كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

من الفائز في الحرب الإعلامية؟

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي حوار مزدوج الاتجاهات، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم به من (لندن) مع جمهور من الخُبراء المُميّزين وبعض الهواة المتحمسين. يتزامن عرض هذه الحلقة مع الذكرى السنوية السادسة لانطلاق قناة "الميادين". كانت "الميادين" قبل ستّ سنوات القناة الجديدة على الساحة وخلال ست سنوات مؤثرة بالنسبة إلى المنطقة وإلى "الميادين" أصبحنا أكثر قناة إخبارية موثوقة في الشرق الأوسط، وأعتقد أنّ السبب في ذلك يعود إلى أننا جسّدنا روح العصر وهي الروح التي ترفض التدخلات الخارجية والغزو والاحتلال وتُحافظ على الوضوح في العلاقة مع دولة (إسرائيل) الاستيطانية والروح التي ترفض الغزو ومُحاولة تغيير النظام في (سوريا) وتؤمن بالوحدة العربية والاستقلال، هكذا أراها وقد لا تكون وجهة نظركم مماثلة وقد يملك خبرائي المميّزون رأياً مُغايراً، لكنني أعتقد أنّ ذلك، إضافةً إلى العمل الشاق والكفاءة المهنية التي يتمتّع بها فريق عمل "الميادين"، يعكس صعودنا الذي يكاد لا يُصدّق إلى موقعنا الحالي في سوق التلفزيون في الشرق الأوسط. أمّا قناة "الجزيرة" المسكينة التي كانت الأفضل في وقتٍ من الأوقات والتي احتلّت الصدارة بشجاعة في الفترة التي سبقت احتلال (العراق) وخلال الأحداث التي تلته والتي تمكّنت من إثبات نفسها كصوت العرب لدرجة أنه حتّى في البرلمان الذي كنت عضواً فيه كانت قناة "الجزيرة" تُبثّ على الشبكة البرلمانية. لكن إلغاء قناة "الجزيرة" المُخزي هذا الأُسبوع لوثائِقي التحقيق الاستقصائي الرائِد حول نشاط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الذي تطرّق إلى قضايا أمنية قومية يعني على الأرجح أنّه ليس عليّ أن أُضيف الكثير، وأنه لا جدوى في تسليط الضوء على هذا العار، ولكن "الجزيرة" جسّدت ما هو عكس روح العصر، فمن لحظة غزو "الناتو" لـ (ليبيا) وتدميرها فسدت "الجزيرة" تماماً. أمّا في (سوريا) فالأفضل ألّا نُكثِر في الكلام عن تغطية القناة هناك. يشهد سوق التلفزيون في منطقة الشرق الأوسط تغيّرات كبيرة كذلك نرى تغيّرات كبيرة أيضاً في عالم التلفزيون أجمع وفي الصحافة المطبوعة، ويضمّ جمهورنا هذه الليلة بعض صحافيي المطبوعات المميزين. عندما بدأت العمل في عالم السياسة وعندما شرَع عُمدة (لندن) الأفضل والمميز في مُمارسة السياسة، إن لم ينجُ المرء من أعيُن المُحررين الثاقبة في بعض القنوات التلفزيونية وإن لم ينجُ من العيون الثاقبة لعدد قليل من المُحررين اليمينيين بشكلٍ أساسي في الصُحف فلا يملك الحظ الكبير لإيصال صوته. أنتمي إلى جيلٍ كان على المرء فيه أن يطبع لإيصال رسالة مُعينة، أعني الطباعة على الآلة الكاتبة، أي على المرسام وهو نوع من الصُحف الرقيقة ومن ثم لفّها على أُسطوانة الحبر في طابِعة (غيستيتنير) وبعدها تُحرِك المقبض ومن ثم تقطع الأوراق إلى نصف حجمها وبعدها تنزل إلى الشارِع لتجد أشخاصاً يوزّعونها عوضاً عنك، أمّا في أيامنا هذه فأنا أتحدّث مع ملايين الناس بالفعل كلّ يوم وأحياناً طوال اليوم عبر وسائِل التواصل الاجتماعي، فلديّ مليون مُتابع على مواقع التواصل الاجتماعي وإذا جمعنا مُتابعي الأشخاص الحاضرين هنا فسيناهِز عدد متابعيهم الملايين وهذا أكثر من عدد النسخ الذي تبيعه أيّ صحيفة في (بريطانيا) وبصراحة أكثر مما سيصل إليه عدد مُشاهدات أغلب الحلقات التلفزيونية يوماً وبالتالي تغيّرات جذرية قيد الحدوث، فباتت الإعلانات تتحرك بعيداً عن وسائِل الإعلام الأساسية نحو "غوغل" و"فيس بوك" وسواهما ما سيُؤدي، إن لم يكن حالياً، إلى إغلاق بعض أكبر الصحف في هذا البلد وغيره. بالطبع نراها تُخفِّض نفقاتها وتسعى جاهدة لتجد مصادر إيرادات بديلة، وبينما أتحدّث معكم تُعطي الحكومة البريطانية الضوء الأخضر للمُهيمن "روبرت مردوخ" كي يُسيطر بالكامل على قناة "سكاي" في (بريطانيا) وقد لا تُحدِث هذه الخطوة الكثير من الفرق العملي إذ يملك "مردوخ" بالفعل مُعظم الأسهم فيها في حين يملك آخرون بقية الأسهم غير الخاضعة للتصويت، ولكن من مظاهر زمننا أنّ هذه القلة تُعزز قوّتها ومع ذلك تتغلب عليها مرّة تلو الأُخرى وسائِل الإعلام الجديدة مثل قناتنا "الميادين". واجه بعض الأشخاص هنا، بمن فيهم أنا بالطبع، أوقاتاً صعبة بسبب وسائِل الإعلام الأساسية، لكن من المؤكّد أنّ ذلك يغدو أسهل عندما تُقرر أنّك لن تُعير أيّة أهمية لما تقوله وسائِل الإعلام الأساسية لأنّ لديك وسائِل إعلام خاصّة ووسائِل إعلام بديلة مثل هذه. سنتناول في هذه الذكرى السنوية السعيدة موضوع من يفوز في حرب وسائِل الإعلام. كوني متفائِلاً، ولا بدّ من أن يكون المرء كذلك في عالم السياسة الذي أعيش فيه، أرى أنّ الناس هم الفائِزون في حروب وسائِل الإعلام، لكن لا يعني ذلك أنّ وسائِل الإعلام البديلة دائِماً على حقّ، ولا يعني أنه لا يُمكن للفساد أن ينال من وسائِل الإعلام البديلة مثلما حصل مع وسائِل الإعلام الأساسية من دون أدنى شك، كذلك لا يعني انتشار خبر على شبكة الإنترنت أنه صحيح. في برنامجي الإذاعي ما يزال الناس يتصلون وعندما يقولون العبارة المروّعة، "لقد قمت ببحثي"، أعلم أنهم كانوا يتصفحون الإنترنت التي غالباً ما تتضمّن هراءً أكثر من ذاك الذي تنشره وسائِل الإعلام الأساسية ولكننا نرى على نحوٍ مُتزايد أنّ المنشورات الجديدة مثل موقع "الكناري" ومعنا أحد نجومها الشباب، ذاك الجالس في المقعد الأمامي، إضافةً إلى برنامج "سكواك بوكس" وموقع "Evolve Politics"، ولم أذكر سوى البريطانية منها، التي تسجّل أرقاماً تتوق صحيفة "الغارديان" إلى تحقيقها وينضمّ إلينا مراسلها الخارجي المُميز السابق، بالتالي يتغيّر الإعلام وتحتدم الحروب الإعلامية ويبقى السؤال الليلة، من الفائِز بها؟ المتحدث الأول هو عُمدة (لندن) السابق المذكور أعلاه، "كين ليفنغستون"، "كين" مرحباً بك

