أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

العهد الأميركي الجديد والعودة إلى العنصرية

منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وكيّان بعد إبادة دمويّة مطلقة للهنود الحمر السكان الأصليين في أمريكا و مفهوم القوّة هو أبرز رقم في معادلة السياسة و تركيبة القرار الأمريكي , وفي مفردات الثقافة الأمريكية أنّ هذه القوة ضرورة ومشروعة لبسط سلطة العدل و محاربة الأشرار جاءت قرارات و سياسات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب لتؤكد مبدأ الغطرسة و القوة الذي إلتزمت به أمريكا منذ عقود.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

منذ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية كدولةٍ وكيان، بعد إبادةٍ دمويّةٍ مُطلقةٍ للهنود الحمر، السّكّان الأصليّين في أميركا، ومفهوم القوة هو أبرز رقمٍ في معادلة السياسة وتركيبة القرار الأميركي.

وفي مفردات الثقافة الأميركية أنّ هذه القوة ضرورةٌ ومشروعة لبسط سلطة العدل ومحاربة الأشرار، طبعاً العدل على المقاس الأميركي، والأشرار الذين يصنّفهم العقل الأميركيّ في خانة الأشرار.

وجذر هذه التركيبة الفكريّة يعود إلى شعور الإنسان الأميركيّ المحتلّ والمستعمِر لأميركا بعقدة الذنب تجاه إبادةٍ مطلقةٍ للهنود، رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباباً.

وتكفيراً عن الجرائم الفظيعة في حق الهنود الحمر، أوجد الأميركان الجُدد منطلقاً فكرياً لإجرامهم واعتبروا بذلك الخير شراً والشر خيراً، وهذا ما يفسّر اعتبار أميركا نفسها على حقٍ دائماً، وتعتبر إرسال جحافلها العسكرية إلى القارات الخمس في آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية وكوبا وأوروبا من باب الانتصار لما تراه خيراً وخدمةً للإنسان.

ولعلّ أفضل من وصف الشخصية الأميركية الاستعمارية هو سيمون بوليفار، أحد أبطال محاولات الاستقلال في أميركا اللاتينيّة في أواسط القرن التاسع عشر، والذي قال "يبدو أنّه كُتِب على الولايات المتحدة الأميركية أن تقوم بتعذيب وإذلال القارة باسم الحرية".

وفي كتابه الشهير "الديمقراطية في أميركا"، والذي ألّفه سنة 1840، قال توكفيل "إنّي لا أعرف شعباً يحتل فيه حب المال حيّزاً كبيراً في قلوب الناس أكثر من هذا الشعب الأميركي، شعبٌ يشكّل تجمّعاً من المُغامرين والمُضاربين"، وتوكفيل ولِد سنة 1805 وتوفي سنة 1859، وهو كاتب وسياسي فرنسي عريق درس في الولايات المتحدة الأميركية، وعاد إلى فرنسا بكتاب "الديمقراطية في أميركا"، وعُيّن لاحقاً وزيراً لخارجية فرنسا.

وقد لا يكون من باب الصدفة ولَع الرؤساء الأميركيين الذين توالوا على الحُكم في أميركا على مشاهدة أفلام الغرب الأميركيّ، وأفلام رُعاة البقر الذين يلاحقون الهنود الحُمرويشنقونهم ويتلذّذون بشنقهم. وفي كتابه "أيديولوجيا واقتصاد"، قال نعوم تشومسكي "أن بنيامين فرانكلن أبو الأمّة الأميركية وباسم التنوير طرد السكان الأصليين كي يفسح المكان لأمّته".

وفي السياق عينه، جاءت قرارات وسياسات الرئيس الأميركيّ الجديد دونالد ترامب لتؤكّد مبدأ الغطرسة والقوة الذي التزمت به أميركا منذ عقود، وقد زاد ترامب على سابقيه بأن حمل على خط المُستضعَفين في القارات الخمس وراح يُهدّد بسلب الدول العربية نفطها وخيراتها.

إنّ ترامب هو مصداقٌ لكتاب "صِدام الحضارات" لهانتينغتون، ولا شكّ أنّ عهده سيكون الأحرَج والأدقّ والأخطر على خط طنجة جاكرتا.

العهد الأميركيّ الجديد والعودة إلى العنصريّة عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من سويسرا العاصمة جنيف الأستاذ الفاضل الدكتور رياض صيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية في جنيف، ومن دمشق الدكتور الفاضل عماد فوزي الشعيبي رئيس مركز المُعطيات والدراسات الاستراتيجيّة. مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

دكتور عماد، نبدأ معك من دمشق الحبيبة. لا شكّ أنّ كلّ رئيس أميركي يأتي إلى دوائر القرار في واشنطن يُثار حوله جدل كبير ويأتي بتعريفات وتوصيفات كبيرة، نُخطئ أحياناً في تشخيصه، نبتعد عن الرؤية الحقيقية. بنظرك ترامب ما الذي سوف يشكّله من خطورةٍ، من صدمةٍ، من انكساراتٍ، ما يهمّني هنا في العالم العربيّ؟ تفضّل دكتور عماد.

 

عماد الشعيبي: دعني أقول من دون أن يرفّ لي جفن بأنّ الرجل اليوم هو في وضعيّة انقلاب على مستوى الولايات المتحدة الأميركية وأيضاً على مستوى سياساتها، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، نشهد ما يمكن أن نسمّيه طياً لصفحة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هو يريد تغييراً كبيراً في السياسة الأميركية، يعتبر بأن هذه السياسة الأميركية لم تعد مناسبة لهذا العصر، لم تعد مناسبة بأية حال من الأحوال لإعادة إحياء الأمّة الأميركية والاقتصاد الأميركي، هنالك تداعٍ في قوة الولايات المتحدة الأميركية. كان سابقه يحاول أن يلجم هذا التداعي، أو أن ينزل بهدوء. اليوم هو يريد صعوداً في الوضع في الولايات المتحدة الأميركية.

