إسلاميون...وبعد

برنامج حواري أسبوعي، يعنى بشؤون الجماعات الإسلامية منذ نشأتها الى حاضرها، مع استعراض لمشروع وعقيدة كل منها، دون إغفال المرور على الوضع الراهن، وأخذ وجهة نظر ضيوف الحلقات به.

مستقبل تيار الجهاد العالمي وصراعاته الداخلية(1)

 

محمّد علوش: لا يُخفى على عاقلٍ حجمَ الغلوّ والتطرّف الذي بلغته السلفية الجهادية حالياً في تنظيم الدولة الإسلامية بعد سلسلةٍ من المخاضات والتحوّلات التي نقلت هذا الفكر من موقعٍ إلى آخر.

ومع اشتداد الصراع داخل بُنية الجماعات المُنتسبة إلى السلفيات الجهادية كما هو ملحوظٌ في سورية وغيرها، يصبح السؤال المحوريّ في النقاش، هل بلغت السلفية الجهادية أقصى مديّاتها؟ وهل نحن على أعتاب مرحلة ما بعد السلفية الجهادية على غِرار ما كان يُحكى عن مرحلة ما بعد الإسلام السياسي؟

في هذه السلسلة التي تمتد على جزءين، نحاول أن نقرأ في خارطة السلفيات الجهادية في العالم العربي، كما نحاول أن نستشرف مستقبلها مع ضيوفنا الدكتور أحمد موصلي أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية في بيروت، الدكتور مروان شحادة وهو خبيرٌ في الحركات الإسلامية، والأستاذ هادي يحمد وهو إعلاميٌ وباحثٌ في الحركات الإسلامية. فأهلاً ومرحباً بكم.

نرحّب بكم ضيوفنا الكرام. أهلاً وسهلاً بكم. أبدأ معك دكتور أحمد موصلي لأسأل في ما يتعلّق بظاهرة السلفية الجهادية الآن، بعد عدّة مخاضات مرّت بها. تقييمك الآن لهذه الحال في أية حال أصبحت؟

 

أحمد موصلي: طبعاً الحال اليوم هي حال متقدّمة على مستوى انتشار الفكر السلفي الجهادي في العالم بأسره، وليس فقط في العالم العربي، باكستان، أفغانستان، أوزباكستان، الشيشان، وفي أماكن عديدة في أوروبا نسبياً أصبح لها حضور وازن على حساب الحركات الإسلامية الأخرى. الحركات السلفية الجهادية أساسها فكر وهّابي   سلفي، ولكن أيضاً مدعوم مالياً من قوى خاصة في الخليج وفي أماكن أخرى كتركيا وغيرها.

الإشكالية الكبرى اليوم أنّ هذا الفكر لم يبدأ اليوم، هو نتاج تراكمات تاريخية وأعمال دَعَوية إذا جاز التعبير عبر حوالى 40 سنة من العمل الدؤوب من أجل نشر الفكر الوهّابي السلفي. التغيّرات السياسية حوّلت هذا الفكر من فكر دعوي متشدّد إلى فكر سلفي جهادي أكثر تشدّداً بسبب الانقلابات التي شهدها العالمان العربي والإسلامي في الداخل وفي العلاقة مع الخارج، هذه نتاج الحركات السلفية الجهادية اليوم جزء منها ردّات فعل على الخارج، لكن أكثر منه هو ردّ فعل على الأنظمة القائمة اليوم، وخاصة لاحظ انتشار هذه الحركات بالمعنى الذي نتحدّث فيه اليوم جاء بعد أو مع فشل قيام الثورات في العالم العربي، ما أدّى إلى تنشيط هذه الحركة، ضرب الفكر القومي العربي وضرب الفكر الإسلامي العام سواء جناح الإخوان المسلمين أو غيره من الإسلام السياسي، ضُرِبت في العالم العربي والإسلامي تقريباً، ما أدّى إلى انشطارات داخل فكر الإسلام السياسي وحركات الإسلام السياسي ما أدّى إلى صعود أكبر وأشدّ فتكاً من حركات السلفية الجهادية.

 

محمّد علوش: تجاه السلفية الجهادية، أي عملية رحلة أو هجرة من الإسلام السياسي إلى السلفية الجهادية.

 

أحمد موصلي: هي تسلسل من الأعمال والحركات.

 

محمّد علوش: جميل، مدخل جيّد على الأقل دكتور في ما يتعلّق بأن فشل الثورات أو ما يُعرف بالانتفاضات العربية أدى إلى صعود هذه الحال. البعض يقول كذلك دكتور مروان.

أريد أن أسأل، هل تتّفق مع مَن يرى أنّ الموضوع غير مرتبط بالكليّة مع الأحوال والظروف التي مرّت بها الأمة العربية خلال الانتفاضات العربية بقدر ما هو نتاج لفكر تاريخي؟

 

مروان شحادة: أول جماعات الإسلام السياسي كانت تنادي بالانقضاض على هذه النظم السياسية وتصفها بالنظم المرتدّة هي الجماعات الجهادية، كما تعلم، تعقيباً على ما ذكره الدكتور أحمد، التطوّرات التي مرّت بها الجماعات الجهادية جاءت من القتال المحلّي للنُظُم، العدوّ القريب، ثمّ انتقلت إلى الجهاد التضامني في أفغانستان، ثمّ إلى الجهاد العالمي بعد تشكيل الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان على يد أسامة بن لادن في أفغانستان.

أنا أعتقد أنّ تركيز الخطاب السلفي الجهادي في مكوّناته السياسية نحو النُظُم السياسية العربية على اعتبار أنّها سرقت أو نهبت أو استأثرت بالثروة والسلطة، وممارسة هذه النُظُم للقمع والاستبداد عبر سنوات طويلة وتبعيتها للغرب وتحالفاتها مع الغرب، كلّ هذه الأسباب كانت محاور خطاب الجماعات الجهادية، وهي المحاور التي تستند إليها في عمليات الاستقطاب والتجنيد، وهذا ما أثّر في الواقع على تشجيع المكوّنات الاجتماعية في المجتمعات العربيّة للتركيز على هذه المحاور في الثورات العربية، بغضّ النظر عن انتمائها الأيديولوجي سواء كانت وطنية أو اشتراكية أو إسلامية.

