياد قنابي.

تقديرك، ما المساحة الموجودة للحال الأردنية داخل فضاء السلفية الجهادية؟

 

مروان شحادة: يمكن وصف الحال الإسلامية داخل الأردن بأنّ القضية الفلسطينية ألقت بظِلالها على الأردنيين والفلسطينيين داخل الأردن، بحيث أنّ فترة الثمانينات، ما شهدته الصحوة الإسلامية ربما الأولى من انتشار بعض جماعات الإسلام السياسي داخل الأردن، كان محور ومرتكز عمل هذه الجماعات، والإسلام الوطني، بمعنى أنّ القضية الفلسطينية كانت شغلهم الشاغل. أنا أعتقد أنه كان حضور لفلسطينيي الشتات داخل الأردن في التأثير على مسار هذه الحركات، ليس فحسب في الأردن، وإنما في تشكّل الجبهة الإسلامية العالمية، إذ ظهرت كلمة اليهود لقتالهم في تشكيل هذه الجبهة.

 

محمّد علّوش: حتى في المسمّى؟

 

مروان شحادة: نعم، التي هي كانت في الواقع منطلقاً لعولمة الجهاد ضدّ الأمريكان والغرب عموماً وضدّ اليهود، على الرغم من عدم وصول هذه الجماعات بحكم الظروف الذاتية والموضوعية للقتال في الداخل الفلسطيني، إلا أنّ القضية الفلسطينية ساهمت في وجود بصمات لفلسطينيين إسلاميين.

 

محمّد علوش: هل هناك عوامل أخرى غير القضية الفلسطينية؟

 

مروان شحادة: بالتأكيد، بحكم الموقع الجغرافي للأردن وبحكم وجود تيّارات مختلفة، سواء كانت وطنية أو إسلامية داخل الأردن كما هو معروف تُعتبَر جماعة الإخوان المسلمين امتداداً للجماعة الأمّ، منذ الأربعينات تواجدها في الأردن، فبالتالي طبيعة المجتمع المحافظ في الأردن أيضاً واقترابه من الإسلام كثيراً، ربما ساهم في ذلك، أيضاً الحكم الملكي وانفتاحه على الجماعات الإسلامية وعدم تنافره وتصادمه مع الجماعات الإسلامية ربما ساهم في تنامي الأيديولوجيا. أنا أعتقد أنّ أيضاً عودة ما يُسمّى بالأفغان العرب من أفغانستان وتشكّل بعض التنظيمات داخل الأردن ساهمت إلى حد كبير من انتشار وتنامي وجود هذه الجماعات السلفية الجهادية داخل الأردن وبروز بعض القيادات.

 

محمّد علوش: تقديرك، الحال الأردنية لا تختلف عن حالات أخرى داخل بنية السلفية الجهادية في الأدبيات وفي العمل المُباشر؟

 

أحمد موصلي: الحال الأردنية سواء الفلسطينيون أو الأردنيون، لا تختلف كثيراً، أو الفروقات ليست كبيرة مع الحالات الأخرى، وخاصة أن تركيز هذه الحالات كما هو الوضع في العراق أو في سورية أو في  غيرها من المناطق ليس على القضية الفلسطينية، مع أننا نحن نتمنّى أن تكون هناك مواجهة أو عمل ضدّ إسرائيل، تعرف أنّ هذه الحركات وصلت إلى باريس ونيويورك وإلى أماكن أخرى في العالم العربي، ولم يكن هناك أيّ تفجير أو أيّ عمل عسكري أو أمني ضدّ إسرائيل، ممّا يُثير أيضاً شُبهات كبيرة حول الموضوع.

 

محمّد علّوش: بل أكثر من ذلك جاء فلسطينيون من الداخل للقتال في سورية.

 

أحمد موصلي: صحيح، وليس مهماً أنها ذُكِرت، الواحد يتحدّث بشيء لكن المهم العمل، عملياً أنا رأيي أنّ الغطاء الأيديولوجي واحد من منظرين سواء كانوا أردنيين أو سعوديين أو لبنانيين مع أنه في لبنان لا يوجد مُنظّرون كبار في ما يتعلّق بالسلفية، كلهم لديهم نفس الرؤية ويعملون ضمن نفس المنهج. الفارق هو أن الأردن استوعب هذه الحال حتى لا يصطدم بها، وخاصة أنه مثل ما هو معروف من الناحية العملية هناك مقرّ لمساعدة المعارضة السورية مدعوم من الولايات المتحدة وتركيا وغيرها ومن قطر والمملكة العربية السعودية، ما يعني أنّ الأردن بشكل غير مباشر مسؤول كما تركيا وغيرها عمّا يجري في العراق وفي سورية وأماكن أخرى. من هنا ترى أنه صحيح هناك توتّر داخل الأردن، لكن بنفس الوقت هناك نوع من القبول بهذه الجماعات، وأنت تعرف مثلاً الزرقاوي من الأردن، دخول وخروج المقاتلين من الأردن ليس صعباً بسبب غرفة العمليات لذلك بشكل عام الفروقات ليست كثيرة.

 

محمّد علّوش: قبل، لو سمحت لي أستاذ هادي فقط أريد منك تعقيباً دكتور مروان في ما يتعلّق بكلام الدكتور موصلي حول دور السلطة في الأردن. البعض يقول أنها تفرّق ما بين جبهة النصرة وتنظيم داعش، ربما تدعم طرفاً على حساب طرف آخر لأسباب سياسية مرتبطة بحماية الأمن القومي أو الأمن الوطني الداخلي.