ما الذي ينعكس على منطقتنا؟ بطبيعة الأحوال، هذه دولة عُظمى ودولة كبيرة، وأيّ تغيير يحدث فيها لا بدّ من أنّ رَجع صداه سوف يتجاوز محيطها إلى العالم، لأنّها دولة ممتدّة النفوذ، وبالتالي من طبائع الأشياء أننا سوف نشهد تبدّلاً نوعياً في السياسات المُتّصلة بمنطقة الشرق الأوسط، منها على سبيل المثال أنّه لن يزجّ بنفسه بالمشكلات مباشرة، وإن كان يعتبر بأنّ أهمّ المشكلات اليوم هي مشكلة القتال مع داعش وإنهاء هذه الظاهرة، في الوقت الذي كان فيه سابقه يريد تحجيم الظاهرة وفقاً لتصوّرٍ يقول بأنّ القتال مع داعش هو مُشابه للقتال مع طالبان، وبعد عشر سنوات من القتال مع طالبان بُدئ بالتعامل معها سياسياً، فلماذا نضيّع عشر سنواتٍ من القتال مع داعش كما أضعنا عشر سنواتٍ من القتال مع طالبان؟

في هذه الحال، نحن أمام لغة جديدة في العمل السياسي في المنطقة، سوف يشوبها الكثير من التجريب، الكثير من حالات عدم التعيين للاستراتيجيات، لأنّ عادةً الأميركيين لا يضعون استراتيجيات صارمة كما نتصوّر نحن في الشرق، هم يجرّبون ما يُسمى بعِلم السياسة نظريات متوسّطة المدى ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وبالتالي هم يجرّبون بنا إلى أن تضع الاستراتيجية نفسها، من دون أن يضعوا استراتيجيّةً مسبقة، وهذا ما سوف يؤدّي إلى نتائج قد يكون فيها تجريب كثير وأخطاء كثيرة، ولكن بطبيعة الأحوال أخطاء الغنيّ لا تظهر.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور عماد، والمصيبة الأكبر أننا في العالم العربي دائماً مطايا وحقول تجارب. سأكمل معك بقية الأفكار بُعيد الذهاب إلى جنيف من فضلك.

دكتور رياض، ترامب هدّد العراقيين وقال سوف أسلب نفط العراق وسوف أدمّر هذه الدولة. هل سوف يلتزم بنظرك في هذه السياسة، بمعنى، هل تصريحاته كانت مُدخَلاً لما سوف يضطلع به من أدوارٍ في عالمنا العربي؟

 

رياض صيداوي: أنا أعتقد دائماً بنظرية النسبية، التنسيب، وشرحت حملة ترامب في كثير من وسائل الإعلام، دائماً ثمّة فوارق بين الحملة الإعلانية والدعائية وبين الممارسة. ترامب أيضاً قال لأوباما وكلينتون أنتما مَن صنعا داعش وتدخّلكما في سوريا سافر ولا نرضى ذلك. ربما ليس كل ما يقوله خطأ أو كل ما يقوله صحيحاً في إطار نظرية النسبية، لكن بالتأكيد هو جاء بخطاب جديد غير كلاسيكي، بمعنى الخطاب الدبلوماسي القديم حسب رأيي أخطر من خطاب ترامب، كيف؟

يأتيك أوباما ويقول أريد أن أنشر لك الحرية والديمقراطية ويقصف ويدمّر العواصم ويدمّر طرابلس ويدمّر بغداد ويحاول أن يدمّر دمشق لولا الفيتو الروسي الصيني المزدوج باسم الحرية والديمقراطية، هذا خطاب خطير، أن يقول لك أنا أكرهك ولا أحبّك ولا أريدك أن تُهاجر عندي، ثمّ لكن لا أريد أن أتدخّل عسكرياً ولا أريد أن أدمّر دولتك، ربما يكون ذلك أفضل.

أميركا منذ الحرب العالمية الثانية تسيّدت العالم، أيضاً من يتابع نظرية النسبية عبر التاريخ دائما القوى العُظمى تمارس دور الشرطي في العالم، تمارس دور المُهيمن، ما فعلته الإمبراطورية الرومانية وغيرها. إذاً نحن في هذا السياق أيضاً التقليدي. الآن ما الذي يحدث؟ ثمة قوى عالمية جبّارة، أنا أول ما بدأت دراساتي الإعلامية وتابعت في العلوم السياسية وكتاب قرأته كان رائعاً وهو كتاب "أميركا المتلاعبون بالعقول"، كيف مثلاً التدخّل في العراق أو التدخّل في ليبيا أو في سوريا أو في فيتنام مثلاً وغيره، دائماً نذكر عدد الجرحى والقتلى من الجيش الأميركي، لكن من يعرف كم توفي من فيتنام، من يعرف كم توفي من كوري، من عراقي، من ليبي، إلى آخره؟ فهذه أيضاً قوة هائلة جبّارة إعلامية، للأسف الكثير من الإعلاميين العرب ومُثقّفي العرب يسقطون فيها بكل سذاجة أو ربما حتى عمداً.

نحن بعد الحرب العالمية الثانية تسيّدت، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي جاءت نظرية صِدام الحضارات، وأنت ذكرت الكتاب كتاب سامويل هانتينغتون "صِدام الحضارات" ماذا يريد أن يقول؟ عوض عيش الحضارات، عوض السلم بين الحضارات، عوض التعاون بين الحضارات واحترام الحضارات لبعضها بعضاً، لا، الصِدام، نحن نصطدم معكم انهار الاتحاد السوفياتي فبحثوا عن عدو جديد، لأن العقيدة القتالية لا بدّ دائماً من عدو. العدو الجديد هو العرب، الإسلام، المسلمون، وما زلنا نعاني من ذلك، اليوم، ربما بعد 10 أو 15 سنة يصبح العدو هو الصين، الكونفوشيوسية وروسيا الأرثوذكسية وليس العرب أو ليس المسلمين وليس الإسلام.

