إسلاميون...وبعد

برنامج حواري أسبوعي، يعنى بشؤون الجماعات الإسلامية منذ نشأتها الى حاضرها، مع استعراض لمشروع وعقيدة كل منها، دون إغفال المرور على الوضع الراهن، وأخذ وجهة نظر ضيوف الحلقات به.

الصادق المهدي - زعيم حزب الأمة السوداني - الجزء الثالث

أسباب ظاهرة الغلو والتطرف الديني كما يراها الصادق المهدي وإمكانية مواجهتها، وأي مسؤلوية تتحملها الحركات الإسلامية والمجتمع الدولي في إنتشار العنف المسلح في المنطقة؟

المحور الأول

خلفيات التطرف في العالم الاسلامي
المحور الأول

محمد علوش: أسّس منتدى الوسطية مع عددٍ من المفكّرين والمهتمّين. يشاطر الإسلاميين في كثيرٍ من الطروحات، كما يختلف معهم في كثيرٍ من الأدبيات، من شكل الدولة المنشودة إلى الممارسة السياسية التي تضع أنفسهم بها في مصر وبعض الدول العربية.

هو صاحب رؤية وعنده حلم. يقول ضيفنا، نعيش أزمة عميقة من الوافد الذي لا يرحم، إلى شكل الرفض الذي نعبّر فيه. من هنا، تصبح المراجعات الفكريّة والسياسيّة ضرورية للجميع، من ليبراليين ويساريين وقوميين وإسلاميين، وإلا فإنّ داعش ستجتاح الجميع.

أهلاً بكم إلى الجزء الثالث من الحوار مع زعيم الأنصار رئيس حزب الأمّة القومي السوداني الصادق المهدي.

         

تقرير: الخطوط العامة لمواجهة التطرف في طروحات الصادق المهدي:

- الحركات الإسلامية هي في الأساس حركاتٌ إيحائية إصلاحية.

- دخول العنف إليها ناتجٌ من تأثيراتٍ سياسية جاءت من خارجها.

- مسرح المواجهة الرئيسيّ اليوم فحواه صدامٌ علمانيٌ إخوانيٌ لا يمكن حسمه عسكريًا.

- عدم التوافق بين الإسلاميين والحكومات سيعزّز نزعة التطرف في المنطقة.

- على الإسلاميين التمييز الوظيفي بين جماعة الدعوة وجماعة السياسة.

- تجنّب الأحادية والتمكين اللذين أفشلا التجربة السودانية.

- الاهتمام بدروس التجربة التركية والتجربة التونسية.

- الحرص التام على تجنّب العنف بالحجّة الميكيافيللية.

 

محمد علوش: نرحّب بحضرتك سيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمّة. أسأل ابتداءً في ما يتعلق بمنتدى الوسطية، الحديث عن الوسطية في ظاهرة التطرف الآن الذي يجتاح العالم العربي والإسلامي.

 

الصادق المهدي: بسم الله الرحمن الرحيم. الوسطية نهج إسلامي حقيقي وصحيح، "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"، الوسطية كذلك تدعو لها الآيات القرآنية بوضوح تام، "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ"، "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا"، خير الأمور أوسطها، حديث. عمومًا هذه حتى الفكر الوضعي والفلسفي الذي يمكن أن يُنسب لأبي العلاء المعري، فإن كنْتَ تَبْغي العِزّ فابْغِ تَوَسّطاً فعندَ التّناهي يَقْصُرُ المُتطاول، خير الأمور الوسط، حبّ التناهي غلط. هذه كلّها معانٍ تدلّ على هذا النهج، ولا شكّ أننا نحن الآن أمام موقف فكري فيه إفراط وفيه تفريط. الإفراط الذي يركّز فقط على نصوص معيّنة ويلزم بها الآخرين، وهذا إفراط لأنه يؤدّي في النهاية إلى تكفير الآخرين، وهناك التفريط، الذين يريدون التخلي عن أيّ نوع من الضوابط الإسلامية، فالوسط أو الوسطية هي الموقف الذي يتجنّب الإفراط والتفريط.

 

محمد علوش: فهمت من بعض الصحافة العربية، تحديدً صحيفة العربي الجديد، لا أدري إذا كان لقاءً معك لكن على أيّة حال هو نقل عن حضرتك أنّكم تجهّزون في منتدى الوسطية لمؤتمر عالمي لمناقشة بعض المشاكل التي تشهدها الساحة الإسلامية لا سيما الصراع السني الشيعي. ما مدى صحة هذا الكلام؟

 

الصادق المهدي: هناك مؤتمران، مؤتمر إقليمي لنا كأهل منطقة وعالمي بيننا وبين الأسرة الدولية. هذا المؤتمر، مؤتمر الوسطية هو للإقليم وهو مؤتمر للتصدّي لنقاط التقاطع الموجودة، الإسلامية – العلمانية، السنية – الشيعية، الإخوانية – السلفية.

 

محمد علوش: الصوفي – الحركي كما تقول في إحدى الصحف.