كين ليفنغستون – عمدة لندن الأسبق: مرحباً. تلقّت مسيرتي المهنية ضربات متتالية من وسائِل الإعلام

جورج غالاواي: وما زالت تُواجه ضربات حتّى الآن                 

كين ليفنغستون: في العام 1981، في اليوم الذي أصبحت فيه رئيس مجلِس (لندن) الكُبرى، ألقت رئيسة الوزراء "تاتشر" خطاباً قالت فيه أنني كنت سأفرِض على سكّان (لندن) استبداداً شيوعياً مثل الذي في (أوروبا) الشرقية

جورج غالاواي: لكنك فشلت في ذلك

كين ليفنغستون: نعم، وعندما خفّضنا أُجرة الحافلة وقطار الأنفاق أعلنت صحيفة (الدايلي ميل) أنّ هذه هي الخطوة الأولى نحو اقتصاد شيوعي وامتلأت الصُحف التابعة لحزب المُحافظين البريطاني بالاتهامات بأنني أدعم حملة التفجيرات التي نفّذها الجيش الجمهوري الإيرلندي في (لندن) وفي شأن كوني عميلاً سوفياتياً على نحوٍ علنيّ واستمرّت الاتهامات، وبعد نحو ثمانية أسابيع انخفض استطلاع نسبة شعبيتي إلى 18% فتعرّضت للهجوم في الشارِع على أيدي مارّة كانوا يُشيرون إلىّ  ويقولون بأنني خائِن (بريطانيا) المجنون وسوى ذلك، وتوقفت عن إجراء مُقابلات مع الصُحف إذ رأيت أنها مضيعة للوقت وركّزت على الظهور في مُقابلات مباشرة على الراديو والتلفزيون حيثُ يستمع الناس إلى ما تقوله ويتّخذون قراراتهم استناداً إلى ذلك، ولكن الاتهامات مُستمرة. فمنذ سنتين قيل للناس في مُقابلة مُباشرة أنني قلت أنّ (هتلر) كان صهيونياً، فكيف يُمكن لأي أحد أن يصف الرجل الذي يكرهه اليهود بالصهيوني؟

جورج غالاواي: لا يزالون يكتبون عن ذلك في صحيفة "الغارديان"!