في إطار دائماً عقيدة للبحث عن عدو، في أميركا مثلاً، الديمقراطية الأميركية تختلف كلية عن الديمقراطيات الموجودة في أوروبا الغربية، مثلاً حيث أعيش، مثلاً سويسرا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، لماذا؟ لأنّ الديمقراطية هناك هي ديمقراطية اجتماعية، مربوطة بالدولة الراعية الاجتماعية، المواطن هنا حينما يجوع الدولة تعطيه راتباً، فيذهب ويُعالَج مجّاناً، إذا لم يكن له مال، تعطيه السكن وتدفع عنه إن لم يكن له مال.

في أميركا لا، انسَ كل ذلك. في أميركا دولة نيوليبرالية مطلقة، اليوم أنت أستاذ جامعي في هارفرد، غداً مجرّد صعلوك في الشوارع لا تمتلك ثمن وجبة طعام، هذه هي أميركا لأن الدولة لا تتدخّل لحماية المواطنين. العقد بين المواطن الأميركي ودولته هو عقد سياسي فقط، بينما في الديمقراطيات الاجتماعية مثل أوروبا الغربية، العقد هو عقد اجتماعي وسياسيّ، بمعنى ليس فقط انتخابات وإنما الدولة الراعية الاجتماعية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رياض، سأمضي مُجدّداً إلى دمشق الحبيبة.

دكتور عماد، أنا أعرف أنك عندما تُهندس الفكرة تُهندسها بتأنٍ، وأنت من العقول الباردة التي تبتعد عن الضجيج والعجيج في رسم مُعادلات الاستشراف، فيتيريلوجي. دعنا نتأمّل الخطاب القومي أو الخطاب الإسلامي اليوم، لدى الحديث عن أميركا الكلّ يقول أفول أميركا، أميركا انتهت.

أريد أن أعرف، هل فائض القوة الأميركية باقٍ إلى أجل غير مُسمّى، وبالتالي سيكون بإمكان ترامب أن يفعّل سياسته انطلاقاً من هذه القوة، أم أنّ بالفعل أميركا بدأت تضعف ولا تقدر أن تغيّر السياسات وتُصيغ الخرائط في عالمنا العربي دكتور عماد؟

 

عماد الشعيبي: أشكرك على هذا الإطناب. الحقيقة واقع الحال أنّ أميركا لا يمكن أن نتصوّرها بأنّها دولة عُظمى آيلة للسقوط بمعنى السقوط، هي آيلة للأفول، كما النجم الذي يأفل ثمّ يعود مرّةً ثانية، هذا الأفول لا يعني سقوطاً. البعض لا يميّز بين الأمرين. الأفول هنا يعني أن القدرات ليست كما التمنّيات، وليست كما المُتطلّبات والرغبات، رغبات الولايات المتحدة الأميركية، لا تستطيع أن تقوم بهذا العبء لأنّه مكلف اقتصادياً. ما يسعى إليه حالياً ترامب هو أنه يُهيّىء هذه الأمّة لكي تعود مرّةً ثانية كطائر الفينيق قويّةً لكي تستطيع أن تمنح وأن تمنع.

معيار القوة أو تعريف القوة هو ما تستطيع أن تمنح وما تستطيع أن تمنع، عندما تستخدم القوة فإنك تضيّع أكثر من ثلثيها، لأنّ ثلثي القوة بشكل أو بآخر هو بعدم استخدامها. هم استخدموا القوّة، وأيّة قوّةٍ بموجب قوانين الفيزياء يوجد لها قوّة مُضادّة، ردّ فعل عليها، وفي هذه الحال هو الآن يحاول فعلاً أن يعيد الاعتبار إلى القوة الأميركية مُحدِّداً من جديد من هم الأعداء ولديه عدوّان، عدوّ على المدى البعيد وهو الصين، وعدوّ على المدى القريب وهو داعش. غير ذلك لا يريد أن يضيّع وقته أو يبدّد القوى وينشرها لأنّ القوى عندما تُنشَر، تتمدّد، تصبح أضعف فأضعف، فهو يريد أن يركّزها في هذين الاتجاهين في معاملات القوة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عماد، وماذا عن إيران؟ أشرت إلى الصين كعدوّ في المدى المتوسّط والبعيد، داعش عدوّ آني. ماذا عن إيران؟

 

عماد الشعيبي: هو (ينوس) بين الأمرين، بين أنه صراع حقيقي، لأنهم يعتبرون بأن تنامي أيّة قوة إقليمية خارج إطار مُحدّدات واضحة لها، بمعنى عدم وضع لجام لها أو سقف لتمدّدها، هذا يشكّل خطراً بالنسبة للمنطقة ولمصالح الولايات المتحدة الأميركية، وبنفس الوقت هو رغوة، لأنّ الولايات المتحدة الأميركية ربما لا تستطيع الآن باعتبارها تريد أن تنحسر عن أداء مباشر في القوّة لا تستطيع أن تخوض صراعات مكلفة مع طرفٍ إقليميّ كهذا.

أنا أعتقد كلّ هذه الهمروجة هي بهدف تشذيب الدور الإيرانيّ ومنع تمدّده وصولاً إلى البحر المتوسّط بما يشكّل خطراً على خطوط الغاز القادمة، وهذا أمر في غاية الأهمية، وعلى الصراع العربيّ الإسرائيليّ في المنطقة.

الأمر أيضاً، طالما تحدّثنا عن موضوع الغاز، الآن المرحلة القادمة هي مرحلة صراع على الطاقة المُتبقية وهي الغاز، وعلى خطوط الغاز، وهذا صراع لمدة قرن على الأقل في المرحلة القادمة.

هنالك خطوط غاز يجب أن تمرّ في هذه المنطقة، الخط الغازي الإيراني، وخط الغاز القطري، وهنالك خط غاز خفّي لم يتم الحديث عنه حتى الآن، وهو خط الغاز السعودي القادم من منطقة الربع الخالي، ولديك أيضاً خط الغاز الروسي القادم عبر البلو ستريم أو التركش ستريم أو السيل الأزرق أو السيل التركي، والصراع أيضاً على الاستثمارات في الغاز في المنطقة، والصراع أيضاً على سعر الغاز لمرحلةٍ قادمة وخاصةً أنّ إسرائيل الآن تستثمر في الغاز، ومن المُقدَّر أنّها ستستمرّ حتى عام 2024 على الأقل في استثمارات عالية ويجب أن تحصّل أكبر قدر ممكن من سعر الغاز.