 

الصادق المهدي: نعم، هناك سبعة تقاطعات، فنحن كنّا قد اجتمعنا في مركز القدس للدراسات السياسية في عمّان في أوائل هذا العام، وناقشنا هذه القضايا، ونحن الآن في منتدى الوسطية نريد التحضير لمؤتمر، وأنا قد حضّرت لهذا المؤتمر وثيقة سمّيتها نداء لاستنهاض الأمّة. في هذا النداء، قمت باجتهاد يمكن أن يقصّر الفجوات، حتى يبقى عندنا فكر يمكن أن يقبل الآخر وتكون مرجعيته إسلامية. هذا المؤتمر الذي سنعقده كمؤتمر إقليمي. ولكن أيضًا نحن نلاحظ أنّ هناك الآن تطرفاً كبيراً جدًا في المنطقة، وهذا التطرف للأسرة الدولية باع فيه. الأسرة الدولية هي التي نتيجة للحرب الباردة حقيقة أدّت فرصة للقاعدة، والقاعدة أدّت إلى داعش، وهذه المسائل تعني أنّ هذه الظاهرة، ظاهرة الغلو والجهدوية، للأسرة الدولية دور مهم فيها، فنحن نريد وهذا في إطار نادي مدريد، مؤتمرًا دوليًا لمناقشة، أولاً ليسمعوا رأي المسلمين الحقيقي وهو الرأي الوسطي، ثانيًا ليحمّلوا المسؤولية في أنّ ما حدث من تطرف هم أصحاب دور كبير فيه.

 

محمد علوش: كغرب.

 

الصادق المهدي: كغرب، ابتداءً من استغلال القاعدة في الحرب ضدّ السوفيات في أفغانستان إلى ما حدث في العراق، لأنّ ما حدث في العراق أيضًا له ظهر كبير جدًا، لأنهم غيّروا التركيبة الموجودة في العراق وحصل ما حصل، ونتيجة لذلك الآن يوجد غبن شديد لدى أهل السنّة، وهذا الغبن الشديد لدى أهل السنّة في رأينا يكمن وراء داعش. داعش أصلها تطور من القاعدة التي تعطي أولوية لحرب الأمريكان إلى إعطاء أولوية لحرب الشيعة، عن طريق داعش. المهم هم عندهم باع كبير جدًا في ما حدث، فيحمّلون مسؤولية، ثمّ نبحث عن ماذا ينبغي عمله.

 

محمد علوش: قبل الحديث عن ماذا ينبغي عمله، وأنت حضرتك الآن تشخّص أسباب الداء، لفت نظري أنه في كتابك "العلاقات المصرية السودانية" تقول "في عام 1987، التقيت فيلسوف القومية العربية ميشال عفلق في بغداد، وقلت له اسمح لي أن آخذ عليكم ثلاثة أخطاء، الأول أنّكم بخطابكم القومي سمحتم بقيام تناقض عربي إسلامي الآن نعيشه، الثاني أقحمتم ساحات السودان فيها خصوصية بما فيها من وجود غير عربي كبير وبالتالي أوجدتم هذا الصراع، ثالثاً استعجلتم بالسلطة فهمّشتم قضية الحرية وعن طريق تهميش قضية الحرية تآكلت الشعارات الأخرى"، وكأنّ حتى التطرف الذي نشهده الآن ويحمل صبغة إسلامية أو يوصَف بأنه إسلامي تعطيه أيضًا بعدًا قوميًا عربيًا كان له بذور في ذلك، أو أنا فهمت خطأ؟

 

الصادق المهدي: لا، أنا رأيي كان أنّ البحث كما التقيت المرحوم ميشال عفلق في بغداد، هو نفسه كان منفيًا من بلاده، هو نفسه نُفي من بلاده من سورية، فلاقيته، أنا كنت رئيس وزراء وقابلته في بغداد، قلت له أنت كأستاذ، أنا أودّ أن أكتب مراجعة للفكر البعثي باعتبار أنّ هذا الفكر مهمّ وينطلق من حقائق مهمّة، وهي الشعور الوحدوي العربي، فأنا أسألك هذه الاسئلة الثلاث، أنتم تقولون أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، هل هناك رسالة غير الإسلام؟ فإن كانت الرسالة هي الإسلام لنرى كيف نوفق بين الإسلام والقومية. ثانيًا أنتم تتحدّثون عن وحدة، حرية، اشتراكية. فرّطتم في الحرية، طارت الاشتراكية والوحدة. ثالثًا، أنتم في المشرق، الشعور القومي العربي يجمع بينكم كمسلمين ومسيحيين عرب، ولكن هذه العبارة بالنسبة لنا في السودان مفرّقة لأننا بيننا من هم ليسوا عربا، فالعبارة بحاجة لمراجعة الوضع في السودان بخصوصية. وافقني ووافق أن يكتب في هذا الموضوع.

 

محمد علوش: سؤالي سيد الصادق المهدي، مدى ارتباط فشل الأحزاب القومية التي كانت حاكمة في كثير من المناطق العربية في بذرة الصراع القومي الإسلامي ومن ثمّ فشل تجارب الحركات الإسلامية أو صعود ما يُعرَف بموجات التطرف في العالم العربي. هل من رابط أساسي نتيجة هذه الظروف أم أن لا، هو كامن في الفكر الأساسي لما تحمله هذه الجماعات؟

 

الصادق المهدي: أنا في ما يتعلق بموضوع الغلو أعتقد أنّ الموضوع أوسع من ذلك. أنظر. هناك أربع مظالم، أربع مظالم، الاستبداد، الطغيان، الظلم الاجتماعي، الاستيلاب الثقافي، التبعية. هذه في منطقتنا هناك نفور ضدّها. هذا النفور الموجود في المنطقة، للأسف الدولة الوطنية لم تستطع أن تعالج هذه القضايا. النتيجة أنّه قامت حركات، الثورة الإسلامية في إيران، ثورة منطلقة من نفس هذه المظالم الأربع ضدّ نظام الشاه. نحن في البلاد العربية الربيع العربي منطلق من نفس هذه الأشياء، ولكن الربيع العربي لم يقم بدوره كاملاً، قام بثورة بمعنى أسقط الحكّام ولكن لم.

