بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنانان زياد سحّاب وأحمد حويلي

عرفت الهوى هو الالبوم الأول الذي يجمع بين الملحن والفنان زياد سحاب والنمشد الديني أحمد حويلي... كيف يلغي الحب الحدود ويقرب التصوف بين قلبين وعقلين فنا وحياتيا وإيمانيا؟

زاهي وهبي: مساءُ الخير. تجربةٌ متميّزة فريدةٌ من نوعها جمعت فنّانين اثنين يأتي كلٌ منهما من منبعٍ ومشربٍ مختلِفٍ عن الآخر. الأوّل نشأ في رحم الموسيقى العربيّة الكلاسيكيّة وسطَ أُسرةٍ مُبدِعةٍ مثقّفةٍ بامتياز، والآخر جاء من أجواء الندب واللطميّات الحُسينيّة الشجيّة المؤثِّرة والتقيا في رحابة الإبداع الصوفيّ شِعراً وموسيقى وإنشاداً فكان النِتاجُ إبداعاً خالصاً انتزع الإعجاب والتصفيق وحاز رضى الذين تسنّى لهم الإصغاءُ إلى حلاوة العشقِ حين يغدو فنّاً جميلاً راقياً يُخاطبُ العقلَ والحواسَ مُجتمِعةً. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب، يفتحُ أبوابه للفنّانيْن المتميّزيْن "زياد سحّاب" و "أحمد حويلي"، أهلاً وسهلاً بكما. ربّما السؤال الأوّل الذي يخطُر على البال انطلاقاً من تجربتكما، ما الذي جمعكما معاً؟

زياد سحّاب: توجد الـ "مَن"  في البداية

زاهي وهبي: مَن الذي جمعكما؟

زياد سحّاب: في الشكل، أنا تلقّيت اتصالاً من صديقنا المُشترَك "رامي الأمين" الصحافي في قناة "الجديد"

زاهي وهبي: نعم، زميلنا العزيز

زياد سحّاب:  وأُوجِّه إليه التحية

زاهي وهبي: صاحب "مؤخرة" "الجديد" (يضحك)

زياد سحّاب: (يضحك) صاحب "المؤخرة" الشهيرة على قناة "الجديد"، قال لي أنّ الشيخ "أحمد حويلي" يرغب في المجيء إلى عندك ليستمع إلى الألحان الموجودة التي يمكنه أن يستخدمها في السي دي المُقبِل له، وكانت القصّص لا تزال في تلك المرحلة. في ما بعد، صارت الأشياء جدياً تسبقنا أكثر مما كنّا نجاريها

زاهي وهبي: قبل أن نتوسّع أكثر في هذه الأشياء، لماذا "زياد سحّاب بالتحديد ( يتوجّه بالسؤال إلى أحمد حويلي)         

أحمد حويلي: أنا مررت عبر أكثر من حقبة  وكان السؤال دائِماً، مَن هو الشخص الذي بإمكانه أن يوظِّف الصوت بكلّ غلافه، بكلّ قدراته ، في المكان الذي تشعر بنفسك يمكنك أن تؤدّي براحة. فمررت على أكثر من محطّة وطبعاً أوجّه إليهم كلّهم التحيّة لأنّها كانت في النهاية مثل تجربة نضوج مُعيّن

زاهي وهبي: أظنّ من أبرزهم الأُستاذ "زياد بطرس" و الأُستاذ "غسّان الرحباني"

أحمد حويلي: مجموعة. مرّت هذه التجربة، وأنا دائِماً أُسمِّيها تجربة برزخيّه، مررت بها مثل أية تجربة نضوج معرِفي وبحث عن حقيقة مُعيّنة. لماذا "زياد"؟ لأنّ "زياد" يُمكنني أن أقول، أوّل مَن شخّصَ، أخذ هذا الصوت وعرف كيف يوظّفه ضمن القالب الموسيقي وشعرت بأنني لستُ شخصاً آخر أو انتقلت من كوكب إلى كوكب آخر، شعرت بنفسي ما زلت ضمن الإطار

زاهي وهبي: قبل أن نطرح المزيد من الأسئِلة ونتوسّع أكثر في تجربتكما، نريد أن نراكما في "علامة فارقة" ثمّ نعود إلى الحوار

علامة فارِقة:

زياد سحّاب: "زياد سحّاب"، أُحبّ أن أُعرِّف عن نفسي فقط بأنني موسيقيّ

أحمد حويلي: "أحمد حولي"، مُنشِد صوفي، كلّ شيء يتحدّث عن العشق أعتبره رسالة أريد أن أوصِلها بصوتي      

زياد سحّاب:

— أنا بكلّ بساطة شخصٌ موسيقيّ، أفكِّر وأشتغِل موسيقى 24 ساعة في اليوم ولا أُحب هذا الشيء، لا أُحبّ هذا الشيء. أنا دائِماً أقول للشيخ "أحمد" لو توجد كبسة زرّ أكبسها تلغي لي الموسيقى من رأسي لكنت توظّفت في أيّ مصرِف في وظيفة من الثامنة إلى الخامسة مساءً. أتصورّ أنّه بذلك تُلغى فوضى كثيرة من رأسي

— موسيقياً، إذا أردت أن أُسمّي اسم شخص أعتقد أنني أكثر من تأثرتُ به هو الموسيقار "محمد عبد الوهاب"

— أحياناً هناك أشخاص يرغبون في سماع بعض ألحاني بصوتي لا أكثر ولا أقلّ، لكنني بالتأكيد لا أطرح نفسي كمُغنٍّ بهذا المعنى

أحمد حويلي: نحن نُغنّي عن العشق لأنّ حياتنا لا تحيا إلاّ بالعشق وهذا الدين لهذا الحبّ وهذا الحب لهذا الدين. هذا حديث واضح يتحدّث عن هذا المفهوم الباطني إذا صحّ التعبير لهذه الرسالة

زياد سحّاب: الفكرة من وراء كلّ ما سنُحاول أن نقوله هي كلمة "الحبّ ديني"  

أحمد حويلي: أسوأ نقد شخصي كان، كيف يجتمع قارئ العزاء والمُلحِد. هذا كان لي إهانة أكثر مما اعتبره "زياد" لأنني اعتبرت في مرحلة من المراحل أنني أتسبب لـ "زياد" بذنب بطريقة غير مُباشرة

زياد سحّاب: هكذا انتقادات تكون عادةً على الـ Social Media وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ أساسي، كيف تجتمِع مع هذا الكافر الذي تسريحة شعره هكذا والذي شكله هكذا؟ وأتصوّر أنّ الردّ يكون على المسرح، الذي يأتي ليشاهد يعرِف أنّ الشيخ "أحمد" لم ينتقِل من مكان إلى مكان

أحمد حويلي:

— في الحقيقة، عشقه المجنون الدفين في داخله وبحثي عن عالم العِشق الذي أنشده دائِماً في هذه القصائِد جمعانا في هذه الطريق

