العد العكسي

برنامج حصاد إخباري أسبوعي يستعرض أبرز القضايا التي أثيرت خلال الأسبوع ويستضيف كتّاب وباحثين وشخصيات سياسية للحوار بشأنها. يستعرض في الحلقة الواحدة أربعة ملفات تتمايز على المستويات التالية: السياسي، الاقتصادي،الاجتماعي، البيئي، الثقافي، الطبي...وتتنوع في جغرافيتها بين دول المنطقة والعالم.

10-01-2015

الضيوف: خالد الأسدي – عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي، سعد بن عمر – رئيس مركز القرن العربي للدراسات، تيري ميسان – كاتب صحفي ورئيس مركز فولتير، سمير السعداوي – رئيس قسم الشؤون الدولية في صحيفة الحياة، طارق الشناوي – ناقد فني، محمّد البغدادي – المتحدّث الرسمي بإسم وزارة الثقافة المصرية

المحور الأول

بعد ٢٥ عاماً من القطيعة، هل تشهد العلاقات بين الرياض وبغداد عهداً جديداً؟ وما تأثير ذلك في ملفات المنطقة؟

  • المحور الأول
    المحور الأول

لينا زهر الدين: مواضيعُ وأحداثٌ عديدة شهدها هذا الأسبوع كان الإعتداء الإرهابيّ على صحيفة شارلي إيبدو أبرزها، سنتوقف عنده بالتأكيد، ولكن سنبدأ من التقارب الأخير بين السعودية والعراق. إذاً، افتتاح سفارة للمملكة قريبًا في بغداد حدثٌ اهتمّ به المراقبون كثيرًا، وأكدوا أنه سيكون له أثرٌ كبير في ملفات المنطقة خاصة في مواجهة تنظيم داعش. هل هذا صحيح في ظلّ التباين بين البلدين حول كثيرٍ من القضايا؟

المحطة الثانية من قلب العاصمة الفرنسية باريس التي ضربها الإرهاب. هجومٌ على صحيفة شارلي إيبدو الساخرة هزّ العالم وطرح تساؤلاتٍ عدّة حول ملابساته وتوقيته وتداعياته على المستويين الداخلي والخارجي. وطرح السؤال الأكبر من المستفيد؟ وهل نحن أمام 11 سبتمبر أوروبي جديد؟

محطتنا الثالثة من ليبيا، فوضى سياسية وميدانية كبيرة. هكذا يصف مراقبون الوضع في ليبيا، خاصة بعد إرجاء جلسة الحوار الأخيرة برعاية الأمم المتحدة، لكنّ تحديد موعدٍ آخر للحوار في جنيف الأسبوع المقبل يراه البعض بارقة أمل. ونسأل، ماذا يريد الغرب من ليبيا؟ ماذا تريد فرنسا تحديدًا؟ هل تنحى بإتجاه تدخلٍ عسكريٍ من جديد؟

المحطة الأخيرة فنية ثقافية. فيلم "الخروج آلهة وملوك" يثير جدلا كبيرًا ويُمنَع من العرض في القاهرة وعواصم عربية أخرى. ماذا تضمّن الفيلم؟ وكيف يمكن الفصل بين المغالطات وحرية الفكر والإبداع؟

أهلاً بكم إلى العدّ العكسي.

 

مباشرةً عقب الغزو العراقي للكويت، قامت المملكة العربيّة السعوديّة بإغلاق سفارتها في بغداد، ومنذ ذلك الحين مرورًا بالإحتلال الأمريكي للعراق، وصولاً إلى الأسابيع القليلة الماضية، كانت العلاقات بين البلدين لا تزال متوتّرة، السعودية لطالما أرجعت الأمر إلى سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي التي غالبًا ما وصفتها بالطائفية والفئوية، في حين اتهمت المملكة من قبل المالكي نفسه بدعم الإرهاب وأعمال العنف في العراق.

اليوم يعلن المسؤولون في البلدين فتح صفحةٍ جديدة، تُرجِم ذلك بعدّة لقاءاتٍ عقدها وزيرا خارجيتهما في أواخر العام الماضي. واخذت المملكة على إثرها قرارًا بإعادة فتح سفارتها في بغداد بعد نحو 25 عامًا من إغلاقها.

خطوة من هذا النوع ستعطي بلا شك زخمًا كبيرًا للعلاقة بين البلدين كما يؤكد المسؤولون فيهما، والأهمّ أنها قد تؤدي إلى تعزيز تحالفٍ إقليمي بوجه الإرهاب وبشكل خاص بوجه تنظيم داعش.

كيف سيكون ذلك في ظلّ تعارض وجهتي نظر البلدين في ما يخصّ الوضع في سورية مثلا؟ وهل لتوقيت القرار أيّة دلالات؟

معنا لمناقشة هذا الموضوع من بغداد السيد خالد الأسدي عضو لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس النواب العراقي. أهلاً بك سيد خالد. حُكي الكثير في الواقع عن النواحي الإيجابية لعودة العلاقات بين الرياض وبغداد. كيف يمكن أن يُترجَم ذلك عمليًا، خطوة بخطوة؟ ما المطلوب من العراق وما المطلوب من السعودية كمرحلة أولية؟

 

خالد الأسدي: بسم الله الرحمن الرحيم. شكرًا لكم. بكلّ تأكيد مسألة البدء بمجموعة من اللقاءات عالية المستوى بين البلدين، هذه خطوة مهمة في مسار تطوير العلاقات، وربما كثيرون يعوّلون على مثل هذه العلاقة بين العراق بعمقه وأيضًا بموقعه الجغرافي والسياسي مع المملكة العربية السعودية، وما تمثله من موقع جيوسياسي، ممكن بكلّ تأكيد أن يكون عنصر توازن جديد في المنطقة بعد أن اهتزّت كلّ عناصر توازن المنطقة أمنياً وسياسيًا.

 

لينا زهر الدين: ما المعيار هنا؟ هل هناك معايير محددة أو معيار محدد لإيجاد هذا العنصر، عنصر التوازن؟ نحن نعرف أنّ سورية مثلا هناك كثير من التناقض والتعارض بين كل من بغداد والرياض حولها. كيف يمكن لهذه العلاقات أن تعود في ظل اختلال التوازن بشكل كامل مثلاً تجاه سورية أو بشأن الأزمة السورية؟

 

خالد الأسدي: من الطبيعي أن تكون هناك ملفات يختلف عليها البلدان وفي التعامل معها، وواضح الموقف العراقي كان متحفظًا على أي عملية توجّه باتجاه زعزعة الأمن في سورية، لأنه سوف يهدم الأمن القومي العربي، وبالتالي هذا ما حصل بالفعل بعد تمدّد داعش في المنطقة. ولكن في عمق الأزمة السورية، في عمق تداعيات الأزمة السورية، بتقديرنا ممكن أن يكون هناك أساس وهو محاولة إبعاد المنطقة وإعادة إحياء الأمن المجتمعي العربي أو الأمن القومي العربي، فيما سابقًا سمّوه.

الصوت انقطع.

 

لينا زهر الدين: نحن نسمعك، تفضّل. يبدو أنّك لم تعد تسمعنا.

سنتحول مباشرة إلى الرياض مع السيد سعد بن عمر رئيس مركز القرن العربي للدراسات. أهلا بك سيد سعد.

ماذا تريد السعودية تحديدًا من العراق في هذه المرحلة؟ نحن نعرف أنّها كانت تتحفّظ بشكل كبير على شخص رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. اليوم، يبدو أنّها تنظر بعين الراحة لرئيس الوزراء العبادي. لماذا لم نسمع عن إمكانية زيارات لمسؤولين سعوديين قريبة إلى العراق مثلا؟

 

سعد بن عمر: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً فتح صفحة في العلاقات السعودية العراقية هو بالدرجة الأولى لمصلحة الأمّة العربية كافة، ولمصلحة الشعب العراقي خاصة، لذلك المملكة العربية السعودية توقّفت طوال الفترة الماضية لعدّة عوامل. أولى هذه العوامل هي العامل الأمني لضمان أمن موظفيها ودبلوماسييها في العراق. هذا شيء أعتقد لا يحتاج إلى شرح أو تبيان، أنّ هناك قوى شريرة في المنطقة لا تريد للعلاقات السعودية العراقية أن تتنامى أو أن تعود إلى ما كانت عليه. لذلك، كان الحاجز الأول أو العائق الأول هو أمن موظفي ومنسوبي السفارة السعودية في بغداد، مثلها مثل السفارات التي نُسِفت سابقًا، وكثيرٌ من الإعلام يقول ويعوّل على أنّ السعوديين هم الذين لا يريدون فتح علاقات مع العراق، ولكن السبب الرئيسي هو قوى داخل العراق لا تريد للعراق أن يفتح سفارة لمصر أو الأردن أو السعودية أو غير ذلك. أعتقد الآن الصورة وضحت.