 

محمد علوش: لم ينشء بديلاً لها.

 

الصادق المهدي: ولذلك خلق فراغًا. الآن الذي يملأ الفراغ للأسف ويحاول تبنّي هذه القضايا الحركات المتطرفة. الحركات المتطرفة هي الآن استجابة لفراغ. هذه الحركات الآن قائمة في كلّ المنطقة، ليس فقط داعش والقاعدة.

 

محمد علوش: ما توصيفك للحركات المتطرفة؟ من يصنَّف ضمن هذه الحركات ومن لا يُصنَّف؟

 

الصادق المهدي: يُصنَّف ضمن هذه الحركات المتطرفة الذين يربطون الواقع بالماضي، ويفهمون الماضي بفهم مغلَق، ويريدون تطبيقه بالقوة، ويعتبرون هذا تنفيذًا للجهاد.

 

محمد علوش: لكن مرتبط باستعمال القوة.

 

الصادق المهدي: نعم.

 

محمد علوش: في حال لم يستعمل القوة، هل يبقى يُصنَّف لديك على أنه جماعة متطرفة؟

 

الصادق المهدي: نعم، يكون متطرفًا نظريًا وليس حركيًا. التطرف نوعان، هناك التطرف النظري الذي يكفّر الآخرين ولكن لا ينفّذ، وهناك الذين يكفّرون الآخرين وينفذون.

 

محمد علوش: ينبغي تجريم الاثنين وإبعادهما من الحياة السياسية؟

 

الصادق المهدي: القضية ليست إبعادهم من الحياة السياسية، القضية فهم أنّهم يستجيبون لواقع، إذا ما وُجدت استجابة لعلاج هذه القضايا الأربع من منطلق عقلاني، سيمرحون في الفراغ، لأنّ هناك فراغاً. الآن لا يستطيع أحد أن ينكر أنّ المنطقة عمومًا فيها هذه المآخذ الأربعة، هم عيّنوا أنفسهم مرافعين عن هذه القضايا الأربع.

 

محمد علوش: سيد الصادق المهدي، في محاضرة لك بعنوان "حرائق التطرف في العالم الإسلامي" في 7-7-2014 في الأردن، تقول على هؤلاء، الذين حضرتك تتحدّث عنهم، إجراء مراجعات في مقولة أنّ الإسلام دين ودولة، الإسلام دين ومقاصد اجتماعية، فالدين متعلق بالثوابت والدولة متعلقة بمحرّكات متغيّرة. هذا الكلام هل هو موجَّه لكلّ من ينادي الآن بدولة مدنية بمرجعية إسلامية بما فيها الحركات الآن التي تحكم أو كانت جزءًا من الحكم في تونس وفي المغرب مثل العدالة والتنمية وحركة النهضة أو حتى العدالة والتنمية في تركيا؟

 

الصادق المهدي: هؤلاء جميعًا يستجيبون لهذه الفكرة. الفكرة هي أن نقول الإسلام دين، وأما الدولة فمتحرّك. الدولة في تونس اليوم مختلفة عن الدولة في تركيا، فهنا هذا متحرّك. نعم، الإسلام مهمّ جدًا في التشريع ومهم جدًا في المبادئ، لكن لا توجد دولة واحدة، لأنّ الناس تتحدّث عن الإسلام دين ودولة كأنما الدولة في الإسلام هي شيء جامد مثل الأحكام الدينية. فأنا أقول ان الإسلام دين ومقاصد، في المسائل الاجتماعية مقاصد يمكن أن تنطبق على أنماط مختلفة من الدول. في هذا الإطار، أقول يمكن في تركيا، في تونس، في المغرب، إندونيسيا، حزب العدالة في إندونيسيا، هذه أحزاب تقبل المرجعية الإسلامية ولكن تتعامل مع الواقع.

 

محمد علوش: في كتابك "جدلية الأصل والعصر"، تتحدّث عن النظرية السياسية في الطائفتين السنية والشيعية، فتقول - هاتان النظريتان السنية والشيعية لا تصلحان أساسًا لدولةٍ عصرية -. هل تحمّلهما مسؤولية هذا الفكر الذي تراه متطرفًا في الساحة الإسلامية؟ إذا كان كذلك ماذا عن دولتين، الآن نموذجان قائمان، الدولة السعودية والدولة الإيرانية أو الجمهورية الإسلامية في إيران؟

 

الصادق المهدي: أنا رأيي ببساطة شديدة، كان موجودًا في إيران تطرف علماني.

 

محمد علوش: قبل الثورة.

 

الصادق المهدي: قبل الثورة، استجلب ردّة فعل هناك. ردّة الفعل بدأت بولاية الفقيه، ولاية الفقيه التي هي في رأيي في الفهم الشيعي فيها قفزة، لأنّ الأمر كان ينتظر ظهور المهدي حتى يحصل الإصلاح، فالإمام الخميني قام بعملية فيها تجديد.

 

محمد علوش: من الانتظار السلبي إلى الانتظار الإيجابي.

 

الصادق المهدي: نعم. حتى في هذا الانتظار، منتظري وغيره.

 

محمد علوش: الحركة الإصلاحية.

 

الصادق المهدي: نعم، يتحدّثون أنّ ولاية الفقيه في المسائل الشعائرية، أما في المسائل الأخرى حسب تعبير علي شريعتي، ولاية الأمّة، وأنا رأيي.

 

محمد علوش: لا تتجسّد في شخص، تقصد، حسب ما يقول علي شريعتي.