 

محمّد علوش: في الحال التونسية على سبيل المثال، أستاذ هادي، لا تُعتبَر الانتفاضة التي حصلت أو الثورة قد فشلت في تونس، عملية التحوّل الديمقراطي حاصل وواقع، والآن نجد نوعاً من المواءمة ما بين حتى الإسلام السياسي وما بين الدولة البورقيبية في الأساس التي كانت طبعاً في مواجهة مستمرة تاريخياً مع الإسلام السياسي. رغم ذلك، نجد أن عدد التونسيين المنخرطين في الجهاد الدولي أو المُعولَم نسبة عالية جداً، ربما تأتي ما بين المرتبة الأولى أو الثانية تنافساً مع السعودية برقم يُضاهي حوالى 3000 مقاتل.

هل يمكن أن نفسّر في الحال التونسية، تنسحب بنفس التحليل الذي تفضّل به الدكاترة، أم هناك تفسير آخر وفق رؤيتك أستاذ هادي؟

 

هادي يحمد: بالضبط أستاذ محمّد، أنا أميل إلى القول بأنّ الظاهرة لا ترتبط بالضرورة بمسألة الوضع السياسي أو القمع السياسي، من الممكن أن يكون القمع السياسي محفّزاً للسلفية الجهادية أو الحركات الإسلامية العنيفة في البروز، ولكن ليس عاملاً محدّداً، عندما نفسّر تعقيباً أو مواصلة في كلام الأستاذين، عندما نفسّر فورة الحركات، حركات الإسلام الجهادي في الوقت الحالي، بمسألة الربيع العربي وقمع الأنظمة العربية بشكل عام، أعتقد أنّ التوصيف إلى حد ما جزئي، لأنه في الحال التونسية بالذات أثبت هذا التفسير محدوديّته. التجربة التونسية في كل الحالات تعيش مخاضاً أو تجربة إلى حد ما ديمقراطية، ولكن هذا لم يُعفِ ولم يمنع من تمدّد التيّار في تونس. طبعاً أحد التفسيرات التي قُدّمت وقدّمها رئيس حركة النهضة في فترة مُعيّنة، أنّ تغوّل السلفية الجهادية في تونس ناتج من القمع السياسي الذي مورِس على هذا التيّار إبّان حكم بن علي، وفي فترة أساسية في فترة حكم بن علي، غير أنّ واقع الثورة في ما بعد، مجال الحريّة الذي توفّر لهذه الحركات وفتح المجال السياسي لكلّ المَظاهِر، الحركات الإسلامية، لم يمنع من استمرار واستعمال العنف بالنسبة إلى التيّارات السلفية.

 

محمّد علوش: لكن هنا توجد إشكالية ينبغي توضيحها أستاذ هادي، هل هي هذه الحركات كانت موجودة أصلاً لكنّها مقموعة ولم تظهر إلى الشارع وبالتالي برزت بعد الثورة، أم أنّ الثورة كانت عاملاً لتضخيم وزيادة في عدد هذه الظاهرة؟

 

هادي يحمد: هو تحصيل حاصل أو العارفون، دعنا نقول، بالتيّار السلفي الجهادي في تونس يعلمون أنّ التيّار كان موجوداً، نشط بقوّة في فترة 2000 خاصة بعد الغزو الأمريكي في العراق وعمليات الترحيل والتسفير إلى العراق، كان ثمّة مشكلة أساسية في ذلك الوقت، أنهى بن علي صراعه مع الحركة الإسلامية الممثّلة بحركة النهضة، فجأة برز هذا التيّار في أوائل سنة 2000، نتذكّر جيّداً عملية انفجار جربة، العملية التي قام بها تونسي يدعى نزار نوّار، تكوّن على أحد أيدي القاعدة في الخارج ثم أُرسل إلى تونس، كانت هذه البداية مع التيّار سنة 2000، وفي نيسان 2001 سجّل التيّار السلفي الجهادي والذي كان طبعاً في تلك الفترة موالياً للقاعدة أول عملية له في تونس، ثمّ طبعاً شهدت سنوات الألفين تدرّجاً في تغوّل التيّار، أصبحت عمليات التسفير شديدة الكثافة إلى العراق إبّان الغزو.

 

محمّد علوش: لكن نستشفّ من كلامك، وهنا أتحوّل إلى الدكتور أحمد موصلي، على أنّ العامل الإقليمي كان لاعباً حاسماً في بروز هذه الظاهرة وانطلاقها من الصراع الداخلي القومي الوطني إلى أفق أوسع وهو المناطقي.

 

أحمد موصلي: صحيح.

 

محمّد علوش: تعقيب لحضرتك دكتور أحمد؟

 

أحمد موصلي: لا شك أنّ طبعاً جميع الحركات إسلامية أو غير إسلامية تتأثّر بما يجري في العالم العربي، نحن علينا ألا ننسى أنّ هذه الحركات بدأت بالبروز منذ غزو الولايات المتحدة للعراق، لكنّها كانت موجودة سابقاً. القاعدة هي حركة سلفية جهادية، نحن لا نتحدّث عن تيّار فجأة نشأ، هو كان وما زال يتطوّر إذا جاز التعبير، ينمو في العالم كله بشكل أكبر، اليوم كان لديك قاعدة، اليوم لدينا قاعدة، ولدينا داعش، ولدينا غيرها من الحركات، أحرار الشام، وجيش الإسلام وغيرها من الحركات، أي لا يمكن النظر فقط إلى نقطة تاريخية مُعيّنة ونقول أنها بداية هذا العمل.

نتذكّر أيام السادات، كان لدينا الجماعة الإسلامية، وكان لدينا الجهاد الإسلامي، استعملوا الفكر والعمل الأمني العسكري كما حصل على مستوى المنطقة والعالم في ما بعد، واغتيال السادات نموذج من هذه الأمور.