إلى أي حد السلطة بعيدة كليًاً إما عن هذه الجماعات أو أنّها تُفاضل بينها؟

 

مروان شحادة: أنا أعتقد أنّ الأردن تنظر إلى كلا الجماعتين، جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، على اعتبار أنها منظمات إرهابية وتتعامل معها وفق قانون مكافحة الإرهاب بنفس المسافة، ربما يتمّ التشديد أكثر قليلاً على أنصار ما يُسمّى بتنظيم الدولة الإسلامية أكثر من جبهة النصرة، ولكن أمام القانون والمعاملة الأمنية أنا أعتقد أنّها واحدة، لأنه يتم استهداف الطرفين، ولكن الأردن تستثمر الخلاف الجاري على الشرعية داخل التيّار الجهادي في سورية والعراق ما بين جبهة النصرة ومنظّريها وما بين تنظيم الدولة الإسلامية كما هو معروف وواضح بشكل كبير، أنّ وجود أبو قتادة وأبو محمّد المقدسي ساهم إلى حد كبير في زعزعة شرعية تنظيم الدولة الإسلامية، ومواقفهم ربما تماهت مع موقف الأجهزة الأمنية والنظام الأردني ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية.

 

محمّد علّوش: بعد خروجهم من السجن؟

 

مروان شحادة: نعم، وأنا أعتقد أن الأردن استفادت واستثمرت أيضاً هذا الخلاف على الشرعية في ما بينها وعزّزت هذا الخلاف بالسماح إلى حدٍّ ما ضمن ضوابط ومن دون تفاهمات مباشرة.

 

محمّد علّوش: مباشرة مع هذه الأطراف.

 

مروان شحادة: نعم، لأنّ مواقفهم ربما أنا سألت الشيخين أبو قتادة وأبو محمّد المقدسي حول هذه النقطة، وقالا المواقف العدائية لداعش نابعة من موقفنا وتفّهمنا للحال الجهادية وهو موقف ديني لتصحيح مسار التيّار الجهادي.

 

محمّد علّوش: قناعات وليس لأسباب سياسية مرتبطة بمصالح السلطة.

 

مروان شحادة: وليس لأسباب سياسية أمنية، نعم.

 

محمّد علّوش: في الحال التونسية خاصة والمغاربية بشكل عام، تقديرك، كيف تعاطت السلطات هناك مع هذه الجماعات؟ هل من منطق الاحتواء التام إذا أمكن أم الطرد الكلّي لأنّ أيضاً نسبة الخروج من هؤلاء باتجاه الأماكن التي فيها ارتجاجات أمنية كما هو الحال في سورية والعراق كثيرة، أم هناك مقاربة مختلفة عمّا هو موجود في المشرق العربي؟

 

هادي يحمد: أستاذ محمّد، هناك مقاربتان في هذا التناول. هناك مقاربة ما قبل الثورة وهناك مقاربة ما بعد الثورة. إذا انطلقنا إلى مقاربة ما قبل الثورة، نعرف أنّ التعامل الأمني مع هذه الجماعات في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي كان هو الأساس في هذا التعامل، نعلم جيّداً عدد السلفيين الجهاديين في السجون التونسية، وصل إلى حدود الـ3000 عنصر.

 

محمّد علوش: في زمن بن علي في أواخر حكمه؟

 

هادي يحمد: في فترة حكمه أو في أواخر حكمه، في نهاية سنوات الـ2000، وصل العدد إلى حوالى 3000 تقريباً طبعاً. طبعاً الفترة هذه تخلّلتها بعض المواجهات المُسلّحة وأساساً المواجهة الشهيرة التي وقعت جنوب العاصمة المعروفة بمواجهة سليمان في جبال برنق جنوب العاصمة في سنة 2007، باستثناء هذه المواجهة الكبرى، كانت بعض العمليات الصغيرة ولكنّها لم تكن مؤثّرة. في كل الحالات تعامُل سلطات الرئيس بن علي في تلك الفترة كان تعاملاً أمنياً بالأساس، واستطاع إلى حد ما الحدّ من إمكانية تحرّك هذه الجماعات.

 

محمّد علّوش: كانت مُقاربة أمنية إذاً في زمن بن علي قبل الثورة.

 

هادي يحمد: بالظبط.

 

محمّد علّوش: بعد الثورة؟

 

هادي يحمد: بعد الثورة، تغيّر الأمر طبعاً، بحكم عامل الحريّة المتوافر في البلاد، العفو العام الذي سُنّ في شباط سنة 2011 من قِبَل الوزير الأول آنذاك محمّد الغنوشي، وقع إطلاق كلّ مساجين السلفية الجهادية، وأساساً مجموعة سليمان التي قامت بالمواجهة التي أشرتُ إليها آنفاً، مجموعة خطيرة جداً، وثبُت في ما بعد تورّطها في العديد من العمليات التي وقعت في تونس طوال الخمس سنوات الأخيرة. أعود إلى التناول أو المعالجة في فترة ما بعد الثورة شهدنا إلى حدٍ ما عملية تسامح مع تحرّك هذه الجماعات، وقع تأسيس تنظيم أنصار الشريعة، وعُقِد أول مؤتمر على حدّ علمي علني للسلفية الجهادية في العالم العربي، في نيسان من سنة 2011 في منطقة سكرة في ضواحي العاصمة، ثمّ تلاه بعده بعام مؤتمر أكبر، هو مؤتمر القيروان في أيار من سنة 2012، شهد التيّار في سنتين تقريباً تغوّلاً كبيراً، نحن قدّرنا أنّ أعداد السلفيين الجهاديين الذين أُطلق سراحهم في سنة 2011 حوالى 3000، مَن حضر مؤتمر القيروان بلغ حوالى 20000، 20000 سلفي جهادي كانوا حاضرين في ساحة مسجد عقبة ابن نافع في القيروان. إذاً في سنتي 2011 و2012 وقع ما يمكننا تسميته بإفساح مجال للتيّار السلفي الجهادي للتحرّك، وكان تقدير السلطات وأساساً حكومة الترويكا التي تقودها حركة النهضة أن السماح لهؤلاء بالنشاط من الممكن أن يكون أفيَد وأقل خطورة في التعامل معهم.