 

الصادق المهدي: نعم. أنا في رأيي هذه بوصلة التطور في إيران. في بلداننا الأخرى، السنية، لا شكّ أنّ المطلوب أن نعترف بأنّ الإسلام نظامه السياسي يتماشى تماماً مع مبادئ المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون. هذه معاني الديمقراطية، ولكن لأنّ هذا الطرح غير موجود، للأسف أقول أنّ الساحة باتت خالية لأنواع الطرح الخاص بطالبان وداعش والقاعدة وبوكو حرام وهكذا، وهؤلاء كأنّهم يبعثون شيئًا، بمواجهة الإمامة في إيران الخلافة في البلاد السنية، ولكن هنا لا يوجد نظرية معيّنة مثل ولاية الفقيه ولا شكلا معيّنا وإنما اجتهادهم هو مثلاً كمبايعة البغدادي والسير في هذا الموضوع، ولكن البغدادي ليس عنده مركز الخميني، هو واحد من آخرين، ولذلك في الإطار السني إذاً هناك اضطراب شديد. هذا الاضطراب فيه معانٍ واضحة وهي أنّ أمثال القاعدة وأخواتها سوف يعبّرون عن المظالم المذكورة ضدّ الطغيان، العدالة الاجتماعية، الغزو الثقافي، والتبعية. ولكنه تعبير للأسف خارج نطاق العصر، أي إذا رأينا مثلاً في إيران، هناك محاولة للإبحار بالعصر حتى في الشكل التقليدي، هنا واضح تمامًا أنّ هناك نفرة من العصر، في الواقع عودة للعصر الحجري بالمفاهيم التي يطرحونها. أنا أفهمها كنوع من الاحتجاج ولكنه احتجاج سيبقى موجودًا إلى أن توجد حركة، حركة استنهاض في المنطقة، قابلة على أن تخاطب القضايا الأربع، وفي نفس الوقت تكون عصرية.

 

محمد علوش: في محاضرة لك أيضًا في العام 2014، وسط العام 2014، تتحدّث عن حركة الإخوان المسلمين التي أسّسها الشيخ حسن البنّا، تقول أنّها نشأت كحركة تقول بالمرجعيّة الإسلامية واستصحاب التحديث، فاعلية من حيث المدّ الحركي والتنظيمي، لكن هذه الحركة أثرت بها اجتهادات إسلاميين في بيئة التطرف الهندوسي مثل اجتهاد الشيخ أبو الأعلى المودودي، وبيئة القمع الناصري التي أدّت إلى اجتهادات سيد قطب وكتابه الأشهر "معالم في الطريق". هل نحن كنّا أمام عملية انزياح من فكر متنوّر مستنير بخلفية إسلامية إلى فكر على شاكلة داعش وأخواتها كما تقول؟

أريد أن أسمع منك الإجابة بعد فاصل إذا سمحت لي. فاصل قصير ثمّ نعود إليكم مشاهدينا. أرجو ان تتفضّلوا بالبقاء معنا.


المحور الثاني

تجارب الاسلاميين في الدول العربية
المحور الثاني

محمد علوش: أرحّب بك من جديد سيد الصادق المهدي. قبل الفاصل، سألتك في ما يتعلق بعملية انزياح، ما إذا كانت، من فكر إسلامي مستنير إلى فكر متشدّد استنادًا إلى ما قلته حضرتك في إحدى الندوات لك.

 

الصادق المهدي: أنا أعتقد أنّ فكر الشيخ حسن البنّا كان حمّال أوجُه، ولذلك كانت فيه منطلقات الهضيبي.

 

محمد علوش: دعاة لا قضاة.

 

الصادق المهدي: نعم، وسيد قطب التكفيرية. ظروف البطش ساهمت في تغذية الفكر المتطرّف والتكفيري. المأخذ على الذين غرفوا من بحيرة الشيخ حسن البنّا، مثلاً في السودان، المأخذ هنا أنّهم من هذا المنطلق قبلوا الانقلاب العسكري، قبلوا الحزب الواحد، قبلوا الاستبداد، قبلوا ظلم الآخرين، قبلوا التمكين، قبلوا أشياء متناقضة مع مبادئ الإسلام السياسية، ولكن مرجعيتهم هنا، في الفكر القطبي، لا شكّ أنّ الفكر القطبي بما فيه من تكفير للمجتمع وتكفير للآخر، يتّجه مثل اتجاهات داعش، لأنه في النهاية الداعشيون يكفّرون الآخرين.

 

محمد علوش: هل الإخوان الآن بهذه الطريق؟

 

الصادق المهدي: لا، الإخوان حتى الآن، أنا أقول، أنا أطالب الإخوان بمراجعة، ليميّزوا أنفسهم من التجربة السودانية، ويميّزوا أنفسهم من التجارب القطبية، حتى يبقى عندهم، لأنّهم عندهم استعداد أن يكونوا مثل التجربة الهضيبية، والتلمسانية، هذه تجارب فيها اعتدال، كذلك نحن أخذنا على التجربة المصرية الإخوانية، التجربة المصرية الإخوانية في رأيي تجربة كانت ناجحة، لأنها قبلت الإطار السياسي وسارت فيه، لكن وقعت في أخطاء أساسية. أول خطأ المناورة، وهذا أدى فوراً لانطباع بالغشّ، سنرشح في 30 بالمئة فقط ولن نرشح لرئاسة الجمهورية، وفعلوا ذلك. ثانيًا، الخطأ الأساسي الثاني هو التمكين الذي فيه حماية السلطة ومؤسسات الدولة خصوصًا القضاء، التعديلات الدستورية، الإعلان الدستوري. ثالثاً الثنائية، المصريون وليس الإخوان المسلمون وحدهم، المصريون انتخبوا السيد محمد مرسي، لأنه لو أخذنا التصويت الأول، هو أخذ 5 ملايين صوت، في الثاني أخذ 13 مليونا، الـ8 ملايين كانوا غير إخوان مسلمين، مع أنّ الـ13 مليونا الذين انتخبوه هو كان يأخذ تعليماته من المقطم.