— بالتأكيد هذه التجربة لو تقرّر لي أن أعيدها مرة واثنتين وثلاث، أعيدها بنفس الطريقة وبنفس الأُسلوب

— هذا التلاقي والتقاطع والتماهي كما أُسميه، بين شغلي وشغل "زياد"، هذا المدى البعيد، مثل شخص يعشق اللا محدود

— عطشنا أن نُقدِّم دائِماً، عطشنا أن نتحدّث عن كلّ المفاهيم التي مرّت في قلوب البشر ولا يعرِفون كيف يُخرِجونها، في عشقهم الذي لم يعد أحد يُعرِّف عن الحب وما معناه. كلّ هذه التفاصيل نعيش همّها أنا و"زياد" وكيف سنُخرِجها على المسرح في كلّ شيء

زياد سحّاب: جرّبنا قدر المُستطاع أن نتحدّث عن تجربتنا، ونحن عندنا شوق ونتأمل أن يكون الجمهور معنا اليوم ومع الأُستاذ "زاهي" الصديق لكي نُضيء أكثر على هذه التجربة. نحن متشوّقين ربما على قدر تشوّق الناس أو أكثر من تشوّق الناس لهذا اللقاء وإلى الاستديو

أحمد حويلي: كما أقول لـ "زياد"، المسرح هو مكانُ تجلٍّ لكلّ شيء موجود بيننا، فإن شاء الله تكون هذه الحلقة تجلّياً لكلّ شيء بين ممزوجين، عزفه للعود وصوتي وبين كلام الأُستاذ "زاهي"

زاهي وهبي: أي يمكننا أن نقول، نريد أن نتجلّى هذه الليلة برفقتكما. طبعاً توجد عدّة نقاط مررنا عليها سأرجع إليها لأتوسع قليلاً، لكن أولاً "زياد"، لماذا الموسيقى والشِعر الصوفيين والإنشاد الصوفي؟ ما الذي جذبك إلى هذا العالم؟

زياد سحّاب: أنا في الأساس عاشِق للغة العربيّة وعاشِق للشِعر بالمُطلق من العاميّة المصرية إلى العاميّة اللبنانية إلى شِعر الفُصحى بكلّ أشكاله، وتعاطيَّ مع النصّ هنا لا يختلف، طبعاً الأدوات التي أستعملها كمُلحِّن تتغيّر بين نصٍّ وآخر لكن مثلاً أنا لا أجد "صلاح جاهين" الشاعر العظيم الذي لحّنت له أو "أحمد فؤاد نجم" أو "فؤاد حدّاد" أو غيرهم لا أجدهم أقلّ من

زاهي وهبي: من الشُعراء المتصوّفين

زياد سحّاب: من الشُعراء المتصوّفين بل أجد التصوّف عالماً مُختلفاً. هنا كان يوجد أيضاً عالم مُختلِف في عشقي للغة العربيّة وحشريّتي للتعاطي مع نصّ وموسيقى لم أتطرّق إليهما قبلاً، له أدواته المُختلِفة وله رقصته الخاصّة التي ستدخلك تقنياً في Trance حالة معيّنة، وبالتالي يأخذك، بمعنى أضطرّ في الموسيقى إلأى استعمال أدوات مختلِفة. كان عندي حشرية

زاهي وهبي: فضول

زياد سحّاب: فضول وعشق أيضاً، لم أتعاطَ مع نصوصٍ لم أُحبّها بل على العكس عشقتها ولا يمكنني أن أتعاطى مع نصّ لم أحبّه

زاهي وهبي: دعني أسأل الأُستاذ "أحمد" أو الشيخ “أحمد" كما يُحبّ أن نُسمّيه. من " رادود حسيني" إلى مُنشِد صوفي، هذه النقلة كيف كانت؟ هلّ كانت سهلة؟ أم كما سمِعنا، كان فيها ثمن، قلت حضرتك أنّه باهِظ، دفعته اجتماعياً واقتصادياً كما قُلت

أحمد حويلي: طبعاً، كما تعرِف حضرة جنابك أنّه في هذا المجال خاصّةً، وبالتحديد حين تتحدّث في إطار الرثاء الحُسيني، انتقل شخصٌ من مُجتمع ينشِد ويُرثي "الإمام الحسين" وفجأة صار يتحدّث في مكانٍ آخر وفي كوكب مُختلِف جداً. هذا كان عند الناس غير مقبول، عند أغلب الناس. ربّما من غيرتهم على ألاّ يتغيّر هذا النمط الحُسيني وألا يتغيّر الجوّ، لكن أنا لا أجد فرقاً. إذا "الأمام الحسين" حقيقة عشقية، خُلاصة عشقية تمثّلت عند أهل البيت، فالصوفية كلامٌ عُشقيّ

زاهي وهبي: هو حبّ إلهي

أحمد حويلي: طبعاً

زاهي وهبي: العشق الإلهي. في إحدى الحفلات المُشتركة "زياد" طلبت من الشيخ "أحمد" أن يقول شيئاً من العزاء الحُسيني على المسرح

زياد سحّاب: لم يكن ذلك في إحدى الحفلات، من الأساس منذ أن بدأنا بالمشروع كلّه كان يوجد توجّه عند الشيخ "أحمد" بأن نبتعِد عن هذا الشيء  وأنا كان عندي الإصرار بأنه لا، أن نُركِز في مكانٍ ما لسببين، السبب الأوّل السطحي إذا أردت وهو الاستفادة من هذه الخبرة والتجربة عنده والتي هي مصدر قوّة وليست مصدر ضعف، فلماذا لا نريد أن نوظّفها في هذه الموسيقى؟ والسبب الثاني هو الذي تحدّث عنه تماماً الآن الشيخ "أحمد"

زاهي وهبي: على كلّ حال شوف، أنا لا أقول شيئاً جديداً إذا قلت بأنّه دائِماً هناك نقاش حول كيفية تقديم عاشوراء وتقديم السيرة الحُسينية بطريقة مُختلِفة وبطريقة توصلها إلى ما هو أبعد من المذهب أو أبعد من الطائِفة أو أبعد من مُجرّد العزاء والندب

زياد سحّاب: صحّ

زاهي وهبي: فالذي تقومون به يندرِج في هذا الإطار،

 وأتمنّى أن يُفهَم أيضاً في هذا الإطار. لكن نريد أن نسمع شيئاً في بداية الحوار إذا سمحتما من تجربتكما المُشتركة، وهكذا نُعطي فِكرة للناس الذين لم يسمعوكما ولم يروكما في أن يأخذوا فكرة عمّا نتحدّث

أحمد حويلي: (يؤدّي الشعر الصوفي يرافقه "زياد سحّاب" على العود)

