بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الاستاذ حسن م يوسف

زاهي وهبي: مساءُ الخير. من أبرز صنّاع الدراما السورية وضع توقيعه على كثيرٍ من المسلسلات التي نالت استحسان المُشاهدين العرب أينما كانوا وشكّلت علاماتٍ مُضيئة في أُمسياتنا التلفزيونية. كاتبٌ، مثقفٌ، متعدّدٌ متنوّع بين القصة والسيناريو والمقالة والتدريس، كأنه في عجلةٍ من أمره للعودة إلى قريته "الدالية"، أو في شوقٍ ليعانق الأشجار التي رافقت طفولته وتنشّق عطرها والنسيم العليل وكلّها مفرداتٌ ساهمت في تشكيل وعيه ووجدانه ومنحته نكهته الخاصّة وعلامته الفارقة. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعَدُ بحضور المبدع العربيّ السوري الأُستاذ " حسن م. يوسف"، أهلاً وسهلاً شرّفت "بيت القصيد"

حسن م. يوسف: أهلاً بشِعرِك وبجمهورك وبك أيضاً

زاهي وهبي: تسلم، ألله يخلّيك. أعلم كم هم محبوك كُثُر ومن بداية اللقاء أدعوهم لأن ينضموا إلى صفحة البرنامج على "الفيس بوك" التي هي على اسم البرنامج، "بيت القصيد". أُستاذي قبل أن نراك في فقرة "علامة فارِقة"، سؤالٌ حشريّ قليلاً. صحيح أنك كنت مكتوم القيد إلى عمر العاشرة؟

حسن م. يوسف: تقريباً، لعمر العاشرة ينقصه أربعة أشهُر

زاهي وهبي: هلّ نسي والدك أن يُسجّلك؟ لا يريد أن يعترِف بك؟

حسن م. يوسف: أبي أصلاً لم يكن زواجه مسجلاً في السجلات الحكومية

زاهي وهبي: هلّ هذه كانت حالة شائِعة آنذاك؟

حسن م. يوسف: جداً. قريتنا بعيدة وكانت محرومة جداً وطبيعتها صعبة، وفي الأُسرة أبي كان رجلاً ينحت في صخر

زاهي وهبي: لكن ربما هذه الطفولة هي التي خلقت لك هذه العلاقة الحميمة مع الطبيعة ومع الأشجار والعصافير

حسن م. يوسف: الذي جعل لي هذه العلاقة الحميمة مع الطبيعة هو ضعف بنيتي. أنا لم أكن أنفع مع "المغالبين" كما يسمونهم أو المصارعين، فبالتالي الطبيعة هي التي ضمّتني إلى حضنها. أنا وجدت الفهم من الحجارة قبل البشر

زاهي وهبي: حلو

حسن م. يوسف: وفي الطبيعة اكتشفت كلّ ما يؤكل في البراري. أحياناً كنتُ أعطش، تصور وجود "جِفر" نجمع فيه القليل من ماء المطر ويكون فيه دود، فأضع قميصي فوق الماء وأشفط الماء عبر القميص والدود موجود

زاهي وهبي: على كلّ حال هذا الذي يصنع الإنسان، هذه الأمور في الحياة، هذه الاستثناءات، ليس كلّ شخص يعيش مثل هذه الأمور. اسمح لنا أن نبدأ مع علامة فارِقة ثم ننطلق في الحوار

علامة فارِقة:

حسن م. يوسف

— اسمي بالكامل " حسن محمد حسن إسماعيل يوسف" ووالدتي "سكينة غانم". باعتباري كنتُ أدرس الأدب الإنكليزي حيث الاختصارات شائعة جداً، وضعت حرف الميم إلى جانب اسمي كعلامة، والاسم كما يقول أجدادنا "علامة لا كرامة"

— كطفل كان عندي حلمٌ دائِم يتكرّر وهو أن أطير. كان عندي رغبة أن يكون عندي جنّي العفريت الذي يُحقق للناس كلّ رغباتهم. كنت أريد أن أكون ساحراً ولكنني لم أتمكّن من ذلك وربما لهذا اتجهت إلى الكتابة

— طوال عُمري، شكلي الخارجي صلب وخشن قليلاً ولكنّي من الداخل عاطفي لدرجة الهشاشة. طبيعة مسقط رأسي هكذا، صعب ولكنه مليء بالروح

— أنصح الذين يريدون أن يدخلوا إلى هذه المعركة التي اسمها الكتابة أن يُضاعفوا أخطاءهم ثلاث مرات كما يقول "أينشتاين" لأنّ الفشل هو مقدّمة النجاح

— الملِكة المدللة عندي هي القصة القصيرة لأنكِ في القصة القصيرة لست في حاجة لا لمُخرِج ولا لممثل ولا لمُنتِج، قليل من الوقت والدراسة فقط

— التصوير هو إعادة اختراع للأبجدية. بمعنى الأبجدية حفظت الأفكار، يموت صاحب الفكرة وتبقى الفكرة بعده. التصوير يحفظ الصورة، تذبل الوردة وتبقى صورتها

— يُصادف السرور عابراً في بسمة الأطفال، في الموسيقى، وفي عناقات الأصدقاء. ما عدا ذلك لا يوجد سرور

— بالنسبة لواحِد مثلي يعيش الحرب بين البُطين الأيمن في قلبه والبُطين الأيسر، القيمة الأعلى الآن هي السلام، السلام لـ "سوريا"

— إذا خفت من شيءٍ فقع فيه لأنّ مواجهة الخوف هي أفضل طريقة للتغلّب عليه والتحرّر منه. قبل سنوات كتبت في دفتر مُلاحظاتي الفكرة التالية: قلت، أُنظُر في عيني الذئب يا أخي أُنظر في عينيه، فإن لم تخف منه خاف منك

زاهي وهبي: حلو كثيراً، وسنُعرِج على بعض الأمور التي ذكرتها لكن كما قلت حضرتك،

 درست الأدب الإنكليزي ثم احترفت كتابة القصة القصيرة. هلّ أول قصة كتبتها فعلاً بتشجيع من إحدى زميلاتك؟

حسن م. يوسف: والله كانت بالصدفة تماماً لأنني كنت أتحدّث وقالت لي: " هذه القصة أنا سأكتبها وأنت اكتبها وسنرى من ستكون قصته أحلى". فأنا كتبت لكن هي لم تكتُب وأخذت القصة، وبعد حوالى 20 يوماً تأتيني بمجلة منشورة فيها "قصة العدد"، وفي ذلك الوقت كانت قصة العدد تُنشر لكُتّاب مهمين، فاكتشفت أن هذا الفن يُمكن أن يُعطي لحياتي معنى، وأعطوني 35 ليرة في ذلك الوقت، والـ 35 كانت

زاهي وهبي: مبلغاً

حسن م. يوسف: حوالى أكثر من مئة دولار

زاهي وهبي: ما الذي جاء بك إلى الأدب الإنكليزي؟ لماذا اخترت الأدب الإنكليزي؟          

حسن م. يوسف: والدي، عندما نلت شهادة الباكالوريا أعطاني 182 ليرة ونصف الليرة

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: وقال لي اذهب وتسجّل في معهد الحقوق وتعود لكي نُدبِّر لك واسطة من أجل أن تعمل كـ "معلِم وكيل"، فذهبت وتسجلت أدب إنكليزي. أنا كنت محظوظاً لأنني انفصلت عن أُسرتي باكراً، بمعنى منذ أن كنت في الصفّ السابع انتقلت إلى المدينة

زاهي وهبي: هلّ أقسى عودُك هذا الشيء

حسن م. يوسف: لم يقسِّ عودي فقط، هذا الشيء جعلني أحتفظ بكثير من الأشياء التي تمسحها العائِلة. سيّدي أنت تعلم أنّ 80 % من الأطفال يولدون موهوبين وبعد خمس سنوات يبقى منهم 5 %. في سنّ السابعة يبقى 0.8 % فقط فكونه لم يكن هناك ضغط عليّ نَمَت شخصيتي

زاهي وهبي: وشاهدنا هذا الكاتب الجميل في القصة وفي السيناريو وفي المقالة

حسن م. يوسف: شكراً لك

زاهي وهبي: القصة القصيرة لم يعُد لها ذاك الوهج الذي كان في الخمسينات والستينات وربما في السبعينات، لماذا؟

حسن م. يوسف: هذا أمرٌ مؤسف حقاً

زاهي وهبي: مع أنّ اليوم عصر السرعة والمُفترض أنها أقصر من الرواية وتتطلّب وقتاً أقلّ للقراءة

حسن م. يوسف: والله القصة القصيرة فنٌ فريدٌ وصعب، وما يجري للقصة القصيرة هو من مصادر الألم العميق في حياتي الشخصية