 

محمد علوش: تقصد من المرشد العام.

 

الصادق المهدي: نعم، وهذا جعل المواطن المصري يكون في موقف أنه هو انتخب شخصًا غير مساءل أمامه. هذه الأخطاء التي ارتكبوها. لمّا حصلت المشكلة وأدّت إلى 30 يونيو وما أعقب ذلك، اعتبروها فقط انقلابًا، مع أنها لا يمكن أن تدخل في هذا القالب وحده، لأنّ الانقلاب عندنا في السودان معروف، هناك حصلت ثورة كبيرة جدًا ومن ثمّ جاءت القوات المسلحة لكن لمّا حصل ذلك، بدل أن يفعلوا ما فعله أربكان في تركيا، اربكان في تركيا كان ينحني للعاصفة ثمّ يراجع موقفه ويأتي مرة ثانية ولذلك صار يتدرّج إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه. هنا صارت العبارة فيها درجة عالية من المعارضة للعنف، "حنولّعها فيكم"، "حنعمل"، هذه اللغة، كان يمكن من البداية أن يفهم أنه نعم، ارتكبنا أخطاء، هذه الأخطاء جاءتنا في 30 يونيو، نراجع موقفنا، لم يفعلوا ذلك، وصلنا للاستقطاب الحالي. فأنا أعتقد أنّ الحركة الإخوانية، أنا أقول لهم هذا الكلام، مطالَبة بأن تعقد مؤتمرًا كما عقدوا مؤتمرًا سنة 89.

 

محمد علوش: مراجعة في فكرهم السياسي.

 

الصادق المهدي: مراجعة أساسية، نعم، حتى يدركوا أين الأخطاء، يجب تجنّب الانقلابات العسكرية، يجب تجنّب الاستبداد، يجب استصحاب الديمقراطية، إلى آخر هذه المعاني، ويتحدّثوا بهذه اللغة حتى نستطيع كلّنا أن نقول أنّ الحركة الإسلامية اتعظت من الأخطاء التي ارتُكِبت في السودان وفي غير السودان.

 

محمد علوش: لكن حضرتك من خلال هذا الكلام تشخّصها حركة فاعلة كفاعلة وحيدة في الحراك وفي الواقع السياسي المصري، في حين أنّك تقول في إحدى محاضراتك أنّ مسرح المواجهة الرئيس في مصر اليوم فحواه صدام علماني إخواني، أي عملية فرز قائم بالأساس، الإخوان قد يكونون طرفًا لكنّهم ليسوا كلّ المشكلة، وبالتالي تحميل المسؤولية لجماعة الإخوان بحسب ما تقول هو نصف حقيقة.

 

الصادق المهدي: لا، أنا فقط أقول أنه بالنسبة للإخوان، هم قادوا التيّار الإسلاميّ في مصر، قادوه، والآن صاروا محلّ الإدانة، بأنّهم حركة إرهابية، وارتكبوا أخطاء، أنا أعتقد الحركة الإخوانية عندها وجود في مصر، وليس في مصر، في خارج مصر أيضًا، محتاجة أن تقوم بمراجعات، مثلما فعلوا مع أربكان في تركيا، ومثلما فعلت النهضة، النهضة قامت بمراجعات في تونس. النهضة في تونس كانت اتجاهاتها قريبة من الاتجاهات الإخوانية، لكن رأوا هم أنّ هناك عوامل لا بدّ من أخذها في الحسبان، الدولة العميقة، والمجتمع المدني، والإعلامي، والفني، والدولي، أخذوا هذه في الحسبان، ولذلك قيّدوا دورهم، وقدّموا تضحيات كبيرة جدًا ليحافظوا على الحرية وليحافظوا على مستقبلهم، وحتى لا يستقطبوا الآخرين ضدّهم. الحركة الإخوانية حركة مهمّة، ليست الوحيدة في مصر كحركة إسلامية، ليست الوحيدة في مصر ولكنها حركة مهمة جدًا في مصر، ولا بدّ من إجراء هذه المراجعات لأنه إذا لم تُجرَ هذه المراجعات، العودة إلى مرسي أو لا شيء في رأيي هذا موقف غير واقعي ويضرّ جدًا في الاستقطاب الذي يحصل في مصر.

 

محمد علوش: حضرتك تتحدّث الآن في البُعد السياسي، في إحدى المحاضرات تقول هذه المراجعات ينبغي أن تكون ابتداءً، اعتراف بارتكاب أخطاء محدّدة، الفصل بين جسم دعوي لا يعمل بالسياسة وجسم سياسي مفتوح لكلّ من يؤيّده، الاعتراف بالواقع الراهن واكتساب شرعية للعمل السياسي تحت مظلته التعدّدية. الإشكالية في الإخوان فقط، كأنني أفهم منك، هي ليست إشكالية فكرية، هي أنّ الممارسة السياسية خاطئة، تستوجب الفصل بين العمل الدعوي والسياسي.

 

الصادق المهدي: لا، مسألة التكفير هذه مسألة مهمة جدًا.