 

محمّد علوش: لكن هناك مفارقة دكتور أنّه في زمن السادات، والآن يصحّح لنا الدكتور مروان إذا كنّا مخطئين، برز أيضاً ما يُعرَف بتيّار التكفير والهجرة في زمن، في فترة انفتاح على الحركة الإسلامية، في زمن السادات خلافا لعبد الناصر كان هناك انفتاح ورغم ذلك برز التيّار الجهادي أعمق وأكبر ممّا كان متوقّعاً في أيام عبد الناصر؟

 

أحمد موصلي: صحيح، لأنّهم يعتبرون أن هناك صراعاً مع الإخوان المسلمين، وانفتاح الرئيس السادات وغيره من الأنظمة كان مع جماعة الإخوان المسلمين، ثمّ حدث الإختلاف معهم في ما بعد، بعد اتفاقية كامب دايفيد، لذلك كنا نقول أن هناك جزءاً كبيراً من الحركة السلفية هو انشطار عن الحركة الأم الإخوان المسلمين، أو انشطار في ما بعد عن القاعدة نفسها. هناك تنامٍ كبير وهائل جداً لهذه الحركة منذ أفغانستان، في العام 79، وخاصة أنه رافقتها ثورة إسلامية.

 

محمّد علوش: تقصد في إيران.

 

أحمد موصلي: في إيران، فصار هناك نوع من دعم لهذه الحركات، ليس للإخوان وسأقول لك لماذا، دعم لهذه الحركات للوقوف ضدّ ما اعتبروه الانتشار الإيراني في العالم العربي ودخولها في العالم العربي، فحدث مثلاً دافع عند المملكة العربية السعودية لتنشيط هذه الجماعات للوقوف ضدّ جماعات كحزب الله على سبيل المثال، أما الإخوان المسلمون فهم من الناحية الأيديولوجية أعداء للمملكة العربية السعودية، صحيح أنّ فكرهم إسلامي ولكن فكرهم الإسلامي.

 

محمّد علوش: هو بديل لما هو مطروح في السعودية.

 

أحمد موصلي: صحيح. أنا رأيي ما نراه اليوم هو ليس صراعاً سنيّاً شيعياً، هو صراع سنّي سنّي على روح الإسلام أو تفسير الإسلام السنّي في القرن الواحد والعشرين، وبالتالي ترى اليوم أن المملكة العربية السعودية تصرّفت بشكل لم تتصرّفه من قبل، منذ نشوئها، ما يدلّ، الذي كنت أقوله، استشعارها بخطر وجودي من هذه الكائنات الإسلامية، سواء كانت الثورة في إيران أو جماعة الإخوان المسلمين أو جماعة الإسلام السياسي، حزب التحرير أو غيره من الجماعات.

 

محمّد علوش: تجد أنّ السعودية عامل مُلتبس على الأقل ومُريب في ما يتعلّق ببروز وظهور وتوظيف السلفية الجهادية وليس على خصومة مباشرة معها؟

 

أحمد موصلي: بالعكس تماماً، هي في الأساس هي مؤسّس هذه الجماعات لكنها افترقت معها على أمور عندما اعتبرت هذه الجماعات أنّ النظام الحاكم في المملكة لا يمثّل الوهّابية الحقيقية، أنت تتحدّث عن وهّابية ليست بحقيقية كما كانت، أنت إن عدت ودرست وأكيد درستها، نشوء الدولة في المملكة العربية السعودية.

 

محمّد علوش: المرحلة الأولى تقصد؟

 

أحمد موصلي: طبعاً.

 

محمّد علوش: مع محمّد بن عبد الوهاب؟

 

أحمد موصلي: محمّد بن عبد الوهاب وحتى قيام المملكة الحالية كان بشكل مشابه لما تقوم به داعش.

 

محمّد علوش: كنشأة الدولة؟

 

أحمد موصلي: نشأة الدولة، ولاحقاً انتظمت عام 32، وأصبحت كيانًا ضمن حدود.

 

محمّد علوش: على كلٍ، الرؤية التي تقدّمها حضرتك هي رؤية على الأقل مُعتبَرة لدى قطاع كبير من الباحثين. دكتور مروان، بداية هل تتّفق بالفعل على أن المنشأ هو منشأ سياسي لهذه الحركات السلفية الجهادية، وتحديداً منشأه من الملكيات العربية بما فيها إلى حدّ ما تمّ توظيفها كما يُقال، أنه حتى الأردن لعب دوراً في ذلك على اعتبار أن بعض قيادات التيّار السلفي الجهادي هم أردنيون، لو بدأنا بأبي مصعب الزرقاوي وهو مؤسّس الحال الثانية، الآن لو نتحدّث عن المرشدين بين قوسين لهذه الحركات، نتحدّث عن أبي محمّد المقدسي، نتحدّث عن أبي قتادة الفلسطيني وكلاهما أيضاً أردني.

أحمد موصلي: كبار المُنظّرين.

 

محمّد علوش: يُضاف إلى شخصيّات أخرى فضلاً عن مقاتلين يُعتبَرون شرعيين داخل حركات السلفية الجهادية الآن في سورية.

 

مروان شحادة: ربما أختلف في هذا التوجّه معك ومع الدكتور أحمد.

 

محمّد علوش: أنا أطرح، وليس لديّ توجّه.

 

مروان شحادة: أو الموقف أو الطرح. في الواقع هذه الجماعات تعتبر هذه النُظم أنها نتاج أو مُخلّفات لاتفاقية سياكس وبيكو، على اعتبار أنها دول قومية جاءت لهدم الخلافة الإسلامية أو كنتاج لإسقاط الخلافة الإسلامية، وبروز جماعات الإسلام السياسي قاطبةً بغضّ النظر إن كانت إصلاحية أو جذرية، كلّها جاءت لاستئناف أو لاستعادة الخلافة الإسلامية، ولكن بطرق شتّى. الجماعات ليست واحدة، ربما الأيديولوجيا أنه استند تراث هذه الجماعات الجهادية إلى مقولات سيّد قطب وأبو الأعلى المودودي، وكذلك إلى علماء الدعوة النجدية، وربما هذا أثّر في ما بعد على التوجّهات والخلافات التي وقعت ما بين القاعدة وما بين تنظيم الدولة، وأنا أعتقد أنّ العلاقة الصِدَامية ما بين النُظم السياسية ما زالت قائمة منذ نشوء هذه الجماعات وهذه الحركات، وإن كانت هناك علاقة شعبية على الأقلّ أو علمية ما بين علماء في السعودية، سواء كانوا السابقين أو اللاحقين، وما بين هذه الجماعات من خلال الاستناد إلى تراثهم العلمي.