زاهي وهبي: من هم القصاصون الكبار الذين أثّروا بك؟

حسن م. يوسف: كثيرون. محلّياً يؤسفني أن أقول لك أنني قرأت "سعيد حورانية" بعد أن قرأني لأنه كان يعيش في "روسيا" وكان شبه منفي. لكن عندما قرأته اكتشفت أنني امتداد لتجربة هذا الكاتب الكبير. "سعيد حورانية" قامة، صحيح أنه لم يُصدر سوى ثلاث مجموعات في القصة القصيرة ولكنّه مُعلِّم كبير كبير كبير، ثلاث مرّات أقولها وهذا الرجل لم يأخذ حقه حتّى الآن. إذا قرأت قصة "قيامة أليعازر" لـ "سعيد حورانية" ستكتشِف أنّها متقدّمة على مستوى البنية والتقنية واللغة والشخصيات أكثر من كلّ ما نكتبه حتّى هذه اللحظة، بما في ذلك ما كتبته أنا شخصياً

زاهي وهبي: حلو هذا الاعتراف. إذا سمح الوقت قد أعود إلى القصّة القصيرة ولكن حضرتك قدّمت في الدراما التلفزيونية الكثير من الأعمال الناجحة والمفصلية مثل "نهاية رجل شجاع"، "إخوة التراب"، "البحث عن صلاح الدين"، "سقف العالم"، "ملح الحياة" وغيرها. كيف ترى واقع الدراما السورية الآن؟

حسن م. يوسف: هذا سؤال مُحرِج حقاً

زاهي وهبي: لماذا مُحرِج؟

حسن م. يوسف: لأنه بكل بساطة سأقول لك. أنا أُحيّي كلّ مَن يعمل في الدراما السورية حالياً لأنّ الظروف سيّئة

زاهي وهبي: لكنه يعاند هذه الظروف ويُناضل

حسن م. يوسف: مُعاندة هذه الظروف بحدّ ذاتها جديرة بأن تُحيّا، إلاّ أنني لا أتفق معهم في المقاربة

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: بمعنى أنني أعتقد أنّ الفنّ ليس مرآة، المرآة أداة بليدة تعكس

زاهي وهبي: ما هو الفنّ إذا لم يكن مرآة؟

حسن م. يوسف: الفنّ بالدرجة الأولى هو استبصار، في الفنّ تستطيع أن ترى الزمن، هذا البطل المُطلق الذي لا يُمكن لأحد أن يراه. في الفنّ تستطيع أن تُعيد تشكيل أشواق الروح البشرية، أن تُغيِّر الشخص كي يقوم هو بتغيير العالم. الفنّ ليس مرآة

زاهي وهبي: إذاً حضرتك غير موافق أو غير مُعجَب بالأعمال التلفزيونية التي تناولت ما يجري في "سوريا" الآن من حرب دموية طاحنة؟

حسن م. يوسف: أنا أعتقد أنّ الناس ليسوا بحاجة إلى المزيد من مشاهِد العُنف، ليسوا بحاجة لأن يروا وجه الحرب. أهمية الدراما في رأيي، أهمية الفنّ بشكلٍ عام بما في ذلك فنّ الكتابة هو أن يوقظ البطل النائم في الإنسان العادي، أن يحفّزه على الحبّ والخير والجمال، أن يرتقي به. نحن الآن بحجّة أننا نُريد أن نُقدِّم الحقيقة، بعض الأعمال تحوّلت إلى دروس في السرقة ودروس في العُنف ودروس في أشياء أُخرى

زاهي وهبي: لأنها تنقل بعض الواقع

حسن م. يوسف: لأنها تُصوَّر على أساس أنها تصوِّر الواقع

زاهي وهبي: لهذا لم تكتُب عملاً حتّى الآن عمّا تعيشه "سوريا"؟

حسن م. يوسف: أنا لم أكتب عملاً لأنني لم أُدعَ

زاهي وهبي: كأنك تقول أنّ المنتِج أو الممول هو من يتحكّم بمضامين ما يُعرَض على الشاشات؟

حسن م. يوسف: سيّدي. حتّى في الصحافة هناك قانون مثل "بسم الله الرحمَن الرحيم" في القرآن، Read the auditorial to know the master، إقرأ الافتتاحية لكي تعرِف من هو السيّد، وأنت تعلم أنّ كلّ محطة لها كتاب مُصطلحات

زاهي وهبي: حضرتك تُناصر العلمانية بقوة اليوم

حسن م. يوسف: نعم

زاهي وهبي: هلّ هي مُمكنة في مُجتمعاتٍ مثل مُجتمعاتنا؟

حسن م. يوسف: أنا أعتقد أنّها مُمكنة وأعتقد أنّها هي الحلّ، هي الخروج من هذا المأزق. العلمانية تُحوِّل الدين من علاقة بين المخلوق والخالِق، علاقة عامودية، وتُنهي حالة أنّ الدين هو علاقة أُفقية تُعطي لهذا الرجل حامل السيف الحقّ في أن يقطع رأس رجل آخر

زاهي وهبي: ما السبيل إلى إنتاج أعمال فيها همّ تنويري أو مسحة تنويرية. أنا لا أُريد أن أُحمِّل العمل التلفزيوني أكثر مما يحتمل لكيلا تكون الساحة لتلك الأعمال التي حكيت عنها قبل قليل، التي تُسطِّح العقل وتُسطِّح الفكر وتأخذنا إلى غير ما يواجهنا في حياتنا اليومية؟ 

حسن م. يوسف: شكراً لهذا السؤال الهام جداً. أنا أعتقد أنّ السبيل بكلّ بساطة أن نرجِع للأدب. لدينا روائيون كبار مثل "حنّا ميني"، "عبد السلام العُجيلي" وغيره كُثُر

زاهي وهبي: طبعاً

حسن م. يوسف: لدينا روائيون عرب كبار مثل "هاني الراهب"، ولدينا كُتّاب سيناريو محترفون. يجب أن تقوم الجهات المعنية بتكليف هؤلاء الكتّاب تحويل هذه الروايات إلى أعمال إبداعية بمستوى احترافي، وعندها ستستمر الدراما السورية في فرض نفسها. أنت تعلم أنّ "نهاية رجل شجاع" مرّ على تصويره ربع قرن تقريباً وحتّى الآن يُعاد عرضه

زاهي وهبي: هذا دائِماً أُستاذي ما أقوله في حواراتي مع الضيوف، أنّه في السينما العربية وفي التلفزيون أهمّ الأعمال التي أُخِذَت كانت من روايات لأدباء عرب، لـ "نجيب محفوظ" ولـ "حنّا مينا" ولـ "إحسان عبد القدّوس". لماذا لا يلتفت المنتجون العرب إلى أعمالٍ بهذا المستوى وإلى الكتّاب والأُدباء العرب؟

حسن م. يوسف: والله، أنا أعيد السؤال وكي لا أُضيّع الوقت أنا أُثنّي على سؤالك فعلاً ولكن مع الأسف الإنتاج الدرامي والسينمائي، الدرامي بشكلٍ خاصّ إنتاج فلتان. يكفي أن تكون مع أحدهم أموال لكي يتحوّل إلى مُنتِج بينما لو شئتُ أنا أن أُصدِر جريدة هناك قوانين

زاهي وهبي: طبعاً

حسن م. يوسف: يجب عليك أن تُحضِر شخصاً صحافياً محترفاً له خبرة زمنية في الصحافة وكذا، بينما يتركون الدراما وهي أهمّ من الصحافة الورقية لأنّ الدراما تتواصل مع من يقرأ ومع من لا يقرأ، تتواصل مع كلّ الفئات العُمرية بينما يتركون الدراما سائِبة بين أيدي مجموعة من التُجّار ولا أريد أن أُضيف صفات أُخرى لأنّ بعضهم أسوأ من تُجّار

زاهي وهبي: أنا أستطيع أن أفهم من كلامك ملطّفاً أنّ الدراما ليست فقط استثماراً، ليست فقط لاستثمار المال هي فنّ وثقافة وتنوير

حسن م. يوسف: فنّ وصناعة وتجارة. هي فنّ وصناعة وتجارة، وأنا في رأيي أنّنا من اللازم أن نُعزِّز الصناعة ونُعزِّز التجارة لكي يستمر الفنّ. الفنّ كالبيضة، إذا كسرت البيضة لا يُمكنك أن تُنتج الصوص بعدها خلص

زاهي وهبي: في موضوع العلمنة الذي تحتاجه مُجتمعاتنا خصوصاً في هذا المناخ الطائِفي والمذهبي وهذا العُنف المُستشري، كم مناهِج التعليم أُستاذي من الضروري أن تتغيّر؟