هذا كله جزء من الاستراتيجية الخفيّة وراء ما يقوله ترامب بخصوص إيران أو بخصوص أي قوة في المنطقة، وأيّة دولة بما فيها حتى سوريا، بما فيها موضوع الصراع في سوريا وموضوع الحل في سوريا.

القضية باختصار شديد، وحتى إذا أردت على مستوى تشكيل الجغرافية السياسية القادمة، سوف ترتبط إلى حد كبير بموضوع خطوط الغاز وبموضوع الاستثمارات، موضوع هل وصلنا إلى مرحلة يتم فيها تقاسم على خطوط الغاز وعلى الاستثمارات، أنا أعتقد أنه حتى هذه اللحظة لم يتم، حتى الروس لا يعتبرون بأنهم مقبلون الآن على يالطا سياسية، بمعنى تقاسم نفوذ وتقاسم ثروات في المرحلة القادمة.

ولذلك بكل بساطة، سيبقى الصراع مستمراً، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، ربما في الحيثية المتّصلة بالشأن الإيراني هي مرتبطة بالدرجة الأساسية بموضوع خطوط الغاز وموضوع التمدّد بالمعنى الجيو سياسي، الذي يحدث في المنطقة حالياً. الآن هناك صراعات نفوذ في المنطقة وتمدّدات في المنطقة، أطراف تتصارع على النفوذ.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عماد، ولا شك أننا مقبلون على خرائط جيو سياسية جديدة ليس فقط في المنطقة بل على صعيد العالم.

مشاهدينا نواصل كلّ تلكم المحاور بُعيد الفاصل.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديدٍ. عدنا والعود أحمدُ، ومن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع العهد الأميركي الجديد.

دكتور رياض، إذا أردت أن تعرف سياسةً رسميّةً ما لدولةٍ ما أو توجه رئيس في العالم العربي، في العالم، عليك أن تدقّق في الفريق السياسي في الدائرة الضيّقة المُحيطة بهذا الرئيس.

لا شك أن دونالد ترامب لا يقرأ الفلسفة، لا يقرأ التفكير الاستراتيجي، هو يهتم بالدولار وتنميته، لكن لديه فريق من المُفكّرين أمرهم جلل وخطبهم رهيب، ولا شكّ أنّ لديهم عداوة مع شيء اسمه العالم العربي.

الذي يهمّني في هذه الحلقة هو كيف سيكون الأداء السياسي لترامب في المرحلة المقبلة تجاه العالم العربي، تجاه القضية الفلسطينية، تجاه الملف السوري، تجاه الملف العراقي، تجاه الملف الليبي.

جاءنا جورج بوش في شكل صقر، ثمّ أوباما في شكل حمامة ومخالب صقر، لكن ترامب جاء في شكل فيلٍ متوحّش يريد أن يكتسح المنطقة برمّتها.

ما الذي تقوله في ذلك؟

 

رياض صيداوي: نعتقد دائماً حالة بحالة، صحيح النظام السياسي الأميركي بالقانون الدستوري يسميه نظاماً رئاسياً مُطلقاً على عكس النظام البرلماني البريطاني أو الإيطالي وهو نظام برلماني مُطلق أو النظام الفرنسي مزدوج السلطة التنفيذية، رئيس حكومة يخرج من البرلمان ورئيس الدولة ينتخب مباشرة. النظام السياسي الأميركي رئاسي مُطلق بمعنى الرئيس عندما يفوز بالانتخابات هو نفسه رئيس الحكومة، هو من يُعيّن وزراءه، هو من يُعيّن قادة الاستخبارات والجيش وإلى آخره، لديه صلاحيات هائلة لكن هذا لا يعني أن أميركا ليست دولة مؤسسات. لن تكون هناك قيادة مُطلقة لترامب، فهناك واقع مؤسساتي يلجمه، للتحقيب الزمني ولفهم ما يحدث في العالم، وأنا سمعت لمقاربة الغاز الاقتصادية وأنا كعالم سياسة دائماً في كل أطروحاتي أضع العامل الأهم والأفضل هو العامل الاقتصادي أي المقاربة الاقتصادية.

سنة 2008 حدث حدثٌ جلل هزّ كيان العالم، ربما نحن العرب لم ننتبه إليه، وهو أزمة الرهن العقاري. أزمة الرهن العقاري جعلت الاقتصاد الأميركي في حال انكماش، لأول مرة الخزانة الأميركية تقوم بسعر فائدة بين 0 إلى 0 فاصل 25 بالمئة، هذا أمر تاريخي، تحاول أن تسخّن الاقتصاد، لأنه حينما يحدث انكماش اقتصادي يتم تسخينه عبر التخفيف في سعر الفائدة، والعكس صحيح، حينما يكون الاقتصاد مزدهراً يتمّ تبريده عبر الترفيع من سعر الفائدة. إذاً نحن أمام انخفاض هائل، فظيع في سعر الفائدة نفهم منه أنّ الانكماش بنيوي هيكلي، بعض الاقتصاديين يقولون أزمة الرهن العقاري أبشع وأقوى من أزمة 1929. هل ثمّة مصادفة أن الربيع العربي جاء بعد أزمة الرهن العقاري بثلاث سنوات، بدأ من تونس وانتشر في كل مكان؟ لأن أزمة 1929 تم حلّها بالحرب العالمية الثانية، صعود الفاشية والنازية ثم الحرب. الحرب هي دمّر دمّر دمّر حتى تجد العقود وتبني، لأنه لديّ أصدقاء ليبيون شاركوا ما يُسمّى بالثورة ضدّ القذافي، قالوا لم نفهم لماذا حلف الأطلسي يُدمّر في جامعات، في جسور وفي منشآت اقتصادية ومنشآت هادفة لا علاقة لها بالجيش ولا بالعسكر، لماذا؟ لأنه يبحث عن عقود.

