من الداخل

برنامج حواري اجتماعي- سياسي أسبوعي يهدِف إلى كشف ومناقشة قضايا ساخنة وشائكة، أو استضافة شخصيات مثيرة للجدل، من خارج العالم العربي.

الدولة العميقة وعلاقتها باعتداءات باريس

الكاتب السياسي، غيرويد اوكلمان، يكشف عن أجندة الدولة العميقة التي تقف خلف الاعتداءات في باريس ويتحدث من الداخل عن أزمة اللاجئين القسرية المتفاقمة في اوروبا، وماذا عن عملية غلاديو؟

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. اعتداءات الثالث عشر من تشرين الثاني / نوفمبر في باريس يراها البعض من ضمن أجندة الدولة العميقة في فرنسا، فماذا أريد من وراء هذه العملية ومن المستفيد من خلف الستار؟ مع الكاتب السياسي غورويد أوكولمان، من الداخل. معكم زينب الصفار ، تابعونا.

 

التقرير

هل ما جرى ويجري في باريس من هجمات إرهابية  هو نتاج آخر من عملية "غلاديو" ضد الشعب الأوروبي في محاولة ماكرة للتلاعب بالصورة العامة فضلاً عن المشهد السياسي والإقليمي كما يرى المراقبون؟ فما هي عملية "غلاديو"؟ غلاديو، أو السيف الروماني القصير باللغة الإيطالية  هو إسم منظمة سرية أنشأها حلف الناتو في إيطاليا في أعقاب الحرب العالمية الثانية في أواخر الأربعينات. هذه العملية تمثلت في تشكيل قوات سرية في الدول الأوروبية، موّلت عملياتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA والبريطانية MI6، وبعض المخابرات الغربية الأخرى. مهمة هذه القوات كانت شنّ عمليات إرهابية ضد المدنيين في الدول الأوروبية ونسبها إلى القوى اليسارية الأوروبية. وفي إطار هذه العملية قامت هذه القوات السرّية بالفعل بشنّ مئات العمليات الإرهابية في البرتغال وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وباقي الدول الأوروبية. وشملت هذه العملية أيضاً تمويل إرهابيين من اليمينيين المعادين للشيوعية وتزويدهم بالمتفجرات لشن العمليات الإرهابية. الفكرة الجوهرية وراء عملية "غلاديو" هذه تمثلت في أنه إذا لم توجد عمليات إرهابية يمكن الاحتجاج بها، فإنه يجب خلق وتدبير هذه العمليات. أحد الذين شاركوا في هذه العملية قال: كان علينا أن نهاجم المدنيين من الأبرياء، نساءً وأطفالاً، والذين لا علاقة لهم بلعبة السياسة والهدف هو إجبار هؤلاء على أن يلجأوا إلى الدولة طلباً للحماية في مواجهة الإرهاب المزعوم للقوى اليسارية. ويعتقد موقع Global Research الكندي أنه يتم استخدام تنظيم القاعدة وكذلك "داعش" في أغراض مختلفة في وقت ترغب فيه الدول الأوروبية بالتدخل بشكل سريع في البلدان العربية باستخدام المرتزقة الأجانب. فمثلاً، "هولاند" يدين هجمات باريس، ولكن في الوقت نفسه من جهة أخرى لا يزال يسلّح ويدعم المجموعات المسلّحة التي نشأت من أجل مواصلة حملة العنف والإرهاب في سوريا. "غيرويد أوكولمان" الكاتب والمحلّل السياسي الإيرلندي في باريس يكشف من الداخل عن أجندة الدولة العميقة التي تقف برأيه خلف اعتداءات باريس، ويتحدّث عن أزمة اللاجئين القصرية المتفاقمة في أوروبا.