 

لينا زهر الدين: لا، هذا يحتاج لتوضيح من السيد خالد الأسدي بعد قليل، تفضّل. لكن من هي هذه القوى الشريرة؟ قصدت بها داعش؟ نحن سمعنا مسؤولين سعوديين قالوا أنّ ما جرى على الحدود السعودية ومقتل جنود سعوديين هو رد على فتح سفارة في بغداد. هذه هي القوى الشريرة أم تقصد قوى سياسية ربما؟

 

سعد بن عمر: هذه القوى لم تظهر على السطح إلا قبل أشهر أو قبل ستة أشهر بالذات داعش وأخواتها، ولكن العلاقات السعودية العراقية كان يجب أن تبدأ منذ احتلال العراق من القوات الأمريكية مثلها مثل أيّة دولة أخرى عربية صديقة، سورية، الأردن، الدول المجاورة للعراق، فندع هذا جانبًا. لكن نقول مرة أخرى هناك لدى الإخوة العراقيين ولدى الشعب العراقي من لا يريد أن يكون هناك علاقات إقتصادية وسياسية مع المملكة العربية السعودية، بعد هذه السنوات العجاف وانحياز السيد رئيس الوزراء السابق لجهة معيّنة وجعل العراق منشلّاً إقتصاديًا وأمنيًا، ونحن الآن نلمس هذه السياسات. على كلّ، نترك الماضي خلف ظهورنا. السعودية عندما اتخذ الشعب العراقي السيد العبادي وصار رئيسًا للوزراء باركت هذا الإنتخاب، ترقّبت أن يكون على يديه مفاتيح خير للشعب العراقي كله، وأن يعامل الشعب العراقي ليس كمكونات، هذا يتبع لذلك وذاك يتبع لهذا.

 

لينا زهر الدين: اسمح لي، سنتحدّث عمّا قامت به السعودية، أن أعود من جديد للسيد خالد الأسدي. من هي القوى، إذا كنت استنتجت مما قاله السيد سعد بن عمر، من هي القوى داخل العراق التي لا تريد للعراق أن يكون له علاقات سياسية وإقتصادية تحديدًا مع المملكة العربية السعودية؟ هل هناك فعلا مثل هذه الجهات داخل العراق؟

 

خالد الأسدي: بكلّ تأكيد، الشعب العراقي شعب اختار نظامه السياسي ونظام ديمقراطي بعض الدول بالمنطقة كان لها تحفظ أو ربما توجس من حركة النظام أو العملية الديمقراطية في العراق وإفرازاتها، وهذا كان واضحًا من جملة تصريحات ومواقف حدثت، ولكن دعيني أذكّر كلّ المشاهدين وأيضًا الضيف العزيز أنّ العراق، حتى في زمن حكومة المالكي وحكومة المالكي الأولى، على الأقلّ أول زيارة قام بها وهو رئيس وزراء، قد انفتح على المملكة العربية السعودية وكان بالفعل للعراق رغبات متعددة متجددة انعكست من خلال تصريحات ومواقف كل مسؤوليها بالانفتاح ومعالجة العلاقة ما بين العراق والمملكة العربية السعودية، أولا إدراكًا من العراق لأهمية هذه العلاقة وما يمكن أن تنعكس على مصالح البلدين وأمن واستقرار المنطقة أمنيًا وسياسيًا.

على كل حال، الآن هذه المرحلة مرحلة جديدة، والعراق الآن بالفعل ماضٍ بنفس التوجّه بالانفتاح على كل أشقائه العرب، بالخصوص دول الجوار، وفي مقدّمتهم المملكة العربية السعودية لبناء علاقات بينها.

 

لينا زهر الدين: ماذا يريد من المملكة العربية السعودية تحديدًا في مكافحة تنظيم داعش؟ بالرؤية العراقية ماذا ستقدم السعودية للعراق في مسألة مكافحة تنظيم داعش؟

 

خالد الأسدي: أولاً واضح أنّ التنظيمات الإرهابية انتعشت عندما بالفعل بعض الدول في المنطقة دعمت بعض هذه المجاميع أو بعنوان المعارضة السورية، ولكن بشكل أو بآخر تحوّلت هذه الأسلحة إلى أسلحة لتدمير وأذية بعض مناطق العراق. لا بدّ من إيجاد تفاهم بين العراق والمملكة العربية السعودية لتنظيم هذه المسألة وتجفيف منابع الإرهاب في المنطقة بكلّ الوسائل.

الأمر الآخر والمهمّ والحيوي جدًا، هناك فتاوى من مؤسسات دينية هنا أو هناك وربما بعضها في المملكة العربية السعودية، تستطيع المملكة أن تلعب دورًا أساسيًا في وقف هذه الفتاوى التي تلعب على الوتر الطائفي في التحشيد لصالح الجماعات الإرهابية في العراق أو في غير العراق، وهناك أيضًا دخول على مسار العلاقات الاقتصادية من شأنه أن يعزّز التعاون بين المجموعات السياسية من جهة ومع الحكومة، وأيضًا بين المملكة العربية السعودية وبين العراق من جهة أخرى. باستطاعة المملكة أن تلعب دورًا أساسيًا ومهمًا في الإنفتاح على كل الطيف السياسي العراقي، على أن تنفتح على كلّ الطيف السياسي العراقي وتبني علاقات متوازنة، وأيضًا بإمكان العراق أن يساعد المملكة لمعالجة بعض الأزمات ربما الداخلية إذا احتاجت هذا النوع من العلاقة.

 

لينا زهر الدين: ومن بين الملفات المطروحة ملف تبادل المعتقلين، قيل في السابق أنه تمّ بالفعل التوصّل إلى إتفاقيات في هذا المجال. اسمح لي أن أنتقل إلى السيد سعد بن عمر من جديد.

وكأن المراقب سيد سعد بن عمر يستنتج ممّا تريده السعودية من العراق فقط التركيز على ملف المعتقلين. نحن نعرف أنّ هناك معتقلين في السجون العراقية، أكثر من 50 أو 60 معتقلا موصوفون بأنهم إرهابيون. إلى أيّ مدى يأخذ هذا حيّزًا مهمًا من فكر المسؤولين في المملكة؟

 

سعد بن عمر: لا شك إنّ هؤلاء أبناء المملكة حريصة عليهم، ولدينا قوانين قد يكون الأخ خالد لديك لم يكن على علم بها، أنّ المملكة لا تفتي أو علماؤها لا يفتون بالذهاب إلى العراق أو سورية وهناك إجراءات مشددة ضد كل من يذهب للقتال.

 

لينا زهر الدين: هو قال فتاوى من بعض مؤسسات، لم يقل مراجع أو علماء.

 

سعد بن عمر: أبدًا، حتى المؤسسات التي لدينا ليست كما المؤسسات في إيران غير تابعة للدولة، كل المؤسسات الدينية لدينا تابعة للدولة وتحت إشراف الدولة سواء مساجد أو أوقاف أو غير ذلك. لا يوجد لدينا إنسان فوق النظام في المملكة العربية السعودية، ما عدا أولئك الذين يصدرون فتاوى من خارج المملكة من فرنسا أو بريطانيا، هذه المملكة ليست لها علاقة بها.

 

لينا زهر الدين: مسألة المعتقلين؟

 

سعد بن عمر: نعود للمعتقلين. هناك عدة ملفات مهمة أولا هذه الملفات هي بمكان أهم للعراق من السعودية. لا شكّ أنّ هؤلاء مهمون لدينا كأبناء لنا ضلوا أو أضلوا أو سمّهم ما شئت، ولكن هناك ملفات صعبة جدًا داخل العراق، يحتاج العراق إلى المملكة العربية السعودية حتى يحلّ هذه المشاكل، حتى ينتشل الاقتصاد العراقي من أزماته، والإقتصاد العراقي الآن لو نظرنا يمينًا أو شمالاً له تعامل مع الدولة الإيرانية بحدود 14 مليار دولار العام الماضي وأيضًا تركيا بـ12 مليار دولار، لو قسنا على هذا التعامل عام 2012 لوجدناه 4 مليارات دولار.