إذاً ثمة حرب اقتصادية عالمية. من الذي وقف مع سوريا أكثر من مرة في مجلس الأمن؟ أعطيك روسيا، الصين، الصين كلما تستخدم روسيا الفيتو الصين تستخدم الفيتو، رغم أن الفيتو الواحد يكفي. من أيضاً؟ الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا، هي ما تُسمّى بدول البريكس. ما هي دول البريكس؟ هي منظومة اقتصادية جديدة تتصدّى للمنظومة الكلاسيكية، لندن، باريس وواشنطن، حيث الدولار عملة أساسية.

هل يعرف المشاهد العربي أن أميركا مرهونة للصين، أن أميركا في حال دَين شديد للصين أنّ الصين منحت قروضاً وسندات بما يفوق 1250 مليار دولار؟ ميزانية بعض الدول العربية لا تتجاوز عشرة مليار دولار سنوياً. هل يعرفون أن الصين هي مَن تتحكّم بالدولار الأميركي ومن تتحكّم بالاقتصاد الأميركي؟

إذاً دول البريكس هي عملاق اقتصادي وقف مع سوريا، الدول التي تدخل في انكماش اقتصادي رهيب وهي باريس ولندن وأميركا وباستثناء ألمانيا، هذه الدول إذاً تريد حروباً، الحروب تجعل إمكانيات لعقود وعقود جديدة وبناءات جديدة وابتزاز دول كالسعودية وغيرها لتدفع عشرات وعشرات مليارات الدولارات وافتعال صراعات وهمية حتى لماذا؟ لأجل إمضاء عقود، لأن من ينقذ الأزمة الاقتصادية البنيوية الهيكلية هي ليست أزمة ظرفية عابرة هي الحروب.

لكن ثمة تغيّر كبير حدث، العالم تغيّر في دمشق، قلت ذلك في أكثر من وسيلة إعلامية والبعض لم ينتبه ربما لذلك، تغيّر، علم العلاقات الدولية تغيّر، الآن في جامعة جنيف، السوربون، باريس، أوكسفورد، هارفرد، أساتذة عِلم العلاقات الدولية يجب أن يغيّروا من محاضراتهم، نحن دخلنا في حرب باردة جديدة وواضحة بين منظومة البريكس والمنظومة التقليدية، لندن، باريس وواشنطن. حينما تتصدّى الصين كما قلت كل مرة بفيتو هذا يعني شيئاً كبيراً.

إذاً التدخّل العسكري الروسي في المنطقة في سوريا وحماية الأجواء السورية، من سنة 2013 تحرّكت حاملات الطائرات وتحرّكت الصواريخ لقصف دمشق مثلما قصفت بغداد وقصفت طرابلس، لكن هذه المرّة ليس فقط الفيتو الذي استخدمه الروسي والصيني الذي ردع، لا، التهديد العسكري الجدّي الميداني الروسي لأنه حتى حرب عالمية ثالثة ستندلع لو تم قصف دمشق. بالتالي، نحن أمام تغيّر العالم. على المُشاهد العربي أن يدرك أن عِلم العلاقات الدولية قد تغيّر فعلياً، لأن الصراع الأرميكي الصيني لا نحتاج إلى عشر سنوات، هذا الصراع بدأ فعلاً، هذا الصراع موجود فعلاً، وترامب فتح جبهة الصين وفتح جبهة المكسيك وفتح جبهة الاتحاد الأوروبي إلى آخره، عودة للحمائية الاقتصادية الأميركية، لأنّ أميركا في أزمة هيكلية بنيوية اقتصادية وليست أزمة ظرفية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رياض، دعني أعود إلى دمشق من فضلك.

دكتور عماد، أريد أن تعلّق على ما قاله الدكتور رياض صيداوي بشأن خارطة المستقبل، وأيضاً أريد أن تعطيني قراءتك للصراع الروسي الأميركي إلى أين سيفضي، الصراع أيضاً الأميركي مع بعض الأقطاب خصوصاً في الصين ربما، الهند إلى حد ما، وأيضاً مع جزء من العالم العربي والإسلامي، وثالثًاً مستقبل كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن في ضوء تشدّد ترامب وتلويحه بالسياسة العنصرية من فضلك.

 

عماد الشعيبي: واحدة واحدة كما يُقال يا دكتور لأن هذا لوحده يحتاج إلى لقاء كامل.

نبدأ في ما يتّصل بواقع الحال. منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وصولاً إلى عام 2000 تقريباً، كانت هنالك محاولة لأن يكون هنالك نظام بقطبية واحدة وهذا مخالف لطبيعة الأشياء. بعد ذلك نشأ ما نسمّيه نظام اللاقطبية، وفي هذه الحال تكون الأمور مائعة والكبير يصبح صغيراً والصغير يصبح كبيراً إلى حدٍ ما. اليوم دخلنا في عالم الكايوس او العماة أو الفوضى المنتشرة، وهي مرحلة لا تجعل هنالك إمكانية لتعيين طبيعة العالم وطبيعة الخطوة اللاحقة. هل نحن ذاهبون؟ هذا سؤال يطرح نفسه، وأنا ليست لديّ أيّة إجابة، ولا أعتقد أنّ هنالك أحداً لديه اجابة وإلا أنه يفكّر بعقل الحداثة، بعقل ما قبل ذلك بكثير. هل هم ذاهبون الآن إلى تفاهمات كاملة، بمعنى يالطا تقسّم وتحدّد النفوذ؟ هذا احتمال. الاحتمال الثاني أن تبقى الأمور على ما عليه إلى مرحلةٍ قادمة، لأنّك إذا أردت في هذه المرحلة أن تُحدِث تفاهماً روسياً أميركياً، فهذا يعني أنك تستبعد قوة كبيرة صاعدة صامتة حتى هذه اللحظة، وهي الصين، وتستبعد قوى موجودة اليوم على الأرض، وهي على سبيل المثال ألمانيا، وتستبعد أيضاً دول البريكس. هل هذه الدول جاهزة لعقد صفقة؟ أنا لا أعتقد حتى هذه اللحظة أنهم جاهزون لعقد صفقة. ربما تبقى هذه المنطقة، وأنا آسف أنني أقول ذلك لأن هذا يتصل ببلدي لسوء الحظ، ربما تبقى هذه المنطقة في حال ميوعة وفي حال حراك صراعي وساحة عمليات لسَبر القوى لبعضها البعض.