 

زينب الصفار: غيرويد أوكولمان، الكاتب والمحلّل السياسي المستقرّ في باريس، أهلاً بك في "من الداخل" سيّدي. لقد كشفت بعد هجمات يوم الجمعة في الثالث عشر من تشرين الثاني / نوفمبر في باريس أن برنامج الدولة العميقة يقف وراء هذه الهجمات، من المستفيد من هذه الهجمات؟ ولماذا لجأت إلى القول إن هناك أجندة "دولة عميقة" وراءها؟

 

غورويد أوكولمان: أعتقد أن عليك النظر أولاً إلى السياسة الخارجية الفرنسية، ووضع الهجمات الفعلية التي جرت في باريس. فلنمُعن للحظة في السياسة الخارجية لنرى ما الذي كان يفعله الفرنسيون في سوريا خلال السنوات الخمس الماضية، وفي وقت سابق في ليبيا وفي مناطق الحروب الأخرى. إذا نظرت إلى ما كان يفعله الفرنسيون في سوريا طيلة السنوات الخمس الماضية وصولاً إلى اليوم، تجدين أنهم يدعمون المسلّحين الذين يصفونهم بالـ "معتدلين"، وهم في واقع الأمر من إرهابيي القاعدة، بالتالي فإن الفرنسيين كانوا يدعمون جبهة النصرة وكانوا بطريقة أو بأخرى يعترفون بذلك، أعني وزير الخارجية الفرنسية "فابيوس" قد قال، والسجّلات تؤكّد ذلك، بأن النصرة تؤدّي عملاً جيّداً في سوريا. لقد جرت إدانة ذلك من قِبَل دبلوماسيين فرنسيين كبار مثل فيليب دوفيلييه الذي قال مؤخّراً إن هذا يعدّ إهانة للسياسة. إذاً، كانت لديك دولة تدعم الإرهاب خارج حدودها..

 

زينب الصفار: فتلك ستكون العواقب.

 

غورويد أوكولمان: لا يمكن لهذه الدولة أن تدّعي بأنها تدعم الإرهاب في وطنها. بالتالي، إذا نظرت إلى الحلفاء الفرنسيين في الحرب الدائرة في سوريا، فلديك السعودية وقطر وتركيا، والإعلام الفرنسي يعترف بشكل واضح بأن الأتراك كانوا يزوّدون داعش بالسلاح. نشرت مقالة في 12 شباط / فبراير في صحيفة "لو موند" أشارت إلى أن رئيس الاستخبارات التركية الذي كان من المقرّبين جداً من "أردوغان" كان يزوّد داعش بالأسلحة في سوريا وأنه كان المهندس لعمليات داعش في سوريا. تركيا عضو في حلف الناتو، أي إن دعم تركيا لداعش يعني أن حلف شمال الأطلسي يدعمه أيضاً. بالتالي فإن برنامج الدولة العميقة هو واقعاً الغطاء الذي تواطأت معه وسائل الإعلام من حيث الدعم الفرنسي للإرهاب في الشرق الأوسط. بالطبع نستطيع العودة إلى ليبيا والتي دعم فيها الفرنسيون تنظيم القاعدة والجماعات الإسلامية المقاتلة لثمانية أشهر، لقد فعلوا هذا في كل أنحاء أفريقيا وكان هناك دعم فرنسي للإرهاب في جمهورية أفريقيا الوسطى. كان هناك تآمر فرنسي في عملية زعزعة استقرار مالي بُعيد الحرب الليبية. دعموا أشكالاً متنوعة من الإرهاب في جميع أنحاء أفريقيا. اختطفوا الرئيس المُنتخَب ديمقراطياً في ساحل العاج عام 2010، ومجدّداً دعموا إرهابيين في ساحل العاج لسنين طويلة، منذ العام 2002. بالتالي لدينا الكثير من التحالفات مع الإرهابيين في السياسة الخارجية الفرنسية. هذا أول ما علينا النظر إليه، ولا توجد شكوك حيال هذا الأمر الآن.

 

زينب الصفار: غيرويد، ما هي النوايا الحقيقية وراء تلك العمليات التي حدثت هنا في فرنسا؟

 