كين ليفنغستون: أجل، نُشِر ذلك في "الغارديان" منذ أُسبوعين ولم أستطع أن أُصدِّق ذلك، لكن أظنّ الآن بوجود الإنترنت وغيره أصبح في إمكان الناس أن يجدوا البديل. لكن كما قلت، هناك هراء على شبكة الإنترنت بقدر ذلك الموجود في كثيرٍ من صُحفنا ولا يُمكن أن تتّبِع نظاماً ديمقراطياً صحيحاً في حين يملك مُعظم الصحف أشخاص قليلون فاحشو الثراء مثل "مردوخ" و"روثمير" لأنهم سيفعلون أيّ شيء لمنع اشتراكي حقيقي من الوصول إلى السُلطة

جورج غالاواي: كذلك لدينا الـ "بي بي سي" التي تُحبّ التقصّي حول الإذاعات الرسمية في بلدان أُخرى في حين أنّها هي نفسها إذاعة رسمية في (بريطانيا). فلتُخبِر الجمهور الدولي عن رأيك في الـ "بي بي سي"

كين ليفنغستون: الـ "بي بي سي" ليست سيئة بقدر "الدايلي ميل" أو صُحف "مردوخ"، ولكن من الأمور التي فاجأتني عندما خسرت الانتخابات البلدية أمام مرشّح حزب المُحافظين "بوريس جونسون" عام 2012 هو ما يلي: كانت المنافسة مُحتدمة جداً وكان أداء "بوريس" سيئاً في المُناظرات لأنه لا يُكلِف نفسه عناء التفكير في التفاصيل، عندها ضغط حزب المُحافظين على الـ "بي بي سي" كي تُلغي المناظرة النهائية التي كان من المُقرر عقدها بيني وبينه على مرأى الملايين واعتبرتُ لاحقاً أنه من العار أن نفّذت الـ "بي بي سي" مطلب حزب المُحافظين البريطاني. بالتالي الـ "بي بي سي" ليست سيئة بقدر بعض الإذاعات الأُخرى ولكن فكرة أنك دائِماً ما ستسمع الحقيقة عبر الـ "بي بي سي" ما هي إلّا هراء، ففي أغلب الأحيان لا تحصل على أيّ جزء منها وقد شاهدت الكثير على قناة الـ "بي بي سي" بشأن الصاروخ الذي أُطلِق في (أوكرانيا) وأوقع طائِرة مدنية، لكن لم أرهُم قط يقولون أنّ (روسيا) توقفت عن استخدام هذا النوع من الصواريخ قبل سبعة أو ثمانية سنوات من هذا الهجوم، لم تذكُر أيّ شيء من هذا القبيل. في كثيرٍ من الأحيان أُشاهِد الكثير من القنوات المتنافسة للتأكّد من حصولي على حُكمٍ متوازن

جورج غالاواي: دعني أُعطيك مثالاً. في يوم الجمعة من الأُسبوع الماضي قُتلت المُسعفة "رزان النجّار" التي تبلغ من العُمر 21 عاماً وقد دُفنت قبل وقتٍ طويل من نقل الـ "بي بي سي" أيّ شيء عن ذلك، وعندما غطّت الخبر وصفته بالقصة المأساوية بشأن موت مُسعِفة، ولكن هذه القصة لم تكن مأساوية، فتُستخدم كلمة مأساوي لوصف حادثٍ عرضيّ، بل كانت جريمة حرب ولم تمُت "رزان" بل قُتلت

كين ليفنغستون: بالفعل

جورج غالاواي: واستغرق ذلك أياماً ليظهر للعيان في وسائل الإعلام الأساسية ككل

كين ليفنغستون: أعتقد أنّ المُشكلة تكمن في أنّ الـ "بي بي سي" ليست يمينية مُتطرفة كصُحف كثيرة غيرها ولكنّها مؤسسة راسخة في الدولة، وإذا عدت بالذاكرة إلى الفترة التي انقسم فيها حزب العُمّال، باشر الكثيرون من الأعضاء البرلمانيين اليمينيين في حزب "العمّال" إلى إنشاء الحزب الديمقراطي الإشتراكي، وجرت تغطية الحدث على نحوٍ كبير. أذكر أنه في اليوم الذي حصل فيه ذلك خُصصت نشرة أخبار الساعة العاشرة التي تناهز 30 دقيقة بالكامل لتغطية هذا الموضوع من دون سواه. لذا أعتقد أنهم يسعون لترويج دولة وسطية معتدلة ولا يُريدون أن يصل اليمين المتطرف إلى السُلطة وبالتأكيد لا يريدون اليساريين مثلي أنا وأنت