حسن م. يوسف: مرّة أُخرى، أنا أُريد أن أشكرك على هذا السؤال

زاهي وهبي: وأنا أسألك من وحي قراءة لأعمالك ولحواراتك إلى آخره

حسن م. يوسف: أنا سبق وكتبت عن هذا الموضوع في جريدة "الوطن"

زاهي وهبي: حيث تكتب مقالة أُسبوعية

حسن م. يوسف: نعم. أنا أعتقد أن علّة العِلل التي خرج منها هذا المِسخ

زاهي وهبي: التكفيري

حسن م. يوسف: نعم، هو التعليم. نحن لم نُحسن الاستثمار في الإنسان، وهذا كلام قلته بصريح العبارة، لماذا؟ لأنّ نظامنا التعليمي يعتمد على التلقين لا على تنمية القُدرات والمهارات والعقل المُفكِّر المُبدِع. أنا في زماني ذهبت إلى مدينة هنغارية اسمها "ناز كوروش" وكان فيها مدرسة نموذجية يُشرِف عليها شخص علّمني علم نفس الصحافة. في درس الحساب يُعطي للأطفال الصغار 6+6 ولا أحد يقول 12 فقط، كلّهم يقولون 20-8 وهذا يقول لك 10+2، كلّ واحد له إجابته الخاصّة. المُعلّم هو قائِد أوركسترا، وقائد الأوركسترا لا يُنتج الأصوات فهو يُعطي الإشارات لمن ينتجون الأصوات. أنا في رأيي نحن في حاجة إلى ثورة تعليمية. إذا أردنا أن نأخذ قدوة، عندنا بلدان أحدهما كان قدوة للآخر. عندنا "اليابان" و"ماليزيا"، وليس صدفةً أنّ "اليابان" و"ماليزيا" كلاهما يكرّسان حوالى 24 % من ميزانية الدولة للتعليم. سألوا أحد اليابانيين، "ما هو سرّ نهضتكم؟"، قال لهم: " نحن أعطينا المُعلِّم راتب وزير وهيبة ضابط واحترام إمبراطور". يجب أن نُعيد للمعلِّم شخصيته ومكانته

زاهي وهبي: نريد أن نتوقّف مع موجز إخباري لو سمحت لي. لكن أتذكّر حين كنّا صغاراً، كنّا إذا الأُستاذ رآنا في الشارِع

حسن م. يوسف: أنا في مرّة قفزت عن السطح

زاهي وهبي: يمون علينا يقول لنا: "ماذا تفعلون هنا؟ اذهبوا إلى البيت وادرسوا". إلى هذه الدرجة كان له وهرة وهيبة وله دور في حياتنا، وكان الأساتذة الكبار مثقّفين، اسمح لنا إذا أردت أن نتوقّف مع موجز إخباري ثم نتابع هذا الحوار الحيوي مع الكاتب القدير الأُستاذ "حسن م. يوسف"

المحور الثاني:

حسن م. يوسف: الأرض أُنثى، والأُنثى هي نصف المُجتمع وخالقة النصف الآخر. أودّ أن أعترِف أنني لم ألتقِ بأُنثى طوال حياتي إلاّ وأثَّرت بي. الأُنثى هي حال عطاء مُستمرّة، ولكن أكثر من أثّر بي هو أمّي " سكينة غانم" التي كانت عندما كنتُ طفلاً صغيراً، بالرغم من أنّها أُميّة كانت تحفظ القرآن، وكذلك أثَّرَت بي زوجتي "روز مخلوف" التي صبَرت عليَّ كثيراً، وأنا رجلٌ صعب. كذلك أثَّرت بي ابنتي "مايا"، عازفة القانون التي أمسكتني من قلبي وصنَعت لي حفيداً جميلاً اسمه "آدم". المرأة، أعتقد أنها أُمّ العالم ومن دونها سيكون العالم يتيماً بارداً رمادياً لا لونَ ولا طعم له 

زاهي وهبي: هذا الحبّ للمرأة والانحياز للمرأة وللأُنثى تجلّى في نصوصك وفي كتاباتك؟ وكيف؟

حسن م. يوسف: يا سيّدي، أنت شاهدت "نهاية رجل شجاع"؟

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: تعرف أن "لبيبة" في "نهاية رجل شجاع" كانت عاهرة؟

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: أنا حوّلتها إلى البطل الحقيقي للمسلسل. هي التي تُنقِذ "مفيد" وهي التي تجعله في لحظات الشدّة متماسكاً. "لبيبة"، حتّى أسميتها الملكة "فكتوريا"، الناس يلقّبونها

زاهي وهبي: هذا الانحياز للأُنوثة فيه شيء من مُبالغة الكتّاب والرومانسيين؟ فيه مثالية ما أم هو حقيقة؟

حسن م. يوسف: أنا أسعى إلى مثاليةٍ ما ولكنها مثالية متّصلة بالإنسان، أُريد لكلّ الناس أن يكونوا أفضل. والفنّ الذي لا يسعى إلى الارتقاء بالناس وجعلهم ألطف وأكثر حبّاً وإحساساً بالجمال هو فنٌّ ميت. هذه هي قناعتي

زاهي وهبي: النساء الثلاث اللواتي ذكرتهنّ، الأُم والزوجة والابنة، ساهمنَ في تشكيلك؟ الأُم نفهم، الزوجة والابنة كيف؟

حسن م. يوسف: الزوجة اولاً هي إنسانة مثقفة ومتفهمة فعلاً

زاهي وهبي: ومُترجمة

حسن م. يوسف: مترجمة مجتهدة ولديها إسهامات حقيقية ذات وزن

زاهي وهبي: نمسّيها بالخير

حسن م. يوسف: أنا أُمسيها بالخير أيضاً. أنا أعتقد أنها كانت حزام الأمان لأُسرتنا ناهيك عن الحبّ والرومانسيات فهذه أمور كلّ الناس يعيشونها، لكنها في الوقت نفسه دافعت عن الأُسرة وساهمت بقوة وإصرار شديدين، كانت تحضر دروس الموسيقى مع ابنتنا لدرجة أنها تكاد تعود وقد حفظت الدرس

زاهي وهبي: كم عندك أولاد؟

حسن م. يوسف: عندي ابنتي "مايا" عازفة قانون و"رام" درس الاقتصاد وأخصائي لغات

زاهي وهبي: يُقال أُستاذي عن السيّدة "فاطمة الزهراء" عليها السلام أنّها كانت أُماً لأبيها. هلّ البنت بشكلٍ أو بآخر تكون أُماً لأبيها؟

حسن م. يوسف: نعم. نعم يا سيّدي، ولكن أنا حُرِمت من ابنتي بعد أن تزوجت باكراً وسافرت لكنها حقيقة هي مصدر بهجة حقيقية لي وأنا أفتخِر بها

زاهي وهبي: "ما أعزّ من الولد إلاّ ولد الولد"، هكذا المثل يقول، " ما أعزّ من الولد إلاّ ولد الولد". الحفيد غيّرَ شيئاً في حياتك؟

حسن م. يوسف: طبعاً. ميزة العلاقة بالحفيد هي أنك أنت لست مسؤولاً عن هذا الكائِن، أنت فقط تستمتع معه. تلعب معه تُضحكه لكن لا تضطر أن تذهب وتُحضر له الدواء وتسهر عليه عندما يمرض

زاهي وهبي: هذا هو الفرق بين الإبن والحفيد

حسن م. يوسف: أنا في رأيي لا شيء في العالم، في قناعتي، أغلى من الإبن. ولكن العلاقة بالحفيد أمتع، لماذا؟ لأنّ عندك

زاهي وهبي: أقلّ مسؤولية

حسن م. يوسف: بالضبط

زاهي وهبي: دعنا نستمع إلى بعض الآراء في تجربتك. نبدأ مع رئيس اتّحاد الكُتّاب العرب في "سوريا" الدكتور "نضال الصالِح" وهو الناقد والأُستاذ الجامعي المعروف

كلام يوصل:

نضال الصالح: أودّ أن أقول شيئاً ربما لا يعرفه سوى المقرّبون إلى "حسن م. يوسف" على المستوى الإنساني. متعدّد الاشتغالات الإبداعية، قاصّ وكاتبُ نصٍّ مسرحي بالإضافة إلى كونه كاتب سيناريو درامي بالإضافة إلى كونه مؤلّفاً درامياً أيضاً. من يتعرّف إلى "حسن م. يوسف" أو إلى "الحسن م. يوسف" يستطيع أن يقول: "أنني تعرّفتُ إلى قارّةٍ من البهاء الإنساني". لم أسمع يوماً طوال علاقتي بـ "حسن م. يوسف" يهجو أحداً أو ينال أحداً أو يُسيء إلى أحد. ثمّة تطابق حقيقي، تكامل حقيقي بين "الحسن" مبدعاً و"الحسن" إنساناً، وهذا التطابق قلّما نجده عند المُشتغلين في الثقافة، فكان مثقفاً وطنياً بامتياز كما كان مُبدعاً عربياً سورياً بامتيازٍ أيضاً. تشرّفنا في اتحاد الكتّاب العرب بمنح "الحسن م. يوسف" عضوية الشرف التي كانت يجب أن تؤول إليه منذ نحو ثلاثين سنة، كما نتشرّف هذه الأيام بتبنّي مجموعة قصصية له بعنوان "الساخر يخرس"، ستصدُر عن اتحاد الكُتّاب العرب وسأتشرّف أنا بكتابة مقدمةٍ لها. "الحسن" الغالي، أيها الأخ الكبير والصديق الرائع والمُبدع البهيّ، تتزاحم في داخلي أسئلة كثيرة لكنني سأكتفي باثنين منها إذا تكرّمت وأتمنّى أن أستمع إلى إجابتك في هذا اللقاء. السؤال الأول يتعلّق برغبتك في أن أقوم بحذف جزئيةٍ من بحثٍ كتبته عن عالمك القصصي. أنت تعرِف هذه الجزئية ولذلك أتمنّى أن يعرِف أيضاً السادة المُشاهدون الذين يُتابعون هذا الحوار الأسباب التي دفعتك إلى الطلب منّي أن أحذف هذه الجزئية. السؤال الثاني يتعلّق بقدرتك على التصالُح، على المُصالحة مع الآخر المُختلِف. بالنسبة إليّ رايتُ طوال السنوات الخمس التي مضت أنّك تمتلِكُ حساً إنسانياً عالياً قادراً على أن تتوافر فيك صفة الملائِكية الطهرانية الرسولية العالية. دلّني أيها العزيز، أجبني إذا تكرّمت كيف تستطيع أن تحترم الآخر المُختلِف حتّى عندما يُمعِن في ضلاله وغيّه وخروجه على قِيَم الحقّ والخير والجمال؟

زاهي وهبي: شكراً للدكتور "نضال صالِح" تفضّل

حسن م. يوسف: أولاً أريد أن أشكر الصديق العزيز الدكتور "نضال"، هو غمرني حقيقةً بلطفه قبلاً

زاهي وهبي: والجزئية التي تريد أن تحذفها؟

حسن م. يوسف: السؤال الأول

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: صراحةً هو كان قد كتب بحثاً عن عالمي القصصي وتوقّف عند الفقرة الرابعة عند نقدي للمؤسسة العسكرية. أنا في هذه الظروف أرى أنّ أيّ نقد للجيش السوري، حتّى ولو كان نقداً صائِباً، أنا لا أتملّص من أعمالي. مواقفي هي من الفِكر العسكري

زاهي وهبي: وأنت وقّعت على الكثير من بيانات المثقفين النقدية، هلّ تسحب توقيعك؟  

حسن م. يوسف: لا أسحب توقيعي ولكنني في هذا الوقت، والجيش العربي السوري يخوض مأثرة اسمها "سوريا"، أنا في رأيي لولا الجيش العربي السوري "سوريا" كوطن وكدولة

زاهي وهبي: كانت انهارت

حسن م. يوسف: كانت تحوّلت إلى فُتات، إلى شيء آخر. لذلك، أنا لا أسمح لنفسي ولذلك أنا طلبت من الصديق وقلت له، إذا لا يُسيئك هذا الأمر أنا أتمنّى عليك أنّ تحذف هذه المعلومة، هي موجودة في النصوص ولكنها في النص موجودة ضمن علاقة جدلية وهو استجاب

زاهي وهبي: اسمح لي هنا قبل أن تُجيب على السؤال الثاني، حضرتك دائِماً تصف نفسك بأنّك تُدافِع عن القضايا الخاسرة وتقول: "عشتُ حياتي مُعارِضاً للخطأ موالياً لـ "سوريا"، هلّ الآن لا صوتَ يعلو فوق صوت المعرَكة؟ ممنوع نقد الخطأ؟

حسن م. يوسف: هذا الشعار أنا لا أُحبه، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، صوت العقل يعلو فوق صوت المعركة بالنسبة لي وصوت العقل هو أحد أبعاد المعركة

زاهي وهبي: إذا لم تُشِر إلى الأخطاء وإلى كيف ستخرُج "سوريا" من هذه المأساة؟ من هذه الفاجعة؟

حسن م. يوسف: يا سيّدي نحن يجب أن نُشير إلى الأخطاء ولكن هناك فرق بين الأخطاء والخطايا. هناك فرق بين الجريمة والجُنحة، وأنا إذا شخص أخطأ وهو رجل إطفاء، إذا أخطأ في توجيه صنبور الماء وأدى ذلك إلى وقوع طفل هلّ انتقده أم أثني على إنقاذه للطفل، إنقاذه لحياة طفل. هذا هو المأزق الذي أنا فيه وهو مأزق لست أنا فيه وحدي بل الوطن السوري كلّه فيه

زاهي وهبي: وربما المثقف أكثر لأنه مُطالَب بإبداء رأي، مُطالب بإعطاء موقف. تصف ما يجري حالياً بالمخاض وبعملية الولادة، ماذا تتوقّع من هذه الولادة؟ ماذا ستلِد "سوريا" من هذا المخاض الدموي العنيف؟

حسن م. يوسف: هذا الأمر يتوقّف على اتجاه ما سيجري. البيضة إذا انكسرت من الداخل في اتجاه الخارِج تُنتِج حياة جديدة، لكن إذا انكسرت من الخارِج إلى الداخل تُلغي إمكانية الحياة نفسها

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: أنا في رأيي من يُسمّون أنفسهم مُعارضة وهم ليسوا كذلك أخطأوا

زاهي وهبي: لكن ليس كلّهم

حسن م. يوسف: أنا لا أقول كلّهم أنا أقول الذين حملوا السلاح

زاهي وهبي: طبعاً، هناك معارضون محترمون نذكر منهم الأُستاذ "هيثم المنّاع" مثلاً

حسن م. يوسف: نعم، ولكن الذين حملوا السلاح، المُعارضة تكون من الداخل والبلدان لا تُبنى على ظهور الدبابات، الدخول إليها على ظهور الدبابات. البلدان تُبنى بالصبر والدأب، كيف اليابانيون بنوا بلدهم؟

زاهي وهبي: اسمح لي أن أربط ما تقوله بالسؤال الثاني الذي طرحه الأُستاذ "نضال الصالح، مسألة التسامح وقبول الآخر والاعتراف بالآخر كم نحتاجها اليوم في ظلّ الفكر الإلغائي الإقصائي التكفيري الذي لا يقبل أيّ شكل من أشكال الآخر؟ 

حسن م. يوسف: هذه نقطة مهمة جداً بالنسبة لي، أنا لا أُجرِّح في أيّ شخص حتّى ولو كان يستحقّ التجريح. لا أذكر اسم أحد ولا أُنصِّب نفسي قاضياً

زاهي وهبي: لا تُعطي علامات في الوطنية أو عدم الوطنية، نعم

حسن م. يوسف: لا أُعطي علامات بأحد ولا أُخوِّن أحداً، صراحةً

زاهي وهبي: حلو كثيراً

حسن م. يوسف: ولكن لي مواقفي الواضحة

زاهي وهبي: حقّك، مواقفك حقّك. لكن أنا أقصد. كيف نبثّ فكر وثقافة التسامح وقبول الآخر والاعتراف بالآخر وليس أننا نحن نملُك الحقيقة ونملُك الله سبحانه وتعالى ونملك الجنّة والنار

حسن م. يوسف: صراحةً، هذا الأمر ليس بالسهولة أعترف لك بأنّه ليس سهلاً. نحن تربّينا تربية غير ديمقراطية وغير متّصلة، بمعنى الآخر والشيطان هما الجحيم، نحن هكذا تربينا، إلى أن أتى إذا تذكُر "سارتر" في زمانه وصدّروا لنا كتاباً بنفس العنوان، أنا حاولت فعلاً أن أضبط انفعالاتي. أحياناً تأتيني تهديدات وشتائِم وأنا أكتفي بأن أُحاور الشخص إذا وجدت عنده اتجاه عقلاني. سابقاً كنت أُطيل بالي كثيراً والآن لم يعد بإمكاني وليست عندي هذه اللياقة بصراحة. يأتيك شخص يتحدّث شتائِم بذيئة تطال الأُم والأب فأنا أقصُر الحديث وأُنهى الموضوع. من لديه استعداد للتحاور أنا أُحاوره ولكن حتّى الذي يشتمني أنا لا أردّ عليه بشتائِم وأقول له، "الشتيمة أوّل ما تلوّثه هو فم من يُطلِقها"