غورويد أوكولمان: أعتقد إن الأهداف قد أعلنتها بوضوح الحكومة الفرنسية، أي العودة إلى الحرية والديمقراطية، بمعنى أن "الدولة الإسلامية" وفقاً للحكومة الفرنسية، تريد أن تسلبنا حرياتنا وتحسدنا على الحريات التي نتمتّع بها. وإذا نظرت إليها من منظور طبقي، فإن ما يجري في أوروبا منذ 2008، فإن القادة السياسيين والاقتصاديين قد أعلنوا بأنفسهم عن وجود حرب طبقية دائرة. أنت تشاهدين دخول التقشّف إلى جميع أنحاء أوروبا، بالتالي لديك كمّ هائل من البطالة والفقر. في ظلّ هذا النوع من حال التقشّف، الطريقة الوحيدة التي تسمح للنُخب السياسية الاستمرار في حكمها هي الإرهاب. والإرهاب كان دوماً فعلاً مستمداً من الاستبداد، وبالطبع أعتقد أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أننا اليوم محكومون من قبِل "أوليغارشيين"، وبشكل أساسي الفجوة العميقة جداً بين الفقير والغني. إن حقيقة ما يفعله هؤلاء الناس لا يشكل أبداً إغفالاً للديمقراطية ولا يحق لهؤلاء المطالبة بشيء. إن كان بإمكانهم دعم قاطعي الرؤوس والمهووسين في جميع أرجاء أفريقيا وسوريا، فإنهم لن يتردّدوا في فعل الأمر نفسه هنا، إذا عنى ذلك تأييد الدعم للمزيد من التدخلات الأجنبية، والذي سيعمل كذلك على تشتيت انتباه الجماهير عن المصير المالي الحقيقي المحتّم وشيك الحدوث، أعني أن هناك خطراً جدّيا جداً في أن تفلس المصارف في أوروبا، وإن حدث هذا الأمر ستكون لدينا ثورة اجتماعية كبيرة ورئيسة. إذاً، هناك منطق عسكرة يتنامى مع السنوات. نحن لا نعيش في دولة اجتماعية بل نعيش وبشكل متزايد في دولة جزائية. إذا فإن ثمة مجازاة تحدث وهناك شرخ طبقي جلّي جداً. بالطبع، إن نظرت إلى فرنسا، فإن الشرخ الطبقي له بُعد عرقي أيضاً وبشكل متزايد. لديك طبقة من المسيحيين واليهود من أصحاب السطوة والسلطة، ولديك إفقار لغالبية عظمى من الطبقة العاملة المسلمة. بالتالي، هناك تباين طبقي لكنه أيضاً يحمل صبغة عرقية. لذا فإن الأسلوب الذي تحكم به يكمن في زيادة التوتر العرقي والإثني بين الطبقات العاملة، فما هي الطريقة المُثلى للقيام بذلك غير خلق نوع من كبش الفداء أي "الإرهابيون العرب".

 

زينب الصفار: الدكتور "بول كريغ روبرتس"، وهو رئيس التحرير  المساعد لصحيفة "وول ستريت" تحدّث أيضاً عن وجهة النظر نفسها، وشرح أن هجوماً مماثلاً يفوق قدرة معظم المنظمات ويتطلّب قدرات يستبعد أن تتوافر ضمن ترسانة داعش، فهو هجوم يصعب القيام به من دون عِلم السلطات أو ملاحظتها له. التنسيق المطلوب يشي بتورّط الدولة.

 

غورويد أوكولمان: بالطبع، الدولة متورّطة بمعنى أنه إذا كان الفرنسيون يدعمون الإرهاب في سوريا، فإنهم إذاً متواطئون في الإرهاب، بالتالي سيكون منطقياً الشكل في نشاطات الأجهزة الأمنية الفرنسية. فرنسا ليست دولة عادية، بل إنها دولة نووية أي أنها دولة قادرة على حماية أسلحة الدمار الشامل، ولديها مستوى عال من الأمان. وأعتقد أن من يجلس أمام شاشات المراقبة وهم يدخّنون الحشيش، ويسيرون في الطرقات ويشربون الويسكي، لا أستطيع أن أصدّق أنهم أشخاص قادرون على تهديد الدولة الفرنسية. إذا أشخاص كهؤلاء قادرون على تهديد دولة نووية فإن أسئلة جدية جداً تطرح لجهة اللوجستيات وتنظيم الأمن.

 

زينب الصفار: بالتوازي مع ما تقوله، التقارير الإعلامية المطلعة تشير إلى أن كل الإرهابيين المتورّطين بهجمات باريس كانوا من جنسيات أوروبية وقاتلوا سابقاً في سوريا إلى جانب جبهة النصرة، ثم انتقلوا إلى "الرقّة" للانضمام إلى ما يُسمّى بـ "داعش"، وأخيراً انتقلوا إلى "القنيطرة" و"درعا" ومحطتهم الأخيرة كانت في إسرائيل في مكان يُسمّى "بيت زورا" حيث جرى تدريبهم من قِبَل الموساد الإسرائيلي. بعد ذلك جرى إرسالهم إلى فرنسا قبل ستة أشهر من هجمات باريس. السؤال هنا، كيف يمكن لمجموعة إرهابية انتهاك أماكن مؤمّنة كالملاعب وقاعات الاحتفالات، من دون أي مساعدة من الاستخبارات الأجنبية؟