زاهي وهبي: ألله يعطيكما العافية، "ابن عربي" طبعاً الشاعِر. إذا كان "الحسين"، "زياد"، بالنسبة لـ "أحمد" مصدراً من مصادِر العشق ويلتقيا العزاء الحُسيني أو السيرة الحسينية في هذا المكان مع الصوفيّين في العشق لله سبحانه وتعالى. حضرتك كيف تنظُر إلى السيرة الحُسينية وهلّ ممكن أن تكون مُلهِمة لك؟

زياد سحّاب: طبعاً، الآن بالنسبة لي أكيد وتحديداً في سيرة " أهل البيت" دائماً أسأل الشيخ "أحمد"، وأحبّ أن أعرِف، والجلسة معه تُصبِح مثل الذي يُشاهِد مسلسلاً أمامه ويصير عندك

زاهي وهبي: استنطاق

زياد سحّاب: حبّ. لا، يصير عندك حبّ حتّى لغير الإمام "الحسين"، للناس والقصة وما شابه. لكن قبل هذا طبعاً، في الدرجة الأولى الإمام "الحسين" هو في العنوان الأساسي بالنسبة لي هو المقاوم. وهو الشخص الذي استشهد من أجل رأيه وهذه فكرة ليست بعيدة أبداً عن قناعاتي الشخصية مهما كانت هذه الفكرة، فأيّ شخص يستشهِد من أجل فكرته ويُدافِع عنها حتّى الموت هو أحد يشبهني في مكانٍ ما

زاهي وهبي: شيخ "أحمد"، لماذا تعتبر الإمام "الحسين" مصدراً من مصادر العِشق الإلهي؟

أحمد حويلي: طبعاً، كما حضرتك قدّمته بصورة مُعيّنة، لا أرى الإمام "الحسين" لفئة أو مُحتَكَر لمُجتَمع أبداً. أراه لأنّ الحقيقة التي صارت والطريقة التي صارت والجمع الذي جمعه الإمام "الحسين" في "كربلاء" من أشخاصٍ مختلفين وكلّ شخص كان من مكان، فهو لم يكن يسأل لا لنسب هذا الشخص ولا لخلفيّته ولا لطريقته، حتّى يُروى أنّ بعض الأشخاص لم يكونوا من مؤدّي الصلاة والصوم المتعارف عندهم. لكن طريقة طرح الإمام "الحسين" لقضيّة الحبّ في "كربلاء" كانت مُختلِفة، لذلك كانت كلمته المشهورة  آنذاك، "قبورنا في قلوب من أحبوّنا" . هذه الحقيقة هي التي تجعلني أفهم أنّ الإمام "الحسين" كان خُلاصة العشق الذي كان متمثلاً من "أهل البيت" بطريقة مُختلِقة. لماذا؟ لأنّه باختصار الإمام "الحسين" كان أثناء النظرة إلى أصحابه ، كانوا يرون هذا الحبّ بمجرّد نظرة واحدة  مثلما يقول له أحد الأصحاب:  "كلّ الحبّ الذي مرّ في حياتي لم أكن أتصوّره لكن عندما رأيتُ عينيك علِمتُ أنّ هذا الحُبّ الذي مرّ في قلبي كان كلّه من أجل هذه المقدمة ولكي ألتقي بك في يومٍ من الأيام

زاهي وهبي: التضحية على كلّ حال من غير المُمكن أن تكون من دون حبّ، بمعنى أنّ الذي يُضحّي من أجل أرض أو من أجل وطن أو من أجل قضيّة، من غير المعقول إذا كان أحدهم مُمتلئاً بُغضاً وكراهية وحِقداً، لا أعتقد أنّ بإمكانه أن يُضحّي. "زياد"، هلّ أضافت هذه التجربة إلى موسيقاك، إلى مشروعك الموسيقي شيئاً؟

زياد سحّاب: أكيد، أكيد                           

زاهي وهبي: ما هو؟ تحدّثنا قبل قليل عن الرقصة وأثرها، طبعاً عن "رقص الدراويش" نتحدّث

زياد سحّاب: طبعاً، رقصة "سما"، الفكرة أنّ الأدوات المُختلِفة دائِماً تُخرِج منك شيئاً جديداً، وهنا أدواتي أنا كمُلحِن في مكان آخر أوسع لكنها في مكانٍ ما أضيق بكثير. بمعنى أنّ الـ Trance التي تُريد أن تُدخِل فيها الراقصين والتي تريد أن تُدخِل فيها الجمهور، إن كانت مقامياً أو أحياناً إيقاعياً فقط، أو تريد أن تُزاوِج بينهما أدواتك أقلّ. في أيّ نصّ آخر يمكنك أن تتعاطى معه بأيّة طريقة ممكنة، لكن هنا، حتّى لو كنت تمزِج أو تُدخِل شيئاً مختلفاً عن السائِد في هذا الإطار تكون أدواتك مختلِفة. فأضافت لي الكثير، لكن أنا متشوِّق جداً لكي أعرِف الآن ماذا سأفعل في التجربة مع الشيخ "أحمد"

زاهي وهبي: وكأنّ هذه التجربة تنضج أكثر كلمّا احتككتما مع بعضكما، كلّما تجالستما، كلّما تحدّثتما؟

زياد سحّاب: أتعلم؟ كلّما تنضُج صداقتنا أكثر حتّى، تحدث الحال هذه جدياً تحدث، في أننا نُفكِّر مثل بعضنا البعض موسيقياً وغير موسيقياً، تُصبح الأشياء أوضح بالنسبة لنا، وأنا أيضاً كمُلحِن بالنسبة لي اليوم أعرِف صوت الشيخ "أحمد" أكثر

زاهي وهبي: من قبل

زياد سحّاب: أكثر من قبل، فأعرِف كيف أوظّفه أكثر وأنا متشوِّق لما هو قادِم بعد 

زاهي وهبي: نتوقّف مع، ونحن أيضاً متشوّقين. سنُكمِل الاستفسار والسؤال عن هذه التجربة ولكن اسمحا لنا الآن أن نتوقّف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني:

زاهي وهبي: "عرفت الهوى" من حفلتكما في مسرَح "بيار أبي خاطر" في "بيروت". قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة سنسمع كما قلنا، بعض الآراء بتجربتكما المُشترَكة، نبدأ بالفنّان "مازن كيوان"، نسمعه معاً في فقرة "كلام يوصل"

كلام يوصل:

مازن كيوان – رئيس جمعيّة بيروتانغو: اللقاء الذي يجمع "زياد سحّاب" مع الشيخ "أحمد حويلي" هو بالنسبة لي أكثر من منطقي. الكثير من الناس يجدون تناقضاً وشخصيّتين مختلفتين، هذا بالفعل نعم، لكن كلاهما يلتقيان في مكانٍ روحاني وفي مكانٍ راقٍ سواء في نوعيّة الموسيقى أو حتّى في عشق كلٍ منهما للشيء الذي يقوم به. "زياد" إنسان صديق منذ سنوات عديدة وأعرِفه كصديق وكشريك عمل وكزوج وأبّ وأراه مع عائِلته، عنده إحساسٌ رائع ومُرهف كالإحساس الذي يتحلّى به الصوفيون وعنده عمقٌ أيضاً. نرى أن "زياد" عنده روح النكتة، مهضومٌ وعنده مَرَحٌ ساخِر وأحياناً لاذع لكن أنا أقول عنه دائماً أنّ عنده أناقة حتّى لو كان يقول كلاماً ينفِر منه ربّما البعض أو يستعمِلُ تعابير جريئة قليلاً. أنا أجده لا يخسر أبداً أناقته كشخص، عنده هذا العُمق الذي يُمكن للمرء أن يعرف كيف يقرأه، من اللازم أن يعرِف كيف يقرأه. الصوفية هي حال عميقة يعيشها المرء بينه وبين روحه والإله، وتوجد طرق كثيرة توصِل وتُقرِّب الإنسان من هذا العُمق الروحاني والتواصل أيضاً مع الإله، والموسيقى طريق منها، كذلك الصوت جزءٌ من هذه الأشياء التي توصِل. مع الشيخ "أحمد" أضافا إلى بعضهما البعض عالماً، لنقل كلّ واحد منهما عالمه، وهنا صار يوجد عالمٌ ثالث وهو أيضاً قرَّب كثيراً الجيل الجديد إلى سماع الغناء الصوفي وسماع هذا الفنّ. هما مثل لونين يكمّلان بعضهما البعض ليصير عملهما لوحة واحدة. أُحبّ أن أُشجّعهما وأقول لهما، بالتأكيد هذا خطّ ناجح جداً وفنّي وحقيقي وعميق ومن اللازم أن يُكملا معاً، وأنا أنتظر رؤيتهما أكثر وأكثر. سؤالي لـ "زياد" و"أحمد"، كانت أغنية من الـ Concert التي شاهدتها لكما فيهاRhythm  ريتم لاتيني، بالتأكيد مع الطابع الصوفي واللحن وكلّ شيء، لكن كان فيها إيقاع لاتيني أضفتماه على أُغنية من أغنياتكما، فهلّ يا ترى في يوم من الأيام من المعقول أن تُضيفا "التانغو"؟ هلّ من المعقول أن نسمع "أحمد" يُغنّي غير أناشيد صوفية؟

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً لـ "مازن كيوان". واضحة محبّته وتشجيعه لتجربتكما. الموسيقى التي كان يتحدّث عنها سمعناها في "عرفت الهوى". دعنا نبدأ عند "أحمد"، هلّ ممكن أن نسمعكَ في أناشيد؟ أو في أغنيات غير صوفية؟

أحمد حويلي: أستبعِد ذلك كثيراً

زاهي وهبي: لماذا؟

أحمد حويلي: أستبعِد لأنه كما قلت أنا لم أنتقل من مكان إلى مكان ما زلت أعتبر بأنني

زاهي وهبي: في نفس المكان

أحمد حويلي: في نفس المكان. حتّى في الألحان ولا أُريد أن أبتعِد كثيراً، توجد ألحان تكون مهمّة جداً ولائقة لأنّ تُغنّى في أبياتٍ صوفيّة لكنها تكون ليست لي، ليست لشخصي

زياد سحّاب: على فكرة أحياناً ينرفز، يسمع ألحاناً ويقول لي، كم كان هذا اللحن على بالي فأقول له بأنّ هذا خارِج إطار شغلنا

أحمد حويلي: ليست هذه الألحان لي، فأستبعِد طبعاً أنني في يوم من الأيام، لأنني اعتبرت رسالة العشق هذه ستبقى موجودة ضمن هذا الإطار

زاهي وهبي: سأل "مازن" أيضاً أنّه هلّ ممكن أن تُضيفا "التانغو" الذي هو أحد رموزه في "لبنان"؟

زياد سحّاب: "مازن"، في البداية أريد أن أشكره كثيراً على وقته وعلى شهادته وأُوجِّه إليه تحيّة. نحن عندنا عدّة أشغال معاً في مهرجان "التانغو" الذي سأشارِك فيه في مسرحية أكتبها لـ "مازن". أتصورّ، وحتى أنني فهمت من سؤاله، أنّه هلّ بإمكاننا أن نرقص على هذه الموسيقى "تانغو"؟ لأنّه يقول بأنّ هذه الموسيقى أصلاً لها طابَع لاتيني، فأنا أقول له نحن علينا أن نُقدِم المطلوب وكلّ شخص على باله أن يرقص على هذه الموسيقى فليرقص، يمكنه أن يرقص من الداخل ويُمكنه أن يرقص

زاهي وهبي: كلٌّ يُغنّي على ليلاه

زياد سحّاب: أجل، فليرقص كلّ شخص كما يُريد

زاهي وهبي: هلّ مُمكن أن نُغنّي على ليلانا؟ إذا أردتما، شيخ "أحمد"، نستزيد

أحمد حويلي: (يؤدّي الشعر الصوفي يرافقه "زياد سحّاب" على العود)

زاهي وهبي: ألف شُكر. ربما هكذا خطر على بالي سؤال، في أنّه كم هذا الشغل مُهمّ في زمنٍ صورة الدين كما تُقدّمها التيارات المُتشددة التكفيرية الأصولية، صورة قتل وذبح على صيحات التكبير وتهجير وقطع رؤوس. كم يكتسِب في هذه المرحلة هذا العمل أهميّة مُضاعفة أو قيمة مُضافة؟

أحمد حويلي: طبعاً إذا أردت أن أُعقِّب على كلامك، فعلاً الجمهور المُختلِف المتنوِّع من كلّ الأطياف وكلّ المذاهِب وكلّ الآراء، حتّى المُعتقِد بوجود الله أو الذي لا يعتقد بوجود الله أصلاً، كانت عنده الكلمة جميلة جداً والتقاطع من كلّ الجمهور كان على نفس الكلِمة، "جعلتمونا نُعيد القراءة للدين، للمفاهيم التي تتحدثون عنها التي تتعلّق بالتصوُّف أو بالدين الأساسي أو بالله أو بـ "الحسين"، أنتم تُشجّعوننا للمرّة الثانية " . وتجد أشخاصاً متمرّدةً أصلاً على هذه المفاهيم، لكن وجدنا أنّه على العكس الناس حبّذت هذه الفكرة كما قلت جنابك، في ظلّ هذه الصراعات وصارت الناس متشوّقة  إلى معرفة الجواب المخفي وراء هذا الصوت

زاهي وهبي: "زياد" نفس السؤال تقريباً، في ظلّ كلّ ما يجري، أن يُقدَّمُ عمل يغرُف من معين في النهاية إيماني. المتصوّفون رغم أنّهم ظُلموا على مرّ التاريخ الإسلامي لكنّهم أُناسٌ مؤمنون في نهاية المطاف