 

لينا زهر الدين: دعنا في الشق السياسي لو سمحت سعد بن عمر. في الواقع هو الأهم الشق السياسي مع إعطاء أهمية للشق الاقتصادي. ولكن في ما يتعلق بالمعتقلين، واضح اهتمام المملكة الزائد بقضية هؤلاء، وأعود وأكرّر أنهم يوصفون بأنّهم إرهابيّون في سجون العراق، هذا أولا، وثانيا وهو الأهم سورية، كيف للسعودية والعراق أن يتفقا على صراع وحرب كبيرة مثل سورية؟

 

سعد بن عمر: هذا ما أردت الذهاب إليه. الآن العراق مخنوق شمالا بداعش، كلّ الطرق الإقتصادية أو المنافذ الحدودية أو الحركة التجارية مسيطر عليها داعش من الشمال، ما جعل الدولة العراقية تخسر إما منافذ مقفلة أو إرتفاع الأسعار أو غير ذلك من الانتاج القومي المحلي. لذلك المملكة العربية السعودية لديها خمسة منافذ حدودية لديها استطاعة أن تفتحها في أيّ وقت لجنوب العراق حتى تنتعش المنطقة الجنوبية لجنوب العراق، في مسألة إحيائها. إذًا المنطقة الشمالية مسيطر عليها من داعش بتاتًا ليس للحكومة العراقية عليها سلطة تنفيذية ما عدا مواقع بسيطة في شمال كردستان يعبر من خلالها الأنبوب النفطي. لذلك هذا التعاون هو الداعم الأساسي للميزانية العراقية وللمالية العراقية في سبيل التقدم شمالا والسيطرة على المواقع وإنهاء داعش.

الشعب العراقي الآن، الدولة العراقية ميزانيتها 103 مليارات دولار في العام 2015، 95 بالمئة منها معتمدة على النفط، و95 بالمئة من النفط يصدر عبر الجنوب والبصرة والموانئ العراقية الجنوبية 2 فاصل خمسة مليون برميل، والشمالية مستخدمة بحدود ضيقة.

لذلك أعتقد أن التعاون الأمني والاقتصادي والسياسي مع المملكة العربية السعودية كفيل بأن يحل جزءًا كبيرًا من المشكلة. إذا حيّدنا المشكلة السورية في حدود سورية، المشكلة العراقية الآن هي الأهم، التصدي لداعش سواء إقتصاديًا أو سياسياً أو حربياً.

 

لينا زهر الدين: ولكن كيف يمكن تحييد المشكلة السورية وداعش موجود بجغرافيا ممتدة بين سورية والعراق وهناك تنسيق كبير بين البلدين؟ كيف يمكن للسعودية أن تتعاون مع العراق في مسألة تنظيم داعش ومكافحته من دون التنسيق مع سورية؟ هذا أضعف  الإيمان يفترض.

 

سعد بن عمر: نحن الآن نتكلم في نقطة محددة، وهي العراق وليس سورية أو تركيا، نحن نتكلم عن مسألة إعادة إنعاش الجيش العراقي، إنعاش الاقتصاد العراقي.

 

لينا زهر الدين: هذه نقطة سيد سعد، ولكن هناك نقطة ثانية وركزت حضرتك عليها، النقطة الأمنية، التعاون الأمني. كيف يمكن للسعودية أن تتعاون أو أن تساعد العراق في مكافحة تنظيم داعش من دون التنسيق مع سورية وداعش في العراق وسورية؟

 

سعد بن عمر: قوات دولة داعش موجودة في العراق، معنى ذلك يجب أن يكون العراق هو البلد الذي يعيد إلى بلاده الأمن والاستقرار وليس الأردن أو سورية، أما المجموعات الإرهابية أو المجموعات المقاتلة في سورية، هناك لها باب وجواب وتنسيق آخر. نحن لا نريد، تستطيعين ان تقولي أن السعودية تريدين أن تتنازل عن بعض مبادئها بالنسبة للأزمة السورية أو للثورة السورية، هذا شيء جانب، نحن الآن نعالج مشكلة العراق الرئيسية، داعش ابتدأ من العراق وإليها انتهى، هذا الأهم من ذلك.

 

لينا زهر الدين: إبقَ معي لو سمحت سيد سعد. أعود من جديد إلى السيد خالد الأسدي. أنا حاولت في الواقع أن آخذ إجابة من السيد سعد بن عمر حول موضوع المعتقلين. قيل أنّ هناك مطالب سعودية سرية لإطلاق سراح إرهابيين معتقلين في العراق بين مزدوجين. هل حصل هذا سيد خالد؟

 

خالد الأسدي: أولا ملف المعتقلين ملف قديم مطروح بين جمهورية العراق والمملكة العربية السعودية، وعُقدت عدة إتفاقيات في زمن حكومة السيد المالكي، بين وزارة العدل العراقية ووزارة العدل السعودية، في خصوص تبادل السجناء وإنهاء بقية محكومياتهم هناك في بلدانهم، لأن هناك أيضًا معتقلين عراقيين في المملكة العربية السعودية العراق حريص على استعادتهم وإنهاء محكوميتهم في العراق، وتمّ عقد إتفاقية بهذا الخصوص وماضية الأمور في تنفيذها، وهذه الإتفاقية استثنت المتهمين أو المحكومين بقضايا إرهابية. ولذلك، هذا الملف يسير في إطار ما اتفق عليه وفي إطار القضايا المرعية في القوانين العراقية والقوانين في العربية السعودية.

 

لينا زهر الدين: هل يمكن أن يكون ما يجري اليوم بين العراق والسعودية مقدمة لفتح علاقات مع دول خليجية أخرى أو لإعادة أو لتحسين علاقات مع دول خليجية أخرى من قبل العراق سيد خالد، خاصة قطر مثلا؟

 

خالد الأسدي: هو بكل تأكيد العراق لديه علاقات متطورة جدًا مع كثير من دول الخليج ومجلس التعاون الخليجي، وبتقديري أنّ بالإمكان أيضًا أن تلعب العلاقات العراقية السعودية دورًا أساسيًا في تطورها بإتجاه لملمة كلّ المشهد العربي وليس فقط بخصوص الدول الخليجية فقط.

الأمر الآخر الذي أودّ الإشارة إليه وهو مهمّ بتقديري، أنا أعتقد أنّ موضوع الأمن في العراق وفي سورية إفرازاته لا تمسّ العراق فقط بل قد تتعدّى حدوده كل المنطقة، ولذلك من مصلحة جميع البلدان أن تتعاون مع العراق وأن تحذو بالفعل حذو كثير من دول العالم التي بدأت تستشعر هذا الخطر وتدخل على خط مساعدة الحكومة العراقية للقضاء على هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي بالفعل باتت تشكل خطرًا دوليًا.

 

لينا زهر الدين: سيد سعد بن عمر، سؤال أخير، هل سنشهد قريبًا زيارة لمسؤولين رفيعي المستوى سعوديين إلى العراق؟ هناك كلام في هذا الموضوع ولكن على الأرض لا إعلان عن الزيارات. قيل إنّ وزير الخارجية سعود الفيصل قد يقوم بزيارة، هذا قريب أو نتحدث عن شيء ما زال أمامه الكثير من الوقت؟

 

سعد بن عمر: كل شيء محتمل لكن هذا الكلام قد نسمعه بتصريح من وزارة الخارجية السعودية، نحن كمحللين سياسيين فقط نتنبأ بردود الأفعال ونتائجها فقط. أما الزيارات فهي متوقعة بالفعل لأنه لا بدّ أن تثمر هذه الجهود بعد فتح السفارة السعودية عن تنفيذ إتفاقيات قديمة، وأيضًا الذهاب إلى إتفاقيات جديدة في سبيل تدعيم العلاقات، وأيضًا الوصول إلى الأهداف من تلك العلاقات التي يحتاجها العراق وتحتاجها السعودية في آنٍ معا.

 

لينا زهر الدين: أنا أذكّر فقط أنّ السعودية تنوي افتتاح قنصلية لها أيضًا في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق. أشكرك سيد سعد بن عمر رئيس مركز القرن العربي للدراسات. كذلك أشكرك سيد خالد الأسدي عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي، حدّثتنا من بغداد.

فرنسا ضربةٌ في القلب ما بعدها لن يكون كما قبلها. بعد هذا الفاصل.

المحور الثاني

فرنسا تُصاب بمقتل، هل تراجَع الحسابات والمعايير؟

  • 2.mp4
    2.mp4

لينا زهر الدين: أهلا بكم من جديد إلى العدّ العكسي.

في الحادي عشر من سبتمبر قبل 13 عامًا ونيّف من الآن، ضُرِبت الولايات المتحدة في عقر دارها، فكان التاريخ الذي غيّر العالم ودشن حروبا بدأت ولمّا تنتهِ بعد. لم يقتصر الأمر على الحروب العسكرية والميدانية بل كانت الحروب النفسية أشد وأقسى، حيث انطلقت موجة عداء وكره متبادلة بين العرب والمسلمين من جهة وسياسات الغرب عمومًا من جهةٍ ثانية.

طُرح وقتها السؤال الكبير في دوائر صنع القرار الأمريكية، لماذا يكرهوننا؟ حُكي الكثير عن كيفية تدبير وتنفيذ الحادي عشر من سبتمبر وتورط أيادٍ مخابراتية كبيرة فيها لتحقيق أهداف ونتائج ما زلنا نعيش إفرازاتها لغاية الآن. حُكي عن بصماتٍ يهودية واضحة وقتها.