 

محمّد علوش: ليس بتوصية أو بإيعاز من السلطة السياسية الموجودة؟

 

مروان شحادة: بالتأكيد لأنّ السلطة كما ذكر الدكتور أحمد بالفعل هي تعاني من هذه الجماعات، لأنّها تشكّل تهديداً حقيقياً لشرعيتها، وكذلك تشكّل تهديداً حقيقياً لكيانها ووجودها، وأنا أعتقد أنّ المؤشّرات القوية لوجود هذه الدول ضمن التحالف الدولي لمحاربة ما يُسمّى بالإرهاب هو نتيجة التهديد المُباشر لهذه النظم السلطوية.

 

محمّد علوش: سأعود إلى الموضوع الأردني، لكن يهمّني قبل أن أذهب إلى فاصل، يهمّني رأيك أستاذ هادي، يُحكى عن خصوصية تونسية في كثير من القضايا.

الآن هناك خلاف على صعيد السلفية الجهادية بين أكثر من تيّار. هل أيضاً هناك خصوصية على مستوى السلفية الجهادية في المغرب العربي عما هو في المشرق العربي؟

 

هادي يحمد: خصوصية بالمعنى الجذري لا طبعاً، لأنّ نفس الأدبيات تقريباً التي تستعملها السلفية الجهادية في تونس مثلاً، مثلاً في أنصار الشريعة وبعض التنظيمات المتفرّعة عنه تستند إلى نفس.

 

محمّد علوش: كل الأدبيات تؤخذ من علماء نجد ومن المرويّات الموجودة، سيّد قطب؟

 

هادي يحمد: هذا مثلاً أحد خصائص السلفية الجهادية التونسية، أنّها سلفية جهادية ليس لها مرجعيات محلية، أي لا تستند إلى أدبيات محلية بخلاف مثلاً السلفية الجهادية في الأردن أو في  العراق أو في السعودية أو في مصر كلّ تقريباً أدبيات السلفية الجهادية التونسية هي أدبيات مستورَدة، تقريباً المرجعية الوحيدة التي هي موجودة في تونس حالياً، المعروف بالخطيب الإدريسي، هو شيخ ضرير في الستين من عمره درس في السعودية، يُعتبَر مرجعاً للتيّار في تونس طوال العشرين سنة الأخيرة تقريباً.

 

محمّد علوش: هو كان أستاذاً لأبي عيّاض التونسي؟

 

هادي يحمد: لا، هو وُجِد في فترة سابقة لأبي عيّاض، التحق بالعربية السعودية وهنا ألتقى ربما مع الأستاذ أحمد في الرجوع إلى أصل الإشكال أو منابت السلفية الجهادية، درس في العربية السعودية وتتلمذ على ابن باز وعلى الأئمّة الرسميين للعربية السعودية، إلى اليوم حتى في محاضراته التي قدّمها في العديد من مساجد العاصمة إبّان فترة العامين 2012 و2013، كان يستند إلى ابن عثيمين، إلى ابن باز كمرجعيات لأفكاره، بالرغم من أنّ السلفية الجهادية وهذا أعتقد أنه يشاطرني فيه الزملاء تقطع مع هذه السلفية الرسمية الموجودة في العربية السعودية، تقطع معها بحكم أنّها تعتبرها خادمة للسلطة الرسمية، ولكن برغم ذلك هو يحاول أن يوائم في فتواه ما بين المدرسة السلفية الرسمية وما بين السلفية الجهادية كتيّار.

 

محمّد علوش: الغريب في الموضوع أساتذة أنّ أغلب من ذهب من بلاد الشام أو من المغرب العربي إلى الدراسة في الجزيرة العربية عاد بفكر هو أقرب إلى السلفية الجهادية من الفكر إلى السلفية الرسمية السائدة أساساً في الجزيرة العربية.

أريد أن أسمع وجهة نظرك دكتور أحمد موصلي في هذا الجانب إذا كان صحيحاً التوصيف في الأساس، لكن بعد فاصل قصير.

مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في إطار هذه السلسلة التي تتناول واقع وخارطة السلفية الجهادية في العالم العربي، وتستشرف مستقبلها، مع ضيوفنا الدكتور أحمد موصلي وهو أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية، ومعنا أيضاً الدكتور مروان شحادة وهو باحث مُتخصّص في الجماعات الإسلامية من الأردن، ومعنا من تونس الأستاذ هادي يحمد وهو إعلامي متخصّص في الحركات الإسلامية.

أهلاً وسهلاً بكم مرة أخرى. دكتور موصلي قبل الفاصل سألنا في ما يتعلّق بطبيعة السلفية الجهادية، ونحن نعقّب على ما كان يقوله الأستاذ هادي. تقديرك التوصيف هل كان في محله في هذا الإطار أم يختلف قليلاً؟

 

أحمد موصلي: هناك سلفية تُسمّى دَعَوية، قائمة على الدعوة، وهي سلفية متشدّدة إذا نظرنا إلى المجال الفكري. تمّ تسليح السلفية في المناطق التي أرادت فيها السلفية الدعوية أن تحارب الآخرين، سورية، لبنان، العراق، مصر، وغيرها، ترى أنّ هذه السلفية ليست منعزلة عن السلفية عموماً، مع الإختلاف ضمناً، هناك خلاف ولكن السلفية الجهادية وخاصة المُسلّحة، يمكنك أن تكون سلفياً جهادياً لكن غير مسلّح.

 

محمّد علوش: غير مسلّح، أي على مستوى الفكرة فقط.

 

أحمد موصلي: صحيح تبرّر القتل، تبرّر الكذا ولكنك لا تمارسه، ككثير من الحركات في سورية، هي سلفية جهادية ولكنها لا تقوم بالقتل بنفسها، تشجّع الآخرين على القتل.