 

غورويد أوكولمان: الارتباط مع الموساد أمر يشي بالكثير لأن إسرائيل هي على الأرجح القوة الأجنبية الوحيدة التي سبق وأن هاجمت فرنسا عام 1980 عندما قصفوا المعمل الذي يصنّع أجزاء من الذخيرة للمحطة النووية العراقية، وقصف الموساد المعمل الفرنسي الذي كان يصنّع الأجزاء عام 1980، وهدّدوا المهندسين الفرنسيين الذين كانوا يعملون في العراق، إذ تلقوا وعائلاتهم تهديدات بالقتل من قبل الاستخبارات السرّية الإسرائيلية. وقد وجّه الاتهام إلى بيئيين. بالتالي شنّوا هجوماً سرّياً وألقوا باللوم على بيئيين متطرّفين، وبعد ذلك خلقوا مجموعة إسلامية مزيّفة في الجنوب، واستخدموها لإرسال تهديدات بالقتل إلى المهندسين الفرنسيين. ووفق معرفتي، إنه البلد الأجنبي الوحيد الذي تجرّأ على مهاجمة فرنسا علناً. إن سألتني عن المستفيد من هذه الهجمات، فهو بالطبع اللوبي الإسرائيلي. يمكنك أن تسمعي في تقارير وسائل الإعلام مباشرة بعد الهجوم، مختصين يشيدون بإسرائيل ويوقولون إنهم بحاجة إلى مقاربة الإرهاب كما تفعل إسرائيل وعلينا أن نتعلم أكثر من الإسرائيليين. شيطنة المسلمين، ووضع صورة نمطية لهم على أنهم متطرّفون ومجانين وغريبو الأطوارن هو تحديداً ما يبرّر العمليات الإسرائيلية ضدّ "غزّة"، فأي نوع من المقاومة لإسرائيل سيتساوى بالنتيجة مع أناس فاقدين لعقولهم. بعبارة أخرى، التهديد الحقيقي لإسرائيل في الشرق الأوسط لطالما كان أشخاصاً مثل بشّار الأسد. هؤلاء أناس مثقّفون لديهم تفويض ديمقراطي، لديهم مجتمعات منفتحة ومتسامحة، فمن الصعب جداً تصوير (الأسد) على أنه رجل غير عاقل. الرجال الخبثاء الذين يخدمون حقيقة السياسات الصهيونية في الشرق الأوسط هم أشخاص مثل "البغدادي"، وهؤلاء لا يمثلون شيئاً سوى الموت والدمار، وإن كان بإمكانك جعل الناس يصدّقون أن المسلمين جميعاً مرتبطون بهذا الأمر، عندئذ ستتمكّن إسرائيل فعل ما تريده في غزّة. لقد رأينا ذلك في كانون الثاني / يناير في تظاهرة "كلنا شارلي"، وهو كان شأناً إسرائيلياً بامتياز. نتنياهو كان يقود المسيرة في باريس. وبالتفكير بالإسرائيليين، ولأنهم يسيطرون على الصحافة ويمنعوننا من التحدّث في الأمر، ويهدّدوننا بمُعاداة السامية وما إلى ذلك. يمكنهم الإفلات من الكثير من الجرائم، ولكنهم غالباً ما يقومون بالكثير من الأمور. الأمر كان واضحاً جداً في أن هجمات "شارلي إيبدو" في كانون الثاني / يناير كانت تصب في مصلحة إسرائيل بدرجة كبيرة، وهم لم يكتفوا بذلك.

 

زينب الصفار: في محاولة لجذب اليهود في فرنسا للانتقال إلى إسرائيل.