 

محمّد علّوش: لكن ثبُت في ما بعد وتغيّرت المُقاربة أيضاً؟

 

هادي يحمد: ثبُت لأن الحقيقة هذه القراءة قراءة قاصرة عن قراءة أدبيات التيّار، لأنّ أدبيّات التيّار تقول أنّ المواجهة المُسلّحة ومسألة التكفير والدخول في مواجهة أمر حتمي في كلّ التيّارات السلفية الجهادية، وهذا الذي وقع بعد سنة 2013، طبعاً، وقعت بعض المواجهات ولكنّها مواجهات جاءت في سياقات مُعيّنة، مواجهة بئر علي بن خليفة في ولاية صفاقس في الجنوب، مواجهة الروحية في الشمال، بعض المواجهات، ولكن كل محطّات المواجهات تلك كانت في إطار محدود، لأن التيّار السلفي الجهادي أو أنصار الشريعة في تلك الفترة لم تُرِد المواجهة مع السلطة، كانت تريد ترتيب الوضع الداخلي.

 

محمّد علّوش: سنتحدّث عن مُقاربات لاحقة بعد إجراء الجهات الحاكمة مراجعات في ما يتعلّق بالمُقاربات السابقة.

دكتور موصلي، لو انطلقنا من لبنان باعتبار أنّ لبنان أيضاً شَهِدَ حالات في تنامي السلفية الجهادية، حصلت بعض الأعمال التخريبية أو الأمنية في البلد. هل تعتبرها في لبنان حالاً مستقلة أم أنها تأتي في سياق الحال السورية تحديداً؟

 

أحمد موصلي: في لبنان، كان هناك حال سلفية، لكن ضعيفة جداً وصغيرة جداً في الشمال أكثر من أية منطقة أخرى. لا شكّ أنّ الوضع في سورية أثّر بشكل كبير على تنامي الحركة السلفية الجهادية في لبنان، وكما ذكرت حضرتك أو لمّحت في الجزء الأول، هذه السلفية الجهادية أتت ممّا يُسمّى بالسلفية الدَعَوية أو العلمية، وشارك على سبيل المثال الشهّال ونجله، شاركا في القتال في سورية، والابن على ما أعتقد مسجون الآن والأب خارج البلاد.

 

محمّد علّوش: لكن الشيخ داعي لم يشارك، ليس معروفًا عنه؟

 

أحمد موصلي: ليس الشيخ، نجله.

 

محمّد علّوش: نجله، نعم.

 

أحمد موصلي: الحال السلفية في لبنان هامشية لكنها قاتلة بسبب صغر البلد، وبسبب أنّها امتداد للحال السورية وامتداد للحال العراقية أيضاً. علينا ألا ننسى أننا نتحدّث عن جبهة مفتوحة من سورية إلى العراق.

 

محمّد علوش: فُتِحت الحدود وفُتِح معها كلّ شيء.

 

أحمد موصلي: صحيح، يصول ويجول فيها هؤلاء من العراق إلى سورية إلى لبنان، مع أنّ هناك ضغطاً أمنياً كبيراً جداً بمنع هؤلاء من الدخول، والدخول الروسي على الخط في سورية منع دخول فئات كبيرة من هؤلاء السلفيين إلى لبنان، لأنّ جزءاً من مشروعهم أن يكون شمال لبنان جزءاً من تلك الدولة وأن يكون لهم منفذ على البحر في شمال لبنان. هذا المشروع ما زال قائماً، لكن عمل السلطات الأمنية، والمزاج الداخلي اللبناني الطائفي والمذهبي، يحدّ من هذا الانتشار، بينما تجد في سورية أو العراق مثلاً، هناك انتشار كبير وهائل للحركات السلفية، لبنان يتأثّر وهو موقع خلفي لهؤلاء، يأتون ويذهبون ويدخلون ويخرجون، لكنهم حتى الآن لم يتمكّنوا من ذلك.

الآن في عرسال، موقع عرسال هو قد يكون ويُعمَل عليه، وحتى الآن كما قلنا هو مضبوط، لكن هو يبدو أنه المدخل إلى الشمال عبر رأس بعلبك، وأن تكون هناك، طبعاً الشمال غير موالٍ لهؤلاء لكن على الأقل.

 

محمّد علّوش: لا توجد بيئة حاضنة لهذا التيّار المُتشدّد على الأقل.

 

أحمد موصلي: ولكن لم يكن هناك قتال مع هذه الجماعات على الأقل حسب رؤية داعش تنظيم الدولة أو القاعدة، جبهة النصرة وغيرها من الجماعات، ونحن علينا ألا ننسى أنه في العام 1999، كانت هناك محاولات لهذه الجماعات لدخول لبنان، بعد أن كانت لم تكن موجودة في سورية أو في العراق.