إذا عدنا إلى أفغانستان ترى أنّ الكثير من هذه الحركات أخِذت من قبل الدول، دول الخليج ومصر وغيرها، وباكستان، ليس صحيحاً أنه فقط الممالك، لا، الجمهوريات أيضاً، باكستان لعبت دوراً كبيراً في نشر هذه السلفية، في أفغانستان، في الجمهوريات الأخرى الموجودة اليوم، الشيشان، وداغستان كلها فيها حركات سلفية مميتة. أين حدث الإختلاف؟ حدث الإختلاف عندما قامت المملكة العربية السعودية بالسماح لأمريكا بدخول المنطقة عوض أن تكلّف السلفية قوى فيها بالقيام بصدّ صدّام حسين على سبيل المثال، اعتبروا أنّ هذه السلفية الدَعَوية المنبثقة من المملكة انقلبت على نفسها، لأنّها قامت بخرق موضوع أو القيمة المهمّة، قيمة الولاء والبراء، الولاء للإيمان والبراء من المُشركين، فإدخالها لأمريكا، لاحظ أسامة بن لادن وجماعته اصطدموا مع المملكة العربية السعودية عندما دخلت الولايات المتحدة بالتنسيق مع الملك فهد على ما أذكر في ذلك الوقت. لذلك نحن نقول أنه في الأساس هم واحد، وإذا قرأت حتى كتاب محمّد بن عبد الوهاب أو العلماء الذين ذكرهم الإخوة، هؤلاء يتّبعون نفس المنهج التكفيري للآخر.

 

محمّد علوش: لكن المفارقة دكتور، وهنا أتوجّه إليك دكتور مروان، أنّ الأغلب، على الأقل ما هو معروف إعلامياً ولا توجد إحصاءات دقيقة بشكل علمي، لكن الأغلب، ما هو معروف إعلامياً أنه من ذهب إلى الدراسة في الجزيرة العربية وعاد إلى بلاد الشام أو إلى المغرب العربي تأثّر بالسلفية الجهادية عن السلفية الدعوية التي تفترض هي الأساس والحضن الواسع والمحتضَن من قِبَل الدولة السعودية. هل له تفسير علمي هذا؟

 

أحمد موصلي: لا.

 

محمّد علوش: هل لديك تعقيب؟

 

أحمد موصلي: كنت أريد أن أكمل، أنّ الفكر نفسه السلفي الوهّابي يدعو إلى التكفير، يدعو إلى القتل.

 

محمّد علوش: بالأساس تقصد؟

 

أحمد موصلي: بالأساس واليوم، إذا قرأت حتى الكتابات الحديثة لعلماء الوهّابية نفسهم، لكن أين الخلاف؟ أنه خارج دول الخليج كالمملكة وقطر، يُفتَح الباب لها لممارسة القتل والتكفير وما إلى ذلك.

 

محمّد علوش: لا أعرف، ربما الدكتور لا يتّفق معك.

 

مروان شحادة: بالتأكيد لا أتّفق مع الدكتور أحمد، فعلى الرغم من أنه أُطلقت تسمية التكفيريين، إلا أن الكفر والإيمان في جوهر العقيدة الإسلامية، وهناك ضوابط شرعية لمسألة التكفير.

 

محمّد علوش: السلفية بحد ذاتها حتى في نسختها الوهّابية لا تدعو إلى هذا المجال؟

 

مروان شحادة: لا تدعو، هي تدعو للقتل أو للقتال في ظلّ ضوابط شرعية محدَّدة، ولكن أكبر دليل على ذلك أنها هي مكمّلة للسلطة السياسية في السعودية، هي السلطة الدينية.

 

محمّد علوش: لِمَ لا يُقال أنّ السلطة استطاعت أن تحتويها؟

 

أحمد موصلي: هكذا حدث.

 

مروان شحادة: أنا أعتقد أنها كانت سلطة دينية وسلطة سياسية واستثمروا بعض، كل طرف يعطي للآخر شرعية واستمرت هذه المزاوجة إلى يومنا المعاصر، على الرغم من تغوّل السياسي على الديني في السعودية الآن، السياسي والأمني متغوّل على الديني.

 

محمّد علوش: ماذا عن الدارسين في السعودية والعائدين إلى دولهم؟

 

مروان شحادة: هذه النقطة ربما فيها تفصيل نوعاً ما، أنا أعتقد أنّ السلفية العلمية التي تتّصف بالدارسين في السعودية هي الغالبة أكثر من السلفية الجهادية، السلفية العلمية كما هو معروف في المدارس السلفية ليست واحدة، هناك سلفية علمية وسلفية إصلاحية وسلفية جهادية، وهي في مراتب نشر الدعوة أو الفقه، إمّا أن تكون دَعَوية أو احتسابية أو جهادية، فكلّها تلتقي في المجال الدعوي ربما وتختلف في المجال الاحتسابي، من حيث أنّ تغيير المُنكر يأتي إما باللسان أو كدعوة أو باليد وهو أعلى المراتب أو بالقلب أضعف الإيمان. أنا أعتقد أن السلفية العلمية أو التقليدية هي الأكثر انتشاراً على مستوى العالم العربي، وربما تلتقي في مُجمَل خطابها مع السلفية الجهادية، ولكن تختلف في الجزئيات المتعلّقة بالحاكمية والحكم والعلاقة مع الحاكم، وأيضاً تختلف في استراتيجية التغيير على اعتبار أنّ السلفية العلمية تعتبر الحاكم بغضّ النظر إن كان إسلامياً أو وطنياً أو اشتراكياً هو ولّي الأمر، ولا يجوز الخروج عليه سواء سياسياً.