 

محمد علوش: غير معروف عن الإخوان أنهم يكفّرون بأدبياتهم.

 

الصادق المهدي: لا، لا، سيد قطب.

 

محمد علوش: سيد قطب لا يُعتبَر معتمَدًا، إذا ناقشت أحد الإخوان، يقول هذا ليس معتمَدًا.

 

الصادق المهدي: صحيح، لكن أنا أقول لا بدّ من التبرئة من هذا التفكير وقبول الآخر، قبول الآخر كندّ في العمل السياسي.

 

محمد علوش: لا، أنا سألتك في البُعد الفكري. في البعد السياسي، البعض يقول أنه متفق معك، حتى لدى الإخوان يقول أنّ هناك أخطاء وارتكبناها، أنا أسأل الآن في المراجعات الفكرية. هل تحتاج جماعة الإخوان المسلمين إلى مراجعات فكرية؟ أين تكمن هذه المراجعات؟

 

الصادق المهدي: المراجعات الفكرية أولاً في الديمقراطية، أنّ الديمقراطية لا تُقبَل كأنّها وسيلة للسلطة فقط. الديمقراطية وسيلة للسلطة وللمحافظة على السلطة. هذا مهم جدًا، لأنّك عندما تصل للسلطة بالسلم الديمقراطي، ثمّ تأتي لتحصّن قراراتك من القضاء، هذا خطأ. أنت محتاج لمراجعة أساسية تقبل فيها النظام الديمقراطي، أيضًا تقبل فيها العلاقات الدولية القائمة على علاقات السلام، علاقات السلام والتعايش الدولي كخروج من مفهوم دار الحرب ودار السلام إلى دار العهد أننا نبرم معاهدة مع العالم كلّه. ثالثاً التعامل مع الآخر الديني، لا بدّ أن نقبل أنّ الآخر الديني عنده حق في المواطنة، عنده حق في المواطنة مثلنا، ونعطيه هذا الحق ونقول بوضوح تام أنّ المواطنة تعني المساواة في هذه المواطنة وأننا بالنسبة للآخرين كمواطنين لا بدّ أن نقبلهم كإخوان في الوطن، هناك ناس إخواننا في الدين ولكن أيضًا هناك ناس إخواننا في الوطن. وموضوع المرأة، أعود مجدّدًا لموضوع المرأة، هذا مهم جدًا جدًا.

 

محمد علوش: حتى عند الإخوان هناك مشكلة في ما يتعلق بالمرأة؟

 

الصادق المهدي: هذا الموضوع تائه، نحن يجب أن نحدد، الناس يقولون حقوق الإنسان، تنطبق على الرجل والمرأة، وأنّ كلّ كلام عن دونية المرأة يجب إسقاطه. لا بدّ أن نتفق على أنّ هناك نظرات إسلامية ونظرات إنسانية تقول بضرورة إزالة كلّ أسباب التمييز عن المرأة.

 

محمد علوش: لو رجعنا إلى الموضوع السياسي، طبعًا هناك مراجعات في ما يتعلق كما تقول بالبعد السياسي، لكن هل أنت مع تجربة عزل الإخوان سياسيًا؟ الدكتور عبد الله النفيسي، "أوراق في نقد الحركة الإسلامية"، هو كان جزءًا من جماعات الإخوان المسلمين أو من الحركة الإسلامية بشكل عام، يقول، ينصح بابتعاد الإسلاميين عن السلطة على الأقلّ في المدى المنظور الحالي. أيّهما أجدى الآن للحركة الإسلامية، إذا قلنا برأسها جماعة الإخوان المسلمين، هو النأي تمامًا عن العمل السياسي والاكتفاء بالدعوة، مطلقًا، أي تطليق السياسة طلاقاً ثلاث بغير رجعة، أم عودة إلى السياسة عودة مشروطة وفق تحاورات، انطلاقاً من مصر على سبيل المثال، تفاهمات بين المؤسسة الحاكمة الآن وبين جماعة الإخوان المسلمين؟

 

الصادق المهدي: يا حبيبي، لا شيء اسمه طلاق بين إسلام وسياسة. في ذلك النهار، أجريت دراسة في أمريكا. 49 بالمئة من الشعب الأمريكي يقول أنّ الكنيسة يجب أن يكون لها دور في السياسة. الحزب الجمهوري يصوّت له ناس معيّنون.

 

محمد علوش: هناك أحزاب مسيحية حاكمة في أوروبا، هذا معروف.

 

الصادق المهدي: ولذلك، هذا الكلام كلام نظري لا معنى له. كلّ ما في الأمر أنّ الإخوان يجب أن يراجعوا أنفسهم مراجعة أساسية حتى يبقوا جزءًا من المحيط السياسي العصري، وفي رأيي هذا ممكن. الكلام عن إبعادهم من السياسة هذا سيفتح الباب حتى يأخذ السياسة أمثال داعش، سيحتلّ السياسة إذاً المتطرفون، لأنه ما دام الإسلام موجودًا في الشارع السياسي، ستجد من يتبنّاه المتطرفون. الإخوان المسلمون يجب أن يميّزوا نفسهم من المتطرّفين، ويجب أن ينتقدوا التجربة الإخوانية التي عاشوها، ويجب أن يدخلوا السياسة بعد هذه المراجعات أو على أساس هذه المراجعات، لأنك إذا لم تفعل ذلك، لا تستطيع على كيفك أن تبعد الدين عن السياسة. الدين موجود في السياسة، ولكن إذا أبعدتَ الجهات التي يمكن أن تتحدّث عن الدين، عن الدور هذا، إذا أبعدتهم، كلّ ما ستفعله أنّك تخلي الساحة للغلاة الذين يكفّرون المجتمع ويريدون فرض إرادتهم بالقوة.