 

محمّد علّوش:  مطلع ال2000، تُعتبَر مجموعة الضنية، تقصد؟

 

أحمد موصلي: مطلع الـ2000، نعم، مشروع الضنية في لبنان قديم وليس جديداً، لكنه غير قابل للحياة من دون أن تكون له خلفية من خارج لبنان.

 

محمّد علّوش: في حال خارطة الجماعات السلفية الموجودة في سورية الآن، على صعيد السلفية الجهادية، لأول مرّة ربما نشهد اقتتالاً عنيفاً، لم يكن فقط خلافاً في الأدبيات بل تحوّل إلى صِدَام مُسلّح وتكفير مُتبَادَل كما هي الحال في جبهة النصرة وتنظيم الدولة.

تقديرك، إلى أيّ حدّ هذه المساحة قد تتوسّع أكثر؟ وهل نشهد الآن عملية تآكل داخلي لدى هذه الجماعات، أم ربما هو مرحلة مؤقتة ريثما تتّضح آفاق التحوّلات السياسية في المنطقة؟

 

مروان شحادة: لا أحد يستطيع التكهّن بالمستقبل في هذا السياق حول الخلافات، ولكن يبدو أنّ الخلافات عميقة وأنّ هناك أصبح تياران، واحد يحمل إرث أسامة بن لادن ممثلاً بجبهة النصرة والقاعدة واستمر على هذا النهج، وواحد يحمل إرث الزرقاوي الذي كان هو النواة الأولى لتأسيس الدولة الإسلامية في العراق. فبالتالي أنا أعتقد أنّ الخلافات، لأنه أصبح هنالك رؤيتان ومنهجان في العمل، منهج يتبنّى أطروحة الدولة والتمكين، ومنهج يتبنّى أطروحة الثورة أو النكاية، ما زال مستمراً فيها رغم انتشار فروع كثيرة للقاعدة على مستوى العالم.

 

محمّد علوش: القاعدة فروعها في سورية فقط تنحصر بجبهة النصرة؟

 

مروان شحادة: نعم، فقط.

 

محمّد علّوش: كتائب عبد الله عزّام لا تُعتبر منها مثلاً؟

 

مروان شحادة: كتائب عبد الله عزّام أنا أعتقد بعد مقتل ماجد الماجد انتهت وأصبحت غير فاعلة، موجود بعض الأطراف وكلهم توحّدوا داخل جبهة النصرة الآن، الكتيبة الخضراء وعبد الله عزّام وكثير من الكتائب، جند الشام توحّدت داخل جبهة النصرة، فالخلافات ربما تكون أسبابها نازعة عن السلطة، الثروة، الرؤية والطروحات، وكذلك خلافات ربما على الزعامة بمعنى آخر خلافات شخصية.

 

محمّد علّوش: انحسرت القاعدة الآن في سورية بعد أن تمدّدت من العراق إلى سورية على اعتبار أنها في الأساس نشأت في العراق، تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

هل سنشهد نهاية هذا التنظيم في سورية بما أن الآن السيولة استقرت إلى هناك، أم سيشهد نوعاً من التمدّد كما حصل مع الدولة الإسلامية التي امتدت من العراق إلى سورية؟ أسمَعُ وجهة نظرك بعد فاصل قصير إذا سمحت لي.

فاصيل قصير مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علّوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في إطار هذه السلسلة، وأعود إلى ضيفي الدكتور مروان شحادة. كنت قبل الفاصل سألت في ما يتعلّق بأنه الآن سيولة القاعدة تكاد تكون قد استقرّت في سورية، في حين أنّها جاءت من العراق إلى سورية، بينما تنظيم الدولة امتداد من العراق إلى سورية وتشعّب في مناطق أخرى.

تقديرك الآن للحال القادمة من القاعدة وتنظيم الدولة، هل هو إلى انكماش بمعنى أنه قد تُفنى القاعدة في سورية وفق هذه المقاربة، أو داعش أيضاً قد تتقلّص بعد هذا الانتشار في أكثر من قُطر؟

 

مروان شحادة: التجارب أثبتت أنه لا يمكن أن تُفنى مثل هذه الجماعات، بل تمدّدت وتوسعّت وانتشرت في العديد من المناطق في العالم، ولكن ربما بعض الفصائل ربما تُستهدَف أكثر من غيرها وتندمج في فصائل أخرى أو تذوب في المجتمع، ذلك رهنٌ بالإنكسار العسكري أو استهدافها عسكرياً.

 

محمّد علّوش: هل تقصد جبهة النصرة على سبيل المثال؟

 

مروان شحادة: أنا أقصد جبهة النصرة وتنظيم الدولة، تنظيم الدولة وجبهة النصرة.

 

محمّد علّوش: قد ينصهرا في ما بينهما تقصد؟

 

مروان شحادة: لا أستبعد ذلك، أو ينصهران في تشكيل جديد، ذلك رهن بالمُتغيّرات العسكرية من خلال استهداف النصرة وداعش.

 

محمّد علوش: رغم الخلافات الأدبية الكبيرة الآن؟

 

مروان شحادة: رغم الخلافات، أنا أعتقد أنه سينصهر بعضهم، كما هو يحصل يومياً، بعض العناصر والقيادات من جبهة النصرة تتوجّه إلى داعش وتعلن البيعة، وهذا وارد. التنظيمات الجهادية التي أعلنت حتى في تونس وفي المغرب، جند الخلافة، وفي الصحراء الغربية أبو الوليد الصحراوي وغيرهم في نيجيريا كلها، امتداد لتنظيم القاعدة وبعضها انصهر في داعش أو أعلن مبايعته إلى داعش، بحيث وصلت إلى 40 ولاية الآن منتشرة في العالم.