زاهي وهبي: وهذا أفضل لأنّ الشتائم إذا رددت عليها يكون قد استدرجك إلى حيثُ هو وإلى حيث يريد. بعد الاستراحة أُستاذي نريد أن نتحدّث قليلاً عن ربما أكثر المسلسلات المُثيرة للجدل كتبت حضرتك السيناريو له، ربما مسلسل "في حضرة الغياب" عن الشاعر الكبير "محمود درويش"، سأسألك عدة أسئلة عنه ولكن بعد الاستراحة

المحور الثالث:

حسن م. يوسف: اللغة هي مركز الهويّة وأنا أعتقد أنّ اللغة العربية تتعرّض لخطر حقيقي بسبب ثورة المعلومات ووسائِل الاتصال الاجتماعي. هناك لغة ثالثة تُكتَب بأحرُف لاتينية وتُعبِّر عن كلام منطوق وليس كلاماً فصيحاً، وأنا أعتقد أنّ هذا مصدر خطر حقيقي للغة العربية. اللغة العربية حمتها قداستها لأنها لغة القرآن، ولكن في نفس الوقت هذا العامِل حال دون تطوّرها. بمعنى، اللغة الإنكليزية احتفلت، عندما انتُخِبَ "أوباما"، ببلوغ عدد مفرداتها مليون مُفردة بمفردتها المليون " Obama-mania" بينما لغتنا العربية يُقال أنّ فيها 12 إلى 14 مليون مفردة، لا يُعرَف عدد المفردات. أنا أعتقد أنّ لغتنا في حاجة لإعادة تكوين بحيث أنّ تكون سهلة في أفواه أبنائنا الذين ملّوا من التعقيد

زاهي وهبي: مسألة اللغة ربما مسألة مطروحة في كلّ بيت اليوم وعلاقة الأبناء والأطفال والشباب باللغة العربية بحيث تشعر بأنه لا إعجاب بها ولا يوجد تبنٍّ للغتهم التي هي جزء من هويّتهم. اليوم كنّا نتحدّث في المقهى أنه قد تعود رموز وإشارات اللغة كما بدأت سواء العربية أو بغير العربية في طريقة ما يُكتَب على وسائِل التواصل والإنترنت وما شابه. هلّ تعيش هذا الهمّ؟

حسن م. يوسف: هذا الهم موجود في كلّ بيت للحقيقة، خاصّةً أنّ اللغة هي عامل أساسي من عوامل الهوية

زاهي وهبي: طبعاً

حسن م. يوسف: والتطوّر ليس لصالِحنا، الفنلنديون مثلاً عندهم قلق شديد، المجتمع لا ينمو، "فنلندا" منذ 20 سنة إلى حدّ الآن زيادة سكانها صفر تقريباً، فعندهم جيش من الناس الذين يعملون في اللغة، أي شيء جديد فوراً يصدرون له مرادفاً من اللغة الفنلندية بحيث تبقى اللغة حيّة 

زاهي وهبي: عندك خوف بأنّ اللغة العربية في يوم من الأيام قد تنقرِض؟ 

حسن م. يوسف: هذا ليس خوفاً شخصياً، عندك أعتقد "المنظمة العربيّة للثقافة والعلوم" أصدرت دراسة طويلة بأن اللغة العربية مُهدّدة بالانقراض ونشِرَتها منذ حوالى خمس سنوات، وأنا أجريت محاضرة طويلة عن هذا الموضوع

زاهي وهبي: بالعودة إلى الحديث عن أعمالك الدرامية، عادةً لا تُدافع عن أعمالك ولكنك دافعت عن مسلسل " في حضرة الغياب" الذي تناول سيرة الشاعر "محمود درويش"

حسن م. يوسف: أنا لم أُدافع عنه سأُوضح لك. أنا حاولت أن أشرح أو أفنِّد المزاعِم التي وُجِّهت إلى هذا المُسلسل. مثلاً، ما دام الشاعر الكبير "سميح القاسم" توفّى رحمه الله وأنا أُحبه كشاعِر وأحترِم شعره وأحترِم نضاله

زاهي وهبي: مثلنا جميعاً

حسن م. يوسف: هو قال لموقع "الجزيرة" أنه والله كاتب مسلسل "في حضرة الغياب" أساء إلى رموزنا الوطنية وهو يقصد المُناضل الفلسطيني الكبير "إميل توما" لأنه كما قال أنا نَسَبتَ على لسان "إميل توما" أنّه قال لـ "محمود درويش"، "أيها الفتى ابحث لنفسِك عن أُفق"

زاهي وهبي: وكأنه بمعنى يقول له " غادر فلسطين إلى أُفق أوسع"

حسن م. يوسف: نعم، وكأنه يقول له " غادر فلسطين"، فـ "سميح القاسم" اعتبر هذه إساءة لـ "إميل توما". هذه المعلومة موجودة في كتاب " يوميات الحزن العادي"

زاهي وهبي: أي أنت لم تجلبها 

حسن م. يوسف: لا، من كتاب لـ "محمود درويش"

زاهي وهبي: فقط لا أريد أن آخذ الوقت كله للمسلسل، لكن بشكلٍ عام المسلسل بكلمة مُلطّفة جداً جداً لم يكن ناجحاً، ألطِّف الكلام

حسن م. يوسف: المسلسل ظلمته الظروف

زاهي وهبي: بانَ "محمود درويش" وكأنه كاريكاتور والشخصيات الأُخرى

حسن م. يوسف: ظلمته الظروف. كان يوجد عَقد إنتاج مُشترك مع "مصر" وجاء الإخوان إلى السُلطة فحُلّت الشراكة والفنان "فراس إبراهيم" وجد نفسه في مأزِق حقيقي، إما أن يستمرّ او أن يتوقّف ويخسر كلّ شيء دفعه. هو اختار أن يستمرّ وأنا صراحةً أُحييه لأنه استطاع في ظروفٍ في غاية الرداءة وفي غاية السوء أن ينتج عملاً

زاهي وهبي: في غاية الرداءة أيضاً

حسن م. يوسف: بنصٍ مقبول. اسمح لي المُسلسل في رأيي ليس ممتازاً ولكنّي لم أشعُر بالاستياء. صحيح أنّ ضعف الإنتاج كان واضحاً وأحياناً هناك أشياء لأنها مُكلِفة لم

زاهي وهبي: لماذا الاستعجال؟ أولاً ظاهرة السِيَر، السِيَر طغت فترة على الدراما العربية، سيرة فلان وسيرة فلان لمُجرّد نجاح مسلسل "أمّ كلثوم". هلّ هناك موجات، هلّ توجد موضة في الدراما؟

حسن م. يوسف: هذا السؤال أنا لستُ صاحب القرار فيه

زاهي وهبي: لا، أنا أسمع رأيك ووجهة نظرك

حسن م. يوسف: أنا رجل أُكلَّف بكتابة عمل، إذا استهوتني الفكرة أكتب وإذا لم تستهوني لا أكتب. أنا من محبّي "محمود درويش" جداً، تصوّر أنّ أول أُمسية أقامها "محمود درويش" في "الشام" كنتُ حاضراً فيها وتابعته وتابعت كلّ ما كتبه، فعندما قال لي المنتج، "محمود درويش"

زاهي وهبي: طبعاً هذه مغرية لأي كاتب أن يكتُب سيرة "محمود درويش" ويحوّلها إلى سيناريو. أيضاً نسمع رأياً في تجربتك إذا سمحت من الأُستاذ "محمود عبد الواحِد" وهو من أصدقاء عُمرَك وكاتب

حسن م. يوسف: ليس من صديق بل الصديق

زاهي وهبي: الصديق القصّاص وكاتب السيناريو أيضاً، نسمعه

كلام يوصل:

محمود عبد الواحِد – قاص وكاتب سيناريو: أولاً اسمحوا لي أن أتوجّه بالتحية للصديق العزيز، صديق العُمر، "حسن م. يوسف" وأن أتمنّى له طول العُمر والصحة وأن أتوجه أيضاً بتحية مماثلة للأُستاذ "زاهي" وبرنامجه الجميل وفريق عمله الرائِع. يُمكن الحديث عن "حسن م. يوسف" من أكثر من زاوية سواء كإنسان أو كمُبدِع. في رأيي أنّ "حسن" هو شخص فائِق الحساسية وفي كلّ الاتجاهات. هو نوع من الناس الذين يصعب عليهم أن يخفوا غضبهم على حدٍ سواء. عندما يكون مبتهجاً، ضحكته تُضيء شارعاً بأكمله ولكن عندما يكون غاضباً فإنّه يلتزم الصمت. "حسن" من النوع الذي يهتمّ بأصدقائه جداً. أذكر أنا في مرحلة من المراحل أنه مرِض لنا ثلاثة أصدقاء مُشتركين، الكاتب المسرحي المعروف "سعد الله ونوس" والكاتب القصصي الكبير "سعيد حورانية"، لهما الرحمة الآن لأنهما غادرانا، والسينمائي "سليمان بطرس". أذكر أنّ "حسن" كان يتنقّل بينهم كي يتفقّد أحوالهم ويُلبّي احتياجاتهم. "حسن" مُبدِع متعدّد الجوانب والمواهب.  أولاً هو كاتب قصة قصيرة من طراز رفيع، أذكر في السبعينات عندما كنّا في بداية الطريق كان يحصد كلّ الجوائِز الأولى في كلّ المسابقات الأدبية التي كان يكتبها. كان أبرز كتّاب جيلنا وأكثرهم موهبةً وتألّقاً. الموهبة الأساسية لـ "حسن" هي حبّه الكبير للحياة والناس وشغفه بهما، لهذا فهو يتألّم تجاه كلّ ما ينتقص من كرامة الناس والحياة. يقف كالطفل فرحاً مندهشاً أمام كلّ ما يُمثِل جمال وبهاء هذا العالم. عزيزي "حسن"، ثمة سؤال يُلحُّ عليّ، أنت تكتب القصة القصيرة وتكتب المسلسل التلفزيوني والسيناريو السينمائي والمقالة الصحافية وتُمارِس التصوير الفوتوغرافي وتكتُب للأطفال ومؤخراً أصبحت تُمارِس الزراعة. كيف تستطيع الجمع بين هذا كلّه ضمن وقتك الذي أعرِف بأنّه ضيِّق جداً؟

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "محمود عبد الواحد" الصديق كما وصفته مع أل التعريف، تفضل

حسن م. يوسف: أنا بالنسبة لي، كلّ شيء عندما أملّ أو عندما أعيا منه أرتاح في شيء آخر. عندما لا أتمكّن من الكتابة أقرأ، عندما لا أقرأ أسمع موسيقى، عندما لا أستطيع أن أقوم بكلّ هذه الأشياء أُشاهِد أفلاماً، عندما لا أتمكّن من ذلك أخرُج وأشتغل في الأرض، هكذا. الحياة بالنسبة لي هي مثل حبّات المسبحة لها خيط يجمعها لكن كلّ حبّة مستقلّة عن الأُخرى

زاهي وهبي: واللغة هي الرابط بين كلّ هذه المسائل

حسن م. يوسف: روحي هي الرابط وليست اللغة

زاهي وهبي: وهو نسِيَ التدريس أنت تُدرِّس فنّ السيناريو أيضاً

حسن م. يوسف: أنا لا أُحبّ التدريس فعلاً لأنّ التدريس كما تعلم يعتمد على التكرار، لكن أنا احتلت على المسألة في أنه لا يُمكنني تغيير معلومات تاريخ السيناريو لكن يُمكنني أن أُغيِّر الأمثلة

زاهي وهبي: أستاذي ذكر صديقك الأُستاذ "محمود" راحلين كبيرين، "فواز الساجر" و"سعد الله ونّوس"، من أركان المسرح العربي. كيف يحضرا في ذاكرتك، ماذا يبقى في ذاكرتك من "سعد الله ونّوس" ومن "فواز الساجر"؟

حسن م. يوسف:  سأعترف لك أنّ صديقي الشاعر "رياض الصالِح حسين" الذي مات شاباً وأنا أخرجته من البرّاد بيدي، فكوني أخرجته من البرّاد كان عارياً. تلك اللحظة اغتالت ذكرياتي مع "رياض"، كلّما فكّرت في "رياض" أرى ذلك المشهد، أراه عارياً ومسجياً في البراد. لهذا لم أرَ أيّ أحد من أصدقائي أو أهلي بعد ذلك ميتاً. "فوّاز ساجر" حتّى هذه اللحظة لديّ إحساس بأنه مُختبئ خلف الباب، قد يخرُج في أية لحظة ويقوم لي بمقلب

زاهي وهبي: لا يزال معك

حسن م. يوسف: وكأنه حيّ تماماً

زاهي وهبي: وهذه اللحية البيضاء الجليلة لها علاقة

حسن م. يوسف: أنا لم أحلقها منذ اليوم الذي توفّيَ فيه "فواز". أيضاً "سعد الله" على فكرة له ميزة في حياتي. عندما كنتُ أجلِس معه كنتُ أشعُر أنني أذكى من العالم

زاهي وهبي: لأنّه يُخرِج من الشخص الآخر مقابله أفضل ما في فيه 

حسن م. يوسف: مدهش "سعد الله"، عندما تتحدّث لغة أُخرى مع شخص يتحدّث هذه اللغة تتمكّن لغتك وتُصبِح أفضل

زاهي وهبي: طبعاً، لأنك تُحاول أن ترتقي إلى مستواه

حسن م. يوسف: لم تشهد "سوريا" بين كلّ كتّابها في كلّ أجيالهم كاتباً أكثر نزاهةً من "سعد الله ونوس". كان صارماً مع نفسه بشكلٍ خطير

زاهي وهبي: طبعاً، وأنا أشهد على ذلك. أنا حاورته في أوّل حلقة من برنامج "خلّيك بالبيت" والتقيت به فقط في تلك المرحلة في التحضير للحلقة وأثناء الحلقة وترك بي أثراً لا يُمحى

حسن م. يوسف: خطير. سعد الله لديه عقلٌ فريد. في إحدى المرّات "نوري الجرّاح" في "لندن" كان يكتب في "الحياة"

زاهي وهبي: الشاعر السوري

حسن م. يوسف: الشاعر السوري وأجرى معه لقاء على الهاتف. أنا كنت موجوداً وكان "سعد الله" يتحدّث من المطبخ وأنا كنتُ أجلِس إلى جانبه وكان ينقِّله الجملة، كذا كذا ونقطة، كذا كذا فاصلة، كذا كذا فقرة جديدة. في اليوم التالي كنت بالصدفة في المقهى ووجدت المثقفين يستهزئون ويقولون، "أُنظروا مقابلة صفحة كاملة في جريدة "السفير" على الهاتف"

زاهي وهبي: لأنهم لا يصدقون

حسن م. يوسف: لا يصدقون لأنّه حقيقيةً، إذا تقرأ المقالة، وكأنه قد حرّرها مُحرِّر مُحترِف بدقة ولا يوجد فيها أيّ خطأ نهائياً، يرون الفاصلة في مكانها، يدققون في الفاصلة حتّى

زاهي وهبي: أُستاذي، نتحدّث عن الصداقات والأصدقاء في هذا الزمن، زمن القتل والموت والخراب وخراب العلاقات الإنسانية، هلّ من دور للمثقف في رأيك أو للكاتب في ترميم، أنا أحاول أن أتخايل "سوريا" بعد نهاية الحرب بإذن الله وانتهائها اليوم قبل الغد. كيف الناس، بعد كلّ هذه الأعداد من الشُهداء والموتى والضحايا، سيعودون للالتقاء ببعضهم البعض والعيش مع بعضهم البعض؟  هذا وطنهم وقدرهم، كيف نُرمِّم الإنسان؟

حسن م. يوسف: أنا في رأيي الفن له دور خطير في هذا المجال، وهناك مسؤولية لمن يُحسنون القراءة، الفنون المرئية وخاصّةً الدراما التلفزيونية لأنّ السينما لا تُرى إلاّ من قِبَل شريحة محدودة جداً من المُجتمع بينما الدراما التلفزيونية تدخل إلى كلّ البيوت وتُخاطِب كلّ الأجيال والشرائِح. أنا أعتقد أن هذا الإحساس بالمسؤولية دائِماً كان هاجساً عندي. أنا حينما كتبت "إخوة التراب" لم أذكُر معلومة واحدة ليس لها سند في التاريخ، ولكن أنا لا أدّعي أنني كتبت التاريخ

زاهي وهبي: كتبت الدراما

حسن م. يوسف: نعم، أنا كتبت دراما لأنّه في النهاية الفنّ وجهة نظر وليس نظرية. فمسؤولية كتّاب الدراما كبيرة جداً وهذا هو السبب الذي يجعلني أتحمّس لتعليم السيناريو صراحةً