أيضاً، إذا أردنا أن نتحدّث عن آفاق ذلك، آفاق هذا الصراع مثلاً بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. الآن أسأل الأسئلة التي ما فوق الآنية. أولاً إذا كنت يا سيّد ترامب لا تريد أن تستنزف قواك، كيف ستذهب إلى بحر الصين وتبدأ صراعاً حول الجزر المُتشاطئة وغير المُتفق عليها مع كل من اليابان والفليبين وحتى فيتنام وغير دول في هذه المنطقة؟ إذاً أنت سوف تنفق مالاً وجهداً، وهذا سيعني العودة إلى المربّع الأول، وبالتالي استنزاف اقتصادك.

أيضاً، السؤال الأهمّ، إذا كنت تريد أن تحرّك مثلاً المناطق ذات البُعد الإسلامي في الصين لمحاولة تقويض الوضع في داخل الصين، هذه المناطق هي بالأصل ذات صلة إلى حد ما مع تركيا، ثمّ أنّك في هذه الحال، سيعني ذلك صداماً مباشراً مع جمهورية الصين.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

عماد الشعيبي: هذا أيضاً مُكلف لك. بمعنى آخر كيف تريد أن تبني دولتك لكي تستعيد قوتها وأنت تتنطّح لمعارك أكبر بكثير من المعارك التي كنت تريد أن تخرج منها، مناطق العراق وسوريا وغيرها، وأيضاً تقول بأنك تريد أن تستبعد نفسك من المناطق المتّصلة بالنفط لأن لديك النفط والغاز الصخريين؟

كلّ هذه القضايا هي محض تساؤلات، أنا الحقيقة لا أرى وضوحاً في الاستراتيجية الأميركية. الأميركيون اليوم يتلمّسون، كالطفل الذي يقترب من المدفأة، وكلّ مرّة يقول له أحدهم أُح انتبه، يوجد نار، وبالأخير يضع يده على النار لكي يحرق يده، وبعد ذلك يتعلّم. هم يتعلّمون بالتلمّس إذا أحببت، وهذه من طبيعة السياسة الأميركية.

أنا حتى هذه اللحظة لا أرى وضوحاً إلى أين ستذهب هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة، ولكن الأمر الأكثر أهمية هو الصراع الداخلي بين ترامب وبين الدولة العميقة، أعني المؤسسات الأمنية والاقتصادية، المؤسسات التي تسير بقوى العطالة وقوى القصور الذاتي التي لا تريد أن تتغيّر. هذا الصراع منعكساته خطيرة على أميركا وعلى العالم بأسره، هذا الصراع الذي يجب أن ننتبه إليه كثيراً. هم بدأت عمليات الكباش بينهما، الصدام بينهما بشكل واضح، طيّروا له فلاين، ووزير عدله، وبدأ هو الآن يساعده الروس بالفضيحة المتصلة بالمخابرات الأميركية والتجسّس على الأجهزة الإلكترونية وعلى الهواتف والتلفزيونات وغير ذلك.

الآن، أنت في معارك تتجاوز، هي متجاوزة للقوميات وللحدود، يتدخّل فيها الروسي بشكل واضح. نحن أمام لعبة تتجاوز مسألة السيادة، ومن المعروف في العالم أنّه بعد القطبية لا توجد سيادات.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عماد، فقط أذكّر أنّ التمويه أحياناً قد يكون استراتيجية أو ما يُسمّى باستراتيجية اللا استراتيجية إن صحّ التعبير للتمويه على الخصم.

دكتور رياض، استمعت إلى ما قاله الفاضل العزيز الدكتور عماد. ما الذي تضيفه؟ وأيضاً أشير إلى أنّ أميركا تتآكل داخلياً. هنالك القوة السوداء التي بدأت بالثورة على الولايات المتحدة الأميركية، صراع مراكز القوى داخل القرار الأميركي، دخول ترامب في صراع مع القضاء الأميركي أيضًا، بروز قوى بيضاء مُضادّة لسياسة ترامب العنصرية.

أين العرب في هذه المرحلة؟ لماذا لا يستغلّون هذا التذبذب الأميركي لتوحيد صفوفهم؟ كلّمني رجاءً عن مستقبل سوريا وإن كان الفاضل الدكتور عماد يرى أنّ سوريا لم يحن وقت الحل فيها بل ما زالت الميوعة قائمة.

كلّمني عن ليبيا، عن اليمن. هل مرحلة العمى الأميركي الآن أو البحث عن وجهة استراتيجية سوف يفاقم من أزمات المنطقة؟ وكيف يستفيد العرب إذا اتّحدوا طبعاً، ولن يتّحدوا، حتى يوم القيامة سيختلفون أمام ربهم، لن يتّحدوا، كيف نستغلّ الفرصة الآنية هاته دكتور رياض؟

 

رياض صيداوي: هو كما تعلم النسيج الاجتماعي الأميركي هشّ جداً. بالنسبة للعرب طبعاً ثمّة عرب وعرب، ثمة العرب، الجماهير، الشعوب التي تبحث عن ذاتها، عن كياناتها، التي حافظت على مبادئها، فلسطين وبوصلتها، وثمة طبعاً حكومات أغلبها لا تمثّل شعوبها، هي في جهة وشعوبها في جهة أخرى.

إذاً هذه لا يُعتمَد عليها، حكومات الجامعة العربية التي اجتمعت منذ حرب أوكتوبر 73، كلما اجتمعت لقصف بغداد واجتمعت لقصف طرابلس واجتمعت وأرادت ان تقصف أيضاً دمشق. إذاً لا نعوّل على هذه الفئة من الحُكّام. في ما بعد السياسة الأميركية كما قلت لك نسيجها الداخلي هشٌ جداً. نعم، أيّة إمبراطورية قوة منتشرة في كل أنحاء العالم لكن هذا لا يعني أنّ تركيبتها الداخلية هشّة، من الممكن أن صراعاتها الداخلية تطفو على السطح فتتفكّك من الداخل، هناك إمكانية حتى أن يحدث ذلك.