اليوم وكأنّ التاريخ يعيد نفسه. فرنسا تضرب في عقر دارها باستهداف مقر صحيفة شارلي إيبدو الساخرة لمبالغتها بالاستهزاء بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام. المشتبه بتورطهم فرنسيون من أصول عربية مسلمة تم قتلهما في عملية ناجحة للشرطة الفرنسية أمس. خرج متظاهرون وسيخرجون غدا تضامنا مع الضحايا وذويهم.

كانت التكهنات إذًا بإمكانية إنتقال الإرهاب إلى أوروبا صحيحة. من المستفيد من هذا الإعتداء الإرهابي على صحيفة شارلي إيبدو ومن الخاسر؟

معنا لمناقشة هذا الموضوع هنا في الإستوديو تييري ميسان الكاتب والصحافي ومؤسس شبكة فولتير. أهلا بك سيد تييري معنا في الميادين مرة ثانية.

إنتهت الأزمة وبدأت الأسئلة تُطرَح. كتبت مقالا حول ما جرى، ولديك رأي مختلف عمّا يتمّ تداوله. تقول إنّ من قام بالعملية ليسوا الجهاديين. من قام بعملية كبيرة من هذا النوع على شارلي إيبدو؟

 

تييري ميسان: في هذه المقالة، طرحت سؤالا يمكننا جميعًا أن نلاحظ جليًا عندما نراقب صور الإعتداء على شارلي إيبدو بأنّ الإرهابيين تصرفوا مثل الكومندوس العسكري، كانوا يرتدون اللباس والزي العسكري وهذا لا يمتّ بصلة بطريقة تعامل الجهاديين الذين نعرفهم من أنواع داعش وما شابه، فعادة عندما يتدخل الجهاديّون يبدأون أولاً بتدمير رموز ما يشكّل لهم مشكلة. أما هنا، ففي قاعة شارلي إيبدو، كنّا نرى الصحف والصفحة الأولى من مختلف الصحف، إضافة إلى الصحف التي تعتدي وتتهجّم على النبي محمد، وإن كان أولاً عليهم أن يُزيلوا هذه الصور لو كانوا من المجاهدين، ولكنّ ذلك لم يزعجهم بل توجّهوا أولا للأشخاص. فإذًا لم تكن هذه الصحيفة التي تطرح لهم مشكلة، وقد لاحظنا أنهم من المتدربين عسكريًا، البعض منهم ربما لديهم خبرة في الحرب، فقد تمكنوا من إحراز مثل هذا النوع من القتل، وعندما نلاحظ ذلك نرى جليًا بأنهم محترفون، وإذا صحّ القول بأنهم محترفون فالمهم هو ألا نعرف من هم لأنهم يتقاضون أجرا لهذا العمل، بل من الذي دفع لهم، بيد أنّ الصحافة الفرنسية اليوم لا تهتم بهذه المسائل بل أنها تنظر في الصفحة الأولى أو ما يبدو في البداية، نعم، إنهم من المسلمين وبالتالي نتكلم عن القاعدة، ولا أظنّ بأن هذه هي الطريقة التي نقارب فيها الموضوع.

 

لينا زهر الدين: من الذي دفع لهم أو من الذي أمر بهذه العملية، ربما الأيام المقبلة ستكشف لنا الكثير من التفاصيل، ولكن ما كشف اليوم سيد تييري أنّ تنظيم القاعدة في اليمن تبنى عملية شارلي إيبدو. كيف يمكن قراءة ذلك بهذه الحال؟ هذا ينفي ما تتفضل به.

 

تييري ميسان: بداية القاعدة تتبنى دائمًا العمليات التي يمكنها أن تتبناها حتى عندما لا تكون قد ضلعت فيها.

ثانيا الأشخاص الذين طلبوا إتمام هذه العملية، ما الذي أرادوه؟ أرادوا تحقيق النتيجة التي نراها اليوم، أي بداية شرخ في المجتمع الفرنسي بين المسلمين وغير المسلمين. وبالتالي، هذا ما نسمّيه نظرية تصادم الحضارات، وهذه النظرية، صدام الحضارات، لم تخترعها القاعدة ولا تتبنّاها داعش. نعم، صامويل هنتنغتون، هذه النظرية موجودة فقط في واشنطن وفي تل أبيب، وبالتالي إستنتاجي هو بأنّ الأشخاص الذين دفعوا لإحقاق هذه العملية هم أشخاص يجب أن نبحث عنهم إما في واشنطن أو في تل أبيب وبالطبع ليس في صحاري اليمن.

 

لينا زهر الدين: لا أدري سيد تييري ما الذي يمكن أن يدعم هذه النظرية أو هذا الرأي الخطير إن صحّ، ولكن في موقع "International Business Times" الأمريكي، هذا الموقع نشر اليوم خبرًا ثمّ حذفه بعد دقائق، هكذا قيل، أنّ المتهم في عملية شارلي إيبدو عناصر من جهاز الموساد الإسرائيلي، هم وراء الإعتداء إنتقامًا من موقف فرنسا في فلسطين، وتصويتها على مشروع القرار في الأمم المتحدة، مشروع القرار الفلسطيني، ومن الطبيعي ومن السهل أن تلصق التهمة بالمسلمين.

 

تييري ميسان: فرضية عملية إسرائيلية هي فرضية منطقية، وحتى قبل بروز هذه المقالة من "International Business Times" العديد من الأشخاص قد تساءلوا وطرحوا مثل هذه التساؤلات، صحيح بأنّ موقف فرنسا في الأمم المتحدة واضح، فإنّ الوفد الفرنسي كان يتفاوض مع السلطة الفلسطينية من أجل وضع نصّ يكون مقبولاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وليس إسرائيل بل الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي، فعندما توصّلوا إلى نصٍ نهائي، ففي هذه اللحظة المفاجأة الكبيرة كانت بأن السلطة الفلسطينية قد سحبت النص ووضعت نصًا من تأليفها، وهنا الوفد الفرنسي صوّت لصالح هذا النص. وبالتالي فإنّ دولة إسرائيل نظرت إلى الموضوع بطريقة مختلفة، هذه الفرضية ممكنة.

 

لينا زهر الدين: نحن تابعنا في الواقع تغطية الصحافة الفرنسية وتغطية وسائل الإعلام، محطات التلفزة الفرنسية، ثلاثة أيام من التغطية المباشرة. للأسف كان هناك من بين الضحايا  مسلمون، هناك شرطي يدعى أحمد وآخر يدعى مصطفى، مترجم هو مدقق في الصحيفة، لم يتم ذكرهما بالصحافة الفرنسية. كلهم ضحايا في النهاية وهذا عمل إرهابي ولا عذر لمن لا يدين الإرهاب لكن وجب التذكير بأنه من بين الضحايا أيضا مسلمون. الصحافة الفرنسية للأسف لم تأتِ على ذكر ذلك. ذكرت نقطة مهمة.

 

تييري ميسان: نعم، وهناك العديد من المساجد التي تم التعرض لها ولا أحد يذكر الموضوع، فهذا لا يعتبر ذات أهمية. فإذًا صحيح أنّ هناك بداية لشرخ في المجتمع الفرنسي.

 

لينا زهر الدين: وهذا الكلام الخطير، بداية شرخ في المجتمع الفرنسي، كأننا نتحدث عن حرب أهلية، عن بداية حرب أهلية. نحن نعرف أنّ هناك خمسة ملايين مسلم في فرنسا، إذا بدأنا من اليوم نعاملهم كأنّهم مواطنون من الدرجة الخامسة أو السادسة أو العاشرة هناك مشكلة في المستقبل في فرنسا وفي أوروبا بشكل عام.

 

تييري ميسان: منذ شهرٍ تقريبًا هناك إيريك سيمور وهو صحافي فرنسي شهير نشر كتابًا حيث قال بأنه ستبدأ حرب أهلية بين المسلمين وغير المسلمين في فرنسا، وهو صحافي أمضى وقته على التلفاز، كان يحيي العديد من البرامج التلفزيونية، وقد اتخذ القرار فجأة بأنه لن يشارك بعدها في أي برامج وقد رُفِض من كل محطات التلفزيون، في حين أنه يقال أنّ هناك حرية تعبير ولا نسميها حرية تعبير إذا ما اتخذ الجميع مثل هذا القرار. وكان السبب هو أنّ بعض الأشخاص في المجتمع الفرنسي ربما يريدون هذه الحرب الأهلية.