 

محمّد علوش: ولا يجوز الخروج عليه بأية حال من الأحوال والمناصحة تكون سراً أو تكون لكن بشكل غير خشن؟

 

مروان شحادة: صحيح، أما السلفية الجهادية فهي يمكن وصفها بالسلفية الجذرية لأنها لا تؤمن بالمجتمع على اعتبار أنه يجب تغيير هذه المجتمعات وتطهيرها من البِدَع والشرك، وكذلك النُظُم السياسية على اعتبار أنّها مرتدّة سواء على مستوى الولاء والبراء والحاكمية التي هي التشريعات الوضعية. لذلك أن تضع السلفية في سلةٍ واحدة هو من الأخطاء الكبيرة، ربما يلتقون ولكن استراتيجية التغيير لدى السلفية الجهادية هي من خلال استخدام القوة والعنف فقط. أما موضوع التكفير، فأنا أعتقد أنّه كما قلت لك، هناك ضوابط شرعية وضعها الفقهاء القدماء والمعاصرون في إطلاق حكم التكفير، وأظنّ أصبح هناك في الخطاب السلفي المُعاصر إشكالية كبيرة حول هذه المسألة، بحيث أحد المنظّرين وعلى رأسهم أبو محمّد المقدسي أطلق رسالةً بعد أن دَرَجَ الغلو والتطرّف لدى فئات مُعيّنة في تكفير الآخر وأسماها، أطلق عليها الرسالة الثلاثينية في التكفير.

 

محمّد علوش: علماً أنه لديه كتاب يكفّر الدولة السعودية، عنوانه "تكفير الدولة السعودية" أساساً هم يفرّقون ما بين تكفير النُظُم وبين تكفير المجتمع كما بعض السلفية الجهادية؟

 

مروان شحادة: كفر مُعيّن وكفر.

 

محمّد علوش: الإشكالية في الحال المغاربية، ليس فقط في الحال التونسية، هل السلفية الجهادية هي النمط الأغلب من السلفيات المُنتشرة هناك على غِرار على  سبيل المثال في سورية مثلاً أو في الحال العراقية؟

 

هادي يحمد: هو مواصلة وتعقيب لما ورد على لسان الدكتورين، أعتقد نحن أمام مدوّنة فقهية وأيديولوجية واحدة تنبع منها السلفية الجهادية والسلفية العلمية على حدّ سواء، نفس المصادر ونفس المراجع هي ذاتها التي يتّبعها السلفي الجهادي أو السلفي الذي يُقال أنّه علمي، عندما نعود إلى أحد مصادره نجده، ابن تيمية كقاعدة، أو.

 

محمّد علوش: لكن ابن تيمية يأخذ به علماء أيضاً من غير السلفيين وليس لديهم تطرّف مثلاً.

 

هادي يحمد: أساساً ابن تيمية او محمّد ابن عبد الوهاب، كتاب التوحيد يستند إليه الجهاديون كما يستند إليه العلميون، عودة إلى سؤالك، هذه القاعدة العامة فقط ممكن الاختلاف او الخلاف كما جاء على لسان الدكتور هو في قضية الولاء والبراء وقضية الحاكمية، هذه المفاهيم التي دخلت تقريباً في فترة السبعينات مع سيّد قطب ومع المودودي، هذه المصطلحات الجديدة التي دخلت إلى الفكر الإخواني.

 

محمّد علوش: أبرزها الجاهلية المُعاصرة.

 

هادي يحمد: بالضبط، أنا أختلف قليلاً مع الأستاذ مروان في علاقة بانتشار السلفية العلمية على السلفية الجهادية سواء في العالم العربي أو في المغرب العربي، أعتقد أنّ السلفية الجهادية هي الأكثر، دعنا نقول، جذباً وشبابية، هو التيّار الغالب، السلفية العلمية هي تقريباً بقيت في دوائر السلطان.

 

محمد علوش: كلام جيّد ومهم جداً، لكن هذا قد يكون له تفسير اجتماعي سوسيولوجي اقتصادي أكثر منه أيديولوجي بمعنى نصوصي مرتبط بالأدبيات؟

 

هادي يحمد: هو يرتبط بالأدبيات كما يرتبط بالسياسة أو بالأيديولوجيا.

 

محمّد علوش: أقصد أنا بما أن الفارق جيلي على هذا الصعيد، أي غير مرتبط بالأدبيات بقدر ما هو مرتبط بالسوسيولوجيا وبالأوضاع الاقتصادية التي تمرّ بها المجتمعات العربية؟

 

هادي يحمد: في كل الحالات أنا أعتقد أستاذ محمّد أن السلفية العلمية لم يثبت لها وجود حركي حقيقي في العالم العربي عموماً، في تونس إذا أردت ان نعطي مثالاً، نحن عندنا السلفية العلمية ممثّلة في أحد الشيوخ الذين تمدرسوا في السعودية وفي المساجد السعودية كالبشير بن حسين، يُعتبَر أحد مراجع السلفية العلمية، ولكن وجوده وحضوره في الساحة السياسية محدود إلى حدٍ ما، شبابياً ولا جماهيرياً يبقى وجوده منحصراً في حلقات مُعيّنة وقريبة حتى من السلطة السياسية، أصبح يتواءم وتواءم في فترة مُعيّنة مع حكومة الترويكا، الآن متوائم مع حكومة نداء تونس، هذه الصورة من الممكن أن تكون منفّرة للشباب الاحتجاجي السلفي الجهادي الذي يريد التغيير، وأعتقد أنّ هذه من النقاط المهمّة في العلاقة بالتيّارين، أنّ السلفية الجهادية لها شعبية بحكم ثوريّتها بين قوسين، بحكم احتجاجاتها وإرادتها في قلب الأمر، وهذا يمنحها جماهيرية ويمنحها قوة جذب.

 

محمّد علوش: وقد تكون تعبّر عن الغضب الشبابي تجاه الأوضاع السياسية والاقتصادية.