 

محمد علوش: بعض المفكّرين العرب من خلفيات أيديولوجية غير إسلامية يتّهمون الإخوان بأنّها الصانع الحقيقي والمنظّر الحقيقي لفكر التطرف في داعش وجبهة النصرة وغيرهما من الحركات المسلحة، أصحاب العنف المسلح. وهناك اتهامات بأنّ الأمر يصل لحدّ التواطؤ، حتى تنظيميًا بهذا الخصوص، والربط بشكل مباشر. في مصر الاتهام قائم. كمتابع حضرتك، هل ترى أنّ الإخوان يتحمّلون جزءًا من المسؤولية بشكل ما عن هذه الظواهر؟ وما شكل هذه المسؤولية؟

 

الصادق المهدي: طبعًا، الإخوان دورهم الأساسي كان التركيز على دور الإسلام في السياسة، ودور الإسلام في السياسة إما أن يكون ديمقراطيًا وهذا يقبل التعددية والتنوع إلى آخره، أو يكون عازلاً للآخر تكفيريًا. هناك تيارات إخوانية تكفيرية، وهذه متماهية مع التيارات التكفيرية المغالية، فأنا في رأيي الحركة الإخوانية حركة عريضة فيها ناس قابلون للتعامل مع الآخر والتعددية، وهناك آخرون يرون أنّ الآخر كافر. المهمّ ضروري جدًا كما أقول في داخل الجسم الإخواني مراجعات، وهذه المراجعات تجعلهم واضحين في أنّنا نقبل الديمقراطية، نقبل المواطنة، نقبل هذه المعاني بصورة مبدئية، لا تقية، وأنا في رأيي هذا ممكن لأنهم إذا لم يفعلوا كذلك سيتركون تبنّي الراية الإسلامية لجهات أصلها تعتقد الديمقراطية كفرًا وتعتقد الآخر كافرًا وتعتقد المعاملة مع أصحاب الملل الأخرى عداوة.

 

محمد علوش: إذًا هي مراجعة في إطار ممكن، لا أعرف إذا كنا نستطيع وضعه في إطار ما يُعرف بقالب التجديد، حضرتك صاحب أطروحات كثيرة، البعض يجعلها أقرب إلى التجديد منها إلى القراءة التقليدية في الفكر الديني. الدكتور حيدر ابراهيم علي كتب عنها كتاب "التجديد عند الصادق المهدي: الإشكالات والاختلالات"، أخذنا مقتطعًا حول شكل هذه الاجتهادات التي تقوم به. نستمع إلى ما قاله ونعاود التعليق عليه إن شاء الله.

 

حيدر ابراهيم علي: تُعَدّ مهمّة الصادق المهدي الأصعب في مجال التجديد، حيث يسعى للحداثة من خلال وسائل تقليدية، فهو يحاول تجديد الفكر الإسلامي من داخل فكر الطائفية وبالتحديد المهديّة، فهو يؤسّس للتجديد والاجتهاد فوق بناء المهدية السلفي – الصوفي ممّا يجهده كثيرًا فيُجبره على توفيقية صعبة لجمع الأضداد والمتناقضات.

 

محمد علوش: انطلاقا ممّا يقوله الدكتور حيدر ابراهيم علي، وأنت الآن تقدّم مراجعة لجماعة الإخوان المسلمين، يقول أنّ الإشكالية، حتى عندك إشكالية في التوفيق، أي إمكانية الجمع بين المتناقضات التي قد تحمَّل أحيانًا لحركات إسلامية، حتى المنظّرين من أمثال الصادق المهدي هو يقع فيها.

 

الصادق المهدي: طبعًا يا أخي، الأمر الأول، الأخ حيدر، الدكتور حيدر هذا يمثل الأصولية العلمانية، لا مانع أن يقول ذلك. الأصولية العلمانية عندها خط فهم، وإن كان بيتر برغر ومشايخ العلمانية يتحدّثون الآن عن ضرورة أن تعترف العلمانية بأنّ العلمانية كما قالوا ليست هي الشرط للديمقراطية، الشرط للديمقراطية التعدّدية. ثانيًا أننا نهزم أنفسنا كليبراليين، قال، إذا لم نعترف أنّ للدين دورًا في الحياة العامة. بالنسبة للكلام عن توليف المتناقضات، الحياة كلّها جدلية، كلّ شيء، الإنسان الذي لا يعترف بأنّ الحياة فيها رؤية ورؤية مناقضة ومحاولة التوفيق بينها يكون إنسانا يهدم الفكر الجدلي كله، والفكر الجدلي موجود في الحياة كلها. فأنا أعتقد، نعم، وغيري، أنا أنطلق من خلفيات لا يمكن إسقاطها، خطأ العلمانيين، الأصولية العلمانية أنها تعتقد أنها يمكن أن تمسح الوجود الاجتماعي الآخر، وهذا ما أوقعهم في مشاكل دائمًا، الفكر العلماني الذي لا يعترف بالوجود الاجتماعي الآخر ولا يعترف بضرورة هذه التوليفات أو التوفيقات، يتكلم عن شيء غير البشر.