 

لينا زهر الدين: إذاً واضح المستفيد وواضح الخاسر. المسلمون هم الخاسر الأكبر والمستفيد هم حسب ما فهمت منك هم دوائر صنع القرار في تل أبيب وفي واشنطن. أنت شبّهت ما حصل بأنه 11 سبتمبر أو 9-11 آخر أوروبي. هل هذا يعني نفس إفرازات 11 سبتمبر عام 2001 سنشهدها اليوم؟

 

تييري ميسان: نعم، أظنّ بأن تقريب أوجه الشبه أمرٌ ممكن. خلال الحادي عشر من سبتمبر كان هناك حالتان، أولاً السعي إلى وضع عسكري سياسي معين، إضافة إلى بدء سلسلة من الحروب ضد عدة دول ولم تنتهِ حتى الحين. أما في حالة فرنسا فإن إنشاء دولة شرطية عسكرية هو مشروع قد انطلق منذ أسبوعين، لأنه قبل هذا الحادث وليس بعده، الحكومة، حكومة السيد هولاند قد نشرت مرسومًا يسمح بتعقّب كلّ التواصل على الإنترنت والهاتف وذلك خارج إدارة القضاء، لأنّ ذلك كان ممكناً في السابق ولكن في إطار تحقيق قضائي، أما الآن فالشرطة سيحق لها من تلقاء نفسها أن تقوم بهذه الأمور كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحادي عشر من سبتمبر أيلول. وبالتالي ألاحظ أنّ كل هذه الأمور تتزامن، ومن هنا حقنا في طرح السؤال هل أنّ حكومتنا لا تحاول أن تتلاعب بالشعب الفرنسي من أجل أن تمرّر قوانين سلطوية واستبدادية إلى حد بعيد؟

وعندما أرى بأنّ الحكومة الفرنسية تدعو إلى الوحدة الوطنية، فهذا أمرٌ ممتاز، ولكن الحكومة لا تحترم بذاتها هذه الوحدة، لأنها تقصي حزبًا سياسيًا من التظاهرة التي أعلن عنها غدًا. ومع العلم بأنه في الساعات التي تلت الإعتداء الهجوم على شارلي إيبدو، وكان في قرابة الظهر، اجتمعت خلية الأزمة، وعند الساعة الثانية من بعد الظهر اتخذ القرار باعتماد خطة جديدة للأمن الوطني وتنشيط هذه الخطة واتخاذ تدابير استثنائية لتأمين وضمان الأمن في باريس، وعند هذا الوقت مَنَعت الحكومة كافة التظاهرات من دون أيّ استثناء وذلك لمدةٍ تكون محدودة ولكنها لم تنتهِ بعد. ما زالت هذه الخطة قيد التنفيذ في حين تمّ منع كل التظاهرات، سُمِح عند الساعة الخامسة مساء بتظاهرة لمئة ألف شخص في ساحة الجمهورية لصالح شارلي إيبدو في حين يقال لنا أنه من الخطير جدا أن نتجمع وبأن الإرهابيين يمكن أن يتعرّضوا لأشخاصٍ من الحشود المجتمعة، الحكومة بحد ذاتها تنظم تظاهرة في حين يقال بأن ملايين الأشخاص سيكونون حاضرين والعديد من رؤساء الدول والقادة سيكونون حاضرين، فإذاً من الخطر جدًا أن يتجمع مئة ألف شخص لأي شيء في الشارع ولا خطر بأن يجتمع مليون مع رؤساء دول وحكومات. ممّن نسخر؟ بالفعل حكومتنا تحاول من جهة أن تتلاعب بشعبنا ومن جهةٍ أخرى تحاول الحكومة أن تتزوّد بأدواتٍ عسكرية وشرطية لم تكن تتمتع بها في السابق وتنتهك حقوقنا الأساسية.

 

لينا زهر الدين: هل نفهم من كلامك أنّ الحكومة الفرنسية لم تغيّر سياساتها في الداخل لا بل ربما تذهب إلى قرارات سيئة أو سلبية نوعًا ما ولن تغيّر سياساتها في الخارج  أيضًا، أنت القادم من سورية وعلى علاقة ببعض دوائر صنع القرار أو مقرب من بعض دوائر صنع القرار في سورية، لن نسمع بأي تنسيق أو تعاون مستقبلي مثلا بين فرنسا وسورية في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب؟

 

تييري ميسان: أظن بأن أحدًا في فرنسا لا يفهم السياسة الفرنسية. الحكومة تشرح لنا بأنه لا بدّ من حماية البلد من عودة المجاهدين، وفي البداية كان قد أرسل هؤلاء المجاهدين، هذا الوضع لا يصح الآن ولكن في السابق الحكومة بحد ذاتها كانت ترسل المجاهدين للقيام بالجهاد في سورية. وفي حين أننا ندّعي أنه علينا أن نحمي البلد نرفض النقاش بشأن التعاون بين الشرطة الفرنسية والشرطة السورية مثلاً، في حين أنّ هذه العلاقات كانت قائمة في السابق وكان الجميع سعيدًا بذلك. فإذاً هل إنّ ذلك سيتغيّر؟ نأمل ذلك، العديد من رجال الشرطة والقضاة يطلبون ذلك لكن الحكومة تمتنع، لا أحد يفهم لماذا الحكومة تمانع، لا يفهم أحد لماذا فابيوس يكرر دائما بأن بشار الأسد يجب أن يغادر، لا أحد يفهم لماذا.

 

لينا زهر الدين: سنتابع الحديث عن هذا الشق وارتباطه أيضًا، ارتباط السياسة الفرنسية بالخارج وبليبيا بشكل خاص بعد هذا الفاصل لو سمحت، لدينا موضوع عن ليبيا وهناك كلام عن إمكانية تدخل فرنسي في ليبيا والسياسات الفرنسية في ليبيا.

بحرٌ من الذهب الأسود في ليبيا من حصّة من؟ نتابع بعد الفاصل.

المحور الثالث

في ليبيا حديث عن حرب أهلية...لا حلولَ في الأفق، وعين الغرب على منابع النفط.

  • المحور الثالث
    المحور الثالث

لينا زهر الدين: أهلا بكم من جديد إلى العدّ العكسي.

بعد إرجاء جلسةٍ للحوار كانت مقرّرة الإثنين الماضي بين أطراف النزاع في ليبيا، قالت بعثة الأمم المتحدة إلى هذا البلد إنّ اجتماعًا تقرّر عقده الأسبوع المقبل في جنيف للتوصّل إلى حل سلمي للنزاع. وُصِف الإجتماع بأنه الفرصة الأخيرة لإحلال السلام والإستقرار في هذا البلد. قد يكون هذا صحيحًا، فالواقع الميداني على الأرض لا يطمئن، القتال مستمرّ بين جماعة فجر ليبيا ومعركة الكرامة بقيادة خليفة حفتر.

الأخير يبدو مصرًا على إنهاء وجود أنصار الشريعة وحلفائها من الإسلاميين خصوصًا في مدينة بنغازي شرق البلاد. يقول بعض المراقبين إنّ الغرب ينظر من بعيد وينتظر من سينتصر في هذا القتال ليدعمه.  كان لافتاً كلام وزير الدفاع الفرنسي خلال زيارةٍ قام بها مؤخرا الى قاعدة ماداما العسكرية شمال النيجر على بعد مئة كيلومتر من الجنوب الليبي. هو قال "يجب التحرّك لمنع قيام ملاذٍ إرهابي في ليبيا سيزعزع استقرار المنطقة برمّتها ويهدّد أوروبا".

 هل هي المصلحة الفرنسية والغربية في الحفاظ على استقرار ليبيا، أم أن الذهب الأسود الذي تعوم عليه البلاد هو الهدف؟

طبعاً بقي معنا ضيفنا السيد تييري ميسان الكاتب والصحافي ومؤسس شبكة فولتير، وانضمّ إلينا للتو السيد سمير السعداوي رئيس قسم الشؤون الدولية في صحيفة الحياة. أهلا بك سيد سمير.

قبل قليل أعلن عن جلسة حوار جديدة في جنيف ووُصفت بالفعل بأنها الفرصة الأخيرة. ما الذي يعيق لغاية الآن الحوار في ليبيا واستمرار كل هذا النزيف وهذا القتال؟

 

سمير السعداوي: في الحقيقة الكلام عن فرصة أخيرة أعتقد أن الهدف منه الضغط على الأطراف المتصارعة، وستكون مبالغة الإنتظار أو الإكثار من التوقعات من الحوار في جنيف، لأنه نحن نأخذ مثالاً على نزاعات أخرى حصلت، قد تكون جلسة الحوار هي مقدّمة لتبادل الأفكار وقد تؤدّي إلى وقف نار أو هدنة معيّنة.