لكن في ما يهمّنا نحن في الوطن العربي، بالنسبة لسوريا أنا متفائل جداً، متفائل جداً، زرت دمشق عامي 2014 و2015، أول مفاجأة، كما زرت الجزائر سنة 98 في عمل إعلامي سياسي، أول مفاجأة أنّ الفرق الهائل بين ما نشاهده في التلفزيونات والواقع اليومي، مدينة جميلة نظيفة هادئة، أيضاً حتى لا نتأثّر بالبروباغندا أنا أعتقد أن سوريا خرجت من أزمتها وأن سوريا انتصرت. هناك أمر يجب أن نعرفه دائماً هو الديناميكية الداخلية للشعوب، من كان يتصوّر أن حُفاة عُراة ليس لديهم حتى أحذية بالكلاشنكوف أي الفيتناميون هزموا أميركا؟ تعرف حتى أميركا إدارة عقلانية براغماتية، دائماً تطرح سؤالاً، هل أخسر أم أربح؟ أين الربح؟ أين الخسارة؟ حينما أدركت أنها بدأت تخسر في فيتنام، بكل بساطة شديدة جداً وبعد سنوات ضارية وأكثر من 50000 قتيل، تركت الطائرات وتركت كل شيء وخرجت وتركت البلد من دون رجعة.

إذاً، هذه براغماتية أميركية لا بدّ من أن نراها، ننسى الديناميكية الداخلية للشعوب. الشعب السوري العظيم ينتصر، نعم، مهما حدث من تقسيمات ومفاوضات بين قوى عظمى في جنيف 1 و2 وحتى جنيف 5، ننسى الديناميكية الداخلية للشعوب، الديناميكية الداخلية للشعب العراقي، الديناميكية الداخلية للشعب الليبي لأن نظرتنا دائماً هي نظرة علاقات دولية، بنى وكأن من يتّفق أو يجتمع أو السفراء الذين يجتمعون يقرّرون مصيرنا. لا، ديناميكية الشعوب العربية لا يمثلها حكّام العرب في الجامعة العربية وهذا ما يتم تجاهله دائماً، يتمّ تجاهله عبر لقاءات دبلوماسية وعبر سياسات إلى آخره وفجأةً نصطدم بشيء اسمه المحلي، المحلي المُطلق، الديناميكية الداخلية، ما نُسمّيه الديناميكية الداخلية.

لهذا تحدث محاولات هائلة لاختراق العقل العربي، محمّد عبد الجابري حدّثنا عن بنية العقل العربي، العقل العربي يُخترق سينمائياً، تلفزيونياً، إعلامياً، مسلسلات، أغانٍ، موضة، ملابس، إلى آخره، لتدمير بنيته الداخلية.

العقل العربي في الأربعينات والخمسينات هو مواطن وطني واضح المعالم، نجحوا نسبياً أن وجدوا ليبيين وسوريين يكبّرون حينما تقصف طائرات الحلف الأطلسي منشآتهم الاقتصادي، الله أكبر، وجدوا بعض الثغرات نعم، لكن الديناميكية تستعيد نفسها فمن شارك بالثورة في ليبيا يتحدّث معي يقول الآن نريد أن نستعيد على الأقل سيادتنا إلى آخره.

لا، أنا متفائل بالديناميكية الداخلية للشعوب العربية والجماهير العربية لأنّ التاريخ أيضاً ليس انحطاطًا مطلقاً أو ازدهاراً مطلقاً، الانحطاط يا سيّدي يتبعه ازدهار، انحطاط الأمّة العربية والإسلامية تبعها إزدهار في الأربعينات والخمسينات والستينات، كل العرب قد رفعوا صوَر عبد الناصر وغيره.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رياض، سأذهب إلى دمشق.

دكتور عماد، الملفات الساخنة اليوم في العالم العربي، وهذا قطب رحى حلقتي، سوريا جرح نازف، في العراق لمّا تتّضح الرؤية بعد، هل هي تؤول إلى التقسيم، هل يمكن بلورة قيادة سياسية جديدة تجمع كل المكوّنات، ليبيا الله الله في ليبيا التي انتحرت وتقسّمت وتحطّمت وهي صارت نسياً منسيّاً، الجزائر تتعرّض لتهديد داعشي، تونس للأسف الشديد أيضاً. العالم العربي في المرحلة الترامبية إلى أين بدقّتك الاستراتيجية دكتور عماد؟

 

عماد الشعيبي: شكراً، تعقيب صغير، أنا لم أقل أنّ الوضع في سوريا ليس آيلاً إلى بعض الحلول، قلت بأنّ المسألة هي أكبر من مجرّد حل آني، يمكن أن يحدث حلّ خلال المرحلة القادمة، ولكن لديك عدّة مشكلات، لديك مشكلة القاعدة ومشكلة داعش، وهذا الأمر هو الذي سيفسح في المجال أمام مزيد من الصراعات، وأيضاً لا تنسى أن هنالك قوى اليوم دخلت، أصبحت على الأرض في سوريا، تركية وأميركية، وتبلور للعامل الكردي، وهذه كلّها هي أثر فراشة، أنا أقول، قد تؤدّي إلى نتائج ليست واضحة المعالم، وأنا أحيّي لدى ضيفك الكريم هذه الإيفوريا العالية من الآمال. هذا أمر جيّد لا بدّ منه.

 

يحيى أبو زكريا: جميل، صحيح.