 

محمد علوش: نحن الآن أمام حالة متطرفة ببعد ديني يحمل السلاح في شكل داعش وغيرها وهناك بُعد فكري أيضًا مثل العلمانية وبعض قوى اليسار إلى ما هنالك، أي حالة من العنف المسلح وغير المسلح هو ما يغطي المجتمع. كيفية الخروج من هذا المأزق، هل هو فقط بتسليط الضوء على هذه الجماعات الإسلامية أم على المشكل الأساسي في أن هذه الظاهرة أصبحت جزءًا أساسيًا من تركيبة المجتمع العربي؟

 

الصادق المهدي: المنطلق الحقيقي هو أنّ هذه قضايا لا يمكن حسمها بالسلاح، ولا بدّ من.

 

محمد علوش: هذا عيب المتطرّفين في حمل السلاح.

 

الصادق المهدي: نعم، ولا بدّ، أصلاً أكبر خطأ سواء لمسلم أو علماني، الشخص الذي يعتقد أنّ الحقيقة كلّها عنده هو، لأنّ هذا يجلب العصبية، يجلب التعصّب ويجلب العنف. وطبعًا العنف باسم العلمانية كان دائمًا في التاريخ أكبر من العنف باسم الدين. ستالين وهتلر.

 

محمد علوش: ملايين قتلوا.

 

الصادق المهدي: هؤلاء هم أكثر نماذج عنف في الحياة بمنطلقات علمانية، فيمكن أن يكون عندك عنف بمنطلق ديني أو بمنطلق علماني، التجارب التي حصلت في سورية وفي العراق أيضًا على يد البعث كان فيها درجة عالية من العنف، والعنف العلماني. المهم الآن أن ندرك أنّ هذه قضايا لا يوجد لها حلّ بالقوة، والفكر الأوروبي كلّه طول حياته استطاع أن ينمو مع أخذ هذه القضايا في الحسبان والآن، عالج الكثير من القضايا، كانت بين الدين والدولة، كان المجتمع إلى آخره بصورة توفيقية. أنا أعتقد أننا نحتاج أن ندرك أنّ هذه قضايا مهمّة. من يعتقد أنّ العلمانيين كفار وليس عندهم دور، عندهم دور، ولا القوميين، هؤلاء جميعًا عندهم دور، يمثلون وجودًا اجتماعيًا. النداء الذي وجّهته هو نداء لاستنهاض الأمّة، فيه هذا كلّه، أصدرت هذا النداء حتى يُبحث في المؤتمر، فيه هذا الكلام، أننا يجب أن نعترف بالواقع، أي لا توجد طريقة تلغي الشيعة، ولا توجد أيّ طريقة تلغي السنّة، هذا وجود اجتماعي سياسي موجود.

 

محمد علوش: لكن هذا أحد أوجه الاشتباك. هناك اشتباكات عديدة أو أشكال أخرى من هذا الاشتباك. البعض يطرح حلاً آخر سيد الصادق المهدي. الأستاذ عبد الرحمن الراشد في صحيفة "الشرق الأوسط"، يقول، الحلّ منع الأحزاب الإسلامية، أو تحت هذا العنوان يكتب، السياسة في المنطقة العربية لن تتطور، لن تستقرّ أوضاعها دون منع استخدام الدين في السياسة، ولدينا تجربة طويلة تبرهن على فشل ترويض الجماعات الإسلامية السياسية للتحول إلى العمل المدني. بمعنى آخر، سواء ادّعوا أنه كان متطرفاً أو غير متطرف، الحلّ هو منع كلّ هذه الأحزاب بأيّ يافطة، سواء قالوا بمرجعية إسلامية أو بدولة إسلامية مباشرة.

 

الصادق المهدي: يا أخي، أبعد الدين من السياسة، لكن هل تبعد القبلية من السياسة؟

 

محمد علوش: لا، هو لا يبعد الدين، هو يقول أنّ الحل منع الأحزاب الإسلامية.

 

الصادق المهدي: نعم، هذا ما أقوله، أنت ستبعد القبلية من الحزبية؟ ستبعد العسكرية من الحزبية؟ الواقع هو هكذا. الخطر، الآن نريد إبعاد العسكريين من السياسة، الخطر في كثير من المناطق لنا إبعاد العسكريين وإبعاد القبلية من السياسة. أنظر. نحن لا نستطيع أن نتمنى نوع المجتمع الذي نريده، نحن عندنا مجتمع فيه هذه التركيبات، نرى كيف نضبطها حتى تسير بقواعد مرور ديمقراطية، حقوق الإنسان، تتكوّن أحزاب، بأيّ صفة تختارها، لكن هذه الأحزاب تقبل منظومة حقوق الإنسان وتقبل آلية الديمقراطية. هذه هي الضوابط الممكنة.

 

محمد علوش: باختصار، الحلّ سيد الصادق المهدي، أو بداية وضع القدم على الطريق الصحيح من أين يبدأ؟

 

الصادق المهدي: في رأيي يبدأ من أننا نعترف بأنّنا نحن في أزمة حقيقية فكرية في المقام الأول وثقافية كذلك، ثقافية لماذا؟ لأننا نودّ أن نضع قاعدة، كيف نتعامل مع الوافد من الماضي، وكيف نتعامل مع الوافد من العصر. لا بدّ أن نضع معادلة لهذه المسألة، نقبلها. ثانيًا، سياسيًا لا بدّ أن نتعامل مع التنوّع بالصورة التي تجعلنا نقبل الآخر، ونضع إطارًا للتعامل مع هذا الآخر، ثمّ للتعامل مع الأسرة الدولية.

 

محمد علوش: شكرًا جزيلاً لك السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمّة القومي السوداني.

وكلّ الشكر والتقدير لكم مشاهدينا على حسن المتابعة، وإلى اللقاء.