 

لينا زهر الدين: هذا ما طرحه برناردينو ليون، وقف مؤقت للقتال. لم نعرف الكثير في الواقع عن هذه المبادرة. لم تصدر تفاصيل، إذا كانت مبادرة مكتوبة أم فيها بنود معينة؟

 

سمير السعداوي: هو حصل تبادل أفكار، وما كنت أريد أن أقوله هو أنّ الانتظار أو توقع انتهاء النزاع الليبي بمجرد حصول جلسة حوار هو مبالغة، وبالتالي ما يمكن أن يحصل هو عملية إدارة للنزاع يؤمَل أن تؤدي لأن يستمر النزاع بأشكال أخرى ربما غير عسكرية، لأنه هناك استقطاب كبير وهناك اختلاف كبير في الرأي، وهناك أيضًا استحضار للصراعات الإقليمية على الساحة الليبية، وهذا الأمر الذي حذّرنا منه والأمر المؤسف، أضيفت إليه أيضًا المواقف التي أشرتِ إليها، مواقف وزير الدفاع الفرنسي واختلاط الأمر بما يسمّى بمحاربة الإرهاب وما إليه.

 

لينا زهر الدين: سنتحدث عنها بعد قليل، لكن من اللاعب الدولي الأكبر اليوم في ليبيا؟ وسأسأل السيد تييري عن هذا الموضوع. إلى أي مدى يصح القول بإن الغرب قد يشن حملة عسكرية من جديد على ليبيا بحجة الإرهاب وما قاله وزير الدفاع الفرنسي مؤخرًا؟

 

سمير السعداوي: بتقديري أن اللاعب الدولي الأكبر والذي لا يترك شيئًا إلى الصدف في بلد مثل ليبيا بما فيها من مقدرات نفطية وما فيها من عوامل تفجير وتأثيرها هو الولايات المتحدة والغرب عمومًا.

 

لينا زهر الدين: هي أكبر إحتياطي نفطي في القارة السمراء.

 

سمير السعداوي: نعم، فالأمريكان لا يتركون شيئا للصدفة في بلد مثل ليبيا، فهم على علاقة بالجميع وهم ربما يكون لديهم مفاتيح معينة يتحكمون فيها بالصراع بحيث لا ينفجر كليًا ولا يهدأ إلا عندما يحين وقته. لكن إذا كان المقصود بالسؤال أنه، هل هناك مثلا دول تحرّض؟ أنا لا أسمّيها دولاً تحرّض بقدر ما هي جزء من الصراع القائم في المنطقة، والذي نعرف أنه يدور ما بين الإخوان وما بين.

 

لينا زهر الدين: كان المقصود أنّ فرنسا، الغرب بشكل عام وفرنسا بشكل خاص، ما خطتهما أو رؤيتهما للحل  مستقبلا في ليبيا أو إذا كان لديهما أي رؤية عسكرية، أي خطة تحرك إنطلاقا ممّا قاله وزير الدفاع الفرنسي.

أنا سأعود إليك اسمح لي أن أتوقف معك سيد تييري ميسان. كان واضحًا وزير الدفاع الفرنسي لودريان عندما قال "لن نسمح لليبيا أن تكون ملاذًا للإرهابيين ولن نسمح للإرهابيين بأن يزعزعوا استقرار ليبيا"، ترك الأمر مفتوحًا على كل الاحتمالات. ماذا يعني هذا؟

 

تييري ميسان: هذا يعني بأنه يمكنه أن يتدخل بطبيعة الحال ولكن يجب أن نفهم بأن أهداف الغرب لا علاقة لها بأهداف الشعب الليبي، فإنّ الشعب الليبي يسعى إلى العيش بسلام أولا، أما ما يسعى إليه الغرب فهو أمر مختلف تمامًا، فالوضع الفوضوي القائم حاليًا هو نتيجة متعمّدة للهجوم الغربي بهذا البلد، وليست نتيجة الثورة، فإنّ هذا البلد قد تدمّر بسبب الهجمات التي نعرف بها، أي اغتيال مئة وستين ألف شخص، وذلك في ظلّ صمت الأسرة الدولية وتمّ القضاء على القائد معمر القذافي، في حين أننا نتكلم عن مجتمع قبلي، وبالنسبة للمجتمع القبلي فإنّ تحديد القائد هو عملية طويلة ومعقّدة، وبعد أن تدمّرت هذه العملية لن يكون من الممكن في السنوات المقبلة ضمان السلام والأمن في ليبيا، وهذا يشكّل مصدر اهتمام الغربيّين لأنه يمكن استخدام النفط من دون دفع أيّ شيء، يمكن حتى إقامة قواعد عسكرية وهذا حصل بشكل مؤكد قرب بنغازي بالنسبة للأمريكيين ويمكن حتى تقسيم البلد إلى ثلاثة كما كان الحل.

 

لينا زهر الدين: إلى أيّ مدى يمكن الإستثمار في ما جرى في فرنسا مؤخرًا أنه فعلا نحن نتعرض لموجة كبيرة من الإرهاب وقبل يومين وزير الدفاع الفرنسي تحدّث عن الإرهاب بشكل خاص في ليبيا. هل يمكن للحكومة الفرنسية أن تستثمر بهذه الحادثة وأن تخطو خطوة عسكرية باتجاه ليبيا للقول للعالم بأنّنا نحن بالفعل معرّضون للإرهاب؟

 

تييري ميسان: الحكومة الفرنسيّة تلعب على الحبلين منذ فترة طويلة، فالحكومة الفرنسية قد أرسلت ضباطًا فرنسيين لتعبئة المجاهدين في سورية، وفي نفس الوقت الحكومة الفرنسية تواجه نفس المجاهدين في مالي، وبالتالي هذه أحداث تحصل في نفس الوقت. فإذاً لا تطلبوا من الحكومة الفرنسية أن تكون متجانسة مع نفسها، لا تقوم بذلك بل تتبع مصالحها بتعمّد واضح.

 

لينا زهر الدين: سيد سمير، حُكي الكثير عن دعم يحظى به اللواء خليفة حفتر من مصر، من الإمارات، حتى من فرنسا، حُكي عن عملية عسكرية يمكن أن تشارك فيها بالتغطية الجوية فرنسا مثلاً، الإمارات ومصر. مصر نفت ذلك. ما السيناريوهات المتوقعة؟ ولماذا لم ينجح لغاية الآن خليفة حفتر مع كلّ هذا الدعم، إذا كان صحيحًا هناك دعم لخليفة حفتر، حركته منذ أكثر من خمسة أشهر تقريباً؟

 

سمير السعداوي: هذا منطلق أولاً إذا أردنا أن نستمرّ في الحديث، أولاً أنا أعتقد شخصيًا أنّ الرئيس الفرنسي مضطر لعملية عسكرية معيّنة، ليس بالضرورة في ليبيا، لكن لكي يقول للشعب المستاء أننا نحن انتقمنا في الخارج. هذا أولاً. الآن هذه  الضربة ستكون؟ ربما على الأرجح بخلاف التبني الليبي والذي ربما لن تتوقف باريس عنده طويلاً، قد تكون هناك ضربة معيّنة في منطقة المثلث القريب من الجنوب الليبي، الحدود الجزائرية، لكن ما هي نوعية الضربة؟ كما كنّا نتوقع ستكون ضربة جوية، وبالتالي نجاح فرص هذه الأنواع من العمليات معدوم، لأنه لا يمكن لأحد أن ينتصر في الحرب من خلال ضربات جوية، وبالتالي يجب إنزال على الأرض، وهذا أمر لن يقدم عليه الغرب، وهذا يجيب على السؤال نفسه بالنسبة إلى خليفة حفتر، لماذا لم ينتصر، لأنه ليس لديه القوة العسكرية الكافية، ربما ليس لديه التأييد الكافي على الأرض لكي يستطيع أن يحسم في كلّ ليبيا، لأنّ ليبيا بلد مترامي الأطراف.

 

لينا زهر الدين: نحن نتحدّث بشكل خاص عن بنغازي. حتى بنغازي ليس هناك حسم فيها.

 

سمير السعداوي: بنغازي فيها خصوم له، من الإسلاميين، حتى هناك أيضًا ثوار يعتبرون أنه معادٍ لمفهومهم للثورة، هناك أيضًا أنصار، ففيها كوكتيل متكامل، وبالتالي قضية حرب الشوارع في مدن مثل بنغازي تدمّر المدينة ولا تنهي الصراع، وهذا ما أشار إليه مبعوثو الأمم المتحدة في السابق، ومراقبو الدول الغربية. لا يستطيع أحد، إذا كان الشعار الكبير الفضفاض هو محاربة الإرهاب، فإنّ أحدًا لا يستطيع محاربة الإرهاب من خلال ضربات جوية وعمليات قصف.

 

لينا زهر الدين: وهذا ما يحصل في سورية، نراه واضحًا في سورية، منذ 3 أشهر، ولا يوجد أيّ حسم.

