أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الروابط بين السريان والآراميين وعلاقة السريانية بالعربية

السريان حضارة عالمية..كيف ولماذا؟ الروابط بين السريان والآراميين وعلاقة السريانية بالعربية. علومهم ومدارسهم والمكتبات والأدب والموسيقى والموشحات ودورهم في العهدين الأموي والعباسي..

 

غسان الشامي: مساء الخير. تاريخ الحضارة السريانية هو في مؤداه الأخير تاريخ الشعوب التي عاشت وتفاعلت وتقاتلت وتصدّت واندمجت وتقوقعت في هذا المشرق وهي حضارة ذهبت بعيداً إلى الهند وثم إلى الصين وعمّت فضائلها في العلوم والترجمة والمدرسة والمكتبات والتاريخ والجامعات وقيم الروح ، ووصلت إلى الغرب. تحت كل حجرة في هذا المشرق أثر سرياني، أسماء القرى والمدن واللغة المحكية آتية من والدة السريانية أي الآرامية. الغناء والموشّحات والأهازيج في الفرح والندب في الحزن أيضاً تنحدر منها، قدّسوها، حفظوا خزائن الأدب وأدباءها أوقدوا شعلة الإبداع ومترجميها نقلوا الفكر والمعرفة ومؤرخيها حفظوا لنا خارطة الزمان والحضور المسيحي في هذه البقعة الأمّ من التاريخ. ضيفنا الدكتور موسى مخّول متخصّص في كل هذا وفي المكوّنات الصغرى في المشرق إثنياً ودينياً. في هذه الحلقة سنقصر حديثنا معه على السريان وحضارتهم من خلال كتابه الموسوعي "الحضارة السريانية حضارة عالمية" على أن نذهب إلى المجموعات الأخرى في حوارات مقبلة، أولاً نعرّفكم به.  

تقرير:

وُلِد موسى مخّول في غزير عام 1938 ودرس في مدارس الآباء اليسوعيين في بكفيا وبيروت. نال إجازة في الدراسات الشرقية من الجامعة اليسوعية ودبلوماً في التجارة وعمل أستاذاً للتاريخ في المعهد الأنطوني بعبدا من عام 1959 حتى عام 2003، وكان أستاذاً للديانات المقارنة وتاريخ الديانات والدراسات الإسلامية في المعهد الديني العالي الجامعة الأنطونية.

له عدد كبير من المؤلّفات منها "موسوعة الحروب والأزمات الإقليمية في القرن العشرين" من أربعة اجزاء، "الحضارة السريانية حضارة عالمية"، "الأكراد من العشيرة إلى الدولة"، "اليزيديون"، "العلويون"، "الواقع التاريخي للقرن العشرين"، "واقع العالم العربي المعاصر"، "واقع الحضارات القديمة"، "تاريخ عصرنا الحديث"، "البطريركيات والبابويات"، "نصّيبين ومدرستها"، "منصور ابن سرجون" وكتب مدرسية وأخرى حول السكان، وله أبحاث ومقالات كثيرة في التاريخ والفن والأدب والسكان في الصحف اللبنانية وعدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية تتمحور حول الثقافة والأدب، وهو عضو في عدد من الحركات والجمعيات منها الحركة الثقافية أنطلياس، ومؤسّس ومدير معرض المهرجان اللبناني للحركة وعضو مؤسّس في جمعية بيروت التراث وغيرها، وشارك في العديد من المحاضرات والمؤتمرات في لبنان والخارج منها المؤتمر السرياني التاسع عام 2004 والمؤتمر السرياني الحادي عشر عام 2006.

متقاعد منذ عام 2003 ويعمل على كتابة تاريخ الأقليات الدينية والإثنية في المشرق.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور موسى مخّول ضيفاً عزيزاً في أجراس المشرق، سيّدي أنت تعتبر السريان حضارة وهذه الحضارة لم تنزل إلى هذه المنطقة بالمظلات، ما هي جذور الحضارة السريانية؟

موسى مخّول: أولاً جذور الحضارة السريانية حسب التاريخ المدوّن تعود إلى ستة آلاف سنة، تعود إلى مجيء السومريين إلى العراق وأجريت دراسات من قبل علماء الآثار الذين وجدوا أن هذه الحضارة درسوها في أواخر القرن العشرين، وقالوا بأن هذه الحضارة تعود إلى تسعة آلاف سنة، إذاً هذه الحضارة السريانية هي حضارة الهلال الخصيب أو المشرق العربي أو سوريا الكبرى وهي الحضارة التي وُلِد فيها المشرق وهي ابنة هذه الأرض.