أنا أعتقد أنّ هذه الجماعات وجودها أصبح لا يتعلّق بالجانب الأيديولوجي لأنّ الأيديولوجيا أصبحت عالمية ومعولمة، وأصبحت متوافرة عبر الشبكة العنكبوتية، ولكن وجودها مرتبط، وجودها وقوّتها مرتبطان بالجانب العسكري وسيطرتها على السلاح وقدرتها على توجيه ضربات سواء داخل سورية أو خارج سورية.

 

محمّد علّوش: دكتور موصلي، لديك تعقيب؟

 

أحمد موصلي: أريد أن أعقّب على النقطة النهائية التي ذكرها. اليوم لا يمكن التفريق على المستوى الأيديولوجي والعقائدي ما بين القاعدة وداعش. جاؤوا من بعضهم، جبهة النصرة انشقاق عن تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن يُعلن الخلافة، في الخلاف الاستراتيجي حول طريقة العمل، أما المبادئ الأساسية تقريباً فهي نفسها، حتى الخلافة، القاعدة ليست ضدّ الخلافة لكن لا تعتبر نفسها أنها وصلت إلى مرحلة إقامة الخلافة.

 

محمّد علّوش: وإعلانها كما هو حاصل.

 

أحمد موصلي: نعم، إضافة إلى أنّ هذه الجماعات الآن تتغذّى من مصادر مختلفة. علينا أن نرى الصراع في سورية، هل يمكن أن يندمجا مع بعض، ممكن جداً إذا كان هناك شعور حقيقي عند تنظيم الدولة وجبهة النصرة أنهما على وشك الانتهاء، أنا أعتقد أنّ هذه التنظيمات وغيرها من التنظيمات سواء جيش الإسلام أو أحرار الشام أو كثير من هذه التنظيمات التي تُعتبر إرهابية ستندمج في بوتقة واحدة، هذه الفرصة ربما الأولى والأخيرة لنجاح مشروع إقامة دولة سلفية جهادية، ليس هناك من مشروع آخر في أية منطقة أخرى، حتى في تونس، في اليمن، في الجزائر.

 

محمّد علّوش: في حال فَشِل هنا، لن تقوم له قائمة مرّة أخرى أو في مكان آخر؟

 

أحمد موصلي: سيستمرون في العمل، لن يتمّ القضاء عليهم نهائياً، سيتمّ إفشال إقامة الدولة، ولكن انتشارهم سيكون أخطر، لأن الجميع والكثير من هؤلاء سيعودون إلى بلدانهم وسيقومون بأعمال تخريبية أو قتل وما إلى ذلك، لكن ما أقوله أنّ الفرصة التاريخية بإعلان إقامة دولة إسلامية، إذا سقط، مع أنّ هناك خلافاً، لن تقوم للسلفية الجهادية أيّة قائمة. اليوم نحن في المنطقة في حال تغيير أنظمة، وقد يكون هناك برأيي مشروع تقسيم المنطقة عبر سلفية سنيّة، أكراد وغيرها، علويين، دروز، وما إلى ذلك.

 

محمّد علّوش: على أسُس طائفية وإتنية.

 

أحمد موصلي: على أسُس طائفية، نجاح هذه الدولة في العراق و في سورية يؤثّر، العراق تقريباً فقط بحاجة لكبسة زر ويصبح مقسّماً، اليوم لاحظ أن الرّقة عندما أخذوا جزءاً منها ضمّوه للمنطقة الكردية على أساس أنّ هذا الإقليم الكردي المستقبلي في دولة فدرالية، أي تقسيم بالمعنى الحقيقي، فالأمور مستقبل هذه الجماعات لا يتقرّر في داخلها ومن ذاتها بل بالعوامل العالمية سواء كانت أمريكا والروس وتركيا والسعودية وغيرها من الدول، اليوم ليس هناك مشروع حقيقي لضرب داعش.

 

محمّد علّوش: كلام جميل. سأتكلّم في هذه النقطة، في الحال المغاربية بشكل عام، شهدنا في حال بن قردان في الفترة الأخيرة أنه قيل على الأقل في الصحافة التونسية أنها كانت محاولة لإعلان دولة دولة إسلامية أو إعلان ولاية لداعش،( قدم بن  بن قردان) مع جزء من ليبيا، هناك صراع قائم ما بين فرعين، ما بين فرع القاعدة وفرع تنظيم الدولة أيضاً في عموم المغرب العربي.

تقديرك مَن الآن الأقوى على الأقل عددياً وعُدّةً بين الطرفين؟ وهل هناك إمكانية لإقامة مشروع شبيه بما أقيم في سورية والعراق وهو إعلان تنظيم الدولة؟

 

هادي يحمد: هو في تونس طبعاً ما تمّ إعلان ولاية، أستبعد ذلك، لكن كانت المحاولة هي السيطرة على رُقعة من الأرض لتكون منطلقاً للتمدّد. الصراع، بالعودة إلى سؤالك، الصراع ما بين الدولة، بين داعش، أنصار داعش وأنصار القاعدة ما زال مستمراً في تونس كما هي الحال في ليبيا. طبعاً المكاسب التي حقّقها تنظيم الدولة في العراق وسورية في سنتي 2014 و2015 أثّرت إيجابياً على تمدّد تنظيم الدولة في كل من تونس وليبيا. اليوم لمّا نرى في الحال التونسية، هناك تقاسم أدوار، هناك غَلَبَة إلى حدٍ ما لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وأساساً مُمثّل القاعدة في تونس كتيبة عقبة ابن نافع التي تسيطر على العديد من المناطق الجبلية أو متواجدة في العديد من المناطق الجبلية، سواء في جبال الشعانبي أو في مناطق الشمال الغربي، هناك وجود محدود لعناصر داعش أو الدولة في جبل مغيلة في الوسط التونسي، ولكن في المُطلَق التواجد العسكري الميداني واضح أنّ تنظيم القاعدة بحكم الدعم الجزائري، بحكم دعم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ما زال هو الأقوى.