زياد سحّاب: أنا أعتبر في المُطلق، في هذا الزمن الذي نعيشه في هذه المنطقة، أيّ عمل ثقافي هو مُقاومة لهذا الفِكر التكفيري، إن كان إن شاء الله رسمة أو لوحة لا علاقة لها حتّى، فكيف بالأحرى إذا كانت تقديماً لمفاهيمٍ في مكانٍ ما يمكنها أن تأخُذ مناحي خاصّة بالإله وبالإسلام وبـ "الحسين"؟ حينها يكون الموضوع أعمق من هذا وأكثر من هذا. طبعاً هذه حربٌ نخوضها كلٌّ على طريقته

زاهي وهبي: لكن تعرِف حضرتك "زياد" أكثر منّي بأنّ مسألة الموسيقى ليست جديدة على رجال الدين

زياد سحّاب: طبعاً

زاهي وهبي: الموسيقى العربيّة أصلاً تطوّرت وازدهرت على يدّ مشايِخ أزهريين وغير أزهريين

زياد سحّاب: أصلاً، عند أوّل لقائي بالشيخ "أحمد"، العنوان حين تحدّث معي "رامي الأمين" بالعودة إلى بداية اللقاء، قال لي "الشيخ" فقلت أنا هنا "خلَص". "الشيخ" بالنسبة لي ماذا يعني؟ يعني عنده خلفيّة دينيّة وتجويد قرآن، ومن الذي يُجوِّد القرآن؟ ليست صدفة أنّ "سيّد درويش" هو شيخ و"عبد الوهاب" هو ابن شيخ و" أُمّ كلثوم" هي ابنة شيخ    

زاهي وهبي: درست على يدّ مشايِخ

زياد سحّاب: "أُم كلثوم" والدها شيخ، حتّى الشيخ "زكريا أحمد"، "محمّد القصبجي" والده شيخ

زاهي وهبي: الشيخ "سيّد درويش"

زياد سحّاب: " رياض السنباطي" ابن شيخ، كلّ هؤلاء ليس بالصدفة أنّهم أتوا من هذه المدرسة، فبالتالي تجويد القرآن هو مدرسة موسيقيّة بحدّ ذاتها

زاهي وهبي: نعم

زياد سحّاب: إذا أردت أنا أضعها وفقط آخُذ بُعدها الموسيقي بعيداً عن الدين

زاهي وهبي: دعني أسأل عن الارتجال لو سمحت، طبعاً السؤال موجّه إلى حضراتكما معاً، كم هو مُهمّ في هذه التجربة الارتجال؟ أي حين تكونا على المسرح هلّ توجد عندكما مساحة ارتجال أم لا؟ يوجد انضباط تامّ بما هو مكتوب لحنياً وموسيقياً

أحمد حويلي: سأُجيبك بشيء يقوله "زياد". دائِماً أقول لــ "زياد" أننا الآن عندنا حفلة أو عندنا أُمسية مثلاً ومضطرّون لأن نتمرّن فيضحك، فأقول له " لماذا تضحك"؟ يقول لي، نحن لو تمرّنّا الآن مرة واثنتين وثلاثة وأربعة وخمسة، قبل أن تبدأ الأُمسية بنصف ساعة ستصعد على المسرح لتقول غير الذي تمرّنت عليه تقول شيئاً آخر

زاهي وهبي: هذه مساحة ومجال

أحمد حويلي: المساحة مهمّة جداً وهي، إن صحّ التعبير، هي الخطاب الحقيقي في لحظة حقيقيّة، لحظة تفاعُل تشعُرها مع الموجودين وياما  كما يعرِف

زياد سحّاب: الشيء الثابت في الشغل لا يُقاس بالمتر

زاهي وهبي: يمكننا أن نقول سِكّة، الثابت هو السِكّة التي تمشون عليها

زياد سحّاب:  بالضبط، وهي تُشكِّل خارطة طريق لكن طبعاً الارتجال، وأنا بالنسبة لي ظهور الأُسطوانة في الموسيقى العربية خرّب أشياء كثيرة لأنّ المطربين الذين أتوا بعد ظهور الأسطوانة صاروا يتعاطون مع هذا التسجيل كأنّه تسجيل ليس للحظة مُعيّنة من الارتجال، وكأنّه تسجيلٌ مُلحّن، في حين أنّ موسيقانا هي موسيقى شفهيّة وليست موسيقى مكتوبة

زاهي وهبي: إدخال الموسيقى الإلكترونية على الإنشاد الصوفي كم فيه من المشروع؟

زياد سحّاب: كلّه مشروع، حسبما تستخدِم الموضوع. أنا بالنسبة لي طريقة الاستخدام المهم بالنتيجة    الميكروفون هو شيء إلكتروني نستعمله. "كمال النجمي" الناقد العظيم عنده كتاب عدد صفحاته حوالى 600 صفحة عن، إذا أردت، نتائِج ظهور الميكروفون في مسار تاريخ الموسيقى العربيّة

زاهي وهبي: طبعاً

زياد سحّاب: الميكرو أيضاً شيء كهربائي

زاهي وهبي: نعم، قبل أن نتوقّف مع استراحة تعليقك

أحمد حويلي: ربّما هذا ساعد كثيراً لنكون ضمن فئات عُمريّة، هذا الـ Trance الذي يتحدّث عنه "زياد" والذي سألت عنه حضرتك جعل ابن 13 و 14 و 15 سنة يُلاقي عمر الستين والسبعين والثمانين في المسرح وهذا كان صعباً جداً

زياد سحّاب: الأعمار الكبيرة لا تنفُر وهذا هو التحدّي

أحمد حويلي: ما بين الحِفاظ على التقليد إن صحّ التعبير وبين الجمع بين الأشخاص الذين في الأصل توجد صعوبة في إيصال هذا النصّ الصعب إليهم وهذه الموسيقى نوعاً ما والارتجال كما حضرتك قلت إليهم

زاهي وهبي: على كلّ حال سأعود إلى التحدّث عن مدى وجود عنصر الشباب في حفلاتكم ولكن اسمحا لنا أن نتوقّف لحظات سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

 

المحور الثالث

زاهي وهبي: " ألا أيّها الساقي" للشاعر العظيم "حافِظ الشيرازي" الذي أعطى الكثير من الشِعر الجميل للشِعر العالمي وللشعر الفارسي بشكلٍ خاصّ. كم هو عُنصر الشباب متجاوِبٌ مع هذه المشهديّة وهذا الغناء وهذه الموسيقى؟

زياد سحّاب: بصراحة، بشكل مُفاجئ جداً يكون العُنصر الشبابي متفاعلاً وحتّى الكبار بشكلٍ مُفاجئ بما أننا نُدخِّل عناصر غير تقليدية

زاهي وهبي: ما هو تفسيرك شيخ "أحمد"؟ هلّ الظروف الصعبة والخراب العربي، هلّ معقول أنّه يُنضِّج الإنسان العربي أكثر؟

