إسلاميون...وبعد

برنامج حواري أسبوعي، يعنى بشؤون الجماعات الإسلامية منذ نشأتها الى حاضرها، مع استعراض لمشروع وعقيدة كل منها، دون إغفال المرور على الوضع الراهن، وأخذ وجهة نظر ضيوف الحلقات به.

دور الاحزاب الاسلامية في مواجهة الاستهداف الارهابي للمكونات العرقية والدينية

موقف الاسلاميين من استهداف المكونات الدينية والعرقية بإسم الإسلام. وما هي السبل التي يطرحونها لحماية المجتمع ولمواجهة مشاريع التقسيم في المنطقة. وما هو الخطاب الذي تتبناه في مواجهة الخطاب التكفيري.

المحور الأول

الفرز الديني والعرقي.
المحور الأول

محمد علوش: حيّاكم الله.

في فوضى الصراعات والحروب التي تضرب العالم العربي، قد يختلف المحلّلون حول أسبابها وأبعادها القائمة، لكنّ أحدًا لا ينكر أنّ تهجيراً عرقياً أو دينياً جرى وقد يجري، لا أحد من المتهمين يعترف بمسؤوليته عن ذلك، اللهم إلا تنظيم داعش، فما ارتكبه بحق بعض المكوّنات العراقية وثّقه هو بنفسه قبل أن يوثّقه غيره.

القلق اليوم بات مشروعاً. يُقال أنّ التهجير على أسسٍ عرقية أو مذهبية هدفه تهيئة البلاد والعباد لمشاريع التقسيم. هي مؤامرة غربية إذاً، أياً كان فاعلها، يردّد أغلبنا. لكنّ قلّة من الناس ترى أنّ الفرز الديني يعتمد غالباً على طروحاتٍ أيديولوجية مغلفة بمسوّغاتٍ دينية، وهو دائمًا ما يصاحب التيارات الجهادية المتطرفة.

فما هي صحة هذه الاتهامات؟ ولماذا يتمّ استهداف المكوّنات الدينية والعرقية باسم الإسلام؟ ما هو موقف الحركات الإسلامية؟ وما هي السبل التي يطرحونها لحماية المجتمع؟

يسرّنا أن نستضيف في هذه الحلقة القيادي في جبهة العمل الإسلامي الشيخ غازي حنينة، ومن عمّان سيكون معنا إن شاء الله مروان شحادة وهو الباحث في الحركات الإسلامية.

نرحّب بك فضيلة الشيخ، وأسأل ابتداءً في ما يتعلق، ما يُحكى الآن في وسائل الإعلام حول عمليات تهجير، عمليات تطهير عرقي وديني في بعض المناطق، هل تجدون أنّ هذا فيه نوع من المبالغة أم حقيقة هو قائم، نستدلّ بما حصل مع الدروز قبل بضعة أيام في إدلب على سبيل المثال، وما حصل سابقاً مع الأيزيديين في العراق، على ما قيل أنّه على يد داعش.

 

الشيخ غازي حنينة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين.

بداية أستاذي الكريم، أحيّيك وأحيّي ضيفك من عمّان، وأحيّي جمهور المشاهدين والمشاهدات في كلّ مكان تحيّة الإسلام. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

محمد علوش: وعليكم السلام.

 

الشيخ غازي حنينة: بداية، لي ملاحظة على هذا المصطلح المتداول إعلامياً والمتعارف عليه بالتطهير العرقي. هو ليس تطهيراً، هؤلاء الناس ليسوا، عفواً، نجاسات نريد تطهير الأرض منها. هم بشر خلقهم الله سبحانه وتعالى، يختلفون في المعتقدات، يختلفون في المفاهيم والأفكار، يختلفون في المواقف السياسية. هذا أمر لا خلاف عليه، ولكن أن نعتبر أنّ الخلاف العقدي أو الخلاف المذهبي أو الخلاف السياسي أو الخلاف الفكري مدعاة للقيام بمذابح جماعية وبعد ذلك عملية إجلاء قسري وقهري تقوم به مجموعات مسلحة من أيّ فئةٍ كانت ضدّ أيّ فئةٍ كانت، هذا أمر لا تقبل به شريعة الله سبحانه وتعالى ولا تقبل به حتى الشرائع القانونية الدولية حقيقة.

حقيقة عملية المبالغة في ذلك أو غير مبالغة، لا، الأمور واضحة، الإخوة المسيحيون في العراق هُدِمت كنائسهم الموجودة منذ مئات السنوات على أيدي قوم جاؤوا يرفعون رايات تحمل عناوين إسلامية، الإخوة الشيعة في العراق أيضًا، حتى السنّة في العراق أيضًا لم يسلموا من أذى أولئك الناس الذين اختلفوا معهم في الموقف السياسي أو اختلفوا معهم في الفهم لطبيعة العمل الذي يقومون به، أضف إلى ذلك الإخوة الأزيديين، وعندما نقول إخوة، هم إخواننا في الإنسانية، نعم، قد نختلف معهم في المعتقدات في بعض المسائل أو في أصول الدين، أمر لا نخفيه نحن، نحن نقول نحن نختلف مع الإخوة المسيحيين في أصل المعتقد، نختلف مع الإخوة الأزيديين في أصل المعتقد، نختلف مع بعض الإخوة المسلمين في تفاصيل العقيدة مثلاً، في تفاصيل الفقه، أمر لا لبس فيه، ولكن أن نعتبر أنّ هذا الخلاف مدعاة للقيام بكلّ هذه المجازر الدموية والإجلاء القسري من مناطق وتهديم أماكن العبادة عند غير المسلمين، حتى عند بعض المسلمين لانها تُعتبَر بنظر هؤلاء القوم مساجد ضرار كما يصنّفونها، هذا أمر لا أعتبره مقبولاً من الناحية الشرعية ولا مقبولاً من الناحية القانونية.