 

محمّد علّوش: صاحب الكلمة الأعلى والأقوى.

 

هادي يحمد: الأقوى في العمليات العسكرية في المناطق الجبلية.

 

محمّد علّوش: لا أقصد فقط في تونس، هل تقصد في كل دول المغرب العربي؟

 

هادي يحمد: الأمر يختلف، ولكن دعني محمّد أتحدّث في مسار آخر في تونس هو مسار الولاء لداعش أو للدولة الإسلامية، اليوم عندما نرى الاتجاه العام للسلفية الجهادية أو أنصارها أو ما بقي فيها في تونس اتجاه يغلب عليه مبايعة الدولة، هناك تماشٍ أكثر للدولة ونقد أكثر لتماشي أنصار الشريعة هناك، النقد الغالب اليوم في المحاورات وفي مواقع التواصل للسلفية الجهادية التونسية هو نقد التجربة السابقة التي اعتُبِرت أنها تجربة فشلت في إيجاد موطئ قدم في تونس. في ليبيا طبعاً الأمر يختلف قليلاً لأن واضح الفوضى الأمنية والتواجد العسكري للعديد من الجماعات الُمسلّحة في ليبيا أعطى هامشاً أكبر للدولة الإسلامية في سرت، طبعاً مع ولاية طرابلس أساساً ومدينة سرت، وجود القاعدة أقوى من ناحية التواجد الميداني والانتشار، وحتى تحالفاتها لأنّ وجود القاعدة تحت تسمية أنصار الشريعة، كتيبة أنصار الشريعة لها حيّز أكبر من الحريّة في ليبيا بحكم تحالفها مع مجالس ثوار بنغازي ومجالس ثوار درنة، ونعلم الصراع الذي وقع مؤخّراً في درنة وطرد موالين لداعش من درنة، هؤلاء هم يتبعون القاعدة، كذلك الأمر في بنغازي، الوجود الأغلبي في بنغازي هو وجود أنصار الشريعة، هناك بعض الجماعات التي بايعت داعش ولكنها تبقى أقلية، طرابلس نفسها العاصمة الليبية.

 

محمّد علّوش: هل هناك تقديرات للأعداد التي تتبع كل طرف؟

 

هادي يحمد: دعنا نقول، الواضح أن الغالبية ما زالت موالية لأنصار الشريعة وبالتالي مناصرة للقاعدة، هناك وجود قوي طبعاً للدولة في سرت ولكن واضح أنّ المسار الحالي للأحداث مرشّح أن تندثر أو تتجزّأ الجماعات الموجودة في سرت. إذاً الاتجاه الغالب هو اتجاه حقيقة أنصار الشريعة الموالين للقاعدة والذين هم في جزء منهم متصالح مع قوات فجر ليبيا، قوات فجر ليبيا الموجودة في طرابلس جزء منها متحالف مع أنصار الشريعة.

 

محمّد علّوش: بعض التقديرات الغربية على الأقل وِفق مراكز بحوث تقول أنّ العدد ربما يتراوح ما بين 1500 إلى 3000 التي هي تنتمي إلى تنظيم الدولة في ليبيا، لا أعرف في الحال التونسية، لكن باعتبارك مُراقِباً أيضاً في المغرب العربي وعطفاً على ليبيا التي هي هناك اتهامات مباشرة بأنّ هناك عملية تداخل بشكل مباشر ما بين سيناء عبر الساحل الخط البحري باتجاه ليبيا، بمعنى عملية التوريد للمُسلّحين والسلاح بالاتجاهين.

الدكتور كمال حبيب، وهو خبير في الحركات الإسلامية وأحد قيادات التيّار الجهادي تاريخياً قال لي في إحدى الحلقات أنّ هناك حوالى 3000 مقاتل لولاية سيناء في مصر.

هل هناك دراسات مقاربة لأعداد هؤلاء؟ وهل في حال مصر تحديداً، تراها قد خرجت عن إطار السيطرة بعد الحديث عن كثرة من العمليات وهي معروفة مبايعة لتنظيم الدولة بشكل مباشر؟

 

مروان شحادة: ولاية سيناء أو ما عُرِف باسم جماعة أنصار بيت المقدس، هذه جاءت نتاج تطوّرات للسلفية الجهادية في قطاع غزّة وفي شبه جزيرة سيناء، وأنا أعتقد أنّ الحال وصلت مزاوجة ما بين تيّارات السلفية الجهادية بعد أن تمّ القضاء على بعضها وقتل عناصر وقيادات من قِبَل حركة حماس داخل القطاع.

 

محمّد علّوش: عام 2009، تقصد؟

 

مروان شحادة: 2009 و2012.

 

محمّد علّوش: مسجد ابن تيمية.