غسان الشامي: السريان تسمية جديدة ولكن ماذا عن جذورها الحضارية؟

موسى مخّول: جذورها الحضارية ترجع إلى سومر وإلى أكاد وإلى بابل وآشور وكلدو.

غسان الشامي: ما الرابط بين السريانية والآرامية؟ 

موسى مخّول: اللغة ونحن نعرف أن هناك اللغة الكنعانية ومنها اشتُقت اللغة الآرامية واللغة العبرية إنما اللغة الآرامية الأساسية كانت تُحكى في بلاد ما بين النهرين. بداية كانت هناك اللغة الأكادية والكلدانية وتوصلنا أخيراً إلى الآرامية، هذه اللغة الآرامية هي الأساس التي كانت لغة الدواوين في بلاد فارس وفي بلاد العرب  وحتى في بعض المناطق البيزنطية وكانت لغة الدواوين في سوريا وفلسطين ووصلت أيضاً إلى مصر، إذاً كانت لغة عالمية.

غسان الشامي: كيف ورثت السريانية هذه اللغة؟  

موسى مخّول: السريانية هي الآرامية المختصرة أو الآرامية المبسّطة لأنها ابنة الآرامية.

غسان الشامي: لماذا تقسّم اللغة السريانية؟ هل تقسيمها لغوياً أو إلى لهجات؟

موسى مخّول: تقسيمها في اللهجة الشرقية وفي اللهجة الغربية، اللهجة الغربية اليوم يستعملها السريان الغربيون الموارنة وهي ال "O" بينما اللهجة الشرقية هي ال "A" مثلاً في القداس الماروني "قاديشو آلوهو" بينما في الكلدانية أو السريانية الشرقية "قاديشا آلاها" المعنى نفسه لكن اللهجة تختلف.

غسان الشامي: إذاً هي لهجات وليست لغات.

موسى مخّول: نعم هي لهجات وليست لغات أبداً.

غسان الشامي: ما هو رابط هذه اللغة بالعربية؟

موسى مخّول: نحن نعلم أن اللغة الآرامية كانت اللغة الأساس بينما في اللغة العربية لم يكن هنالك حروف تُكتب وكانت غير مقروءة ، فأخذ العرب اللغة الآرامية حتى عندما جاء النبي محمّد كانت اللغة الآرامية منتشرة في شبه الجزيرة العربية، وهناك كلمات في القرآن هي كلمات آرامية إذاً أخذنا مثلاً الصراط أو صطراتا باللغة الآرامية وصطراتوم باللاتينية. الزكاة مثلاً هي كلمة آرامية وحتى كلمة قرآن في السريانية هي ريش قريان أي القراءات الرئيسة أو القراءات الأولى أو الجيّدة. الفرقان هي كلمة سريانية وتسمّى فرقاناً باللغة الشرقية وفرقونو باللغة الغربية.   

غسان الشامي: السريان سمّوا ابن الخطاب بالفاروق.

موسى مخّول: نعم الفاروق هي كلمة سريانية وتعني المُخلّص.

غسان الشامي: كيف انتشرت الثقافة السريانية وما هي عوامل انتشارها؟

موسى مخّول: عوامل انتشار الثقافة السريانية والحضارة السريانية أولاً هي بنت الأرض، هذه الحضارة هي وريثة بابل ووريثة آشور ووريثة أكاد وكانت الحضارة المشرقية الآرامية قبل الحضارة اليونانية وقبل كل الحضارات العالمية الموجودة في هذا المشرق في أوروبا وآسيا وخاصة المنطقة الغربية وهي الحضارة الأساس. إذاً هذه الحضارة أخذها السريان وبدأت بالانتشار ولكن كانت على شيء معين قبل المسيحية، لم تنتشر قبل المسيحية كما انتشرت بعد المسيحية، المسيحيون هم الذين نشروا هذه الحضارة. حين أتت المسيحية وبدأ التبشير بالمسيح كان التبشير باللغة الآرامية وباللغة السريانية في ما بعد وباليونانية أيضاً ، ولكن اليونانيين جاؤوا بعد السريان وبعد الآراميين. الحضارة اليونانية تدلّلت على الحضارة السريانية لأنها وجدت من يتبناها في الغرب بينما الحضارة السريانية طُمست تماماً.  

غسان الشامي: هل انكفأت السريانية لأن اليونانية أصبحت لغة الدولة أم أنها لم تنكفئ؟

موسى مخّول: السريانية لن تنكفئ بل بقيت لغة الداخل، اليونانية كانت لغة السواحل بينما في أنطاكيا كانت اللغة اليونانية والسريانية. في الداخل العراقي في بلاد ما بين النهرين في بلاد فارس كانت اللغة الآرامية السريانية ولم تنكفئ.

غسان الشامي: ما هي علوم السريان؟

موسى مخّول: السريان نبغوا في كل العلوم في الطب وفي الهندسة وفي علم النجوم وفي العقاقير وفي الزراعة والفلاحة. الحضارة السريانية هي حضارة المحراث وحضارة الدولاب أخذوه عن السومريين وطوّروه. في مرحلة أولى نبغوا في علم اللاهوت وتفسير الكتاب المقدّس واعتبروا الكتاب المقدّس هو التوراة والإنجيل وقد كُتب باليونانية وتمت ترجمته إلى اللغة الآرامية ومن ثم إلى السريانية. ثانياً نبغوا في علوم الطب حيث كان أطباء الخلفاء في العصر الأموي وفي العصر العباسي حتى القرن الثالث عشر هم من السريان.  

غسان الشامي: سأبدأ من علومهم بالمدارس، نحن أمام مدرسة الرها، نصيبين، قنّسرين، دير الزعفران، ما هي ميزات هذه المدارس؟ ما هي قوانينها؟ ما هي قواعدها؟ ماذا كانت تدرّس؟

موسى مخّول: أولاً لنأخذ مدرسة الرها التي سُميت أيضاً بمدرسة الفرس لأنها كانت في المنطقة الحدودية بين بيزنطيا وبلاد فارس، بدأت المدرسة الأولى بشكل أكاديمي جامعي وكانت تعلّم كل الأولاد من فرس وسريان وبيزنطيين، هذه المدرسة كانت تعلّم اللغة السريانية وتعلّم اللغة اليونانية في الوقت نفسه، هذه المدرسة كانت مدرسة علمية رغم أن مدرسيها ومؤسسيها كانوا رهباناً.

غسان الشامي: ما هي المواد التي كانت تعلّمها هذه المدرسة وهل كانت هذه المدارس بمثابة جامعات؟

موسى مخّول: نعم كانت تعتبر جامعات العهد الوسيط حيث لم تكن هناك جامعات وكانت تدرّس الفلسفة والطب وتدرّس الرياضيات والمنطق والتاريخ والجغرافيا والعلوم الدينية والوضعية المدنية في الوقت الذي لم يكن هناك جامعات في العالم.  

غسان الشامي: أنت مررت على أن هناك شيئاً سريانياً في إنطاكيا مع العلم بأن إنطاكيا في الذهن العام كانت تغلب عليها الثقافة اليونانية ولكن هناك مدرسة سريانية في إنطاكيا لا يعرف عنها الكثيرون، ما هي هذه المدرسة؟

موسى مخّول: المدرسة الإنطاكية السريانية هي المدرسة الأساس لأن إنطاكيا هي أساس المسيحيين الذي كانوا يعوّلون على المدرسة الإنطاكية لأنه من إنطاكيا ومن المدرسة الإنطاكية بالذات انطلقت المسيحية، اليوم أي بطريرك مشرقي هو بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق.

غسان الشامي: ولكن هل كانت هذه المدرسة بنوعيّتها معادلة لمدرسة الرها ومدرسة نصيبين؟   

موسى مخّول: نعم ويوحنا الذهبي الفم كان من أساتذتها.

غسان الشامي: ولكن يوحنا ذهبي الفم كان خلقيدونياً.

موسى مخّول: ولكن لا تنسى أن الروم الأورثوذكس وكل الطوائف الموجودة في المشرق كانت تعتبر من السريان، يوجد إنجيل اليوم في دير البلمند يحتوي في كل صفحاته والصفحة مقسومة إلى ثلاثة أقسام سرياني ويوناني وعربي. 

غسان الشامي: إلى أي قرن يعود هذا الكتاب؟ هل بعد انزياح السريانية وسيطرة اللغة العربية؟

موسى مخّول: صحيح بعد انزياح السريانية وسيطرة اللغة العربية وبعدها البيزنطيون المشارقة مثلاً الكاثوليك والروم الأورثوذكس في المرحلة الأولى كانت صلواتهم في اللغة خاصة في القسم المشرقي كانت باللغة السريانية.

غسان الشامي: نجد أمامنا مكتبات كثيرة في الرها وتكريت وديار بكر ودير قمين، ماذا تمثل هذه المكتبات.

موسى مخّول: تمثل أكبر الكنوز الثقافية المسيحية الموجودة في العالم، هذه المكتبات كانت قائمة كل واحدة بذاتها وتابعة إلى جامعة أو إلى مدرسة وكان هناك ناسخون متخصّصون للنسخ وكانت الكتب أحياناً تُعار وأحياناً أخرى لا تُعار من هذه المكتبات لأن الناسخين كانوا موجودين، وهذه المكتبات كانت موجودة في كل الأديار ولكن ما عطّل هذه المكتبات أولاً الحروب في مرحلة أولى حينما أتى العرب لم يستطيعوا فهم معنى هذه الكلمة على سبيل المثال مكتبة الفرس ومكتبة الاسكندرية لم يستطيعوا استيعاب هذا الأمر مثلاً سعد بن أبي وقّاص كتب للخليفة أنه دعنا نحافظ على هذه المكتبة ولننقلها فأجابوها أحرقوها. ثانياً ليس العرب وحدهم الكرد أيضاً، المشرفون على المكتبات قُتلوا أو ذُبحوا أو أُحرقوا في الحروب وأكثر من ذلك الحروب بين الطوائف المسيحية. ثالثاً روما حين تدخلت جاءت إلى هذه الكتب والثقافات واعتبرت أن هناك هراطقة أي اليعاقبة والنساطرة، وحين جاء الأب دانديني المبعوث البابوي هنا كي يعاين هذه الكتب، اعتبرها هراطقة مع أنه لا يوجد هرتقة، أنت تقول لي أنت هرتوقي وأنا أقول لك أنت هرتوقي كما في المعادلة الحسابية ناقصاً واحداً وزائداً واحداً يساوي صفر. هؤلاء أخذوا كل الكتب المناقضة للديانة الكاثوليكية وأحرقوها على سبيل المثال مكتبة الشاغور في صيدنايا لا تزال مثالاً حياً، حين جاء الرهبان كانت المكتبة للسريان جاء الوكلاء إلى الدير وارتأوا لمنع السريان من العودة القيام بإحراق الكتب والمخطوطات السريانية واستعملوها للخبز على التنّور.

غسان الشامي: نحن عرفنا تاريخ المشرق والمسيحية من خلال مؤرّخين سريان غريغوريوس ابن العبري وميخائيل الكبير، ما هو توصيفك لدور المؤرّخين السريان في الحفاظ على الواقعة التاريخية في هذه المنطقة؟

موسى مخّول: لو لم يكن هناك مؤرّخون سريان لكانت ضاعت الحضارة السريانية، هؤلاء المؤرّخون السريان الذين كتبوا لم يكتبوا فقط للتاريخ السرياني بل كتبوا التاريخ السرياني المسيحي وكتبوا التاريخ السرياني ما قبل المسيح وكتبوا تاريخ المنطقة، هم حاولوا التأريخ للمسيحية والتأريخ لهذه المنطقة وكانت تواريخهم دقيقة ومراجعهم دقيقة ، يعني إذا ما قارنا بين المؤرّخين السريان والمؤرّخين العرب فالفرق كبير. عند السريان لا يوجد حدّثني فلان عن فلان عن فلان بل يعطونك سنداً بحصول كذا سنة كذا، إذاً التاريخ دقيق ولولا هؤلاء المؤرّخين لكنا فقدنا كل شيء لأن الآثار جميعها احترقت.

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل اسمح لنا، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الأستاذ موسى مخّول انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، تقرير عن الرها ونعود إلى الحوار مع الدكتور موسى مخّول عن حضارة السريان.

تقرير:

يعود أول ذكر لمدينة الرها في أعالي الجزيرة الفراتية شمال سوريا إلى القرن السابع قبل الميلاد لكنها اشُتهرت بعدما أعاد بناءها الإمبراطور سلوقس نيكاتور عام 304 قبل الميلاد وسماها "أوديسا" على إسم ابنته، وعُرفت عند الآراميين السريان ب"أورهاي" ودُعيت عند العرب بالرها.

أُسست مملكة الرها عام 132 قبل الميلاد على يد الملك الآرامي آريو واستمرت حتى عام 242 للميلاد، وكان معظم ملوكها يلقّبون باسم أبجر أي أعرج بالآرامية، وعاصر أبجر الخامس بن معنو السيّد المسيح وعُرف بقصة المراسلات الشخصية بينهما وأصبحت المسيحية دين الدولة في عهد الملك أبجر التاسع، وأسس فيها مار فرام السرياني سنة 363 للميلاد مدرسة عبرت شهرتها الآفاق واحتلت مركزاً فريداً في التاريخ طوال ألف سنة، وانتشرت لغتها السريانية الفصحى في بقاع كثيرة ولعبت دوراً بارزاً في الأدب السرياني، وفي القرن الرابع عشر شُيّدت فيها مدرسة لاهوتية مشهورة ضارعت مدرستيّ أنطاكيا والإسكندرية.

دخل المسلمون المدينة بقيادة عيّاض بن غنم سنة 639 للميلاد وبات إسمها الرها ثم احتلها الفرنجة وسُمّيت كونتية أوديسا ثم سيطر عليها الأيوبيون فالمماليك فالعثمانيون ، واقتطعتها تركيا بعد الحرب العالمية الأولى من سوريا وغيّرت إسمها في ما بعد إلى أورفة ولاحقاً إلى شنلورفا.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في أجراس المشرق، دكتور موسى مخّول في المكتبات والمخطوطات قبل أن أنتقل إلى الأدب السرياني قلت أن هذه المخطوطات قد أُحرقت، ألم يُستنقذ منها الكثير؟

موسى مخّول: عندما بدأ الغزاة والفاتحون أحرقوا قسماً كبيراً منها فنقل السريان حمولة خمسين بغلاً نُقلت إلى لبنان وهي موجودة الآن في دير الشرفة ما عدا كتب القداس والطقسيات.

غسان الشامي: في الأدب السرياني في بدايته ما بين القرن الثاني والقرن السابع قبل الميلاد ما هي ميزاته؟

موسى مخّول: الأدب السرياني كان في مرحلة أولى أدباً دينياً أي الطابع السرياني واللاهوتي والطابع الكنَسي ولكن أصبح في ما بعد أدباً دنيوياً وانتشر بين الناس فأصبحت ملزماً بدراسة المنطق والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وكل هذه الأشياء، وأصبح هناك نوع من التخصّص وأساتذة متخصّصون وخاصة في مدرسة نصيبين التي كانت تضم أكثر من 800 طالب ومعلم ، وكان الطلاب في الجناح الداخلي وكان لديهم صوامع، وكان هناك قوانين لهذه المدرسة وكان كل منهم ملزماً بأن يتعلّم في المراحل الأولى الكتاب المقدّس والطقسيات ثم الفلسفة والمنطق والجغرافيا والتاريخ والرياضيات إضافة إلى اللغات. كان أغلبية السريان وخاصة المثقفين كانوا يتقنون اللغة السريانية والفارسية والبيزنطية ومن هنا كان التقاء الحضارات وهذا ما عولم الحضارة السريانية. 

غسان الشامي: ولذلك كانوا يتوسّلون الترجمة وكانت الترجمة بأغلبيتها للسريان.

موسى مخّول: الترجمة كانت من وإلى السريانية، السريان لم يترجموا اليونانية إلى السريانية فقط أو من السريانية إلى العربية بل ترجموا من وإلى، من اليونانية إلى السريانية والعكس ومن العربية إلى السريانية والعكس وترجموا من الفهلويّة. نحن نعرف سريان مار توما في الهند وعددهم حوالى ثمانية ملايين مليبار وملينكار. 

غسان الشامي: سأبدأ بالسؤال عن بارديسان وهو من مؤسّسي الأدب واللاهوت السرياني، مَن هو وماذا قدّم؟

موسى مخّول: بارديسان بداية كان شاعراً وإدارياً، وكان أستاذاً لديه منحى فلسفياً وكان موسيقاراً، وكان أستاذاً في المدارس والأكاديميات السريانية. أكثر العلماء السريان تخرّجوا على يد بارديسان، هذا الإنسان أغنى الأدب السرياني وخاصة في القصائد والمداريش والأغاني هو وفرام السرياني ويعقوب السروجي وشمعان الفخاري ويسمّى بشمعون الفخّاري، هؤلاء هم بُناة الموسيقى السريانية.

غسان الشامي: بارديسان ومن بعده مار أفرام، هذا العلم الجليل والهام والذي يقرّضه السريان في كل أرجاء العالم، من أين استقى مار أفرام مكانته التي تقارب القديس في المسيحية أدبياً؟ 

موسى مخّول: أولاً مار أفرام السرياني كان أستاذاً في مدرسة الرها وفي مدرسة نصيبين، ثانياً ما أفرام درس اللاهوت ودرس الكتاب المقدّس ودرس الإنجيل، ثالثاً مار أفرام نزل إلى مستوى الإنسان والأرض وخاصة في الموسيقى الطبيعية. هناك أمر لا يعرفه الناس عن مار أفرام وعرفها الرحابنة، مار أفرام أخذها من الشعب وكان ابن الشعب مثلاً الموسيقى الشعبية والأشعار التي كانت تُغنّى أخذها وركّب عليها كلمات إلى العذراء وترك هذه الألحان. أخذ من الشعب إلى الكنيسة ومزج الشعب بالكنيسة، وكان مار أفرام أول من أسس فرقة موسيقية وأسس فرقة للبنات. قصائد ما أفرام لغاية اليوم حسب الدراسات لسنة 1998 يقال أنه وُجد له ثلاثة ملايين وستمئة ألف بيت من الشعر، قامت جامعتا دمشق واليرموك في الأردن بترجمتها ووصلوا حتى عام 1998 إلى ترجمة 600 ألف من قصائد مار أفرام.

غسان الشامي: نرساي يعقوب السروجي، يعقوب الرهاوي، هؤلاء الأعلام هل هم استكمال للإرث السرياني أم أنهما متفردان؟

موسى مخّول: لا ليس استكمالاً، نرساي كان من أهم المعلمين في مدرسة نصيبين وفي المدارس السريانية وكان يمتلك فكراً فلسفياً وعلمياً. يعقوب السروجي كان موسيقاراً وشاعراً، وميامره ومداريشه لا تزال حتى اليوم موجودة في كل الكنائس. سمعان الفخّاري كان أميّاً في مراحله الأولى وكان يصنع الفخار وأثناء عمله كان يأتي إليه يعقوب السروجي ويجده يدندن طوال الوقت فأخذ يعقوب السروجي هذه الألحان عن سمعان الفخّاري.

غسان الشامي: ما العلاقة بين الشعر السرياني وشعر اللغة المحكية العامية التي نعرفها في بلادنا؟ أنت عشت فترة مع الرحابنة وقلت أنهم أخذوا من الموسيقى ومن الشعر السرياني، ما العلاقة بين الإثنين؟

موسى مخّول: بداية نحن نعرف أن السريان وخاصة مار أفرام السرياني ويعقوب السروجي وبارديسان نظموا ألحاناً وهذه الألحان كانت لمناسبات الأعراس والحفلات والغناء أي أنها كانت ألحاناً شعبية نابعة من الأرض. الألحان البيزنطية هي ألحان الملوك بينما الألحان السريانية هي ألحان شعبية وبنت الأرض، هذه الألحان بقيت موجودة وتداولها السريان حتى انتقلت إلى لبنان إلى الزجل اللبناني وبقيت موجودة.                                                               

غسان الشامي: هل من أمثلة على ذلك؟

موسى مخّول: سأعطيك ألحاناً سريانية موجودة اليوم أخذوها الرحابنة مثلاً وطبقوا عليها كلمات على سبيل المثال "الله الله يا تراب عينطورة" هذا لحن سرياني لعمانو موريو إلهنا معنا. وديع الصافي الذي انشهر بأغنية "يا غايبين بهواكم قلبي" هي ذات لحن سرياني هو "مريم يولدت ألوهو" أي مريم والدة الإله. أكثر ألحان الرحابنة تأثرت باللحن السرياني مثلاً "يدور الدوري ويدور يحاكي المندور"، "لوين مسافرين شو إلنا عمنتعب شو إلنا منتعذب" هذا لحن سرياني، حتى أنهم أدخلوا الألحان السريانية كما هي في مسرحياتهم في مسرحية ميس الريم "أهلاً وسهلاً بالشيخ لقيس" هذا لحن الفراميات لمار أفرام السرياني.

غسان الشامي: هذا يدفعنا إلى أن نتكلم عن مواصفات الموسيقى السريانية.

موسى مخّول: الموسيقى السريانية هي موسيقى عالمية رغم كل شيء لأن لحن مار أفرام السرياني اعتُمد في اليونان وكذلك في مصر وبلاد فارس والعربية أيضاً اعتمدت اللحن السرياني، هو لحن عالمي أضف إلى ذلك الموشّحات، الموشّح في الأساس كلمة سريانية "مشوحيتو" وهي نوع من اللحن الشعري للغناء له مقاطع متناسبة أو مقاطع ذات أوزان خاصة بها. 75% من الألحان اليوم هي ألحان سريانية وما تبقّى هو لحن مغربي.  

غسان الشامي: هل الموشّحات كانت في الأصل ترانيم دينية ومن ثم أصبحت مدنية أم كانت مدنية شعبية وتحوّلت إلى دينية؟

موسى مخّول: أغلب الألحان السريانية كانت مدنية وأصبحت دينية إنما الموسيقى الرسمية بدأت كنسياً مثلاً الألحان عند الموارنة ألحان الميلاد وألحان الآلام، مثلاً "أرسل الله إبنه الوحيد" هو موشّح مأخوذ من الألحان السريانية. لا يمكن أن تكون الألحان السريانية مأخوذة من العربية، القدود الحلبية فيها الكثير من الموشّحات السريانية لأن العرب حينما جاؤوا لم يكن لديهم موسيقى أو أدب.

غسان الشامي: ولكن هناك مغنّون عرب شهيرون.

موسى مخّول: المغنّون العرب اشتهروا في العصر العباسي وفي العصر الأموي والألحان أُخذت من السريان لأنه لم يكن لديهم ألحان، أخذوا هذه الألحان وبدأوا بتعريبها.

غسان الشامي: سنذهب قليلاً إلى السياسة، ما هو دور السريان في الفتح العربي؟ 

موسى مخّول: الدولة العربية من الخلافة العربية قامت على التنظيم السرياني، صحيح أنها أخذت التنظيم البيزنطي والتنظيم الفارسي إلا أن السريان كانوا الأساس. حين دخل العرب وخاصة أيام معاوية الذي أتى إلى دمشق كان العرب قبائل يفتقدون إلى التنظيم والدواوين، جاء معاوية وأوجد تنظيم الدولة، معاوية كان تاجراً من عائلة تجارية، وجد أنه أن الدولة إذا بقيت على النظام العربيى فلن تبقى دولة فبدأ أولاً بتنظيم الدولة بجعل الخلافة ملكية.

غسان الشامي: الملكية مشابهة للبيزنطيين يعني الموضوع ليس سريانياً.

موسى مخّول: نعم أخذ الملكية البيزنطية الموجودة والسريانية ثانياً، الموظفون كانوا سرياناً وكانت الدواوين تُكتب بالسريانية وباليونانية وليس بالعربية من أهمها سرجون إبن منصور ومنصور إبن سرجون ويوحنا الدمشقي، يوحنا الدمشقي كان أمين السر المالي في الدولة الأموية، كان مسؤولاً عن الجيش وعن الزكاة وعن الضرائب وعن كل ما هو في الدولة الأموية.

غسان الشامي: هذا من طبيعة الأمور لأن دمشق وحولها كانت قبائل مسيحية عربية معروفة وكان أغلبها قريباً من السريان.  

موسى مخّول: نعم، لأن الخبرة كانت موجودة لدى السريان الذين كانوا أقرب إلى العرب أكثر من غيرهم. كما قلت القبائل العربية التي كانت موجودة والتي جاءت منذ مئات السنين أو آلاف السنين سكنت في بلاد الشام.

غسان الشامي: هناك قول شهير بأننا نحمد الله الذي جاء بأقربائنا من أبناء إسماعيل وأراحنا من جور البيزنطيين، قالها السريان لدى دخول العرب إلى مصر.

موسى مخّول: البطاركة السريان رحّبوا بالعرب وهم مِن فتحوا دمشق لهم، مَن أعطاهم مفاتيح القدس ودمشق؟ بطريرك القدس.

غسان الشامي: ماذا عن دور السريان في العهد العباسي؟

موسى مخّول: في العهد العباسي تطوّر الأمر، في العهد الأموي لم يستطيعوا فهم كل شيء لأنه كان هنالك تحفّظ على ترجمة الفسلفة وترجمة الآداب لئلاّ تتنافى مع الدين. في العهد الأموي كانوا بحاجة إلى التطبيب وإلى العلاج فسمحوا بترجمة الكتب العلمية والطبية. العصر العباسي كان عصر الترجمة وخلال نقل المترجمين السريان كل كنوز اليونان إلى اللغة العربية من أدب وفلسفة ومنطق وعلم الفلك، إضافة إلى ذلك كانوا هم المعلمين والأطباء والكتبة وخاصة في عهد المأمون في دار الحكمة. في القرن التاسع أو العاشر وحتى القرن الثالث عشر حتى تمكّن العرب من التخلّص من السريان أو الاستغناء عنهم نوعاً ما.

غسان الشامي: سؤالي الأخير وبقليل من الوقت، أنت تعتبر السريان حضارة عالمية على ماذا اعتمدت في هذا التعميم؟ هم كانوا حضارة في هذه المنطقة وأنت وضعتهم في مصاف الحضارة العالمية، على ماذا اعتمدت؟

موسى مخّول: لست أنا مَن وضعتهم بل ويل ديورانت هو مَن وضعهم في الحضارة العالمية. أولاً كانوا على صلة باليونان وبالفرس ومن هنا إلى الصين ومن هنا إلى مصر، الحضارة المصرية، الحضارة اليونانية والحضارة الفارسية المشرقية إضافة إلى الحضارات، إذاً كانوا سفراء من وإلى وكانوا يتقنون اللغات الثلاث، ثانياً حضارة السريان بدأت بالانتشار في كل هذه المناطق إن كان ترجمات أو حضارة أساسية، إذاً تعولمت حضارتهم لأنها وصلت إلى أوروبا وإلى أفريقيا وإلى آسيا الشرق وأواسط آسيا.                      

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك. أعزائي هؤلاء هم السريان الذين أشعّوا وها هم الآن يقاومون كي يبقوا في بلادهم بعد هذه البشاعة التي نشهدها. في ختام هذه الحلقة تحية مني ومن الدكتور مخّول إلى صديقنا المشترك الغائب المطران يوحنا إبراهيم الذي حاول الحفاظ على التراث السرياني. شكراً للدكتور مخوّل، شكراً لزملائي في الميادين الذين يقرعون معي أجراس المشرق ولكل مَن يتابعنا سلام عليكم وسلام لكم.