 

محمد علوش: اسمح لي فضيلة الشيخ، نرحّب بالأستاذ مروان شحادة الباحث في الحركات الإسلامية. مرحباً بك أستاذ مروان.

 

مروان شحادة: مرحباً بك وبمشاهدي قناة الميادين وبضيفك الكريم من لبنان.

 

محمد علوش: حيّاكم الله. دعني أسألك ابتداءً، حضرتك متخصّص في الجماعات الإسلامية المتشدّدة، أو الجماعات الجهادية المتشدّدة، الآن أغلب ما يُنسَب من عمليات قتل أو تهجير على أسس عرقية أو مذهبية هو لجماعات توصَف بأنّها تعتنق خلفية إسلامية أو تحمل أيديولوجيا إسلامية، على سبيل المثال تنظيم داعش في العراق أو جبهة النصرة في سورية. تقديركم، ما مدى دقة وصحة بالفعل أنّها هي أصبحت ملاصقة لهذه الجماعات أينما حلّت؟

 

مروان شحادة: على ما يبدو أنّ الجماعات الإسلامية ليست على وتيرة واحدة في التعامل مع الآخر، فهناك فرقٌ كبيرٌ وشاسعٌ ما بين سلوك تنظيم الدولة الإسلامية وبقية الفصائل التي يحلو لها أن تسمّي نفسها وتصف نفسها بأنّها جهادية. بالفعل، هناك فارق كبير، جبهة النصرة على سبيل المثال ربما تتعامل مع الأقليات أكثر ليونة، مع البيئة الحاضنة أكثر ليونة، ولكن في المستوى العام تنظيم الدولة الإسلامية أو تنظيم ما يُعرف إعلامياً وأمنياً باسم داعش، هذا التنظيم يتشدّد في التعامل مع الآخر بشكل عام، سواء كان مسلماً أو كان نصرانياً أو كان درزياً أو كان شيعياً، أو كان يختلف معه، بمجرّد أن يكون الشخص لا يقوم بمبايعة زعيم هذا التنظيم يتمّ استهدافه والحكم عليه بالردّة وإحلال دمائه وماله وعرضه. لذلك نعتقد أنه ليست كلّ التنظيمات الإسلامية على وتيرة واحدة، بل هناك تجاوزات وهناك تشدّد وغلو وتعصّب لدى بعض الجماعات وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في التعامل مع الآخر، إذ يستندون في هذا التعامل إلى معياري الإيمان والكفر بالدرجة الأولى، وإلى الولاء والبراء بالدرجة الثانية، ويقسّمون العالم على اعتبار دار إسلام ودار عهد ودار كفر، ولكن أنا أعتقد أنّ دار العهد ضائعة في تقسيماتهم للعالم، لأنّ كما هو معروف الأرض التي يقطنها أغلبها مسلمون تعتبر من دار الإسلام، ولكنّهم يطلقون على النظم السياسية الإسلامية والعربية قاطبة على اعتبارها نظم مرتدّة وأنّها نظم طاغوتية، وأنّ راياتها عامية.

 

محمد علوش: لنستلم طرف الخيط أستاذ مروان، وهو حديث حضرتك، وهو يتحدّث طبعاً الأستاذ مروان عن بعد أيديولوجي أو تأصيلي بالمفهوم الشرعي لدى هؤلاء، وهو مفهوم الولاء والبراء وتقسيم البلاد إلى مناطق، إلى دار حرب ودار إسلام، وأنّ دار العهد غير واضحة المعالم لدى هؤلاء. هناك نجد رؤية أخرى تقول أنه لا، هو عمل استخباراتي، واختراقات حصلت داخل هذه التنظيمات وحاولت أن تشوّه الإسلام من الداخل. أنتم في الحركات الإسلامية فضيلة الشيخ كيف تقرأون مثل هذا الفعل؟ هل بالفعل هناك أصول إسلامية تسمح لهؤلاء بإيجاد مسوّغات تأويلية تفضي إلى هذا التطرف والجنوح أم أنه فقط إعطاء لباس ديني لفعل غير مقبول إنسانياً بالدرجة الأولى؟

 

الشيخ غازي حنينة: مسألة أنّ هنالك خروقات أمنية أو استخباراتية لهذه المجموعات، هذا حقيقة أمر لا وزن له ولا اعتبار له، على أساس أنّ النهج المعتمَد عند هذه المجموعات الإرهابية التكفيرية هو نهج استئصالي وإقصائي بحق كلّ من يخالفهم حتى أنّ الأخ الكريم من عمّان أشار إلى مسألة فريق من الناس لا يبايع الخليفة. يا سيّدي الكريم، أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تخلّفت عن بيعته مجموعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم يقطع رؤوسهم أبا بكر ولم ينكّل بهم أبا بكر ولم يرتكب بحقهم أيّ مجزرة ولم يعمل على إقصائهم أو طردهم من داخل المدينة المنورة، على ساكنها الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام. أما هؤلاء القوم، فمسار عملهم منذ بداية تشكيلهم ومنذ بداية تحرّكهم، لعلّ ربما المرحلة الأولى كما حدّثني أحد الإخوة السوريين من منطقة الرقة، قال أنهم عندما دخلت عليهم داعش في أول الأمر كانت القضية دعوة إلى الله ومحاربة المنكرات كشرب السيجارة وحلق اللحى وبعض التفاصيل الجزئية، وإذ بهم عندما تمكّنوا أطاحوا بكلّ من كان حولهم وكلّ من يخالفهم وكلّ من لا يوافقهم على أفكارهم وعلى مبادئهم وعلى أدائهم وسلوكهم. أما عملية التفاوت، ليعذرني الأخ الكريم من عمّان، ودعنا نستذكر ذاكرتنا وننشّط ذاكرتنا سويًا في هذه الجلسة، أنّ ما يسمّى بجبهة النصرة لفترةٍ من الزمن كانت لا تختلف في أدائها وفي سلوكها مع داعش، ثمّ استبان الأمر لمشغّليها أنّه لا بدّ من إظهارها كطرفٍ معتدلٍ على الساحة السورية بالذات، ولذلك بدأت جبهة النصرة بعمليّة إعادة قراءة أوراقها من جديد ومحاولة غسل ثوبها الملطخ بدماء الآخرين من جديد لتقديمها كطرف محارب كما يصنّفونها للنظام، معتدل وخالٍ من كلّ الشوائب الدموية التي تجري على الساحة السورية. ولذلك، نقول أنّ ما يمكن أن يعتمده أولئك القوم من مصادر تشريعية، نعم، هنالك بعض التشريعات أو دعنا نقول هي ليست تشريعات، هي آراء فقهية من بعض الاتجاهات، ما يمكن أن نسمّيه بغلاة السلفية أو غلاة الفقه الإسلامي المتطرف الذي لا يقبل الآخر.