 

مروان شحادة: نعم، وغيره، مسجد النور ومسجد ابن تيمية وأبو النور المقدسي وغيره، قبلها جيش الإسلام الفلسطيني بزعامة ممتاز دغمش، وجماعة التوحيد والجهاد أيضاً، فحال الاشتباكات ما بين حركة حماس دفعت بالسلفية الجهادية، قيادات وعناصر إلى الهروب إلى شبه جزيرة سيناء، بحيث أنّها شكّلت عمقاً لهروب هؤلاء الأشخاص واندمجوا، تشكّل مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس.

 

محمّد علّوش: هناك عملية طرد من غزّة باتجاه سيناء لهذه الجماعات؟

 

مروان شحادة: بالتأكيد عملية طرد وهروب، لأن شبه جزيرة سيناء سيناء أنا أعتقد فتح معركة مع السلفية الجهادية وكذلك طرد العديد من الناس إلى مسافة 10 كيلو على الشريط الحدودي مع قطاع غزّة وتدمير الأنفاق ساهم في تنامي قدرات ما يُعرَف باسم ولاية سيناء، وأظن أنه كما تفضّلت كانت هناك حركة كبيرة قبل سقوط نظام محمّد مرسي.

 

محمّد علّوش: هل هي الأكثر عدداً والأقوى تسلّحاً وحتى عملياتياً على الأرض في المواجهات مع الجيش المصري، ولاية سيناء، إذا ما قارنّاها بفروع تنظيم داعش أو حتى بفروع القاعدة في المغرب العربي؟

 

مروان شحادة: كلّ منطقة لها بيئة مختلفة من ناحية جغرافية عن الثانية، ومن ناحية وجود منافذ لإدامة الصراع من حيث تزويد هذه الجماعات بالسلاح والمال، أنا أعتقد أنّ جماعة أنصار بيت المقدس بعدما بايعت تنظيم الدولة لإسلامية حَظِيَت بأسلحة وعتاد ورجال وكذلك بأموال كبيرة من قِبَل التنظيم ومن قِبَل دعوة العدناني وزعامة التنظيم في ليبيا وفي مناطق أخرى، أنه بحيث قدم لهذه المنطقة كثير من شخصيات المقاتلين من المغرب العربي سواء من ليبيا أو من تونس أو من الجزائر حتى، ومن الداخل الفلسطيني. الهدف أنّ هناك إيلاء خاصاً لهذه المنطقة، لأنّهم يريدون أن يكون هناك في مرحلة متقدّمة اشتباك مع العدو الصهيوني، وأنا أعتقد هذه تشكّل رافعة قوية كما شكّلت الخلافة أو إعلان الخلافة رافعة لاستقطاب وتجنيد العديد من الناس في العالم، فتح معركة مع العدو الصهيوني سيشكّل رافعة قوية.

 

محمّد علّوش: لولاية سيناء، وبالتالي تصبح منطقة جذب أيضاً.

 

مروان شحادة: نعم، لتنظيم الدولة، وأنا أعتقد أنه بدأ يعدّ العدّة لهذه المرحلة من خلال حملة إعلامية أطلقها قبل حوالي خمسة أشهر، قادمون يا أقصى، تزامنت مع ثورة السكاكين إلى أهلنا في بيت المقدس وغيرها من الرسائل من مختلف الولايات التي تتبع لتنظيم الدولة الإسلامية.

 

محمّد علوش: في الحال اليمنية دكتور موصلي، تقديرك هل هي تنفصل، لأننا نشهد أيضاً حضوراً قوياً، القاعدة سيطرت على أكثر من منطقة ثم حصلت مواجهة للقاعدة، الآن داعش تقوم بعمليات نوعية عسكرية وهناك صراع حتى إعلامي بين داعش والقاعدة في اليمن.

هل تنفصل الحال اليمنية كلياً عما هو موجود الآن في الحال العراقية السورية اللبنانية، أم هناك نوع من التأثّر والتأثير سواء على صعيد تبادل المعلومات، تبادل الخبرات، تنقّل الرجال وتضعيف، إذا كان هناك ضعف لها في سورية والعراق قد يكون هناك في المقابل ضعف لها في اليمن؟

 

أحمد موصلي: أيضاً الحال اليمنية، برأيي هناك أمران، قياس الدول التي فيها حروب يختلف عن قياس الدول التي ليس فيها حروب، اليمن عن مصر، لا شكّ أنّ هناك مراحل، حتى جبهة النصرة وداعش قاتلا مع بعض، كما هو الوضع في اليمن، هناك مراحل انفكاك عن، داعش تريد أن أيضاً تقيم ولاية، إشكالية القاعدة، إذا أردت التوسيع، أنها لم تقم بإقامة دولة، تسمّيها خلافة، تسمّيها إمارة، وهي جزء من إمارة طالبان بالمبدأ على الأقلّ.

 

محمّد علّوش: مبايعة لطالبان.

 

أحمد موصلي: نعم، مبايعة لطالبان، وبالتالي هي جزء من هذه الفكرة، الإمارة، لكن انتشارها العالمي أقوى من داعش، ما زال حتى اليوم، في العالم كله باستثناء ثلاث أو أربع مناطق ما زال انتشار القاعدة أكبر وأقوى، صحيح حصل مرور أو انتقال من القاعدة إلى داعش في مناطق كاليمن ومصر وليبيا وغيرها، لكن القوة الأكبر في العالم ما زالت القاعدة. اليوم، تسقط الدولة الإسلامية، تصبح مجدّداً القاعدة هي الذراع الأكبر. علينا ألا ننسى، كما ذكرنا، أنّ تنظيم الدولة هو في الأساس القاعدة في بلاد الرافدين، الاشتباك ليس عقائدياً، الاشتباك هو على مراكز نفوذ وعلى مناطق والسيطرة على منابع نفط، على منابع مياه، على قُدُرات معينة. في اليمن، الصراع ما بين هذين الفرعين سيتمّ ويأخذ حيّزاً، لكن علاقة القاعدة مع قوى إسلامية أخرى، حتى الإخوان المسلمين، تقوّيها على حساب داعش. داعش كما قلت تقوم بعمليات نوعية، لكنّها غير قادرة على الإمساك بمفاصل المناطق وإعلان الولاية أو غيرها.