 

سمير السعداوي: اتضح ما قلناه من الأساس أنه يجب وضع سياسة معيّنة لدمج هؤلاء الثوار في المجتمع وتحقيق مطالبهم، وبالتالي تنتهي الأمور بإرادة الجميع لقيام دولة مدنية، لقيام دولة تحقق طموحاتهم، وليس في عملية ما توحي بأنه استقواء أو محاولة لطرف للتغلب على الطرف الآخر.

 

لينا زهر الدين: اسمح لي أن أنقل ما قالته صحيفة "Le Monde" الفرنسية، "ليبيا الغارقة في الفوضى لا تتوقف عن إثارة قلق جيرانها"، تساءلت الصحيفة "هل ستكون ليبيا المسرح المقبل لتدخل عسكري دولي؟" أيضًا رئيس النيجر محمد يوسف قال "لا غنى عن تدخل دولي في هذه الدولة"، أي في ليبيا، "التي تشهد أعمال عنف. كلّ الدول على وعي تام بأنّ ما يحدث في ليبيا غير مقبول. لا بدّ أن يتمّ الاستماع إلينا هذه المرّة. إنّ دول المنطقة تدفع ثمن التدخل العسكري الدولي عام 2011 الذي أطاح بنظام القذافي".

ما قاله رئيس النيجر مؤخرًا يوحي بأنّ التدخل العسكري حتمي في المستقبل، وربما يكون لفرنسا الدور الأكبر فيه.

 

تييري ميسان: أنا لم أرَ سوى كوارث في التدخلات الأممية في ليبيا، وكما ذكر للتو الزميل هنا، التدخل العسكري الجديد لن يحسّن الوضع، بل سيؤدي إلى سوء.

 

لينا زهر الدين: لامتصاص غضب الشارع الفرنسي ربما بعد ما حصل في شارلي إيبدو. الأمور كلّها مترابطة.

 

تييري ميسان: كلا، فالمشكلة اليوم في ليبيا، كما قلت، ليبيا هي عبارة عن مجتمع قبلي، في قبيلتك أنت بأمان، أما قبيلتك فربما معارضة لقبائل مجاورة، وهذه ليست مشكلة ستُحَلّ من خلال الهجمات من السلطات الخارجية، فهذا أمر بالفعل خارج عمّا هو مطروح، فبالفعل هذه القوى الخارجية تعزّز المشاكل لأنّها بالطبع ستتّكل على قبيلةٍ في وجه أخرى، وهذا بالفعل سيفاقم الأمور في السنوات المقبلة.

 

لينا زهر الدين: لديك تعليق. تفضّل.

 

سمير السعداوي: نحن ننسى أيضًا، صحيح أنّ ليبيا هي تركيبة قبلية، مجموعة من القبائل، لكن هذه القبائل ارتباطها بالمكان، وبالتالي هناك أيضًا عوامل جهوية، أي مناطقية، هناك الجنوب، هناك الغرب، هناك الشرق. عندما نتحدّث من منطلق جيواستراتيجي، جغرافي، هناك أيضًا موقف الجزائر التي ليست منسجمة إطلاقًا مع أيّ عملية عسكرية يمكن أن تتمّ في ليبيا، لا من جانب فرنسا ولا من جانب آخر.

 

لينا زهر الدين: لأنّها جرّبت الاستعمار، أكيد.

 

سمير السعداوي: لأنّها جرّبت الاستعمار ولأنّها أيضًا تريد أن تراعي عوامل تخصّها لأنّ هناك تداخلاً في التركيبة السكانية، هناك الطوارق والأمازيغ وما إلى هنالك، الأمازيغ مثلاً جزء كبير منهم هو مع الطرف الذي يفترض أنه يراد أن يتمّ التدخل ضدّه. فبالتالي، التدخّل يُشعِل المنطقة، والدول المحيطة بالمنطقة، إذا أخذنا السودان مثلاً، حتى موقف النيجر هو موقف متردّد، لأنه في اجتماع القيادات العسكرية في الجزائر قبل يومين، رئيس أركان النيجر تحدّث بشكل منافٍ للكلام الذي قاله رئيسه، واتفق على أنّ التدخل العسكري هو أمر غير مرغوب به.

 

لينا زهر الدين: لدينا أقلّ من دقيقة سيد تييري.

 

تييري ميسان: إذا ما شاهدنا الخريطة التي نشرتها "نيويورك تايمز" في سبتمر أيلول 2013، خريطة روبن وايت، شرحت بأنّ المشروع الأولي إعادة تشكيل الشرق الأوسط، الأولى قد فشلت، فلا بدّ من القيام بأمرين، أولاً إعادة تشكيل سورية ثمّ إعادة تشكيل ليبيا، بالنسبة لسورية فإنّ الخريطة التي نشرتها "نيويورك تايمز" هي بالضبط الخارطة التي اعتمدتها داعش، وبالتالي يمكن ألا نقول أنه من ربط بين الولايات المتحدة الأمريكية وداعش، ولكن يجب أن نعرف بأنّ داعش ربما تقرأ "نيويورك تايمز" وتستوحي، وبالنسبة لخريطة ليبيا فالتقسيم لثلاث دول وهذا هو المشروع الذي تحاول أن تدفع باتجاهه فرنسا، لا أدري إذا كانت ستقوم به.

 

لينا زهر الدين: ستجيب عن هذا كلّ التطورات والأحداث في الأيام المقبلة. أنا أشكرك جزيلاً سيد تييري ميسان الكاتب والصحافي ومؤسّس شبكة فولتير على حضورك، كذلك أشكر السيد سمير السعداوي رئيس قسم الشؤون الدولية في صحيفة الحياة، شكرًا على حضورك.

لماذا منعت مصر فيلم "الخروج آلهة وملوك"؟ نعرف ذلك بعد الفاصل.

المحور الرابع

جدلٌ حول فيلم يروي قصة النبي موسى عليه السلام، ومصر وعواصمُ عربيةٌ أخرى تمنع عرضَه

  • 4.mp4
    4.mp4

لينا زهر الدين: أهلاً بكم من جديد. مشاهدينا شاهدنا وإيّاكم Trailer أو ملخص فيلم "الخروج آلهة وملوك"، سنتحدّث عنه.

إذاً من جديد تقرّر هيئة الرقابة على المصنّفات الفنية المصرية منع عمل فني من العرض في مصر. نتحدّث عن الفيلم الأمريكي "الخروج آلهة وملوك" الذي أثار الكثير من الجدل حول مضمونه وتجسيده الذات الإلهية.

يقول وزير الثقافة المصري إنّ الفيلم صهيونيٌ بامتياز، لأنّه يعرض التاريخ من وجهة النظر الصهيونية، ويجعل اليهود بناة للأهرامات، وهو ما يناقض الوقائع التاريخية الحقيقية. كلام الوزير المصري يلتقي مع ما أعلنته الإمارات على لسان مدير المحتوى الإعلامي في المجلس الوطني للإعلام، فالفيلم حسب رأيه يحتوي أخطاءً تاريخية ودينية، ويُظهر النبي موسى عليه السلام كداعيةٍ للسلام وليس كنبي.

ولكن هناك من يسأل، ما المعيار الذي يتمّ الاعتماد عليه في منع أيّ عملٍ سينمائي أو السماح بعرضه؟ وأين تصبح حرية الإبداع والفكر إذا تمّ اللجوء إلى المنع بغضّ النظر عن الأسباب؟ ولكن في المقابل، هل يحقّ لأيّ كان تقديم فيلمٍ فيه مغالطات أو تزييفٌ للوقائع؟

معنا لمناقشة هذا الموضوع من القاهرة السيد طارق الشناوي الناقد الفني. سيد طارق أهلاً بك. أكثر من سبب في الواقع قُدّم سواء من قبل القاهرة أو من عواصم عربية أخرى لمنع هذا الفيلم. بعضها مقنع في الواقع، وأنتم عارضتم ذلك، عارضتم أن يتمّ المنع من الأساس، بغضّ النظر عن مضمون الفيلم. لماذا؟

 

طارق الشناوي: لأنّ باب المنع إذا فُتح لن نستطيع إغلاقه، لأنّه غير محدّد، بمعنى لمّا يُقال أنّ هناك أخطاء تاريخية، ولذلك منعنا الفيلم. هناك أفلام كثيرة يمكن أن نجد فيها أخطاء تاريخية وأخطاء جغرافية وأخطاء ثقافية وأخطاء فنية ودرامية، فلو فتحنا هذا الباب نستطيع تحت أيّ مسمّى، ويكون غالبًا مسمّى غير حقيقي، نمنع أفلامًا كثيرة. الخوف هو أولاً خوف من أن تمنع، هذا أساسًا يجعلك تخشى من القادم، ثانيًا سلاح المنع بدأ يفقد جدواه مع مرور الزمن، ثالثاً الدولة ارتكبت خطأ أنها أعلنت، دعك من كلام وزير الثقافة لكن هو أصدر تصريحًا رسميًا، تعرفين هذا الفيلم فيه مشاهد صُوّرت في مصر، فهو قال هذا الفيلم صُوّر خلسة، وهذا غير صحيح. الفيلم صُوّر بعلم الدولة أمنيًا وثقافيًا ونقابيًا بالمناسبة، الأجهزة الثلاثة تعلم أنّ الفيلم كان يُصوَّر في مصر. بعد ذلك، واضح أنّهم قلقوا من فكرة تجسيد سيدنا موسى.