 

محمد علوش: مثل من فضيلة الشيخ؟

 

الشيخ غازي حنينة: الأمر لا يخفى على أحد، هنالك آراء عند المجموعات الوهابية، عند السلفيين الوهابيين الذين لا يقبلون بالآخر، ولا يعترفون بالآخر ولا يقبلون بوجود الآخر. طبعاً تقول لي كيف يمكن أن يكون ذلك وهم الذين يتعايشون مع كلّ المجموعات الوافدة على أراضي دول الخليج، أقول أنّ هنالك شيئا وهنا شيء آخر، هنالك يُقبَل الإنسان الآخر ويُتعامل معه ويُستقبَل ويعطى إجازة عمل ويعطى إقامة ويُعطى حق العمل على أراضي دول الخليج، وأما هنا فإنّ الآخر يجب طرده وقتله وتهجيره وسفك دمائه وسبي نسائه وهتك أعراضهم.

 

محمد علوش: ترى الخلفية السلفية أو الوهابية هي شيء واحد لا تختلف بين سلفية علمية وسلفية جهادية.

 

الشيخ غازي حنينة: هنالك إدارة عليا لهذه المجموعات تديرها، أنتم مهمّتكم أن تبنوا المعاهد لتخرّجوا لنا من يحمل هذا الفكر، سواء كانوا خطباء، أئمّة، مفكّرين، مثقفين، أو طلاب ينطلقون في الأرض، وأنتم دوركم أن تحملوا السلاح، فلا أنتم تعيبون على هؤلاء ولا هؤلاء يعيبون على هؤلاء لأنّ المشغّل فوق هو واحد.

 

محمد علوش: طرحت أكثر من نقطة فضيلة الشيخ. أعود إليك أستاذ مروان، لأنطلق من نقطة أيضًا حضرتك تحدّثت بها قبل قليل، وهو أنّ هناك فروقات حتى داخل هذه البيئات، وضربت مثالاً في ما يتعلق بجبهة النصرة قياساً على داعش، مع أنّ ما قامت به قبل أيام أو يومين أو ثلاثة أيام في إدلب لا يكون بعيداً عمّا ترتكبه داعش في أماكن أخرى. هناك من يقول أنّهما لا يختلفان، جبهة النصرة وداعش، في كثير من الأمور إلا الأمور السياسية والخلاف حول هل يصحّ هذا الخليفة أن يكون خليفة وهذه الدولة أن تكون خلافة ليس أكثر. تقديرك، هل هو خلاف بالفعل في الرؤية السياسية أم خلاف في المضامين بين الطرفين وينعكس بالفعل في التعاطي مع الأقليات أو المكوّنات غير المسلمة داخل المناطق التي يسيطرون عليها؟

 

مروان شحادة: في الواقع، أنا أعتقد أنّ الخلاف يتعدّى الخلاف في المواقف السياسية إلى خلاف في المضامين، في تأويلهم للآيات والأحاديث النبوية في فهم الواقع، في التعامل مع مرحلة ما يسمّى بالنكاية إلى مرحلة التمكين، الانتقال من ولاية الحرب إلى الولاية العامة، هذه الخلافات جوهرية تتعلق بمسائل فقهية وربما يكون على رأس من أفتى بعدم إجازة أو جواز أو شرعية خلافة البغداد كان أبو محمد المقدسي أحد منظري هذا التيار وكذلك أبو قتادة، ومحمود أبو عمر، وكذلك اللجنة الشرعية في حركة طالبان باكستان أيضًا أصدرت كتاباً يتعلق بدحض هذه الخلافة. أنا أتفق مع الشيخ حنينة من بيروت أيضًا في ما ذهب إليه بأنّه مطلوب دور لتلعبه جبهة النصرة، ربما إلى حدّ كبير كلامه دقيق، لأنه بالفعل يُراد من اللقاء الأخير لأبو محمد الجولاني أن يتمّ إثبات أنه لا بدّ أن ينحى نحو الاعتدال، أنه حركة إسلامية معتدلة، لكي تكون بديلاً عن تنظيم الدولة الإسلامية من ناحية، ومن ناحية لكي تكون هي لمرحلة ما بعد الأسد التي يحاك لها ويخطط لها. أنا أعتقد أيضًا أنه كان مطلوباً منها أيضًا أن تفكّ علاقة الارتباط التنظيمية مع تنظيم القاعدة المركزي بزعامة أيمن الظواهري، ولكن يبدو أنّ الجبهة أصرّت على بقائها كما هي. أظنّ أنّ الخلافات المتعلقة بالإمارة والولاية العامة والمواقف السياسية تختلف، ولكن أيضًا أتفق مع الشيخ من بيروت بأنها بالفعل هي تنتمي إلى ذات المدرسة، وأنّ الخلافات ربما كانت على المسائل التي ذكرنا بعضها، وعلى الزعامة وغيرها من المسائل الفقهية في تأويل الأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

 

محمد علوش: أستاذ مروان، ضيفي في الاستوديو الشيخ غازي يقول أنّ كلّ هؤلاء يخرجون من عباءة واحدة، أي لا يوجد بحسب ما نعرف نحن ممّا يقوم به بعض الباحثين أو الباحثين المتخصّصين أمثالك في ما يتعلق بالحركات الإسلامية، تحديداً السلفية، إلى تقسيمها إلى سلفية علمية، سلفية جهادية، سلفية حركية، سلفية قطبية، إلى ما هنالك من هذه الأنواع. هو يقول كلّها سلفية واحدة، وهناك مشغّل واحد هو من يقول لهؤلاء اعملوا هنا كذا واعملوا هنالك كذلك. فهل تقرأ بالفعل أنّها هي تنبع من مصدر واحد بتأويلات مختلفة أم أنّها تطبيقات مختلفة بأوامر واحدة كما يقول ضيفي هنا في الاستوديو؟

 

مروان شحادة: الشيخ غازي ربما أصاب في أنّ مصادرها التشريعية واحدة من حيث العلماء، من حيث الفتاوى، من حيث الكتب، من حيث مصادر التشريع، ولكن لا بدّ من أن أشير إلى أنّ هناك أيضًا خلافات في طلبة العلم أو العلماء الذين يعودون فيها لفتاواهم وإلى الكتب التي يرجعون فيها، وعلى رأسهم على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن حنبل، إلى أن يصلوا إلى الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن أنا أعتقد أنّ هناك من العلماء المعاصرين تدخّل أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، وكذلك تدخل أبو عبد الله المهاجر، وغيرهم من الفقهاء أو من طلبة العلم الذين أصدروا بعض الفتاوى وبعض الكتب. على كلّ حال، الشقّ الآخر، أختلف مع الشيخ بأنّه لا توجد خلافات ما بين السلفية العلمية أو التقليدية كما تسمى كالحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية وفي الأردن، الحركة الألبانية أو أتباع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني المحدّث رحمه الله، وكذلك في الكويت وفي اليمن من السلفيات التي تتداخل ما بين العلمية والإصلاحية، الخلاف الجوهري ما بين هذه السلفيات هو في استراتيجيات التغيير، هو في موضوع نظرتها إلى الحاكم أو وليّ الأمر على اعتبار أنّ السلفية العلمية هي مكمّلة للسلطة السياسية، كما في السعودية، هناك سلطة دينية متمثلة بالحركة الوهابية وسلسلة أتباع وأنصار وذرية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهناك سلطة سياسية متمثلة في آل سعود، فبالتالي كلّ سلطة من السلطات الدينية والسياسية تعطي شرعية للآخر، على اعتبار أنّ وليّ الأمر يكمل الآخر.

 

محمد علوش: جميل، حتى لا نبتعد قليلاً لو سمحت لي، أنا آسف على المقاطعة، في ما تبقّى لديّ من وقت قبل أن أذهب إلى فاصل، أعود إلى ضيفي في الاستوديو الشيخ غازي حنينة، لأسأل في ما يتعلق بهذه الجزئية. تقديركم، وكنت أريد أن أسأل في ما يتعلق بالخلفيات التي ينبع منها هؤلاء أو ينطلق منها هؤلاء في عملية التهجير والإقصاء التام لكلّ ما هو مخالف أو لكلّ من هو مخالف. نحن نتحدّث هنا عن مكوّنات أخرى، أقليات دينية وعرقية موجودة في مجتمعاتنا، فسيفساء متنوّعة في هذا المجتمع، هذا العمل الآن الذي يجري سواء كان في سورية أو في العراق، وفق هذه الجزئية فضيلة الشيخ، هل تراه أنه في بعده سياسي أم ديني؟

 

الشيخ غازي حنينة: قبل أن نجيب على السؤال، أنا أحبّ أن أؤكّد على مسألة، وهذه حقيقة هي مدخل خطير يُدخَل من خلاله على عامة المسلمين من شبابهم وشاباتهم ونسائهم ورجالهم وجمهور المسلمين، وبالأخصّ أنا أعني به الجمهور السنّي في البلاد العربية والإسلامية. أنا أعرف أو أعتبر أنّ الذي يختلف مع طرف آخر يعلن خلافه ويعترض على أداء من يعلن خلافه معه وهذا أمر علمياً معتبر بين الناس وبين العلماء، ولكن عندما أرى أنّ جمهور السلفيين مجتمعين حالهم أو مثلهم كمثل قومٍ استولوا على مبنى، ففريق جلس في هذه الغرفة وفريق جلس في هذه الغرفة وفريق جلس في تلك الغرفة وهكذا، وكلّ فريقٍ من الأفرقاء هؤلاء توزّع في مهمّةٍ تعنيه في الجهة التي يطلّ من خلالها، والدليل على ذلك أنّهم يؤدّون مهامًا متباينة تصبّ في مشروع واحد هو تفجير الساحة الإسلامية التي أمضينا دهراً من أعمارنا ولا أقول عن نفسي فقط وإنما هناك آلاف آلاف العاملين في الحقل الإسلامي بذلوا من أوقاتهم ومن عرقهم ومن دمائهم ومن راحتهم ومن أموالهم وصُبّت أموال أغنياء المسلمين وفقراء المسلمين على هذا العمل الإسلامي طوال ما يقارب الخمسين عاماً ثمّ جاءت هذه الخمس سنوات الأخيرة ليتمّ القضاء على هذا الإنجاز الذي عمل وسهر عليه آلاف المسلمين من شباب الدعوة الإسلامية ومن علمائها ومن شيوخها ومنهم من سقط شهداء.

 

محمد علوش: هل أفهم من كلامك فضيلة الشيخ أنّ عمل هؤلاء هو لضرب أسس الحركات الإسلامية ولتشويه صورتها؟

 

الشيخ غازي حنينة: نعم، وللقضاء على هذا الإنجاز الذي أرعب المشروع الغربي في البلاد العربية والإسلامية. العالم الأوروبي في أواسط التسعينات أجرى دراسة وبحثاً تفصيليًا عن العمل الإسلامي والتيار الإسلامي بكلّ مفرداته، الحركة الإسلامية، عندما نتكلم عن كلمة حركة إسلامية نعني فيها كلّ العاملين في الحقل الإسلامي من كتّاب القرآن الكريم مع احترامنا وتقديرنا لمدرّس القرآن الكريم للذي يتبوّأ موقع سلطة سياسية في المجتمع أو إمامة مسجد أو قضاء، أدركوا أنّ هذه الحركة، أنّ هذه الحالة الإسلامية أو هذا التيار الإسلامي يومها هو في تزايد، لأنّ جلّ أبنائه هم من أعمار الشباب، فلو بقوا على ما هم عليه، هؤلاء لهم تأثير في مسار الثقافة العربية ومسار الثقافة الإسلامية.

 

محمد علوش: وبالتالي ما الذي حصل؟

 

الشيخ غازي حنينة: الذي حصل الآن أخرج إلى الشارع وانظر ما هي ردّة الفعل على هؤلاء، على الالتزام الديني في مجتمعنا.

 

محمد علوش: عدنا إلى نفس الإشكالية فضيلة الشيخ. هل هو صنيعة غربية أم مضامين إسلامية أوّلت تأويلاً دفعتها نحو التطرف. دعني أسمع منك الإجابة بعد فاصل إذا سمحت لي.

فاصل قصير مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.


المحور الثاني

على ماذا تستند التيارات الجهادية المتطرفة بتشريع التهجير الديني والعرقي لبعض مكونات المجتمع.
المحور الثاني

محمد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا، ومع ضيفنا هنا في الاستوديو فضيلة الشيخ غازي حنينة وهو قيادي في جبهة العمل الإسلامي، ومعنا من عمّان الكاتب والباحث في الحركات الإسلامية الأستاذ مروان شحادة، أجدّد به طبعاً الترحيب.

وأعود إليك فضيلة الشيخ لأسأل، قبل الفاصل كنّا نتحدّث، وقاطعتك بسؤال، هو في ما يتعلق، نحن أمام إشكالية، هل هؤلاء صنيعة غربية بامتياز تتخفّى بغطاء ديني أم أنّ هناك مضامين دينية تحتمل مسوّغات من مثل هذه المسوّغات التي تؤدّي في نهاية المطاف إلى إنتاج مجتمع مسلم مستقلّ لا يوجد فيه ما يدعو إلى الاختراق كما يقول بعض المؤرّخين أنه كان أغلب من تورّط في تدمير الدولة الإسلامية كان مكوّنات غير مسلمة داخل هذا المجتمع، هذه إحدى المبرّرات التي يوردها هؤلاء في أفعالهم التي يقومون بها؟

 

الشيخ غازي حنينة: بعجالة، لغاية أواخر التسعينات وقبل أحداث 11 أيلول التي حصلت في نيويورك، كان الجو الإسلامي العام يحمل تيارين، التيار الإسلامي المتوازن الذي كانت تعبّر عنه جماعات الإخوان المسلمين في الأقطار العربية والإسلامية بهذا الفكر المتوازن الذي يتعاطى بواقعية على أسس شرعية انطلاقاً من كتاب الله ومن سنّة رسول الله ومن أقوال الأئمّة المعتبرين عبر تاريخنا الإسلامي، وكان هناك تيار سلفي أيضًا يمضي في ساحتنا العربية والإسلامية يعبّر عن مفاهيم وعن أفكار منطلقها أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام ابن قيم( الزوجية) وهذه المدرسة التي تمخّضت وتولّدت أخيراً بما يمكن أن نسمّيه مذهب الإمام محمد بن عبد الوهاب. هذا الجو حقيقة كان موجوداً. بهذا الجو، كان هنالك أناس متعجّلون، متسرّعون، يريدون الوصول، يريدون تحقيق الأهداف. هؤلاء الذين تسرّعوا ويريدون تحقيق الأهداف عملت أجهزة عربية وأجهزة دولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لتوظيفهم في عملية مواجهة الاتحاد السوفياتي على أرض أفغانستان، وأذكر بيومها أنّ الطائرات كانت تنطلق من مصر مدفوعة الأجر من دول خليجية تحمل الشباب العرب المسلمين والإسلاميين من أقطار عربية وإسلامية باتجاه أفغانستان، ويومها كانت شوارع مكة والمدينة تضاء بالأنوار، ادعموا جهاد المجاهدين في أفغانستان. لمّا سقط الاتحاد السوفياتي وانتهى الاتحاد السوفياتي وانهزم من أفغانستان، تحوّلوا إلى مطارَدين هؤلاء الشباب. أنا لست هنا في مناقشة صوابية أو خطأ، لكن أقول أنّ توظيف الطاقات الإسلامية من خلال مراكز أبحاث ومراكز استخبارات عالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أوجد لنا ما يمكن أن نسمّيه 11 أيلول، وكلّ الدراسات التي نتجت بعد تقريباً 15 سنة من ذلك الحدث تثبت الأصابع، أصابع الموساد الإسرائيلي وأصابع الـCIA الأمريكية وغيرها من مجموعات المافيات العالمية بتوظيف هذا الحدث من أجل الدخول على الساحة الإسلامية والدخول على المجموعات الإسلامية في الأقطار العربية، توجيهها باتجاه ما تريد الولايات المتحدة الأمريكية.

 

محمد علوش: جميل. هناك مقاربة أخرى أريد أن أسألك عنها أستاذ مروان وهي تقول أنّ كلّ ما نشهده الآن من حركات وانشطار داخل البيئة الجهادية، هذه الجماعات المتشدّدة، هي في الأصل أتت من رحم الإخوان المسلمين حينما حصل التزاوج بين فكر الإخوان وفكر السلفية على أرض أفغانستان، وبالتالي هي إسلامية خالصة تمامًا لا دخل للآخر بها. هل تقديركم أنّ هذا بالفعل فيه شيء من الصحة أم هناك فروقات حقيقية وإذا كان هناك فروقات، هل في داخل الحركة الإسلامية الأم التي هي جماعة الإخوان المسلمين ما يوحي بشيء من عملية الإقصاء للآخر المختلف معه مذهبياً ودينياً؟ 

 

مروان شحادة: ربما أتفق في جزئية تتعلق بأنه بالفعل معظم الحركات الإسلامية خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، ومتبعات الإسلام السياسي كما يطلق عليها هي في الأصل جاءت للردّ على مقولتين، الأولى على سقوط الخلافة على اعتبار أنّها تسعى لاستئناف الحياة الإسلامية، وإعادة الخلافة كشوكة وبيضة تحمي شوكة المسلمين، ولكن المقولة الثانية أنّها للردّ على العلمانيّة والليبرالية ومقولات الإلحادية واليسار والاشتراكية وغيرها من مقولات بعيدة عن الدين. أنا أعتقد أنه بالفعل، معظم هذه الحركات خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسها الجماعات الجهادية. هناك مفهوم في الخطاب المؤسّس لخطاب الحركات السلفية الجهادية، وهو مفهوم توحيد الحاكمية، والذي يعني أنّ أيّ مشرّع غير الله سبحانه وتعالى ويحتكم إليه البشر هو تشريع كفري، لذلك لا تؤمن السلفية الجهادية وأنصارها بأنّ الديمقراطية هي الطريق الصحيح، ولا تؤمن أيضًا بأنّ البرلمانات هذه إنما هي برلمانات كفرية كما تطلق عليها. لذلك، أنا أظنّ أنّ من الأعمدة الرئيسية للمفاهيم المؤسّسة للخطاب السلفي الجهادي هو مفهوم الحاكمية وتوحيد الحاكمية الذي انطلق على يد الجماعة الإسلامية في مصر ابتداءً، ثمّ جماعة الجهاد الإسلامي، ثمّ بقية الجماعات السلفية الجهادية التي شكّلت ما يُعرَف باسم الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين والنصارى عام 1998 على يد أسامة بن لادن. أنا أظنّ أنّ هذه الجماعات مضموناً وسلوكاً هي جماعات إسلامية بحتة وليست صنيعة الغرب. ربما أتفق مع الشيخ غازي في جزئية ذكرها أنّه بالفعل تمّ استخدام ما يعرف باسم الحزام المحمدي إبان الاحتلال السوفياتي لأفغانستان وتمّ زجّ الشباب في الدفاع عن المياه الدافئة ومنع وصول الاتحاد السوفياتي أو الخطر الاحمر كما كان يُطلَق عليه للوصول إلى المياه الدافئة في دول الخليج، وبالفعل كان محرقة لكثير من الشباب الإسلامي، ولكن المتتبع لمسيرة الحركات الجهادية في أفغانستان وما تلا أفغانستان، أنه بمجرد أن سقط تواجد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان بات هؤلاء الشباب مطلوبين لبلدانهم وتشكّلت ما يعرف باسم لندنستان وبدأوا باللجوء إلى أوروبا وإلى لندن وإلى أمريكا، بحيث أصبحوا مطاردين ومطالبين إلى عام 1998 لحين ما تشكّلت هذه الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين عام 1998.

 

محمد علوش: جميل. قبل أن أعود إلى الشيخ غازي إذا كان لديه تعقيب حول ما ذكرت بما أنه حصل نوع من وجهات نظر مختلفة إلى حدّ ما، دعني أسأل في جزئية لا بدّ أيضًا من النقاش فيها، وهي ما الأسس التي يتمّ اعتمادها داخل هذه البيئات الجهادية المتشدّدة في ما يتعلق بالتعامل مع المكوّنات غير المسلمة أو المختلفة معهم مذهبياً مثل المذاهب الشيعية؟ هل يبنى على أساس قيام الدولة حتى تستقرّ الدولة الإسلامية كما يورد هؤلاء أنه لا بدّ من أن تكون هناك البيئة نظيفة تمامًا من غير المسلمين حتى تستطيع حماية هذه الدولة وتستقرّ أم أنه بالأساس ينطلق من قاعدة أنه لا بدّ من قتال المختلف معه على اعتبار أنه إما مرتدّ وإما كافر؟

 

مروان شحادة: لا شكّ أنّ التشريعات المتعلقة في مرحلة النكاية أو الجهاد تختلف عنها في مرحلة التمكين أو الدولة. مرحلة الثورة لدى الفقهاء المعاصرين والقدماء أيضًا تختلف عن مرحلة التمكين والشوكة للدول. لذلك، أنا أعتقد أنّ المنطلق الذي ينطلقون إليه الآن في عبارات الحرب المختلفة هي على اعتبار أنّ الأقليات يُعامَلون وفق النصّ القرآني، إذا ما كان نصارى يجب أن يدفعوا الجزية في حال وجود دولة أو إمارة إسلامية، ويُخيّرون ما بين الإسلام أو دفع الجزية أو القتال أو الهجرة، فبالتالي هم يستندون إلى التراث الإسلامية ولا أحد يمكن أن ينكر ذلك، هذه مسألة مبتوت فيها لدى الفقهاء القدماء والمعاصرين، ولكن في ما يتعلق بالمذاهب الأخرى، أيضًا كما هو معروف أنّ هناك فتاوى متشدّدة تتعلق بالتعامل مع الآخر وبخاصة المذاهب الشيعية، عبر التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر لا يتمّ ابتداء القتال ولا يجوز قتال أيّ شخص على اساس مذهبه لأنه هو من أهل القبلة وهو من المسلمين ولا يجوز تكفير أيّ شخص لاعتناقه مذهباً معيّناً، ولكن إن أتى بقول أو فعل مكفّر يتمّ تكفيره وقتاله، وإن ابتدأ بالقتال يتمّ قتاله.

 

محمد علوش: جميل. حضرتك تتحدّث في الأصول، الأعمال القتالية وما يعرف بأحكام القتال وأحكام الجهاد، ولا أظنّ هذا يطبَّق بهذه الطريقة لدى هذه الجماعات فضيلة الشيخ، صحيح أم لا؟ بأيّة حال من الأحوال نستطيع أن نقول هذه معاملة أهل ذمّة كما يقولون؟

 

الشيخ غازي حنينة: أنا أحترم الأخ الكريم وعلمه وثقافته إلا أنه دعنا نتكلم بأفق مفتوح ولا نغلق الباب وراءنا عندما ننهي أيّ فكرة من الأفكار. على سبيل المثال أن يقول أنّ قضية الجزية أمر مبتوت، يعني وكأنه أمر مقطوع به. لا، عندما نرجع إلى كتب العلم.

 

محمد علوش: هو يقصد فيه نصّ.

 

الشيخ غازي حنينة: عندما نرجع إلى كتب العلم مع قداسة الآية، ونحن نجلّها ونحترمها ونضعها فوق رؤوسنا، إلا أنّ فقهاء المسلمين حتى من سيرة رسول الله.

 

محمد علوش: ربطوها بشرط.

 

الشيخ غازي حنينة: هنالك من تكلم عن فريق من النصارى أسقطت عنهم الجزية وهم كانوا من نصارى الجزيرة العربية، ولذلك قضية المفاهيم الفقهية الآن دعنا نتوقف عندها، أنا لا أقول إعادة قراءتها من جديد وكأنني أريد أن أنسخ الفقه الإسلامي، حاشى أبدًا، وإنما الفقه الإسلامي مدرسة واسعة نستطيع من خلالها أن نبني واقعنا الإسلامي على أساسها من دون أن نضرب عرض الحائط كثيراً من القضايا التي لا يجوز أن نتعرّض لها. على سبيل المثال أنا هنا أناقش مع الأخ الكريم، أنا أذكر مرّة المجمع الفقهي الأوروبي، وكان سماحة الشيخ فيصل رحمه الله أحد المؤسّسين له، جاء بدراسة.

 

محمد علوش: الشيخ فيصل مولوي.

 

الشيخ غازي حنينة: مولوي رحمة الله عليه، نعم، جاء بدراسة حول مسألة هل يجب أن يُفسَخ عقد الزواج بين من تدخل في الإسلام ويبقى زوجها على النصرانية، قالوا أنّ فتوى أهل الغرب يومها أن تبقى المرأة حفاظاً على الأولاد وحفاظاً على البيت وإلى آخره واستدلّوا بآراء لعلماء ولتابعين ولبعض الصحابة الذين جاؤوا بأقوالهم. ما أريد أن أقوله، أن نهوّل على بعضنا البعض في عالمنا اليوم ونقول أنّ هؤلاء القوم هم يريدون إعادة بناء الخلافة من جديد والدفاع عن حياض الإسلام والحفاظ على الشخصية الإسلامية، لقد نسخوا شخصيتنا الإسلامية للأسف وأضاعوا صورة الإسلام البراق الناصع وأظهروا الإسلام بطريقة جد بعيدة عن صورته الحقيقية وأعطوا للعالم، حتى العالم العربي وحتى العالم الإسلامي، صورة مفزعة عن هذا الدين الذي ما جاء إلا بكثير من المعاني الكريمة الطيّبة. نعم، نحن حملنا السيف كمسلمين عندما شعرنا بالخطورة على أنفسنا، ولكن عندما يصبح السيف وسيلة نذبح بها الآخرين ونقطع رقاب الآخرين ونشوّه أيادي وأرجل الآخرين ونبقر بطون الآخرين، لم يعد السيف في محلّه الصحيح بل خرج السيف عن غمده وأصبح في خدمة المشروع الشيطاني في منطقتنا العربية والإسلامية.

 

محمد علوش: أستاذ مروان، لا أدري إذا كنت تتفق مع الشيخ غازي في ما يقول أم تذهب مذهب من يقول أنه لا، هؤلاء يعتمدون على أصول وأصول ثابتة وموجودة في الفقه الإسلامي واعتمدها حتى بعض العلماء مثل حديث جئتكم بالذبح على سبيل المثال، وحديث كيفية تعامل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع اليهود في الجزيرة العربية حتى يستتبّ أمر الدولة. تقديركم، إذا كان الخلاف إلى هذه الدرجة لدى هؤلاء والقلق أيضًا في التلقي والأصول واعتماد فقط أصول محدّدة لديهم، كيف يمكن البناء والتواصل لإقناع بخلاف ذلك وفقاً لما يقوله الشيخ أنه نوع من التحريف للنصّ الشرعي وليس التزاماً به؟

 

مروان شحادة: من المعروف أنّ مسألة الاجتهاد من الممكن أن تصيب وتخطئ، فلا شكّ أنّ هناك انحرافات في الفهم والتأويل لكثير من النصوص، أنا أتفق مع الشيخ غازي في هذه المسألة، ولكنني أختلف مع الشيخ غازي أيضًا بأنّ هؤلاء شوّهوا صورة الإسلام. من يطبّق الإسلام هذه الأيام؟ هل هو إسلام الاعتدال الذي يوصَف؟

 

محمد علوش: أي لم يشوّهوا صورة الإسلام أم يطبّقونه بلون، عفواً على المقاطعة، حتى أفهم منك، أستاذ مروان، هل لم يشوّهوا صورة الإسلام بمثل هذه الأفعال تعتقد أم ترى أنّ في الإسلام شيئاً من هذا القبيل؟

 

مروان شحادة: أنا أعتقد أنّ الإسلام كمؤسسة عظيمة أو كبنيان عظيم لا يمكن أن يشوَّه بفعل مجموعة لا تمثل الإسلام، لا يمكن أن  تمثل حركة إسلامية معيّنة الإسلام بعظمته، بشموليته. لا شكّ أنّ هذه الجماعة إن قامت بسلوك ينعكس على ذات الجماعة، ولكن الإسلام كإسلام، كدين، هو مستهدَف من قبل الصهيونية العالمية ومن قبل الامبريالية العالمية، وهناك حالة توحّش ضدّ الإسلام والمسلمين. ما تشهده أروقة أجهزة الاستخبارات العالمية وكذلك وسائل الإعلام العالمية يدلّل على ذلك. لذلك، حتى لا نقع في هذه المصيدة ونكون منساقين وراء التنظيم الإعلامي الذي تقوم به الصهيونية العالمية وكذلك الامبريالية العالمية من الولايات المتحدة وأوروبا أيضًا، أنا أظنّ أنه لا بأس إن كان هناك تجديد للخطاب الإسلامي، وأن يُرَدّ على الناس الغلاة والمتعصّبين والمتشدّدين من قبل أمثال طلبة العلم والعلماء أمثال الشيخ غازي، لا بأس في ذلك، لاننا نحن في حاجة ماسة هذه الأيام إلى بالفعل تجديد الخطاب الإسلامي، ونحن بحاجة أيضًا إلى إعادة الاعتبار إلى العلماء الأفذاذ بعيداً عن فقهاء السلطان، لأنّ الإسلام الذي يمثله فقهاء السلطان أيضًا غير مقبول، كما تعلم أنه أصبحت الفتوى تفصَّل بحسب ما يريده الحاكم.

 

محمد علوش: نحن هنا أمام إشكالية جديدة أستاذ مروان.

 

مروان شحادة: هناك بحث عن هوية إسلامية جديدة ترضي الغرب، ليس هكذا هو الدين، لذلك أنا أعتقد بالفعل بعض الحركات الإسلامية أو التي تنتمي إلى الحركات الجهادية هي حركات أليفة لم يشهد التاريخ مثل هذه الحركات وضربت عرض الحائط القيم والأخلاق الإسلامية في حالات السلم والحرب.

 

محمد علوش: لكن وضعتنا أمام إشكالية، وهي أنه، طبعاً سأترك لك التعقيب بكلّ تأكيد فضيلة الشيخ، لكن دعني أطرح السؤال وهو كالآتي، فشلت الحركات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة في إقناع الجمهور وإقناع الناس بمشروعها، وهناك أيضًا مشروع آخر وهو ما يسمّيه فقهاء السلطان وما يسمّيه البعض فقهاء السلطة، وهم الذين يبرّرون للحاكم فعل أيّ شيء. لم يجد الشباب إلا اللجوء لهذه الجماعات التي تحاول أن تبرّر بعض الأفعال بهذه الطريقة العنفية. برأيك، هل يقع جزء من المسؤولية على الحركات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة والتي هي كانت الرائدة في طرح المشروع الإسلامي؟

 

الشيخ غازي حنينة: لنكن صريحين، نحن في 2015 الساحة الإسلامية بكلّ مفرداتها هي غير الساحة الإسلامية في 2010، وليس موضوع حلقتنا هذا البحث، وإنما أريد أن أؤكد على مسألتين في توضيح مسألة. ذبح العشائر السنية في العراق ألا يشوّه صورة الإسلام السنية، حتى لا يخرج الآن عليّ أحد ويقول لي هؤلاء مسلمون وهؤلاء غير مسلمين وهؤلاء مشركون وهؤلاء غير مشركين.

 

محمد علوش: هم سمّوهم صحوات مرتدّين، أباحوا قتلهم كمرتدّين.

 

الشيخ غازي حنينة: على أساس ماذا قالوا عنهم مرتدّين؟ خلاف سياسي.

 

محمد علوش: يتعاونون مع الاحتلال.

 

الشيخ غازي حنينة: خلاف سياسي. الخلاف السياسي ليس مدعاة لذبح الناس ولقطع رؤوس الناس. الذي ينادي بالخلافة يا سيدي يحافظ على ثوابت الخلافة التي يريد إعادة مجدها من جديد. عام 1912، كانت الخلافة الإسلامية ما زالت قائمة، وكان على رأسها السلطان عبد الحميد الثاني رحمة الله عليه، ويومها تمّ توقيع ما سُمّي بشرعة حقوق الإنسان، والتي تضمّنت الكثير من المبادئ التي لا تخالف دين الله سبحانه وتعالى، التي لا تخالف دين الله عز وجل، حتى في ما يتعلق بقضايا الرق وقضية بيع العبيد أو ما يمكن أن نسمّيه، يومها وقّع الخليفة العثماني على هذه الوثيقة، وهنالك قاعدة شرعية تقول أنّ حكم الحاكم لا يبطله أيّ حاكمٍ من بعده، والدليل على ذلك أنّ توقيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على وثيقة تأمين النصارى في بيت المقدس مع بطريرك النصاري رضي الله تعالى عنك يا عمر، يومها هذا حكم شرعي نحن ملزمون به لنصارى بيت المقدس أن يبقوا في كنائسهم وأن يبقوا في معابدهم وأن يبقوا كسكان أصليين لمدينة القدس ردّها الله سبحانه وتعالى علينا بإذن الله عزّ وجل. لذلك، أقول.

 

محمد علوش: باختصار فضيلة الشيخ.

 

الشيخ غازي حنينة: هنا حكم حاكم وهنالك حكم حاكم، فكيف نُسقِط حكم الحاكم ببيع الأزيديات بمئة دولار للواحدة؟ حكم الحاكم يقول لا يجوز بيع السبايا أبداً وإنما يبادلون أو يُرَدّون أما أن يُبادَلوا بعد هذا التوقيع فليس لأحد ولا لفقيه ولا لسلطان ولا لحاكم أن يبطل ذلك الحكم الذي أصدره الخليفة العثماني.

 

محمد علوش: أشكرك فضيلة الشيخ غازي حنينة وأنت حضرتك قيادي في جبهة العمل الإسلامي، كلّ الشكر والتقدير لك، وأشكر من عمّان الأستاذ مروان شحادة الباحث في الحركات الإسلاميّة.

كما أشكركم مشاهدينا على حسن المتابعة، وإلى اللقاء.