 

محمّد علّوش: والسيطرة عليها كما حصل مع القاعدة. طبعاً كنّا سألنا عن المُقاربات، والآن أريد أن أختم في ما يتعلّق بالمُقاربات المطلوبة لاحتواء أو القضاء إذا ما أمكن لهذه الظاهرة.

دعنا نبدأ مغاربياً. تقديرك، ما هي المُقارابات المطلوبة من السلطة، من مؤسّسات المجتمع المدني؟ باختصار إذا أمكن، تفضّل.

 

هادي يحمد: أنظر محمّد، المُقاربات لا يمكن معالجتها في نطاق محلّي فقط، مهم جداً، طبعاً المُقاربة المحلية المبنية أساساً على المُقاربة الأمنية، نحن في تونس، أو الجزائر أو في ليبيا واضح أنّ الحل الأمني أو الحل العسكري هو الحل القريب أو الآني أو المفروض والحل ليس لنا خيار غير الحل الأمني، ولكن واضح أنّ التجربة مع هذه الحركات أثبتت أنّ المعالجة الأمنية كانت دائماً قاصرة في الحدّ منها أو في القضاء عليها، طوال تقريباً ثلاثة عقود واضح أنّ الظاهرة تنامت وتغيّرت وتحوّلت ولكنها بقيت. هناك طبعاً تجارب ممكن الاستئناس بها في إطار المُعالجات والمُقاربات على غرار في فترة معيّنة التجربة المصرية، قضية المراجعات التي وقعت في سنتي 2007 و2006 مع سيّد إمام أبو الفضل في مصر، مراجعات الجماعة الإسلامية وحركة الجهاد كانت مهمّة في تحييد جزء من التيّار الجهادي. هذه التجربة للأسف طبعاً تلاها ما سُمّي بالربيع العربي.

 

محمّد علّوش: لم تأخذ دورها كما كان ينبغي؟

 

هادي يحمد: بالضبط، بالرغم من أنّه في تلك الفترة واضح أنّه كان لها دور إيجابي في إحتواء هذه الجماعات.

 

محمّد علّوش: المطلوب الآن هو الدفع في إيجاد مراجعات لهذه الجماعات من الداخل كبديل؟

 

هادي يحمد: وهذا السؤال جوهري في المعالجة مثلاً، في المعالجة التونسية للظاهرة.

 

محمّد علّوش: لم يتبقَّ لديّ الكثير من الوقت.

 

هادي يحمد: فقط باختصار، نحن اليوم عندما نرى الظاهرة في تونس، لدينا تقريباً حوالى 3000 معتقل أو سجين في القضايا المتعلّقة بالإرهاب. اليوم أعتقد أنّ إحدى أولويات الحكومة التونسية هي الدفع بفكر المراجعات داخل السجون التونسية من أجل، حتى لا يعود ويخرج هؤلاء أكثر قوة من السجن.

 

محمّد علّوش: دكتور مروان، المُقاربة المطلوبة؟

 

مروان شحادة: بعيدًا عن المُقاربات الأمنية والعسكرية، يجب ألا تنحصر المُقاربات في التعامل مع التطرّف والتشدّد والغلوّ في جانب أمني وعسكري فحسب، لا، يجب أن تتعدّاه إلى البحث عن الأسباب من خلال نشر العدالة في الدرجة الأولى والحريّة، وكذلك من خلال مُقاربات فكرية تعزّز مفهوم العدالة للثروة والسلطة وكذلك الحريّة.

 

محمّد علّوش: هي الحل الجذري، الشامل. دكتور باختصار، بأقلّ من دقيقة أو دقيقة، مُقاربة؟

 

أحمد موصلي: لا بدّ من القول هناك أمور اقتصادية، سياسية، عالمية، دولية تتعلّق بهذه المنطقة، بكياناتها، بالأنظمة القائمة. كله له علاقة بنشوء هذه الجماعات. طبعاً لا يوجد حل أمني لكن الأمن ضروري لحماية الناس، لكن لابدّ من قراءة جديدة للإسلام مع مُعطيات جديدة اقتصادية وإعلامية  وفكرية.

 

محمّد علّوش: قراءة جديدة للإسلام؟

 

أحمد موصلي: طبعاً لأنّ القراءات التي لدينا كلها فشلت في القيام بدولة أو خلافة أو إسلام قادر على التعاطي مع العالم المُعاصر.

 

محمّد علّوش: كلّ الشكر والتقدير لك دكتور أحمد موصلي أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية، أشكرك أستاذ هادي يحمد باحث تونسي وإعلامي أيضاً، خبير في الحركات الإسلامية، أيضاً من الأردن الدكتور مروان شحادة الخبير في الحركات الإسلامية.

نشكركم طبعاً على حضوركم معنا وأهلاً وسهلاً بكم، كما نشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة، وإلى اللقاء.