دكتور، تقديرك، هل بلغ أفق هذه الحركات أوجّه على صعيد الأدبيات في الأفكار، في الطروحات، بلغ أقصاه، مدياته العليا، بمعنى النص المؤسّس لهذا الفكر، إذا كنت، تماشياً مع حضرتك الذي طرحته قبل قليل بأن المصدر واحد والتكفير في الأساس هو قاعدة عامة، هل بلغ النص أقصاه في العطاء بمعنى في التجلّي الذي نشهده الآن في داعش، أو ربما نشهد ولادات أخرى لأن النصّ ما زال قادراً على الإنجاب؟

 

أحمد موصلي: النصّ تطوّر لدرجة اليوم أصبح أيديولوجيا متكاملة، وخاصة بعد دخول الخطاب القطبي، سواء الجاهلية أو التكفير أو قضايا أخرى، كان الخطاب السلفي بحاجة إلى تطوير فكري، أخِذ هذا التطوير ودُمِج بالسلفية الجهادية، قضية الجهاد عند سيّد قطب وقضية جاهلية العالم، تكفير، وبناءً عليه ليس تكفير الدولة فقط، تكفير المجتمع، تكفير الفرد.

 

محمّد علوش: التكفير المعين.

 

أحمد موصلي: مع ضوابط التكفير إذا لم تتم ممارسة أو تطبيق الشريعة الإسلامية على الجميع، لذلك أنا أعتقد هذا الخطاب بات أكثر حدّة مما كان عليه، مع وجود التكفير، مع وجود الرؤية، لكن تمّ بشكلٍ ما تنشيطها بفكر جديد من قِبَل سيّد قطب، ولاحظ أنت أنّ القيادة للقاعدة كانت ممّن يمثّل الوهّابية أسامة بن لادن، ومن يمثّل القطبية أيمن الظواهري، حصل تزاوج فكري بينهم أنتج هذه المنظومة.

 

محمّد علوش: وهي السلفية الجهادية.

 

أحمد موصلي: الجهادية التي خرجت منها أيضاً سلفية جهادية مُقاتلة لها علاقة بالسوسيولوجيا والاقتصاد والوضع السياسي الحالي. نحن لا يمكننا فصل مجرّد الأيديولوجيا، صحيح ما ذكرته أنّ من يذهب إلى السعودية، هناك كثيرون منهم يأتون ويتحوّلون لحال سلفية جهادية، السبب أنّ هذا الفكر بنفسه يدفع إلى هذا الأمر إذا لم تكن ضمن الضوابط الموجودة في الخليج على سبيل المثال، في المملكة العربية السعودية، أو الخروج على ولّي الأمر، لماذا؟ لأن السلفية الجهادية تبيح الخروج على ولّي الأمر عكس السلفية الدَعَوية.

 

محمّد علوش: هي تعتقد لم يعد وليّاً للأمر لأنه أخلّ بالعَقد الذي بينه وبين المجتمع، لكن هناك مفارقة دكتور مروان، المتتّبع لأدبيات تنظيم الدولة داعش على سبيل المثال يجد أن الآن هناك نوع من الإنتقائية في سلّم الطهورية الأدبية، بمعنى ما كان يؤخذ من كتب سيّد قطب ومقولات سيّد قطب والمودودي وكتب حسن البنّا أحياناً تُرفَق في بعض طروحات السلفية أصبح الآن منبوذًاً، حتى أبو مصعب السوري ويُعتبَر أحد منظّري القاعدة سابقاً هو يُطعَن بشرعيته الآن في تنظيم داعش، بمعنى أصبحت الأدبيات أكثر طهورية في ما يتعلّق بالانتقائية. تعتقد هي ظاهرة جديدة إذا كنت تتّفق معي أو مع من يقول ذلك؟ هل هي ظاهرة جديدة داخل هذا الفكر بمعنى أنه بدأ يبعد عنه كلّ ما ليس في أصله سلفيًا جهاديًا، أم هي نوع من المخاض السياسي بمعنى نتيجة الصراع القائم الآن في المنطقة والتحدّيات التي يواجهها تنظيم الدولة على الصعيد العسكري تدفعها إلى أدبيات من هذا الشكل؟

 

مروان شحادة: بالتأكيد ما ذكرته حول وجود رؤية طهورية هي موجودة لدى القاعدة ولدى السلفية بشكل عام، على اعتبار سواء كانت السلفية العلمية أنّها تريد محاربة البِدَع والزلل والخلل في العقائد والخرافات وغير ذلك، وفي ما يتعلق بالجماعات الجهادية أيضًا، تريد تطهير المجتمع سواء على مستوى العقائد والأيديولوجيا أو على المستوى السياسي، الحكم وغير ذلك.

أنا أعتقد أنه في ما يتعلق بالأدبيات، ربما المرحلة التي تعيشها داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية تختلف عن التنظيمات الأخرى، على اعتبار أنّها تؤطّر وتؤسّس لمفهوم الخلافة والدولة، فبالتالي الأدبيّات التي تحدّثت عنها جماعات النكاية مثل القاعدة وغيرها من الجماعات، جماعة الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية في مصر كانت تتحدّث عن مرحلة النكاية بالعدو وهو النظم السياسية.

 

محمّد علوش: دخلنا في مرحلة التمكين بمفهوم تنظيم الدولة؟

 

مروان شحادة: طبعاً مرحلة التمكين، تنظيم الدولة يحاول أنّ يسلّط الضوء ويركّز على الأدبيات التي تتحدّث عن الانتقال من مرحلة الثورة أو النكاية إلى مرحلة الدولة وهي التمكين، فبالتالي كلّ الأدبيات أو الاجتهادات لنسمِّها، والنصوص المُجتزأة من أمّهات الكتب تتعلّق في مرحلة الدولة والتأسيس لمفهوم الخلافة المعاصرة في ظلّ حال الحرب، كما تعلم الأحكام تختلف في ما هي عليه في حال الحرب عمّا هي عليه في حال السلم، فبالتالي ستجد هذه المفارقة ما بين الفقهاء أو المنظّرين أمثال أبو مصعب السوري وهو لم يكن في يوم من الأيام قريباً حتى من القاعدة، كانت هناك إشكالية في نظرته التي اتّهم بها إنها إخوانية.

 

محمّد علوش: كان ناقداً، هو لمن لا يعرفه من المشاهدين، أنه هو كان ناقداً لحال القاعدة في بعض إجراءاتها، لكنه لم يختلف معها، هو قاتل في أفغانستان، ولكن ليس من الطليعة المقاتلة في سورية، لكن يحمل الفكر السلفي الجهادي.