 

غورويد أوكولمان: نعم. ولكن ثمة أمر آخر يمكنك ملاحظته إن نظرت إلى ما يجري في الشرق الأوسط. لديك كل هذه الدول حول إسرائيل التي جرى تدميرها بفعل الإرهاب المدعوم من إسرائيل وحلف شمال الأطلسي. لديك إذاً سوريا، والمشروع هو تقسيم سوريا إلى أربعة أجزاء على غرار النموذج الاستعماري الفرنسي القديم وتقسيمها إلى دول ضعيفة بشكل أنها لا تعود تشكل تهديداً على الكيان الصهيوني. لديك ليبيا التي تعيش في حال من الفوضى العارمة وقد أصبحت قاعدة إرهابية لكل أنواع العمليات السرية في أفريقيا والشرق الأوسط. لديك الحرب السرية المستمرة في مصر حيث يتعرّض الأقباط إلى الهجوم والحرب الطائفية دائرة، وهذا يتماشى بشكل كبير مع خطّة "يينون عوديد" التي جرى نشرها رسمياً عام 1982 من قِبَل المسؤول الإسرائيلي "عوديد". ولديك حركة الهجرة وعملية إخلاء السكان في الشرق الأوسط، وفي الوقت عينه فإن نتنياهو يأتي إلى أوروبا قائلاً لليهود "اخرجوا من هنا لأن هذا لن يكون مكاناً ملائماً للعيش". فيمكنك أن تلاحظي أن الأمر في غاية الغرابة، اليهود يغادرون أوروبا في الوقت الذي يُجبَر فيه العرب على ترك أراضيهم والمجيء إلى هنا، كما هي حال أزمة اللاجئين.

 

زينب الصفار: بعد الفاصل سنتعمّق أكثر بكل هذه الأمور كما سنتحدّث قليلاً عن تداعيات هجمات باريس والقتال ضدّ داعش وعملية "غلاديو"، ولكن بعد الفاصل. فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيداً.

المحور الثاني:

زينب الصفار: يرى المراقبون أن الحكومة الفرنسية ترغب بتدمير نظام الأسد في أسبقية لحاجتها للقضاء على داعش. ويتفاخر الفرنسيون بأنهم قصفوا "الرقّة"، عاصمة داعش السورية، 20 مرة. لماذا لم يقم الفرنسيون بذلك قبل أسبوعين أو شهرين؟ غيرويد أوكولمان، الكاتب والمحلّل السياسي في باريس، هل يعتقد فعلياً أن الحكومة الفرنسية تريد القضاء على داعش؟

 

غورويد أوكولمان: أعتقد أن الروس مصمّمون على تدمير الدولة الإسلامية أو داعش.

 

زينب الصفار: ما يُسمّى بالدولة الإسلامية

 

غورويد أوكولمان: نعم. تميل تسميتهم إلى التغيّر كل الوقت. الروس يبدون مصمّمين، فقد قدّموا الكثير، ففي أسبوعين أنجزوا أكثر مما أنجزه التحالف الغربي طوال سنة. داعش ما زال مهماً في سوريا بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي، هم يريدون فعلاً التخلّص من "الأسد"، هذا لم يتغيّر. يريدون تقسيم سوريا إلى أربعة أجزاء. علينا أن نتذكّر أن القوة الحقيقية وراء سياسة حلف شمال الأطلسي هي مصالح إسرائيل، وهم متعصّبون ولن يحتملوا أن تبقى سوريا متماسكة وقادرة على مقاومة الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. بالتالي أعتقد أن داعش يخوض نوعاً من الحرب الزائفة ما بين روسيا والغرب الآن، بينما هم في الظاهر حلفاء، وفي الوقت ذاته لدينا تركيا، العضو في الناتو، تقصف الطائرات الروسية لأنها خائفة من أن تدمّر سوريا إرهابييها في سوريا. أعتقد أن ثمة عنصراً خلافياً بين دول حلف شمال الأطلسي، أحد أصغر دول حلف شمال الأطلسي تحاول الخروج، هنغاريا على سبيل المثال بصفتها عضواً في الناتو، فقد اعترفوا صراحة...

 

زينب الصفار: بالعلاقة مع هذا الأمر.

 

غورويد أوكولمان: وهم يشعرون بالتعب والسأم مما يجري.