 

لينا زهر الدين: تجسيد الذات الإلهية، وهذا الأخطر، أولاً هناك تجسيد للنبي موسى بشخص الممثل البريطاني كريستيان بيل، وثانيًا تجسيد الذات الإلهية، وهذا هو الأخطر. إذا لم نكن سنمنع فيلمًا من هذا النوع، ماذا سنمنع إذًا؟

 

طارق الشناوي: تجسيد الذات الإلهية هنا، هذه قراءة، ليست مباشرة، هذه قراءة، تفسير للنصّ، ليس النصّ، كأولاد حارتنا لنجيب محفوظ مثلاً، لماذا صادرتها الدولة أيام عبد الناصر؟ لأنّهم قالوا أنّه يجسّد ربّنا ويجسّد الأنبياء، وأنّ الرواية تقصد الذات الإلهية في شخصية قبلاوي مثلاً، إنما هذه قراءة.

 

لينا زهر الدين: ولكن أنت تتكلم عن نبي، أنت تتكلم عن رسول، عن نبي يتحدّث مع ما سُمّي بالذات الإلهية، تجسّد في ولد أو صبي بالفيلم، وهذا كان الاعتراض أولاً. ثانياً هناك وقائع تاريخية محرّفة ومشوّهة تمامًا، حتى ان الإسرائيليين سيد طارق الشناوي قالوا أنّ المصريين معهم حق أن يمنعوا هذا الفيلم. أنا أحيلك إلى ما قاله السيد إيلون جلعاد من صحيفة هآرتس، يقول إنّ المصريين على صواب أن يمنعوا الفيلم لأنه لا يتماشى مع الأسطورة التوراتية أصلاً، لا يتماشى مع القرآن، "ولا أدري من أين جاءت فكرة أنّ اليهود في الأسر المصري تعبوا في بناء الأهرامات".

 

طارق الشناوي: هو نفسه يستند إلى التوراة، الفيلم ليس بالظبط ما تقوله التوراة ولا ما يقوله القرآن، الفيلم هو ما يريده مخرجه، هو يرى وجهة نظر. هو نفس الكاتب الإسرائيلي استند إلى التوراة، إلى كلمات الله الموجودة في التوراة ووجد أنّها مختلفة. ونحن لمّا ندقق في القرآن نجد أنّ ما رأيناه مختلف، أما إذا دققت في الإنجيل، فستجدينه أيضًا مختلفًا. لذلك، هناك تعدّد، لو كانت المرجعية واحدة أو المرجعية الدينية تحكم، لن نستطيع أن نقوم بأي عمل فني، إعلام المسيح.

 

لينا زهر الدين: إعلام المسيح أيضًا مُنِع، أيضًا مُنع، إعلام المسيح أيضًا مُنِع في صالات السينما المصريّة، هناك فيلم نوح، أبناء الله، إعلام المسيح، المايتريكس، The prince of Egypt، والرسالة بالنسختين الإنجليزية والعربية.

 

طارق الشناوي: في مصر، عرضنا إعلام المسيح في العام 2004، عُرض في 2004 إعلام المسيح، ولم يعترض الأزهر الشريف بالمناسبة، رغم أنّ فيه تجسيدًا مباشرًا لسيدنا عيسى، وفيه أيضًا تعارض مع القرآن.

 

لينا زهر الدين: اسمح لي أن أنتقل إلى السيد محمد البغدادي المتحدّث الرسمي باسم وزارة الثقافة المصرية. يبدو أنّ وزارة الثقافة، سيد محمد، وقعت بالفعل بحَرَج، هي كانت تعلم من خلال المراسلات وأنا اطّلعت على بعضها في الواقع، بين شركتين هاما وهي شركة وسيط، بأنّ هذه المشاهد وهذا الفيلم سيُصوَّر في مصر، ومن ثمّ تملّصت وزارة الثقافة ربما لضغوط مورست عليها. لماذا أتى المنع؟

 

محمد البغدادي: سيدتي العزيزة، مساء الخير أستاذ طارق صديقي العزيز.

 

طارق الشناوي: مساء الخير.

 

محمد البغدادي: أولاً الأزهر الشريف ليس له دخل وليس طرفاً في هذه القضية من قريب أو من بعيد، مبدئيًا، لأنّ لجنة المراقبة طبّقت اللوائح والقوانين الخاصة بالإدارة المركزية للرقابة على السمعيات والبصريات المصرية، ولم يكن ضمن أعضاء اللجنة أيّ مختص من مشيخة الأزهر الشريف، بداية.

 

لينا زهر الدين: ولكن في البداية وافقت ثمّ منعت.

 

محمد البغدادي: لا، الفيلم تمّ منعه، والحيثيات موجودة، أنّ هناك مغالطات تاريخية عليها ظلال بصمات الصهيونية العالمية لتهويد الحضارة المصرية ونسبها إلى اليهود، وأنّ اليهود هم صنّاع الحضارة المصرية. هنا علينا أن نقف لنحرس هذه الحضارة، فوزارة الثقافة مثلها مثل وزارة الصحة عندما تكون هناك سلعة فاسدة فعلينا أن نحمي المواطن من فساد هذه السلعة حتى لا تتعرض ذاكرته التاريخية للعطب والفساد والإضرار بها.

 

لينا زهر الدين: ولكن إذا شاهدت الفيلم يا سيد محمد، في بداية الفيلم، إذا كنت قد شاهدت الفيلم، في البداية، هناك نصّ واضح أنّ هذا الفيلم من نسج الخيال ولا يمتّ إلى الواقع الديني أو التاريخي بصلة. أنا حضرت الفيلم وكانت هذه العبارة واضحة، بمعنى أنّ المنتج والمخرج وكلّ القيّمين على الفيلم نجّوا نفسهم من أيّة محاسبة أو رقابة لاحقًا.

 

محمد البغدادي: سيّدتي الفاضلة، إذا كان هذا عملاً دراميًا بحتًا، فليس عليه أن يستخدم أسماء الملوك المصريّين من الرعامسة، وواحد من أهم الرعامسة وهو رمسيس الثاني الذي حكم مصر ستين عامًا ليس من قبيل الصدفة أن يأتي مخرج الفيلم وكتّاب السيناريو بأنّ فرعون موسى هو نفسه رمسيس الثاني الذي حكم ستين عامًا وأقام أكثر الحضارات ازدهارًا في فترة الرعامسة، وينسبه إلى اليهود وأنه كان يعذّبهم من أجل بناء هذه الحضارة تحديدًا، أي أنّ اليهود هم الذين بنوا معبد هابو وهم الذين بنوا المسلات العظيمة، كلّ هذه الحضارة بناها اليهود تحت تعذيب المصريين. أما شركة هاما فيلم فهي ارتكبت مخالفة وسوف تتعرّض لمساءلة.

 

لينا زهر الدين: هذا يُتابَع قضائيًا. أنا أشكرك جزيلاً سيد محمد البغدادي المتحدّث الرسمي باسم وزارة الثقافة المصرية. للأسف لم يبقَ لدينا الوقت، ولكن أذكّرك سيد طارق الشناوي أنّ الأهرامات، أنت تعرف جيّدًا أنّها بنيت قبل الفترة التي تحدّث عنها الفيلم، الفيلم يتحدّث عن فترة والأهرامات بنيت قبل ذلك، وهذا ما أشار إليه المعلقون الإسرائيليون أنفسهم. لم يعد معي إلا ثلاثين ثانية.

 

طارق الشناوي: أنا لا أقول أنه لا يوجد أخطاء تاريخية. هناك أخطاء تاريخية، وهناك أخطاء دينية، لكن فكرة المنع نفسها هي الخطأ الأكبر. الخطيئة هي في المنع، والخطأ في الأخطاء الموجودة، فأرجو ألا نرتكب خطيئة أخرى.

 

لينا زهر الدين: وضحت الفكرة، لا أخطاء ولا خطايا إن شاء الله. شكرًا جزيلاً لك سيد طارق الشناوي الناقد الفني والسينمائي.

إلى هنا مشاهدينا، نأتي إلى ختام هذه الحلقة من العدّ العكسي. الشكر لكلّ من ساهم في إنجازها. الشكر الأكبر لكم على مشاركاتكم الدائمة. أستودعكم الله والسلام عليكم.