 

مروان شحادة: لم ينخرط في صفوف القاعدة، واستمرّ في العمل الإعلامي مع حركة طالبان في كابول، فلذلك هو حتى وجوده في أفغانستان كان على خلاف وانتقاد للتجربة القاعدية بين قوسين، وهو يُعتبَر من المؤرّخين والذين نظّروا لتأريخ هذه الحركات الجهادية على مستوى العالم.

أنا أظنّ أنّ التراث الذي يحمله منظّرو تنظيم الدولة الإسلامية الآن يركّز على مفهوم الدولة والخلافة، ويعتبر أنّ الشرعية للإمام المتغلّب يجب أخذها بالسيف والقوة.

 

محمّد علوش: وهو ما يحصل الآن.

 

مروان شحادة: نعم.

 

محمّد علوش: في الحال المغاربية، هل برز الآن أو نحن بصدد إرهاصات لبروز مرجعيات للسلفية الجهادية تنافس الجانب الشرقي منها أو المشرقي منها؟

 

هادي يحمد: مثلا في تونس كما أسلفت لنا الخطيب الإدريسي ولكن الخطيب الإدريسي لم يُعرف عنه تنظيرات في السلفية الجهادية، أو دعنا نقول له بعض الكتابات المتعلّقة بالعبادات، صفة الصلاة وصفة الزكاة ومسائل شروح للقرآن، التجربة المغربية ربما كان فيها بعض الاجتهادات في المغرب الأقصى مع الحدوشي ومع الفزازي، كانت لهم بعض التنظيرات أو بعض التأصيلات للتيّار السلفي الجهادي، ولكن طبعاً الوضعية المغربية.

 

محمّد علوش: تتخطّى القُطر المغربي إلى بقية الأقطار المغاربية؟

 

هادي يحمد: بالضبط، الكثير من القيادات السلفية الجهادية المغربية في فترة ما بعد الثورة كانوا يتردّدون على تونس وعلى الحلقات الجهادية والمساجد التونسية لإلقاء الدروس في تلاقح، التجربة المغربية، المغرب الأقصى ربما تنظيرياً متقدّمة ولكن عملياً متأخّرة على التجربة التونسية، أقصد عملياً في الممارسة الجهادية اليومية في تونس، التجربة اليومية في تونس كما تعلمون المواجهات الحاصلة، تأسيس لبعض نواتات تنظيم الدولة، جُند الخلافة في أكثر من مكان.

 

محمّد علوش: كتيبة عُقبة بن نافع.

 

هادي يحمد: كتيبة عُقبة ابن نافع موالية للقاعدة، الحال الليبية طبعاً وبتعقيدات الحال الليبية ونشوء الدولة وتنظيم الدولة فرع الدولة في سرت، هذا كله أثّر على الحال التونسية وجعلها مرشّحة أكثر من غيرها لأن تلعب دوراً مهماً وخاصة في العملية السياسية الجارية.

 

محمّد علوش: أين موقع الجزائر من هذه الخارطة؟

 

هادي يحمد: الجزائر، دعنا نقول السلفية الجهادية في الجزائر بقيت في حد كبير موالية للقاعدة، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هو الذي يسيطر تقريباً على غالبية الجماعات المتواجدة أو المُتبقية في الجبال، جبال القبائل وتيزي وزو والمثلّث المعروف حول الجزائر العاصمة أو بعض الجبال القريبة من تونس، هناك فرع تنظيم جند الخلافة المُبايع لداعش موجود في بعض الجبال الشرقية المحاذية للحدود التونسية، ولكن في كلّ الحالات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ما زال له ثقل كبير.

 

محمّد علوش: وقيادته جزائرية، مختار بن مختار.

 

هادي يحمد: مختار بن مختار وأبو مصعب عبد الودود.

 

مروان شحادة: أنت تتحدّث عن كتيبة المرابطون والصحراء الغربية هي في مالي وموريتانيا ومُتاخمة للنيجر ونيجيريا، يسيطر عليها.

 

محمّد علوش: هل هناك مركزية؟

 

هادي يحمد: حتى هؤلاء أستاذ مروان، مختار بن مختار ما زال يوالي القاعدة.

 

محمد علوش: يتم الحديث عن لقاءات حتى تتمّ أحياناً في ليبيا، ليس فقط في الصحراء يحصل نوع من التنسيق بين هذه الجماعات.

 

هادي يحمد: هناك تنسيق حقيقي ما بين تنظيم القاعدة طبعاً في الجزائر وكتيبة عُقبة المتواجدة في جبال الشعانبي وطبعاً تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، ليس تنظيم الدولة الإسلامية، الذي ما زال يُبايع القاعدة. طبعاً هناك حركة أزواد الإسلامية الموالية وبعض منها والى داعش والبعض الآخر في شمال النيجر وشمال مالي، هناك تنسيق أكيد، حتى الضربات الجوية الأخيرة التي وقعت في ليبيا أشّرت أكثر من مرة إلى هذه الاجتماعات سواء بالنسبة لتنظيم الدولة المتركّز في سرت وأحواز، درنة ومنطقة صبراتة إلى حد ما وتنظيم أنصار الشريعة الذي ما زال على خلاف السائد، نحن نتحدّث كثيراً في ليبيا على وجود تنظيم الدولة، ولكن تنظيم أنصار الشريعة ما زال له ثقل كبير.

 

محمّد علوش: وهو قريب من القاعدة، هو يمثّل القاعدة.

كلّ الشكر والتقدير لك في نهاية الحلقة أستاذ هادي يحمد الإعلامي المتخصّص في الحركات الإسلامية، نشكرك دكتور مروان شحادة باحث متخصّص في الجماعات الإسلامية، وكذلك الشكر موصول للدكتور أحمد موصلي أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية، على أمل اللقاء بكم في الأسبوع القادم، نستكمل هذا النقاش ونحاول أن نستشرف مستقبل هذه التيّارات سواء كان على الصعيد التنظيمي أو حتى على صعيد الطروحات الأدبية. كلّ الشكر والتقدير لكم.

كما نشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة. وإلى اللقاء.