زاهي وهبي: ونحتاج، نحتاج إلى كتّاب سيناريو في عالمنا العربي

حسن م. يوسف: ما من شك

زاهي وهبي: بعد الاستراحة سأسألك قليلاً عمّا يُسمّى أعمال البيئة الشامية وحضرتك كتبت

حسن م. يوسف: كتبت عملاً واحداً

زاهي وهبي: عمل واحد الذي هو "ملح الحياة". دعنا نتوقّف مع استراحة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

حسن م. يوسف: العروبة في قناعتي هي إطار جامع. النبيّ "محمّد" صلّى الله عليه وسلّم قال بوضوح، ليست العربية لأحدكم بأبٍ ولا أمّ، من تكلّم العربيّة فهو عربيّ. لذلك أنا أعتقد أنّ هذا الإطار هو الوحيد الذي يؤهِّل العرب للدخول في التاريخ. قناعتي الشخصية أن العرب يستطيعون أن يخرجوا من التاريخ كلٍّ بمفرده ولكنهم لنّ يدخلوا التاريخ إلاّ مُجتمعين، والإطار الوحيد الذي يُمكن أن يجمع أبناء هذه المنطقة الغنيّة باختلافها هو العروبة لأنّ من يتكلّم العربية هو عربيّ بغضّ النظر عن عرقه وعن دينه وعن طائِفته. أنا أعتقد أن أقوى ما فينا، نحن هُزِمنا في كلّ الساحات، في السياسة هُزمنا وفي الحرب هُزِمنا ولكن الساحة الحقيقية الصامدة حتّى الآن هي الثقافة. وأنا أعتقد أنّ هنا مركز قوّتنا، في أننا يجب أن نتمسّك فيها ولكن لا أن نشدّ كثيراً لأنها مثل عصفور إذا شددنا كثيراً يموت وإذا أرخينا كثيراً يطير

زاهي وهبي: المهم أن نتمكّن من المحافظة على ما تبقّى من تنوّع في هذه المنطقة وما تبقّى من مساحة اختلاف ومصدر الغنى هذا. ذكرت الرسول العربي الأكرم في حديثك، هلّ في "سقف العالم"، العمل الذي كتبت له السيناريو حضرتك مع الأُستاذ "نجدت أنزور" المُخرِج، هلّ كان فيه نوع من دفاع عن الرسول في مواجهة الإساءة التي صدرت آنذاك من أحد الرسّامين؟

حسن م. يوسف: سيّدي، أنا في الثمانينات دُعيت من قِبَل وزارة الخارجية الفنلندية لزيارة إلى "فنلندا" وكتبت سلسلة مقالات بعنوان "رحلة إلى سقف العالم". عالم الآثار "غبريال سعادة" رحمه الله أعجبته المقالات فحوّلها إلى كتاب وبعث لي بنسخة وقال لي، "أنت تستعيد تقليداً عربياً قديماً في الكتابة هو أدب الرحلات"، لأنّني بدأت في الكتابة من منزلنا. قال لي، "هناك شخص سبقك قبل نحو 1,080 سنة اسمه " أحمد ابن فضلان" وأنا لم أكن قد سمعت به صراحةً. بحثت عن "أحمد ابن فضلان" ووجدت نفسي أمام حالة فريدة. المهم أنّي اكتشفت أنّ هذا الكتاب ليس كامل الرسالة، وبعد ذلك بالصدفة وجدتُ كتاباً بالإنكليزية اسمه Eaters of the Dead أو آكلوا لحوم الموتى. تبين أنّه لشخص اسمه "مايكل كلايتن"، أميركي، أخذ مخطوطاً خطّه كاتب نرويجي اسمه "فراوس داولوس"، وتعلم أنّ "ابن فضلان" كان أوّل من قام بمقاربة عقلانية للمُجتمع الشمالي لأنه يصفه وصفاً دقيقاً

زاهي وهبي: أوصلني إلى أل

حسن م. يوسف: سأوصلك إلى ال، فهذا الكتاب الذي كتبه "مايكل كلايتون" هو مقتبس من المخطوطة النروجية التي كان صاحبها قد جمّع فيها رسالة "ابن فضلان" من مختلف الترجمات وأعاد بناءها، فأنا أخذته وترجمت النصّ كاملاً إلى العربية والموجود منه حوالى الأربعين، أقل من أربعين

زاهي وهبي: سؤالي أُستاذي هو أن تتصدّى لهذه المهمّة، مهمة الدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام. أنت تدعو إلى العلمانية وتدعو إلى كذا وتُدافع عن صورة مًشرِقة للإسلام يُمكننا القول

حسن م. يوسف: نعم، هو جاء تالياً، أنا حاولت أن أكتبها كرواية، لأنني في النهاية اكتشفت أنّ الكتاب مُترجم إلى العربية، "آكلوا الموتى"، فبالصدفة تحدّث معي "نجدت أنزور" وقلت له المشروع، فقال لي: "أيّ رواية يا رجل؟ الرواية يقرأها 50 أو 200 شخص، تعال". عندما أطلعته على الفكرة ذُهِل. قلت له: "أنا أريد أن يكون هناك ردّ حضاري على الإساءة للنبيّ الكريم"، فقال لي، " هذا مال واذهب للعمل"

زاهي وهبي: البيئة الشامية، "ملح الحياة"، شاهدنا مشهداً آخر أو صورة أُخرى أو نماذج مُختلفة خصوصاً للنساء السوريات والشاميات عمّا شهِدناه في أعمال أُخرى مما يُسمّى البيئة الشامية خصوصاً "باب الحارة". هلّ كنت وكأنّك ترُدّ بشكلٍ أو بآخر؟

حسن م. يوسف: صدّقني بأن مقاربتي هي الأكثر قُرباً من حقيقة المُجتمع الشامي في الأربعينات والخمسينات. "ماري عجمي" والرائدات الصحافيات والمثقفات لم يأتين من المرّيخ. أنا عندي صُوَر لنساء يُشاهدن مباريات لكرة السلّة ولا واحدة منهنّ متحجبة، كلّهنّ سافرات

زاهي وهبي: لماذا قُدِّمت تلك الصورة في "باب الحارة"؟

حسن م. يوسف: ربّما أخذوا حالة مقنّنة، بمعنى ضيعة أو حيّ من "دمشق"، "حارة الضبع" هكذا كان الناس فيها، وعمموا ونمّطوا الحال

زاهي وهبي: وصار المسلسل يُقلّد لأنه نجح. مسحة السُخرية التي عندك في كتاباتك وأنت كما قلنا تكتب القصة والمقالة، حتّى في بعض مقالاتك الآن في جريدة "الوطن" فيها أحياناً مسحة السخرية هذه، من أين؟       

حسن م. يوسف: مسحة السخرية هذه هي من ضعفي. هي السلاح الذي أُدافع فيه عن كياني الضعيف. اكتشفت هذه القوة منذ أن كنتُ صغيراً. أنا لستُ فاعِلاً في "المغالبين" أو في الصراع لكن كان لساني

زاهي وهبي: بسبع فراشات مثلا؟

حسن م. يوسف: صاروا يخافون من لساني، بعد ذلك اكتشفت أنّ هذه قوة، وأنا قررت أن أستخدِم هذه القوة دائِماً للدفاع عن ضعفاء، حقيقةً، ولم أخُن هذه الأمانة، اعتبرتها أمانة

زاهي وهبي: إلى جانب كلّ الذين عدّدناهم أو الذين عدّدهم صديقك الأُستاذ "محمود"، علاقتك بالموسيقى جيدة؟

حسن م. يوسف: علاقتي بالموسيقى، لولا الموسيقى لكُنتُ مجنوناً سارِحاً في البراري. الموسيقى هي الرئة الثالثة التي أتنفّس منها عندما تُسدّ عوالمي كاملةً

زاهي وهبي: دعنا نُسمعك القليل من الموسيقى بأنامل ابنتك، كريمتك "مايا"

حسن م. يوسف: شكراً  

{صورة صوتية لعزف "مايا حسن م. يوسف" لمقتطفات موسيقية على القانون}

زاهي وهبي: وأيضاً، ليس فقط الكتابة وهذه الصورة من تصويرك التي شاهدناها لابنتك، طبعاً نرجو لها التوفيق سيّدي. علاقتك بالتكنولوجيا الحديثة جيّدة، في مواقع التواصل وفي الكومبيوتر وفي هذه القضايا؟

حسن م. يوسف: أعترِف لك بأنّه لو كان الأمر بيدي لكنت أعيش في "بغداد" في بداية القرن الرابع الهجري أو في "أثينا" في القرن الرابع قبل الميلاد. أنا لم أختَر زمني، ولكن في هذا الزمن، من المفاتيح السحرية لعصرنا، الحاسب. أيّ شخص يعيش في هذا الزمن ولا يُحسِن استخدام الحاسب هو مثل شخص يعيش تماماً في عصر ورأسه في عصرٍ آخر. الحاسب مكّنني، أنا عندي في حقيبتي في الحاسب المحمول عندي مراجع وموسوعات لو شئت أن أحملها على الورق لاحتجتُ إلى عشر قاطرات ومقطورة