أحمد حويلي: كما قلت حضرتك، هذه هي النقطة الأساسية. كنت أتحدث أنا و"زياد" أحياناً بأّنه في هذا الوقت مَن هو الذي يُقدِم فناً قبل أن يسمعه أحد ؟ مَن يُقدِّم شيئاً راقياً لكي تهرُب الناس بهمومها؟ يسمع المرء شيئاً راقياً ويشعُر بأنّ روحه صارت في مكانٍ آخر لتحلِّق هذه الأرواح أو تتهذّب لأننا كما نعلم، الموسيقى لها أساس والكلام له أساس في تهذيب الأرواح ولم يعد يوجد هذا النوع. من أجل هذا وفي هذا الظلّ ربّما لو كانت مطرقة صغيرة أو صداها متوسِط الفِعل أو آثارها ضعيفة، لكنّها عكس ذلك  أنا في نظري عندما أرى عناصر الشباب أو الجمهور بشكلٍ عام يُلاحقنا ونحن عادة كلّ شهر ونصف الشهر نُقيم أُمسية، قبل بأسبوع

زاهي وهبي: أُمسيتكم المُقبلة بعد أيام في 24 آذار في مسرح "دوار الشمس" في "الطيّونة"

أحمد حويلي: دائِماً دائِماً يكتمل المسرح

زاهي وهبي: يمتلئ المسرح

زياد سحّاب: كنت أقول منذ أيام للشيخ "أحمد"، دعنا نتنفّس. كلّما تنتهي حفلة، ما أنّ يُصافحنا الناس بعد الحفلة يسألوننا، "أيمتى الحلفة الثانية"؟ لكن نريد أن نتنفّس لكي نُفكِّر بالثانية ولا يتركوك، على بالنا

زاهي وهبي: لا يتركونكما تأخذان نفساً. أنتجتما سي دي واحِداً لغاية الآن وهو "عرِفت الهوى"

زياد سحّاب: صحيح

زاهي وهبي: الموجود حالياً لأنّ أحد مُشاهدينا

زياد سحّاب: موجود في الـ Virgin Store "الفِرجين" وموجود On line  على الـ iTune الآي تيون

زاهي وهبي: حيث يُمكن لمشاهدينا العرب في أماكِن مُختلِفة من "المغرِب" و "موريتانيا" و "مصر"  وغيرها أن يجدوه. قبل أن نسأل المزيد دعونا نسمع رأياً هذه المرّة من فناّن مُتميِز ومعروف، الأُستاذ "خالِد الهبر"

كلام يوصل:

خالِد الهبر – فنّان: أنا لم تسنح لي الفرصة لأن أُتابع التجربة من أوّلها ولم أكن أعلَم عنها أساساً، مع أنني أرى "زياد" ولم يُخبرني فأحسست بأنّها تجربة سريّة، لكن تسنّى لي في عدّة أيام أن أسمع القليل من التجارب منها. الذي يعرِف "زياد" ومناخاته الموسيقية، المنابع الموسيقيّة التي ينهل منها، يُعلن أنّه طبيعي جداً أن يصِل إلى هذه التجربة لأنّ "زياد" عاشق "عبد الوهاب" وعاشق "رياض السنباطي" وعاشق الشيخ "سيّد درويش" وعاشق التجويد القرآني، حتّى في تجاربه الأُولى وفي أغانيه العاديّة كان يشتغِل في مناخات مقاميّه قريبة جداً للتي وصل إليها الآن في الإنشاد الصوفي. أحببت هذه التجربة كثيراً، متكاملة جداً وناضجة جداً وملتزمة جداً بالغناء. أمّا بالنسبة إلى المُنشِد "أحمد حويلي" فقد فاجأني للحقيقة ولم أكن قد سمعته قبلاً ولا أعرِف عنه شيئاً. مُنشِد جميل جداً عنده صوتٌ واسِع جداً، مرتاحٌ في الغناء ولا يستعرِض صوته بمعنى مع أنّ صوته فيه إمكانيات ضخمة لا يستعرِض ويُعطي الأُغنية ويُعطي اللحن ما يلزم أن يُعطى بكلّ تهذيب، هذا غناء ذكي وأنا هذا الذي أُسميه الالتزام فعلاً بالفنّ. أحسست بوجود كيمياء تركّبت بين الشخصين، ولو لم تتركبّ هذه الكيمياء لما كان هذا المجهود أعطى نتيجة. ربّما لأنهما آتيان من نفس المنبع، كلاهما من نفس التأثيرات الموسيقية الصوفيّة أيضاً. بالإمكانيات الموجودة عندهما أنا سمعت شغلاً مع أربعة أو خمسة موسيقيين، ووضعوا حتّى آلة الـ Drums في الشغل وبيانو، هذه جُرأة في هكذا نوع من الغناء والنتيجة حلوة جداً . "زياد" سؤالان في سؤال واحد، لماذا لم تخبرني عن هذه التجربة مع أنّني كنتُ أراك من وقتٍ إلى وقت؟ هذا سؤال مزاح. السؤال الثاني، في رأيك تتحمّل هذه التجربة تطويراً أكثر على صعيد التوزيع الموسيقي ضمن الإمكانيات الإنتاجيّة؟ وأنا أعرِف بأنّ هذه المُشكلة كانت موجودة، فقط لأنني سألت نفسي عن هذا أثناء سماعي الأغاني

زاهي وهبي: جزيل الشُكر للفنان والصديق "خالد الهبر"، عزّ عليه أنّك تكتّمت على الموضوع ولم تخبره

زياد سحّاب: أنا استحيت من نفسي. هذا الشخص أُستاذ وأنا أُنادي "خالد" كما قلت لك أخي الكبير أو أبي الصغير

زاهي وهبي: لكنّه غسَلَك على الناعِم، قالها لك على الناعِم

زياد سحّاب: يمون على أكثر من هذا

زاهي وهبي: تستأهل على كلّ حال لأنّك تَحمِل. كم ممكن هذه التجربة أن تحمِلَ تطويراً؟

زياد سحّاب:  أكيد، هو لخّصها بكلّ بساطة، في المبدأ الـMinimalism  في الموسيقى ليست دائِماً خياراً، أحياناً تكون خياراً وتكون خياراً حلواً وأحياناً تكون بالتأكيد إذا كان الشخص يملِك، أنا لو صحّ لي أن أضع 40 عازِف كمان بالتأكيد عندي شيء أقوله فيهم

زاهي وهبي: التقشّف يكون اضطرارياً أحياناً

زياد سحّاب:  التقشّف اضطراري في بعض الأماكن ونحن نُحاول أن نوصِل أقصى المُمكن بأقلّ الآلات الموجودة على المسرح أو الأشخاص لأنّه في النهاية يوجد 300 أو 400 شخص يُشاهدون في المسرح، وحتّى لو كان المسرح مليئاً عليك أن تستعيد مستحقّات الموسيقيين