 

عماد الشعيبي: لكن إذا أردنا أن نتحدّث إلى أين تسير الأمور، الحقيقة ترامب اليوم يسير في معركة جيوبوليتيكية كبيرة في المنطقة وفي العالم إذا أحببت، هو بالأساس يعتبر بأن هنالك مشكلة في هذا الظهور للإسلام السياسي الذي لا يمكن ضبطه، يقولون بشكل واضح نحن ليس لدينا مشكلة مع الإسلام، ولكنّ الإسلام هو بالنتيجة هو إسلام مع مشروع سياسي. إذًاً القضية ليست قضية إسلام بالدرجة الأساسية. يؤخذ بها هذه القضية الناس البسطاء بأشكال مختلفة.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

عماد الشعيبي: ولكن للحقيقة هي معركة جيو سياسية، هم يقولون بشكل واضح لا لُبس فيه بأن التمدّد الذي ظهر مع مشروع الخلافة، هذا الأمر هو الذي يشكّل بالنسبة لهم تحدياً، وبشكل واضح يقول فريدمان في "مستقبل الجغرافيا السياسية"، بشكل لا لُبس فيه، بأنه لدينا مشكلة مع هذا الإسلام الهمجي بين قوسين وفقاً لما يقوله، وبالتالي هم يعتبرون بأن في الولايات المتحدة وتحديداً ترامب بأن هنالك مشكلة جيو سياسية لأنّ عندما تقوم فئة ذات بُعد، تأخذ أيديولوجيا دينية مُعينة وتقول أنها تريد مشروعاً لدولة هذا أمر يمكن الأخذ والعطاء به، ولكن عندما تتحدّثون عن خلافة هذه الخلافة، تمتد على كل الدول في العالم ولا تُبقي ولا تذَر، وبهذه الحال هم يعتبرون بأن الأمر يشكل ما يشبه التحدّي الاستراتيجي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

هذا الأمر إذا أردت أن أناقشه في العمق أيضاً، مجرّد انبعاث فكرة الخلافة هذه تُسمّى في اللغة النمط العريق، هنالك شيء مُخزنٍ في اللاوعي الجمعي بين قوسين السنّي يتحدّث عن خلافة فُقِدت، كما تعلم بأن من تشكيل الخلافة الأموية إلى العباسية إلى العثمانية فسقوطها في مطلع القرن العشرين، هنالك في اللا وعي الجمعي، تساؤل عن أين ذهبت الخلافة الجامعة، هي كانت عنوانًا أيديولوجياً بالمعنى الديني ولكن كانت جامعاً سياسياً، كانت تعطي هوية سياسية بمعنى من المعاني، لم تكن هوية دينية. هذه كانت عناوين لمشروع سياسي، كلٌ استخدمه بطريقته، سواء الدولة الأموية أو الدولة العباسية أو حتى الدولة العثمانية التي لم يَزُر فيها أيٌ من الخلفاء مكّة ولم يذهب حتى إلى الحجّ إطلاقاً.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، صحيح.

 

عماد الشعيبي: هي كانت عناوين فقط بالمعنى السياسي وبالتالي القضية اليوم التي تُطرَح في الغرب والتي لها مدلول جيو سياسي كبير بأننا لدينا مشكلة تاريخيّة، حضرتك ذكرت هانتينغتون في "صراع الحضارات"، هو يتحدّث عن الفوالق الزلزالية أو الفوالق التي تشكّل عوامل لصراع الحضارات، الغرب لم يكن على فالق يتصل بالصين، كان على فالق مستمرّ دائماً مع منطقة شرق المتوسّط وامتداداتها، وهم يعتبرون بأنّ هنالك صراعاً بين هذين الجانبين، مرّةً انتصر فيه هذا الجانب ومرة انتصر فيه ذلك الجانب، وتلك هي الثقافة الأوروبية التي نُقِلت بالتالي إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهنا السؤال الذي يطرح نفسه. إذا كانت الآن المعركة هي مع مفهوم الخلافة وأنا دائماً أقول مفهوم الخلافة هو نمط عريق ومهم يحرّك ملايين البشر من أندونيسيا إلى فرنسا إذا أحببت.

الآن، إذا أنت قضيت على الكيان السياسي المتوقّع، هؤلاء الناس لديهم استراتيجيات، يتحدّثون عن إدارة توحّش، هذا من ناحية، عن ذئاب مُنفردة، ينشرونها في كل الأماكن، وبالتالي هم الآن بعد أن تقضي على الكيانات بالمعنى الحصري الجغرافي، أين سيكون، ما الذي سيحدث بالحاضنة، ما الذي سيحدث بما فُرّخ خلال السنوات الأخيرة في غياب الدولة الممسوكة في الدول، في المنطقة ككلّ، في العراق وفي سوريا على سبيل المثال، أين سيتم ذهاب هؤلاء، ألن ينتشروا في المنطقة وفي العالم؟

هذا هو الذي كنت أضع فيه تساؤلات حول النتائج المُترتّبة على الصراع الذي لم يكن مسؤولاً للأسف الشديد، عندما فكّروا بنظرية العماه الخلاّق، ويُترجَم خطأ الفوضى الخلاّقة، لأن الفوضى يمكن ترتيبها بينما العماه لا يمكن ترتيبه، وبالتالي هم كانوا يذهبون بالنتيجة النهائية نحو أن يخرّبوا بيوتهم وليس فقط بيوتنا. هم الآن نشروا ظاهرة خارجة عن الضبط، نشروها، تركوها لأنها تفلّتت من بين أيديهم، وبالتالي هذه الظاهرة لا يمكن الآن أن تُضبَط. كيف ستُضبط؟ أنت تتعامل مع بيئة حاضنة، بشر لديهم أفكار من هذا النوع وهي موجودة في محيطات ميدانية وحضارية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عماد داهمني الوقت. أخلص إلى ما ذكرته بأننا ماضون إلى المزيد من الأزمات المفتوحة، ويبدو أنّ الأزمة ستظلّ سمةً لراهننا العربي ولمستقبلنا العربيّ، بسبب غياب مراكز الدراسات. لمّا أعدمت النُخب الحاكمة دور المُفكّرين والمُثقّفين، كانت الزلازل، كانت البراكين، كانت الفيضانات، كانت الانهيارات، كانت الانكسارات.

الدكتور عماد فوزي الشعيبي من دمشق الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

الدكتور رياض صيداوي من جنيف، وأقول من تونس الحبيبة، شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.