زاهي وهبي: وأشكرك على موسوعة الشعر العربي

حسن م. يوسف: لا تشكرني لست أنا من أرشفها

زاهي وهبي: لا، لكن أنك قدّمتها لي، كلّك ذوق

حسن م. يوسف: هذه الموسوعة أنا اعتبرتها أهمّ هدية تلقيتها في حياتي

زاهي وهبي: كلّ الشعر العربي على سي دي بهذا الحجم

حسن م. يوسف: 15 غرامً. كلّ من كتب شعراً قبل عام 1953، ثلاثة ملايين ونصف المليون بيت من الشعر مُدقّقة ومُشكّلة بشكلٍ صحيح. أنا في رأيي أنّه لولا الكومبيوتر توجد أشياء كثيرة. الآن لم أعُد أنا أستنِد إلى ذاكرتي، عندما أستنِد إلى ذاكرتي أُخطئ صدّقني

زاهي وهبي: لأنّ الذاكرة تخون أحياناً طبعاً. ما هو أكثر عمل تعتزّ بأنّك كتبته؟

حسن م. يوسف: اعتزاز؟

زاهي وهبي: نعم

حسن م. يوسف: والله، لا يوجد اعتزاز صراحةً

زاهي وهبي: في كلّ الأعمال؟

حسن م. يوسف: لا يوجد اعتزاز لأنّ كلمة اعتزاز كبيرة

زاهي وهبي: أكثر عمل تُحبّه؟ أو تشعُر بأنه قُدِّمَ حسب الرؤية التي كانت في ذهنك وأنت تكتُب؟ 

حسن م. يوسف: أنا أحببت مسلسل "نهاية رجل شجاع"

زاهي وهبي: هكذا توقّعت. من هو أكثر مُخرِج يُجسِّد الرؤيا التي تكون حضرتك وضعتها في سيناريو؟

حسن م. يوسف: أنا لم أعمل سوى مع "نجدت أنزور" تقريباً. "أيمن زيدان" أيضاً أخرج " ملح الحياة" و"شوقي الماجري" أخرج الجزء الثاني من "إخوة التراب". لكن صراحةً في رأيي "نجدت أنزور" هو مكسب حقيقي وهو رافعة حقيقية للارتقاء في الصناعة الدرامية السورية لأنّ الصورة عنده تُفكِّر. هذه ميزة "نجدت" وهي ميزة مفتاحية لأنّه في النهاية ما هي الدراما؟ الدراما هي حكايات تُحكى من خلال الصور

زاهي وهبي: مَن مِن الممثلين والممثلات تفرح حين تراهم أو تشعُر بمتعة العمل؟

حسن م. يوسف: والله ليسوا قلائِل، خاصة السوريين ولكن في زمانه "خالد تاجا" رحمه الله صار موقفاً بيني وبينه فريداً من نوعه فعلاً

زاهي وهبي: وهو؟

حسن م. يوسف: قال لي: "ما هذا النص الذي كتبته؟"، هكذا هو يتحدّث بشكلٍ هجومي. قلت له: "ما به؟"، قال لي: "يا رجل أنا واحد مطقطق"، قلت له: "ماذا يعني هذا؟"، قال لي: " لا يمكنني أن أقوم بأي شيء إلا بعد أن أضيف وأحذف أشياء"

زاهي وهبي: نعم، بهار وفلفل

حسن م. يوسف: قال لي: "حوار الأب في الجزء الأول من إخوة التراب صبّة باطون، لا يمكنني أن أجد فاصلة". قلت له: " أريد أن أسألك أُستاذ خالد، الدموع التي نزلت من عينيك وأنت في مقطع القبر حينما الأب يبدأ بمخاطبة ربه ويقول يا ربّ لا اعتراض على حُكمك لكن أنا اكتفيت خذني لعندك، هل كانت تلك الدموع تمثيلاً؟  قال لي: "لا والله"، قلت له: "أتعلم لماذا؟" قال لي: "لماذا؟" قلت له: " لأنني أنا بلّلَت دموعي الـ key board أثناء كتابتي المشهد"

زاهي وهبي: أي أنت تعيش الحال

حسن م. يوسف: لا أعيش الحال، الحوار بالنسبة لي أنا أضعه في الفم وليس أنه فقط حوار ذهني

زاهي وهبي: تعطيه حياة

حسن م. يوسف: حيث يجب أن يتنفّس الممثل أضع له فاصلة، حيث يجب أن يقف أضع له نُقطة، حيث يجب أن يتساءل أضع له إشارة استفهام لكنني لا أرش إشارات

زاهي وهبي: الممثل يجب أن يكون مسروراً ومرتاحاً بأنه يعمل في سيناريو من هذا النوع. هلّ من رواية عندك رغبة أو تمنٍّ أن تحوّلها إلى عمل تلفزيوني؟

حسن م. يوسف: والله عندي أكثر من رواية، صراحةً، في السنة الماضية إبن " يحيى يخلِف" اتصل بي واتفقنا وكتبت له خمس حلقات عن رواية والده التي هي

زاهي وهبي: الروائي الفلسطيني المعروف

حسن م. يوسف: الروائي الفلسطيني المعروف وأنا أوجّه إليه التحية لأنّه قامة إبداعية حقيقية كبيرة، والرواية لا علاقة لها بالسياسة، ولكن العرب لم يعودوا يريدون "فلسطين" خاصّةً الأغنياء، عرب الخليج، لم يعودوا يريدون "فلسطين"، وأنا قلت له هذا الكلام قبل أن نوقِّع العقد

زاهي وهبي: لا يُمكننا أن نُعمم أُستاذي، ما ذنب الناس؟ يُمكننا أن نتحدّث عن سُلطات ولا يمكننا أن نقول عرب الخليج الكبير منهم والصغير

حسن م. يوسف: نعم، أنا لا أعني طبعاً الإنسان العادي في "دبي"، أعني الذين يتحكّمون بقرارات

زاهي وهبي: تعني صنّاع القرار

حسن م. يوسف: صناع القرار في المؤسسات الإعلامية. فعلاً أنا أحببت رواية اسمها "الوباء" لكاتب سوري كبير اسمه "هاني الراهب"، أتمنى في يوم من الأيام لو أمكنني تحويلها إلى سيناريو. أجريت في مرّة معالجة لها ولكن في ذلك الوقت قالوا لي أنّ فيها خيانة زوجية والآن هذا صار مطلوباً

زاهي وهبي: أُستاذي في الختام علاقتك بـ " الدالية" قريتك اليوم كيف هي هذه العلاقة؟ هلّ تتردد عليها؟ هلّ تعيش فيها؟ علاقتك بالطبيعة بالصمت أحياناً وبالتأمل، كيف هي؟

حسن م. يوسف: "الدالية" هي فضاء سحري أستطيع فيه أن أُمارِس كلّ أنواع الحركة، حركة الجسد وحركة الروح. أحياناً أُحقّق حلمي الطفولي في أن أطير، أطير مع الغيوم أحياناً. أنا أفيق مع الفجر وأُراقب الفجر إذا كان جميلاً ألتقط له صورة وأضعها على "الفيس بوك" وإذا لم يكن جميلاً أحتفظ بالرماد لنفسي

زاهي وهبي: على كلّ حال ولو مجازاً، طرت في الأعمال التي ذهبت عبر الأثير، الأعمال التلفزيونية. هلّ في الجُعبة مُتّسع لمزيد من الأحلام؟

حسن م. يوسف: أنا أعتقد أنّه من دون أحلام يفقد الإنسان أهمّ مكونات شخصيته كإنسان

زاهي وهبي: أُستاذي أشكرك كثيراً وأتمنّى لك كلّ الخير

حسن م. يوسف: شكراً لك

زاهي وهبي: ومن خلالك لـ "سوريا" ونرجوا أن تزول هذه المحنة، ولكلّ مطارِح الوجع العربي وهي للأسف كثيرة جداً، ولكننا نفرح ونُسعَد بمبدعينا، بمثقفينا، بكتّابنا خصوصاً ممن يحملون هماً تنويرياً. أُكرر الشُكر أستاذي

حسن م. يوسف: شكراً لك

زاهي وهبي: والشُكر لفريق العمل، لمُخرج البرنامج الأُستاذ "علي حيدر"، للمنتجة "غادة صالِح"، لمُشاهدينا الكرام في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله