أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

بين فتاوى التحرير وفتاوى التفجير

الأصل في وجود الإسلام وقيامه هو البناء لا الهدم, التكامل لا التناقص, الإحياء لا القتل, تقديس الروح البشريّة لا إمتهانها, حرمة الدماء والأموال والأعراض لا إنتهاكها, إقامة العدل وتحقير الظلم, ولم يحتط الإسلام في شيئ مثلما أحتاط في الدماء وجعل إزهاق الروح الواحدة كإزهاق أرواح البشر جميعا, ولم يشرّع الإسلام التعدّي على الآخرين اللهمّ إلاّ بمقدار الدفاع عن الأرض والعرض وحتى في حالات الدفاع عن الأرض والعرض هناك مجموعة شروط يجب الإلتزام بها منها حرمة التعدي على النساء والأطفال وحرمة قطع الأشجار وإلحاق الرعب بالآخرين. فلماذا تركت فصائل القتل والإرهاب الجهاد في فلسطين المحتلة, وتوجهت لتخريب الأوطان العربية والإسلامية, وفلسطين محل إجماع بين العرب والمسلمين والأحرار في العالم, فلماذا لا يدعى إلى نفير عام صارم وحاسم وحازم لتحريرها من ربقة الإستعمار والإحتلال الصهيوني.. أما آن الأوان أن تنطفئ الفتن في العالم العربي والإسلامي... ويتوجه العرب والمسلمون جميعا لإسترجاع أقصاهم الأسير.. وفي هذه اللحظة العربية والإسلامية الحرجة, والتي صنعت فيها آلاف الفتاوى لتخريب الأوطان والبلدان وتدمير البلاد والعباد في العالم العربي والإسلامي, وأطلق فقهاء معروفون فتاوى بقتل الجيوش العربية وكل من ينتمي إلى هذا النظام أو ذاك, يطلق فضيلة الشيخ محمد رشيد قباني مفتي الجمهورية اللبنانية السابق وفي ذروة الفتنة الكبرى فتواه الشهيرة بوجوب الجهاد لتحرير فلسطين, وقد حصر الجهاد في إسترجاع الأرض المحتلة, قائلا: "أجدد التأكيد في فتواي الدينية الشرعية أن فلسطين أرض عربية إسلامية احتلها اليهود الصهاينة عام 48"..

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكُمُ، وتقبّل الله أعمالكم.

كبّروا بالمفخّخات، وحوقلوا بالمتفجّرات، وحمدلوا بالناسفات، وركعوا بالمدمّرات، وسجدوا بالذبح والمقبّلات، وخرّبوا الأوطان والمجتمعات.

والله ليس هذا دين ربّ الكائنات، الأصل في وجود الإسلام وقيامه، هو البناء لا الهدم، التكامل لا التناقص، الإحياء لا القتل، تقديس الروح البشرية لا امتهانها، حرمة الدماء والأموال والأعراض لا انتهاكها، إقامة العدل وتحقير الظلم، ولم يحتط الإسلام في شيءٍ مثلما احتاط في الدماء وجعل إزهاق الروح الواحدة كإزهاق أرواح البشر جميعاً.

ولم يشرّع الإسلام التعدّي على الآخرين، اللّهم إلا بمقدار الدفاع عن الأرض والعرض، وحتى في حالات الدفاع عن الأرض والعرض، هنالك مجموعة شروط يجب الالتزام بها، منها حرمة التعدّي على النساء والأطفال، وحرمة قطع الأشجار وإلحاق الرعب بالآخرين.

عندما نتتبّع بالاستقراء والموضوعية العلمية والمنطقية كلّ مصادر المذاهب الإسلاميّة، نجد أنّها أجمعت على أنّ الجهاد لا يكون ضد المسلم أو المسيحيّ أو أيّ إنسان، ولكي يبرّر التكفيريون قتلهم وفسادهم حكموا بتكفير المسلمين والمسيحيين والناس جميعاً، ليسوّغوا قتلهم وقتالهم، والدافع إلى ذلك الهوى واتّباع الشيطان.

ففي الحديث حدّثنا أبو سلمة يحيى أبن خلف، حدّثنا إبن أبي عدي عن شعبة عن يعل إبن عطاء عن أبيه عن عبد الله إبن عمر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال "لزوال الدنيا أهون على الله من دم مؤمنٍ". فلماذا تركت فصائل القتل والإرهاب الجهاد في فلسطين المحتلة وتوجّهت لتخريب الأوطان العربية والإسلامية، وفلسطين محل إجماع بين العرب والمسلمين والأحرار في العالم؟

فلماذا لا يُدعى إلى نفيرٍ عام وصارمٍ وحاسمٍ وحازم لتحريرها من ربقة الاستعمار والاحتلال الصهيوني؟ أما آن الأوان أن تنطفئ الفتن في العالم العربي والإسلامي ويتوجّه العرب والمسلمون جميعاً لاسترجاع أقصاهم الأسير؟

وفي هذه اللحظة العربية والإسلامية الحرجة والتي صُنعت فيها آلاف الفتاوى لتخريب الأوطان والبلدان وتدمير البلاد والعباد في العالم العربي والإسلامي، وفي هذه اللحظة التي أطلق فيها فقهاء معروفون فتاوى بقتل الجيوش العربية وكل من ينتمي إلى هذا النظام أو ذاك، يطلق فضيلة الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني مفتي الجمهورية اللبنانية السابق وفي ذروة الفتنة الكبرى فتواه الشهيرة بوجوب الجهاد لتحرير فلسطين. وقد حصر الجهاد في استرجاع الأرض المحتلة قائلا "أجدّد التأكيد في فتواي الدينية الشرعية أن فلسطين أرض عربية إسلامية احتلها اليهود الصهاينة عام 48".

بين فتاوى التحرير وفتاوى التفجير عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش فضيلة الشيخ الدكتور محمّد رشيد قباني مفتي الجمهورية اللبنانية السابق.

مشاهدينا مرحباً بكُمُ جميعاً.

مبدئياً سماحة الشيخ تقبّل الله أعمالكم وقيامكم إن شاء الله.

 

الشيخ محمد رشيد قباني: منا ومنكم، سلمكم الله إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: وأريد أن أوجّه شكري الخاص باسمي الخاص إلى جنابكم على هذه الفتوى التي أعادت للعرب والمسلمين الأمل بأن هنالك من يصنع الفتاوى الحقيقية ويوقّع عن رب العالمين ما يجب أن يوقّع عنه.

قبل الغوص في هذه الفتوى التي أثارت جدلاً كبيراً في الساحة العربية والإسلامية، كيف كنتم تنظرون إلى واقع فتاوى الدم والنحر وقتال الداخل العربيّ والإسلاميّ؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا ونبينا محمّد رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن عمل بشريعته واهتدى بهداه.

ما يحدث الآن من فِتَن، ومنذ مدّةٍ لا بأس بها، ليست من أصل الأمّة ولا من قواعدها ولا من معتقداتها، بل هي من نوازع النفس الداخلية التي تدعو إلى الأنا وإلى الاستئثار، فكيف إذا استغل الأجنبي هذه النوازع ووظّفها في مواجهة الأمّة لبعضها، فإنّ أيّ عمل كبير وواسع من الفتن، خاصةً المؤذية والخارجة عن مبادئ وقواعد تعامل الإسلام مع المسلمين أنفسهم ومع غيرهم، هذه القواعد هي التي تحكم سلوك المسلم، فلمّا يخالف هذا السلوك هذه القواعد، فيعني أن هناك شذوذاً واستثناء وليس هو القاعدة، والأجنبي حينما أسقط الخلافة العثمانية التي استمرت أكثر من 400 سنة ولم تكن تستطيع أية دولة أجنبية أن تفرض أيّ رأيٍ على هذه الدولة التي كانت تمثل المسلمين في مرحلةٍ من مراحل التاريخ، كما كان الأمر قبلها أو يكون بعدها.

لذلك عملت الدول الأجنبية على إسقاط هذه الدولة لتخترقها وتدخل إلى داخلها، وبين شعوبها، عن طريق المؤتمرات والجواسيس، وهكذا كان لهم، ومنذ الحرب العالمية الأولى ونجاح دول الحلفاء فيها، دخلوا إلى البلدان العربيّة، دخلوا إلى قلب الأمّة وجاسوا خلال الديار، وقسّموا هذه المنطقة العربية أجزاءً، وجعلوا من مناطقها دولاً عديدة، وجعلوا بين مناطق هذه الدّول مناطق نزاع أو مناطق حدود حتى تنشغل الأمّة في أجزائها وفي أقسامها، وتلتفت عن نفسها وعن شعوبها أو شعبها الواحد.

فما يحدث الآن هو مرحلة تاريخيّة صعبة وقاسية، لا علاقة لها بالإسلام ولا توجيهه إطلاقاً، لأنّ كلّ ما يحدث من تقاتل ليس من توجيه الإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: هنا سماحة الشيخ، أنت ذكرت أن العامل الخارجي لعب دوراً كبيراً في توتير الأمن القومي العربي، لكن الذين أطلقوا فتاوى التفجير وتحطيم البلدان والمجتمعات عمائم، بعضها خرّيج الأزهر، بعضها خرّيج جامعات إسلامية معروفة، أي لم يكونوا غرباء عن هذه الأمّة عندما دعوا إلى الجهاد ضد الأنظمة والشعوب والأقليات وما إلى ذلك.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: هذه الفتاوى لا تضير الإسلام، خاصةً إذا كانت لا تتماشى مع قواعده ومبادئه، ولا تضير المعاهد التي تخرّجوا منها، ولا الأساتذة الذين درّسوهم، وإنما لنوازع النفس الداخلية والهوى الذي هو بالنفس وهو متعدّد بين البشر ومختلف بين البشر، هو الذي يعمل عمله، والأجنبيّ هو الذي يوظّف هذا الأمر كله ليتّجه هؤلاء الناس ويجمعهم في مجمعٍ واحد حتى ينطلقوا في فتنةٍ، وخاصةً الفتاوى التي كثرت، كثير منها يحثّ على الفتن، على القتال، على الجهاد، الجهاد مبدأ من مبادئ الإسلام لا نتخلّى عنه، ولا نخجل به أبداً.

ما معنى الجهاد؟ الجهاد هو بذل الجهد في الدفاع عن الدين وعن الأرض وعن الوطن وعن العرض وعن المال. كلّ الوزارات في الدول وأكثرها تسمّى وزارة الدفاع، يعني وزارة الجهاد، هي أكثر من دفاع، لأنّ الإنسان يبذل كل جهده في الدفاع، وليس مجرّد أنه موظف في جيش يقاتل، هو من نفسه يعطي المجاهد. لذلك لا بأس بهذه الكلمة التي يستنكرها كثير من الناس، الجهاد، الجهاد هي الدفاع عن الدين والأرض والوطن، فلمّا جاءت هذه الفتاوى الدينية المختلفة، وليس كل من يتكلّم هو من أهل العِلم، وأنا لا أدّعي هذا الأمر لنفسي، وإنما أنا أقل إنسان بين المسلمين في العِلم الذي تلقّيته.

 

يحيى أبو زكريا: لكن وفّقك الله وصوّبت في الاتجاه الصحيح وسأعود إلى فتواك لاحقاً.

لماذا كانت فكرة النفير العام موجَّهة إلى الداخل العربي؟ دائماً يُدعى إلى نفير عام ضد دولة عربية وإسلامية. لماذا لم يكُ النفير العام لفلسطين، وفلسطين الجهاد فيها واضحٌ وبيّنٌ؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: أنا لا أنتقد ولا ألوم أيّة فتوى جماعية كبيرة، واسعة، فلكلّ إنسان وجهةٌ هو مولّيها تبارك وتعالى. فكثيرٌ من هذا الأمر صحيح، وكثيرٌ منه أيضاً خطأ، فإذا كانت الأمّة اجتمعت على نفير عام، ينبغي أن يكون هذا النفير العام في وجه قضيتها الأساسية. القضية الأساسية ومشاكل العرب والمسلمين وهذه الأمّة كله من قضية فلسطين، فلسطين اسمها فلسطين وليس إسرائيل. الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية عندما قسّمت المناطق العربية وليس الدول العربية، لم يكن هناك دول، قسّمت المناطق العربية وجعلت من هذه المناطق دولاً، وجعلتها متناثرة في ما بينها، زرعت وغرست إسرائيل في فلسطين، إنكلترا كما هو معروف أو بريطانيا كانت مُنتدَبة من قبل الأمم المتحدة في ما يزعمون أنه لتأهيل أهل هذه المناطق لحُكم أنفسهم. فكانت منتدبة على العراق، على مصر، على الأردن، على فلسطين، لم تكن منتدبة على إسرائيل. لم يكن هناك في أعقاب الحرب العالمية وانتداب الأمم المتحدة لبريطانيا وفرنسا على المناطق العربية وإيطاليا في المغرب العربي، لم يكن هو انتداب على إسرائيل، الانتداب على فلسطين، ولكن في نهاية الانتداب انسحب البريطانيون من فلسطين ولم يسلّموها لشعبها وإنما سلّموها لليهود، وخاصةً إلى يهود وعد بلفور.

يهود وعد بلفور، هذا مصطلح ارتضيته لأنه يشير إلى يهود العالم الذين جاؤوا من آفاق العالم من دول مختلفة، لا يجمع بينهم لا قومية، ولا وطنية، ولا جنسية، كيف يأتي هؤلاء مجموعين ليحتلوا بلداً عربياً منذ آلاف آلاف السنين ويريدون أن يعودوا بالتاريخ إلى الوراء ويقيموا دولة؟ ساعدهم الأجنبي حتى يغرس هذا الجسم الغريب ليبقى له مدخلٌ واسع وعريض، والأجنبي ألهاهم بطريقة اللا وعي، للعرب، عن قضيتهم الأساسية وأشغلهم في قضايا أنفسهم، إما قضايا شخصية، حتى تكون شخصية أيضاً بين الرؤساء العرب أحياناً، إما شخصية وإما وطنية ولكن هي جانبية، ولكنها كلها تشغل عن فلسطين.

العرب اليوم، الآن، كلّهم، كلّهم، بلا استثناء، مشغولون عن قضية فلسطين. من الذي يتحدث اليوم عن فلسطين وفلسطين بلد عربي أصيل تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً؟ هل يرضى أي بلد عربي أو حكّام أي بلد عربي أو شعب أي بلد عربي أن تُحتَلّ أرضه ويقيم مع المحتل معاهدة سلام، في مصر، أو في الجزيرة العربية، أو في بلاد الشام؟ لا يقبل الشعب أن يتعاقد مع المحتل على البقاء، وإنما يعمل على تحرير وطنه، وكذلك الفلسطينيون اليوم هم يعملون على تحرير وطنهم فلسطين.

كل العرب اليوم مشغولون بمشاكلهم مع بعضهم، لا نريد أن نسمّي مسمّيات، كلّهم بلا استثناء مشغولون ببعضهم، إما بمشاكل حدود وإما بمشاكل أيديولوجية.

 

يحيى أبو زكريا: أو حروب داخلية.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: أو بمشاكل أنظمة أو بحروب داخلية، وهذه الحروب قد تكون حارّة، ساخنة، كما يجري اليوم، وإما تكون باردة على أساس المُناكفات والإساءات المتبادلة.

نحن نريد، وهذا لا يطعن بأحد، وإنما هذا مطلب كلّ أحد مخلص وصادق وأمين، نطلب ونتطلّع إلى قيادة عربيّة، إسلاميّة، واعية في الوطن العربي، حكيمة تعرف الأمور، ولكنها مهما كان لها علاقة بأيّ بلدٍ أجنبيّ، مهما كانت هذه العلاقات فهي علاقات تعاون وليست علاقات استعداء وطن على وطن وبلد على بلد ورئيس على رئيس، ولا يجوز أن يقبل أيّ رئيس عربيّ أو حاكم عربي إذا كان أميناً وإذا كان صادقاً وإذا كان وفياً وحاملاً للأمانة التي ائتمنها الله عليها وحمّله إياها شعبه، إذا كان قد حمّله إياها بديمقراطية صادقة وأمينة أيضاً بلا أي تزوير، عند ذلك ينبغي أن يكون عنصراً قيادياً في هذه الأمّة، ليس وحده، وإنما القادة ينبغي أن يكونوا قائداً واحداً، وإذا لم يكن فإن الأمّة سوف تلد قائداً مثل صلاح الدين الأيوبي مثلاً أو مثل سعد ابن أبي وقّاس أو مثل أي قائد تاريخي عربي ومسلم، وهناك قادة كثر، قادة جمعوا هذه الأمّة كلها من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض، فما المانع أن تكون؟

أنا أرى أنّ ما يحدث الآن حتى لو كان مليئاً بالدم وبالحريق وبالدخان، له نتائج سلبيّة كثيرة، ولكن النتائج الإيجابية أكثر، لأن هذا إيقاظ للنائمين، إيقاظ للغافلين، إيقاظ أيضاً لجميع الناس سواء كانوا متعلّمين أو غير متعلّمين، لا بد لنا من الخلاص. نحن ننشد الخلاص. الخلاص لا يكون إلا بقيادة والقيادة هي قائد.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، هنا شيخنا قبل الذهاب إلى فتواك الخاصة والتي جاءت في سياق لحظة عربية وإسلامية حرجة، لماذا بنظرك كانت فتاوى الدم أكثر من فتاوى التحرير؟ فتاوى الدم كان لها فضائيّات، كان لديها مليارات الدولارات، كان لديها أبواق إعلامية، تمكين سياسيّ، تمكين دبلوماسيّ، تمكين لوجستيّ، احتضان الاستكبار العالمي.

رأينا داعش والنصرة والقاعدة في الجزائر سابقاً، في تونس، في ليبيا، في سوريا، في العراق، في اليمن، في كل مكان، لكن لم نرَ هذه الفصائل في فلسطين. لماذا؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: هذه كلها في الوطن العربي منظمات يجنّدها الأجنبيّ، ولكن فلسطين والحمد لله ليس فيها فصائل مُجنَّدة لأجنبي، وإنما هناك خلافات بين الشعب الفلسطيني على الحلول، وهذه الحلول مرتبطة بالأجنبيّ.

الحلّ في فلسطين عندنا هو حلٌ واحد، ليس فتاوى الدم إطلاقاً المتناوئة، وإنما الحل الوحيد هو أن يعود يهود وعد بلفور من حيث أتوا هم أو آباؤهم، وسيأتي هذا اليوم.

 

يحيى أبو زكريا: إن شاء الله.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: وقد قلت هذا الكلام للسفير البريطاني وللسفير الأميركي تحديداً عندما كانا يزوران المراجع الدينية، وكنت في منصب الإفتاء. قلت للسفيرين الأميركي والبريطاني، لم يكونا مجتمعين مع بعض إنما كلٌ على حدة، ولكن الفكر واحد، قلت لكل منهما أنتم في الغرب وضعتم يهود العالم في موضع أصعب وأقسى من المحرقة التي أقامها هتلر لهم، إذا كانت على ما يقال إنها صحيحة أو أنه مشكَّكٌ فيها.

هنا وضعهم في فلسطين أصعب من المحرقة، لأنه سيأتي اليوم الذي يخيَّر فيه هؤلاء اليهود، يهود وعد بلفور، اليهود العرب لا بأس بهم، هم من فلسطين، يهود فلسطين ومسيحيو فلسطين ومسلمو فلسطين هم أبناء فلسطين، ولكن يهود وعد بلفور هؤلاء سيخيَّرون يوماً، إما أن يعودوا وإما أن يلاقوا مصيرهم هنا.

 

يحيى أبو زكريا: وحتى لا أقطع فكرتك، دعني أمضي إلى فاصل ثم أعود إليك مباشرة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع فتاوى التحرير وفتاوى التفجير، مع فضيلة الشيخ الدكتور محمّد رشيد قباني مفتي الجمهورية اللبنانية السابق.

سماحة الشيخ، كنت تتحدّث عن لقاءات بينك وبين السفيرين الأميركي والبريطانيّ، كلٌ على حدة، لمّا كنت مفتياً عاماً للجمهورية اللبنانية. فماذا كان يدور بينك وبينهما حول مسألة الحق الفلسطيني؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: خلال ولايتي للإفتاء في لبنان، على مدى 24 سنة، كنت في البعض منها بعد استشهاد مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد رحمه الله قائماً مقام مفتي الجمهورية لمدة ثماني سنوات حتى تم انتخابي مفتياً للجمهورية.

ولكن طوال هذه الفترة، كنت أقوم بمهام الإفتاء، وكنت أقابل أو يأتي إلى دار الفتوى للمقابلة عدّة سفراء، وأبرزهم الأميركي والفرنسي، لماذا أقول أبرزهم؟ لأنه كان يكون بيني وبينهم مناقشات حارة، حتى أنّ مرّةً رئيس الوزراء رفيق الحريري رحمه الله تحدّث معي، وقال لي إنّ السفراء الأجانب يشكونك إليّ.

 

يحيى أبو زكريا: تصوّر.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: قلت له أنا أعرف، قال لي وتعرف أيضاً؟ قلت له نعم، لأنني أعرف بماذا أتكلّم معهم، قال لي قل، وفي طيّات حديثي هنا أنا لم أخرج عن السياق، تحدّثت معه بما جرى بيني وبين السفير الأميركي والسفير البريطاني فذهل لأن هذا الكلام عادةً لا يتحدّث به أي مسؤول ديني أو عربي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: ولكن أنا أعتبر نفسي أنني مواطن عاديّ أمثّل الناس عامةً أمام المسؤولين، سواء كانوا وطنيين أو إذا كانوا أجانب، لا بدّ من أن أتحدّث مثل هؤلاء ولكن باللغة التي يفهمها أولئك الأجانب أيضاً.

 

يحيى أبو زكريا: ثم أنت في موقع مرجعية دينية، يُفترَض الاعتبارات الدبلوماسية والسياسية هذه من شأن وزارات الخارجية، رئاسات الحكومة، أما رجل الدين يجب أن يقول قولة الحق في وجه كائن من كان.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: نعم، فقال لي ماذا تقول لهم، وأكيد قالوا له ولكن ليس بالتفصيل الذي أقوله أنا، قلت له السفير البريطاني على سبيل المثال أول سفير بريطاني يتحدّث باللغة العربية كان من مدة 23 سنة، وأنا أعرف أول سفير أجنبي يتكلّم العربية لأنهم يقابلونني وأقابلهم في دار الفتوى.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: وكان يتحدّث بالعربية، قال لي ما رأيك بالسلام، قلت له السلام يا سعادة السفير في نظري واتفاقاته هي بمثابة حبّة مخدّر يعطيها اليهود والأجانب للعرب، حتى ما إذا مضت سنوات، وابتلع العرب حبّة المخدّر هذه وفعلت فعلها، وكان آخر هذا الجيل أو أول الجيل القادم، ضرب اليهود باتفاقات السلام عرض الحائط، وتقدّموا ليقيموا دولتهم من الفرات إلى النيل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: هذا هو السلام بنظري، وخاصة اليهود يتطلّعون إلى دولتهم الكبرى من الفرات إلى النيل، فهذه الاتفاقات في نظرهم مرحليّة، والعرب المغشوشون يعتقدون أنّها دائمة، ويقولون سلام دائم وعادل، وهذا كلام لا أساس له ولا صحة له ولا قيمة له في نظرنا، لا السلام ولا السلام العادل الشامل ولا السلام الدائم إطلاقاً. هؤلاء محتلون، وسوف يعزّزون احتلالهم ويتوسّعون، وإلا فكيف توسّعوا عام 67، هم نقضوا ما تم بينهم وبين العرب في معاهدات الهدنة عام 1948، فكما نقضوا الهدنة عام 67 كذلك ينقضون اتفاقات السلام في المستقبل.

فقال لي السفير البريطاني لا، هناك أمم متحدة، لا يستطيعون أن يقيموا دولتهم الكبرى وأن ينقضوا اتفاقات السلام، قلت له، للسفير البريطاني، ويسمع مني الرئيس رفيق الحريري ماذا حصل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: قلت له وهل تستطيع يا سعادة السفير أن تعدّد لي كم من قرارات الأمم المتحدة نفّذت إسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم؟

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: الجواب هو في السؤال، في سؤالي جواب، ولكن هو لم يتفطّن إليه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: لأنني قلت منذ قيامها، قال لا، قلت له إسرائيل لم تنفّذ إلا قراراً واحداً هو قرار إنشائها وقيامها، ولم تنفّذ غيره، بل إن كل القرارات التي تخالف إسرائيل، لا أقول ولو كانت مُعتدية بل هي مُعتدية دائماً، ولا قرار مر في الأمم المتحدة لأن الولايات المتحدة الأميركية أو أية دولة أخرى كانت تضع الفيتو على هذا القرار، فهي تستخدم العالم كله، إسرائيل ويهود العالم يستخدمون العالم بأسره ورؤساءه كلهم.

قلت له هل تعرف يا سعادة السفير ما معنى الخطين الأزرقين على علم إسرائيل، ما دمت تقول بأنها لا تستطيع أن تتوسّع، قلت له أحدهما يرمز إلى الفرات والآخر إلى النيل، إسرائيل حتى لو نزعت هذين الخطين الأزرقين عن علمها لن نصدّقها، لأنّ هذه أيديولوجيتها من الفرات إلى النيل، ولأنّها دولة محتلة، وتبقى محتلّة، والسلام لا يعطي شرعية للمحتل إطلاقاً وأبداً، هذا قلته للسفير البريطاني، وبنظري هذا السلام.

أما السفير الأميركي تحديدًا هو راين كروكر، عندما كان أطفال الحجارة في فلسطين في السنوات الماضية، هذا السفير الأميركي أبدى أسفاً ثعلبياً على موت هؤلاء الأطفال، وقال أليس مأساوياً أن يموت هؤلاء الأطفال؟ قلت له كيف يموت الجندي الشجاع المدافع عن وطنه في وجه المحتل، كذلك هذا الطفل هو في مرحلة الوعي ولو كان في أول سنواته، وهو هذا يقاتل أكثر من جنود جيوش الدول العربيّة اليوم، يقاتل اليهود المحتلّين حتى لو بالحجارة. هذا الكلام وجّهته لكروكر، فقال كروكر، ولكن هناك حق تاريخي، لاحظ، هو يتحدّث عن أطفال الحجارة ويبدي الأسى عليهم، وأنا جذبته إلى الموضوع الفلسطيني الأساسي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: قال لي ولكن هناك حق تاريخي، قلت له يا سعادة السفير إذا كنا نريد أن نتكلّم عن الحق التاريخي فأنت تعلم أنّ هناك أوضاعاً كثيرة ينبغي أن تتغيّر في العالم، وعلى سبيل الولايات المتحدة الأميركية، ليس للشعب الأميركي اليوم أي حق تاريخيّ، تاريخيّ، تاريخيّ في الولايات المتحدة الأميركية.

 

يحيى أبو زكريا: الحق للهنود الحمر، ضربته في مقتل، أصبته في مقتل.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: الحق للهنود الحمر، نعم، وأنتم حصلت عليهم إبادة كما تقوم اليوم إسرائيل بإبادة الشعب الفلسطيني رويداً رويداً، وخاصة اتفاقات السلام هي إبادة لروح الإيمان بالوطن وبفلسطين وإماتته في القلوب، ولكنه لن يموت هذا الحق التاريخي الذي هو فلسطين، لأن الله سبحانه وتعالى جعلها الأرض المقدّسة. ليست مقدّسة للذين يعبثون بها، وإنما مقدّسة للذين يقيمون قداستها، وهم العرب والمسلمون أهل هذه البلاد والأرض.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً لعلّك وطّأت لفتواك، أنت ترى أن الكيان العبري الصهيوني هو كيان قاتل، مجرم، غاصب، قتل أطفالنا، سلخ جلودهم، بقر بطون الأمّهات الحوامل، تاريخ من الإجرام والإقصاء والاستئصال في حق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، ولكم تجربة معه في لبنان، تجربة كبيرة، ولولا البندقية لما خرج هذا الكيان الصهيونيّ.

أريد أن أفهم، كيف تبادر إلى ذهنك إصدار فتوى مغايرة تماماً لمسارات الفتوى في العالم العربيّ، وكنتَ جريئاً بأن أعلنت ضرورة الجهاد من أجل تحرير فلسطين، وهي الفتوى التي لاقت ترحيباً كبيراً من قبل الشارع العربي والإسلامي؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: أولاً أنا شخصياً كإنسان عادي لم أدخل في حياتي ولا ذهنياً في أي مسار من مسارات الصراع مع العدو الإسرائيلي، إلا صراع تحرير فلسطين، وأنّ هذه أرض محتلة وأن هؤلاء محتلون كما كان الفرنسيون هنا أيام الانتداب أو البريطانيون، ثم نالت البلدان العربية استقلالها.

فهذه المسارات كلها، المسارات السياسية فيها خضوع، ربما للحكّام، لهم ظروفهم، لا أقول ظروفهم لأعذرهم إطلاقاً، وإنما لهم ظروفهم والضغوطات التي ترد عليهم، وربما من يكون هناك لا يعتبر هذه ضغوطات وإنما يعتبرونها تحت إسم تفاوض. ليس هناك تفاوض مع العدو المحتل، إلا التفاوض على أساس رحيله وتحديد المدة لانسحابه من الأرض، وإلا فالقتال الدائم. لذلك هذا كان معتقدي منذ زمن، أنا عايشت في 15 أيار عام 1948 وكان سنّي ست سنوات.

 

يحيى أبو زكريا: حفظكم الله إن شاء الله.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: أنا من مواليد عام 1942، أنا رأيت النساء الفلسطينيات والأطفال الفلسطينيين ولا أقول الرجال إلا بعض الرجال الكبار في السنّ، رأيتهم بجانبي، بجوار دار الفتوى عام 1948 في 15 أيار وما بعده، كيف هاجروا من فلسطين وجاؤوا، عشت أمامي كيف خرج الشعب الفلسطيني وكيف طردته إسرائيل وبريطانيا أيضاً من نفس فلسطين، كيف طُرِد، فكيف لا أجعل، لا يكون هذا معتقداً لي، وحتى العربي والمسلم في التاريخ الحالي والمستقبل هو عايش هذا الأمر، ليس من الضروري أن تعاين جميع أجيال الأمّة، أن تعاينه كما عاينته أنا أو عاينه الذين كانوا يعيشون في ذلك الزمن.

ففلسطين هي فلسطين، وتبقى عربيّة، وينبغي أن تعود، لا أقول لا بدّ من أن تعود، لا بد من أن نعيدها بالجهاد، بالقتال، والجهاد يستخدمه الأجانب كمصطلح عدائي، كمصطلح الإرهاب. الجهاد أعود فأقول، هو الدفاع عن الدين والوطن والأمّة، والجهاد ليس اقتحاماً للدول، وليس استيلاء على الدول، وإنما دعوة الإسلام كسائر دعاوى الرسالات، منها دينية ومنها غير دينية، ليس لها حدود في الأرض. الشيوعية ليس لها حدود في انتشارها في الأرض، قد تنتشر بين شعب انتشاراً قليلاً أو كثيراً، والاشتراكية أيضاً، حتى الديمقراطية، كل هذه الأمور تنساح والأفكار أيديولوجياً في العالم، وكذلك الإسلام، لذلك تجد اليوم هناك إقبال على الإسلام كثير، فأيضاً لذلك العقيدة، نحن لا نعوّل كثيراً على الحكّام، نعوّل على الشعوب وعلى الوعي العام للشعوب، لأن وعي الشعوب هو وعي الأمّة، الحكّام أفراد يزولون ويتغيّر الوضع، نحن نتمنّى أن يتغيّر إلى الأحسن، طالما أن يد الأجنبي في صناعة الحاكم في بلادنا وهذا أمر ظاهر ولا يستطيع أحد أن يقول، أي حاكم، أنه ليس للأجنبي دور قليل أو كثير من قريب أو بعيد، مواجهة أو مواربة في هذا الأمر. نحن نريد القائد العربي الذي ينبع من أرضه ومن وطنه ومن عقيدته.

لذلك أقول إنّ هذه الفتوى نابعة من عقيدتي، من إسلامي، من وطنيّتي، من عربيّتي، أن فلسطين لا بدّ من تحريرها، ولذلك دائماً كنت أفتي بهذا الأمر. أنا والحمد لله، لم يجرِ على لساني هذا كلمة سلام ولا على ذهني فكرة سلام مع اليهود، ويهود وعد بلفور المحتلين لفلسطين، ولا مرّة في حياتي إطلاقاً، ولا تحدّثتها مع أي سفير أجنبي ولا مع أي شخص أجنبي.

لذلك هذه الفتوى نابعة مني ومن ذاتي، وهذه فتوى كل العلماء لله سبحانه وتعالى، وأقول العلماء بالله، العلماء، كلّنا بشر، حتى أنا أخطئ وأصيب، ويصحّح لي غيري، وأنا أسرّ عندما يصحّح لي غيري، رحم الله أمرأ أهدى إليّ عيوبي. ولكن هناك من يأخذون هذه العيوب للتشهير، فالعلماء أيضاً يشهّرون بين بعضهم البعض، أما الإنسان، العلماء بالله سبحانه وتعالى الذين يأخذون عن الله، كيف يأخذون عن الله؟ يطيعون الله في ما أمر وينتهون عما نهى، كتاب الله عز وجل القرآن الكريم وسنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديثه الشريف، هذان الأصلان هما مصدر التشريع الأساسي عند كل المسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: هنا شيخنا، كيف نحوّل هذه الفتوى، وجوب الجهاد من أجل تحرير فلسطين، إلى ورقة عمل بين علماء الأمّة، علماء الله كما سمّيتهم، العلماء الربّانيين؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: علماء بالله.

 

يحيى أبو زكريا: العلماء بالله، نعم، الذين يخشون المولى عزّ وجل ويتّقونه، كيف السبيل لتعميم هذه الفتوى لجعلها واقعاً ملموساً في العالم العربي والإسلامي؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: لا بدّ من مواجهة الجميع، والعلماء أيضاً لبعضهم، لأنني لا أشكّك بالعلماء، ولكن ليس كل من وضع شاشاً أبيض على رأسه هو عالِم، لا تستطيع اليوم أن تميّز الناس بين العالم وبين غير العالم طالما هناك الشيخ يضع الشاشة البيضاء، ربما يكون متعلّماً أو غير متعلّم، ولكن هؤلاء عندهم أيضاً أمانة ووفاء، وهناك منهم من ليس عنده هذا الأمر، بقدر طاعته لله والتزامه بالله سبحانه وتعالى.

لذلك أقول، العلماء بالله، بمعنى عِلمهم بالله، ليس من عند أنفسهم، هم يتعلّمون ولكن يفتح الله عليهم، هؤلاء العلماء بالله، فهؤلاء ينبغي أن يتناصحوا، وتناصحهم ينبغي أن يكون تناصحاً أيضاً مع أولياء الأمور ومع الحكّام.

الأمّة لا تسير في طريقها الذي شقّه الله تعالى لها، ولا تسير في طريقها الذي وضعها الله على مبتداه، وهو أنه جعلها خير أمّة أخرجت للناس، ليس بواقعها خير أمّة ولا لأنها عرب ولا لأنها مسلمة، لأنها تطيع أمر الله، لأنها تقيم أحكام الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الرجل العالِم أو المتّعلم، وأنا إنسان مُتعلّم ولا أقول أنني عالِم، مُتعلّم لأنه دائماً ينقصنا من العِلم الشيء الكثير، يموت الواحد منا وينقصه من العِلم الكثير، فنطلب العِلم والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في الحديث وإن كان سنده ضعيفاً "اطلبوا العِلم من المهد إلى اللحد"، الضعيف ليس هو الموضوع والمكذوب.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: الذي هو في سنده ضعف في النقل فقط، دائماً الإنسان يطلب العِلم. فأعود فأقول، هذه الفتوى حتى تكون عامة وشاملة، ينبغي أن ينهض في كل بلد عربي، وأقول إسلامي، ولكن الآن النواة يكون في بلاد العرب. القاعدة والأساس هنا في بلاد العرب، كما انطلق الإسلام للعالم في بلاد العرب، يبقى الإسلام هو أساس بلاد العرب وإن كان جميع مَن في العالم كلهم في وحدة معه.

هذه الفتوى ينبغي أن ينهض العلماء بالله المخلصون، الصادقون، مع بعضهم، ويتحدّثون مع بعضهم جهاراً، نهاراً، مهما كان اتجاه الدولة التي تحكمهم، لا أقول أن يدخلوا في صراعات مع الدولة أو مع الحكّام، وإنما عليهم أن يقولوا كلمة الحق، ولكن بلا صراع، وهذا أغلب لأنّ الصراع بين الشعب وبين الحاكم يولّد نتائج مدمّرة في البلدان.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، وقد رأيناها.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: وقد رأيناها في العراق، ورأيناها في سوريا، وصحيح أن هناك من الحكّام من هو يخطئ ويغلط كثيراً، ولكن لا بدّ من أن تتدبّر الأمّة نفسها، لا أن تنفي نفسها على العلماء، لا أقول أن تكون هذه الفتوى لأن هذه ليست فتواي أنا فقط، هذه فتوى الدين أنا أنقلها فقط.

 

يحيى أبو زكريا: محل إجماع، هي فتوى إجماعية.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: هذا حُكم في الدين، فأنا أنقله من الدين ومن مفاهيم الدين، فعلى العلماء أن يتدارسوا في ما بينهم ويتفاهموا ليقيموا أمر الله في الإفتاء في هذا الشأن، وهي الفتوى أن فلسطين بلد عربي، الرومان كانوا محتلين له.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: والفرنجة، وأقول الفرنجة لأن الغربيين عندما جاؤوا بحملاتهم هنا هم الذين سمّوها حملات صليبية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: والبابا في روما هو الذي قال هذه حرب صليبية، ولكن العرب قالوا هذه حملات فرنجة.

 

يحيى أبو زكريا: فرنجة على العرب.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: الأجانب الغربيون هؤلاء، فهم سمّوا أنفسهم، فلماذا يستنكرون أو ينكرون اليوم المسؤولون اليوم هذه التسمية، هذه ليست تسميتنا، هم سمّوا أنفسهم الصليبية، والسبب بأنه حربهم صليبية، لماذا يكون كل مسيحي صليبياً؟ لماذا؟

الصليبي هو كالصهيوني، كما نقول هناك يهودية وصهيونية، كذلك هناك مسيحية وصليبية.

 

يحيى أبو زكريا: علماً أنه يوجد مسيحيون هم من الشرفاء من الأحرار وينافحون عن فلسطين وهنالك نماذج راقية جداً من المسيحيين المدافعين عن الحق الفلسطيني.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: يوجد مسيحيون سواء في العالم العربي أو في الغرب مدافعون عن فلسطين وقضية فلسطين للأسف أكثر من المسؤولين العرب.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: ولا ننسى رؤساء بعض الدول التي وقفت في الأمم المتحدة، وهي تخجل من العرب كيف يريدون أن يهادنوا هذا العدو المحتل، لأنهم في بلادهم حرّروها من الأجنبي.

 

يحيى أبو زكريا: هنا نستذكر الرئيس الفنزويلي الراحل هيوغو تشافيز، وفيديل كاسترو، وشخصيات كبيرة.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: أنا أشير إلى هؤلاء، لا أدري كيف سلك المسؤولون العرب هذا المسلك الخطير. هذه الفتوى التي هي حُكم الدين وليس حُكمي أنا، أنا ناقل، ينبغي أن يتدارسها في حُكم الدين الجميع، ربما البعض يقول هذا أمر مرحليّ، وغداً نقوى ونقضي على إسرائيل. هذا كلام. ينبغي أن تستمر هذه الشعلة، واليوم المجاهدون الحقيقيون فقط هم الفلسطينيون، جهاد شعب فلسطين هو الجهاد الحقيقيّ، لأنّهم يعيشون في قلب النار، في قلب الاحتلال يعيش هؤلاء، وكي تترجم هذه الفتوى إلى حقيقة، لا تترجم هذه الفتوى بأن ينهض أحد ويشكّل منظمة لتحرير فلسطين، شعب فلسطين كفاية، لا أقول المنظمات الفلسطينية، أقول شعب فلسطين.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: فهذه المنظمّات هي الشعب الفلسطيني، جزء من الشعب الفلسطيني، سواء كان مُنتظماً أو غير منتظم. الذي يموت هو الشعب الفلسطيني ولا يفرّق العدو الإسرائيلي في قصفه على فلسطين بين المُنظم في منظمة وبين الطفل الفلسطيني والشخص العادي الذي لا ينتمي لأية منظمة.

 

يحيى أبو زكريا: هنا تبقّى لي بعض الوقت فقط، أتمنّى أن تذكّرنا بالفتوى، نحن نقلناها عبر شاشة الميادين بالكامل، لكن هل كرّرتها بورك فيك لتستقرّ في أذهان المشاهدين؟

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: فتواي هي، أنّ فلسطين بلدٌ ووطنٌ عربيٌ خالص، والرومان كانوا محتلّين والصليبيون كانوا محتلين وعادت إلى عروبتها بعد التحرير، واليوم عاد إليها الاحتلال الإسرائيلي الأجنبيّ، ففلسطين بلدٌ عربيٌ إسلاميّ لشعبه المسلم والمسيحيّ واليهوديّ العربيّ، ففلسطين بلد عربي وينبغي أن نتمسّك بها وأن نرفض السلام، وأن نرفض كل هذه الاتفاقات، والدول التي تقول وبرّرت السلام بأنها تريد استعادة أرضها، يمكنها أن تستعيد أرضها من دون أي اتفاق سلام واعتراف بالعدو الإسرائيلي، أقول لا ولاية لأيّ بلدٍ عربيٍ آخر على فلسطين، ولا لأيّ رئيسٍ عربيٍ على فلسطين، ليقول أنا أريد أن أتّفق على موضوع يتعلّق بفلسطين.

فلسطين لشعبها الفلسطيني، ليس لشعبها الذي يعيش في فترة السبعين سنة أو الخمسين سنة أو المئة سنة، الجيل هو ستين سنة فقط، هذا هو الجيل الكامل، وإنما هو منتقَص، مزيد بالمواليد ومنتقص بالوفيات. فلسطين حتى ليست لجيل واحد يعيش اليوم أو جيل مضى، هي كلّ الأجيال.

إذاً لا ولاية لشعب فلسطين على فلسطين، فيتنازل الشعب الفلسطيني أو حكومته كما هي اليوم، بالسلام مع الأجنبيّ. الأرض ليست ملكه ولا ملك البرلمان ولا ملك الحكومة القائمة ولا ملك الشعب الفلسطيني اليوم، هي ملك الأمّة، أمّة العرب وأمّة الإسلام، وهؤلاء هم فقط وكلاء، وكلاء، والوكيل لا يستطيع أن يتصرّف بوجود الأصيل، والأصيل هو مستمر، هو هذه الأجيال. اليوم السلام يقطع الطريق على الشعب الفلسطيني في أجياله القادمة في أن يحرّر وطنه وأرضه وبلده، لا ولاية لأي رئيس عربي ولا لأي مسؤول عربي مهما كان أن يتّفق مع العدو المحتل لبلدٍ عربيٍ شقيق، فما بال هذا الرئيس العربي لو كانت بلاده محتلة؟ هل هو يتّفق مع الأجنبي على تقاسم وطنه مع الأجنبي؟ فكيف يتقاسم، فكيف يتّفق مع بلد أجنبي ومع دول العالم ومع اليهود على فلسطين أن يبقى فيها هؤلاء الأجانب؟ هذه الفتوى أنّ فلسطين عربيّة، إسلاميّة، لشعبها المسلم والمسيحيّ واليهودي العربي الفلسطيني.

 

يحيى أبو زكريا: والذين يريدون بيعها عليهم أن يقطعوا أيديهم قبل أن تقطع إن شاء الله. بوركت سماحة الشيخ وبوركت فتواك التي نتبنّاها، ويقيناً يتبنّاها كل العرب والمسلمين.

وحلقتنا وصلت إلى تمامها سماحة الشيخ.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: وأقول كلمةً واحدة أخيرة، وهي، أعود فأكرّرها، أنه لا ولاية لأي رئيس عربي أو شعب عربي أو حال عربية على فلسطين إطلاقاً، هي ملك الأجيال، ولذلك لا نساوم عليها، وكلّ اتفاقات السلام باطلة، والتي ستكون هي باطلة.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أحسنت.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: وينبغي أن يعتقد كل الشعب بإيمانه الديني أنها باطلة. لماذا لا ينهض أحد الحكّام العرب أو كلهم أو بعضهم ويكون قائداً مِقداماً وينادي بتحرير فلسطين؟ لا نرى واحداً من هؤلاء.

 

يحيى أبو زكريا: نسأل الله أن يُهيئ للأمّة رُشدها ويهديها سبُل السلام.

مفتي لبنان السابق سماحة الشيخ الدكتور محمّد رشيد قباني شكراً جزيلاً لك.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: أكرمكم الله.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه وتقبّل الله أعمالكم وقيامكم.

شكراً جزيلاً سماحة الشيخ.

 

الشيخ محمّد رشيد قباني: شكراً لكم وأهلاً وسهلاً.

 

يحيى أبو زكريا: بارك الله فيك.