زاهي وهبي: طبعاً  لقاء التعب الذي يبذلونه

زياد سحّاب: بالضبط

زاهي وهبي: الذي قاله عن صوتك الأُستاذ "خالد الهبر" وعن ابتعادك عن الاستعراض، اليوم نعرِف نحن أن الناس الذين يمتلكون العِرَب والذين عنهم قدرة على هكذا تطريب يكون عندهم رغبة في أن يُظهروا أو أن يوصلوا للمستمِع إمكانياتهم الصوتيّة. ابتعادك عن هذا الشيء

أحمد حويلي: لا، أعتبره أنا في شقّين، بشكلٍ سريع ومُختصر إذا أحدهم أحبّ المدرسة الصوفيّة ولا أُريد أن أقول كان متصوّفاً، عوامِل الأنا وإظهار الأنا تسقط وتذوب لوحدها. المسألة الثانية في عمري لم أُفكِّر، لم أكن في لحظة تأدية العمل أُفكِّر أنني أنا سأكون العلامة الفارِقة أو القيمة المُضافة في العمل. لا، كنت أرى كيف هذه الروح تتجلّى، الروحانية على المسرح بالكامل مع "زياد" وهذا الذي تحدّث عنه فعلاً أُستاذ "خالد"، هذه الكيمياء الموجودة بيني وبين "زياد" هي الروح التي تجمع في الآخر تجلّياً واضحاً مثلما حكيت عن وجودنا في حلقتك وانا لا أؤمن إلاّ بهذا التجلّي والفيض الذي سيكون، ومن أجل هذا لا أحتاج إن كان شيئاً

زاهي وهبي: زيدا علينا إذا تريدان، شنّفوا آذاننا تشنيفاً، والذي لم يفهم الكلمة فليجوجلها على الـ Google، تفضّل (يضحك)

زياد سحّاب: الذي لم يفهم فليجوجلها؟ (يضحك) 

أحمد حويلي: (يؤدّي الشعر الصوفي يرافقه "زياد سحّاب" على العود)

زاهي وهبي: الشكر الجزيل دائِماً، مُمتع هذا الأداء وهذا الذوبان وهذا العِشق. آخر استراحة ونتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

زاهي وهبي: جزء من مقطوعة موسيقيّة من تأليفك "زياد سحّاب". بما أننا استمعنا إلى موسيقى دعونا كما يقولون نستمِع إلى " وشهِد شاهدٌ من أهلِه"، الموسيقي والمؤرِّخ الموسيقي الأُستاذ "إلياس سحّاب"، نسمعه معاً في "كلام يوصل"

كلام يوصل:

إلياس سحّاب- مؤرِخ وناقِد موسيقي : "زياد" بحُكم القرابة بيني وبينه كنت أُرافقه منذ بداية تكوّنه حين كان ولداً صغيراً. كان ملفتاً للنظر أنّه ظهرت عليه مواهبه الموسيقية حين كان طفلاً بعمر السنتين أو الثلاث. بعد ذلك، "زياد" كَبُر طبعاً ودرس العود وتقدّم بالعزف على العود، وبعد ذلك بدأت تظهر عليه مواهِب تلحينيّة عندما تجاوز الـ 10 سنوات أو الـ 12 سنة من عمره، وأنا لفت نظري كملحِّن أكثر مع أنّه عازِف جيِّد جداً على العود، ولكن الذي لفت نظري فيه موهبة التلحين التي هي متأثرة بالذين تأثّر بهم مثل "سيّد درويش" و "محمّد عبد الوهاب"، ولكننا لا نشعُر أبداً في أيّ لحنٍ من ألحانه أنّه يقلِّد "سيّد درويش" أو "محمّد عبد الوهاب". التأثّر الإيجابي هو ما تأثّر به وبعد ذلك كوّن شخصيّته الخاصّة. الآن "زياد" يخوض التجارب في أكثر من خطّ، الآن عنده تجربة جديدة مع الشيخ "أحمد حويلي" أنا أُرافقها وأطّلِع عليها لكنني ما زلت في الحقيقة لم أُكوِّن فكرة نهائية إلى أين هذه التجربة يمكن أن تتّجه. طريق "زياد" الطبيعي هو أن يعاود إعطاء مجهود أكبر لتجربته القديمة مع شُعراء العاميّة المصريين لأنّه في رأيي ألّفِ عدداً وافراً من الألحان ذات القيمة العالية والمستوى الرفيع لكنّه لم يبذُل مجهوداً كافياً لكي تصِل إلى الجمهور عبر أصواتٍ تليق بهذه الألحان. أنت الآن "زياد" غاطسٌ بكلّ جُهدِك في طريق جديد اخترته لنفسك وتجرُبة جديدة. أنا عندي سؤالان لك: السؤال الأول يتعلّق بتجربتك الجديدة، إلى أين ترى أن هذه التجربة ستأخذك؟ إلى أيّ مكان فنياً؟ هذا السؤال الأول. السؤال الثاني، ألا تريد أن تعطي ولو جزءاً من جُهدَك لتجربتك القديمة لإلقاء الأضواء عليها؟ وهلّ قطعت العلاقة فيها نهائياً أم تريد أن تخوض أكثر من تجربة معاً في نفس الوقت؟

زاهي وهبي: الشكر الجزيل للأستاذ "إلياس سحّاب"، شكلك لا تزور عمّك منذ زمن لم تره!

زياد سحّاب: اشتقتُ إليه كثيراً، وهذا الشخص أبي الثاني أو الثالث هم ثلاثة

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير ونمسي الدكتور "فكتور سحّاب"

زياد سحّاب: والدي "فكتور" ووالدي "إلياس" ووالدي "سليم"، لا أُسميهم أعمامي هؤلاء آبائي

زاهي وهبي: لكن العمل الذي تحدّث عنه ويرغب في أن تهتمّ به يبدو أنّك بصدد

زياد سحّاب:  خلال شهر سيصدُر هذا العمل

زاهي وهبي: الذي هو لشُعراء العاميّة المصرية

زياد سحّاب: بالضبط ، في السي دي الجديد وبصوت "رولا عازار"، المُطربة الفلسطينية، ومن أشعار صديق العُمر "محمّد خير" الذي تعرّف عليه الشيخ "أحمد" منذ فترة ليست بعيدة في "مصر"، ومن شِعر "عبد الرحمن الأبنودي" في هذا السي دي الذي سيصدُر قريباً. لا، هناك المشروعان وأنا لا أجدهما مشروعين على فكرة، كلّهما مشروع واحد

زاهي وهبي: سألك سؤالين سأرجع إليهما لكن بما أننا فتحنا سيرة الشِعر. غير الشِعر الصوفي الذي كنّا نتحدّث عنه، اخترتما أُغنيتين أو قصيدتين من الشاعر المتميِّز الصديق "مهدي منصور"، لماذا "مهدي منصور" إلى جانب الشعراء الصوفيين الكبار؟

أحمد حويلي: نحن نجمع التقليد في النمط الصوفي والحداثة التي تحدّثنا عنها في بداية الحلقة

زياد سحّاب: في الموسيقى

أحمد حويلي: فمن الطبيعي أن نبحث عن شِعرٍ حديث. الذي سرّع في وجود "مهدي منصور"، الذي أُوجّه إليه أيضاً أرقى تحيّة، هو سبب الصداقة، الصداقة في أنّه صديقٌ مُشترك

زاهي وهبي: مشترك بيننا

أحمد حويلي: فهذا سرّعَ في هذه النقطة. بالتأكيد نحن لا زلنا نبحث عن شُعراء وهذا كان همّنا دائِماً كما هو همّنا في الموسيقى، دائماً نبحث عن شُعراء، والأكيد الآن أنّ الخطاب العلني موجّه إلى حضرتك

زاهي وهبي: (يضحك) نتشرّف، على رأسي

أحمد حويلي: أن نختار شُعراء حديثين يكتبون بنفس النمط الذي تحدثنا عنه أي الذي لا يزال ضمن قالب العشق

زاهي وهبي: إن أراد الله، إن أراد الله. نعود إلى أسئِلة الأُستاذ "إلياس سحّاب"، هذه التجربة المُشتركة بينك وبين الشيخ "أحمد حويلي"، كم تراها مستقبلاً؟ آفاق تطوّرها ونضوجها إلى آخره

زياد سحّاب: طالما ما زلنا نرى أفكاراً جديدةً لنقدّمها ونلهثُ لها طالما نحن نريد أن نستمر في ركضنا، وعندما يقف هذا الشيء أتصوّر أننا سنقول لوحدنا " أوكي سنتوقف، ربّما هذه التجربة أخذت مداها فليبحث كلّ واحِد عن شيء آخر"

زاهي وهبي: شيخ "أحمد"، كم عِندك استعداد إلى خوض تجارُب فنيّة أُخرى يُمكن أن تكون مُختلِفة عن الشيء الذي تُجرّبه أو تقوم به مع الأُستاذ "زياد سحّاب"؟                                                                              

أحمد حويلي: أقصى شيء يمكن أن أُجرّبه، أقصى شيء أنني ممكن أن أُنوِّع السي دي" بمُلحِن آخر كحدّ أقصى هذا أقصى حدّ

زاهي وهبي: لكنك باقٍ في جوّ الإنشاد؟

أحمد حويلي: نعم لأنني أعتبر أنّ بدايتي وحتّى ما وصلت إليه كان شرفاً أخذته من الإمام "الحسين" وأنا أعتبر هذا الموضوع، وأنا أكملته ليست كتكملة لهذا الموضوع إذا صحّ التعبير بل أعطيته مثل مرآة وانعكاسها، فانعكاسها كان في منحاه الأخير هو اللون الصوفي

زاهي وهبي: أي يُمكننا أن نقول بأنّك وجدتُ نفسك في هذا المكان

أحمد حويلي: أجل صحيح، لأنني كلّما سألتني هذا السؤال في أكثر من جهة أؤكِد بأنني لم أتغيّر، أنا لم أوقِف الرثاء على "الحسين" عليه السلام لكي أقول أنني ذهبت إلى مكان وأقفلت هذا الباب، فهذه نُقطة مُهمّة لأنّ هذا الحديث الذي دار في هذه الحلقة أُستاذ "زاهي" فتح كلّ الأطراف والزوايا التي يمكن أن تراها للموضوع وبأنني شخص دفعت ثمناً باهظاً جداً في هذا الموضوع، ثمناً قاسياً  جداً، وأنا كنتُ أعلَم بأنني سأدفع هذا الثمن لكن في عُمري لم أرَ

زاهي وهبي: وكأنّك تُكفِّر الآن عن شيء لم ترتكبه أصلاً (يضحك)

أحمد حويلي: (يضحك) هو إذا صحّ التعبير معك يكون الحديث عن أنّ هذا الغبار الذي يخفي، أن نرفع هذه الستارة لأن هناك أُناساً كُثراً توجّهوا إلى المسرح بخلفية مختلِفة جداً، توجّهوا وفي اعتقادهم أنّهم قد يسمعوا منّي، كما قلت، أُغنية حديثة أو موجّهة إلى شخص أو كذا، فسمعوا ووجدوا ألا وجود لأي شخص مُحدّد أو كذا 

زياد سحّاب: بين هلالين أريد أن أفتحهما

زاهي وهبي: بإيجاز لأننا نريد أن نختُم بإنشاد

زياد سحّاب: بعض المنتقدين لهذه التجربة كانوا دائِماً يتّهمون الشيخ "أحمد" وكأنّه ذهب من مكان إلى الشُهرة الواسعة، لا، ملعبنا في الموسيقى لا وجود لهذه الشُهرة فيه ولا لهذه المُغريات

زاهي وهبي: حتّى الشُهرة إذا كان لها قيمة ولها مضمون وقائِمة على فنّ حقيقي ما المُشكلة فيها؟

زياد سحّاب: في مكانٍ ما لأنّ هذا الشيء صُوّرَ وكُتِب على الـ Social Media وكأنّ "أحمد حويلي" هو ساعٍ إلى الشهرة بأيّة طريقة، وهذا تسخيف كبير جداً للشيء الذي يقدّمه

زاهي وهبي: المنشدون في "مصر" الذين يغنّون إنشاداً صوفياً والذين يغنّون في الموالِد ويغنّون سيرة هلالية هم قامات كبيرة مثل "التُهامي" وغير “التُهامي". في "إيران"  أيضاً، الموسيقيون والفنانون والسينما الإيرانية تأخذ جوائِز في كلّ مهرجانات الدنيا، لماذا نحن نشعُر في أنفسنا وكأننا قمنا بخطيئة؟

زياد سحّاب: صُّوِر الموضوع وكأن أحدهم انتقل من الالتزام إلى هذا العالم الفنّي المفتوح الذي لا تعلم على ماذا

زاهي وهبي: على كلّ حال، أنا قبل أن أطلب أن تختما بموسيقى وإنشاد أشكركما جزيل الشُكر وأقول لمُحبّيكما وللذين يرغبون في التعرّف أكثر أنّ السي دي "عرفت الهوى" موجود في المكتبات الموسيقية، حفلتكما في 24 الجاري في مسرح "دوار الشمس" في " الطيّونة"، في أية ساعة؟

أحمد حويلي: الساعة الثامنة

زياد سحّاب: صباحاً ( يضحك)

زاهي وهبي: (يضحك)، نتمنّى أن تكون حفلة ناجحة والشُكر لفريق العمل، لمُخرج البرنامج "علي حيدر"، لمنتجة البرنامج "غادة صالِح" ولمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، ولكما مسك الختام

أحمد حويلي:  شكراً لكم أيضاً

زياد سحّاب: نشكركم ونشكر قناة "الميادين"

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً                                 

أحمد حويلي: (يؤدّي الشعر الصوفي يرافقه "زياد سحّاب" على العود)