 

زينب الصفار: رئيس الوزراء الهنغاري "فيكتور أوربين" قال إن "جورج سوريس" الملياردير الأميركي ومحامي حقوق الإنسان، كان مسؤولاً عن أزمة اللاجئين الحالية، ما هو رأيك في هذه  الإكراه المبرمج؟

 

غورويد أوكولمان: إنه جزء من المحاولة لاقتلاع الناس من جذورها في جميع أنحاء العالم، فلديك على سبيل المثال "ديميتري كاتسيكاس"، المؤرّخ اليوناني وعالم "التركولوجيا" وما وصفه على أنه المنطقة المتوسّطة من موريتانيا وصولاً إلى القرن الأفريقي والشرق الأوسط ووسط آسيا المفتوح على أوروبا الشرقية وروسيا، وأن هذه المنطقة قد جرى زعزعة استقرارها منذ العام 2011. إن استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية في ما يخصّ أوروبا في القرن الحالي تكمن في التخلّص من الكثير من الناس من الجنوب في الشمال، وهذا يعود إلى المخطط الاستراتيجي "توماس بي أم بارنيت" الذي كتب كتباً قال فيها إنه سيكون هناك تدفق هائل للسكان من القارة الأفريقية والشرق الأوسط وآسيا على وجه الخصوص إلى أوروبا، وليس لهذا التدفّق علاقة بالعوامل الطبيعية بل إنها استراتيجية لزعزة استقرار أوروبا. لقد أدرك الأميركيون ومنذ وقت طويل أن ألمانيا ما تزال محتلة من قِبَل الولايات المتحدة وأنه لا يزال فيها وجود عسكري أميركي هائل، وليست لديها سياسة خارجية رسمية عدا عن كونها عضواً في الناتو وتتماشى معه. إن مصالح الألمان على المدى البعيد تتمحور حول التوحّد أو التقارُب مع موسكو. بعبارة أخرى، إن أراد الألمان توسيع اقتصادهم في هذا القرن، فإن عليهم الاندماج مع أوراسيا، مع الصين وروسيا، والسوق الرئيسية للسيارات الألمانية حالياً هي الصين. لذا فإن الانفتاح على إيران والصين وروسيا وحل مشكلات خطوط أنابيب الغاز في الشرق الأوسط تصب بالتأكيد في مصلحة ألمانيا الاقتصادية الاستراتيجية، وإذا فعلت ألمانيا هذا، فإن هذا سيعني أن قارة أوراسيا أو شبه الجزيرة الأوروبية ستتّحد أخيراً مع البر الرئيسي للقارة وهذا سيعني نهاية لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية. لن تتمكّن الولايات المتحدة بعد ذلك من السيطرة على أوروبا. كان لـ "بيلسوتسكي" فكرة مختلفة أطلق عليها إسم "نيوبروميثيانيزم" والتي تهدف في الأساس إلى دعم أي حركة انفصالية في روسيا الفيدرالية داخل روسيا، واليوم هي روسيا الفيدرالية، ولكن حينها كانت الاتحاد السوفياتي، فإذاً كانت لتدعم حركات الاستقلال داخل الاتحاد السوفياتي، واليوم داخل روسيا الفيدرالية، وبالتالي سترين زعزعة للاستقرار في منطقة القوقاز الشمالية. وأيضاً هناك مشاكل ديمغرافية هائلة داخل روسيا، هناك عجز ديمغرافي في روسيا.

 

زينب الصفار: بالطريقة التي دعموا فيها منظمات غير حكومية معيّنة في هونغ كونغ لزعزة الاستقرار هناك.

 

غورويد أوكولمان: نعم. كما أن لديك الكثير من الأقليات العرقية في روسيا، فإن نجحت استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا، فمن البديهي أن ينقلوا الوضع إلى آسيا الوسطى وروسيا.

 

زينب الصفار: اسمح لي أن أختم باقتباس من الدبلوماسي البريطاني السابق "الستير كروك" إذ أشار إلى أن "ما يريده الأوروبيون أكثر من أي شيء آخر هو استقرار سياسي قد يضع حداً لتدفق اللاجئين إلى أوروبا. قد يرون أن لدى روسيا فرصة أفضل في تحقيق ذلك من خلال الانتخابات المفتوحة في سوريا، وقد يخافون من أن تنتهي معادلة الولايات المتحدة الأميركية "وجوب رحيل الأسد أولاً" بفوضى تفاقم من تدفق اللاجئين، وسيكون عليهم أن يختاروا".  غورويد أوكولمان، الكاتب والمحلل السياسي نشكرك على انضمامك إلينا من باريس.

 

غورويد أوكولمان: أهلاً بكم

 

زينب الصفار: على الرّحب والسِعة. لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة ودائماً من الداخل. من كل فريق عمل من الداخل، من العاصمة الفرنسية باريس، السلام عليكم ورحمة الله.