جورج غالاواي: "جوناثان ستيل"، أمضيتُ حياتك كواحد من أفضل الصحافيين البريطانيين وعملت مراسلاً خارجياً لصحيفة "الغارديان"، كيف تشعُر عندما تستطلِع المشهد الإعلامي اليوم؟

جوناثان ستيل – مراسل الغارديان السابق: أعتقد أنك كنت محقاً عندما تحدّثت عن فوز "غوغل" و"فيسبوك" لأنهما تأخذان كلّ الإعلانات من الصحف الكُبرى مثل "الغارديان"، إنه فعلاً لشيء مأساوي لأنه مع أنّ لديّ بعض المُلاحظات على "الغارديان"، لا أعتقد أنّ في إمكانك أن تضع كلّ وسائِل الإعلام الأساسية في الخانة نفسها ففيها عناصر جيدة، وأعتقد أنّ "الغارديان" كذلك. لا بد من المال لتنفيذ بعض الأمور وهي أمور لا يستطيع فعلها موقع "كناري" وغيره من المدونات والمواقع التي ذكرتها سابقاً وأذكر منها مثلاً، تحقيق الملاذ الضريبي الكبير الذي أجرته "الغارديان" السنة الماضية وقد تطلّب الأمر أشهراً من النقل والتحليل الدقيق فضلاً عن ضرورة تعيين مُحامين، إذ قد تواجه دعوى لتحديد المسؤولية إذا اقترفتَ أيّ خطأ بسيط. لا يُمكنك أن تُجري هذا النوع من التحقيقات إلّا الصُحف أو محطّات التلفزيون الكبيرة ولكن للأسف، لا يأبه مُعظمها لذلك لأنّ تناول موضوع التهرُّب والتجنُّب الضريبي يضرّ بمصالِح الشركات والمواقع والمُدوِّنات الصغيرة لا تستطيع أن تفعل ذلك، لذا لا بد من إنفاق الأموال لإعداد تقارير جيدة

جورج غالاواي: ماذا عن تراجُع (بريطانيا) إلى المركز الـ 46 في مؤشِّر حريّة الصحافة؟ كنّا مرة في المركز السابع، أمّا الآن فنحن في المركز الـ 46 وتتقدمنا مُعظم دول الاتحاد السوفياتي السابق، ولا يهدف هذا الإجراء إلى الحدّ من النفقات المالية فحسب بل يعكس تحيّزاً ساماً مُتزايداً في وسائِل الإعلام أيضاً. فقد تعرّض زعيم حزب العُمال البريطاني "جيرمي كوربين" لا لمُحاكمة إعلامية بل لإعدام إعلامي منذ الساعات الأولى لبروز إمكانية أن يُصبِح زعيماً لحزب العُمال

جوناثان ستيل: هذا صحيح تماماً، فيُعدّ التحيُّز الإعلامي مُشكلة ولا يقتصر الأمر على القضايا التي تنقلها وتلك التي تتغاضى عنها ونشهد ذلك كثيراً، إذ تتغاضى وسائِل الإعلام عن قصص مُهمّة مثل القصة التي ذكرتها للتوّ عن المُسعِفة في (غزّة)، أمّا المُشكلة الأُخرى فتكمن في الانحياز غير المعقول والميل لإعطاء اليمينيين وقتاً أكثر للبثّ وحيّزاً كتابياً أكبر من ذلك المُعطى لليساريين أو بكلامٍ آخر، بات مركز تغطية وسائِل الإعلام البريطانية يميل إلى اليمين على نحوٍ ملحوظ خلال السنوات العشر الماضية

جورج غالاواي: بالفعل، هذا ملحوظ. "ستيف توبل"، لست ممثلنا فحسب بل أنت ممثل الإعلام الجديد الذي بات فاعِلاً الآن أيضاً. أنت كاتب بارز في موقع "الكناري"، و"الكناري" هي إحدى المُدوّنات البديلة الأنجح، مع أنها مجّانية. لا بدّ من أنّ أشخاصاً مثلك رأوا فجوة كبيرة في السوق الإعلامية فسارعوا لردمها، أخبرنا عن الأمر

ستيف توبل – صحافي مُستقل: أعتقد ذلك، نعم. ما أشار إليه ضيفاك سابقاً صحيح جداً، إذا نُعاني مُشكلة حقيقية هي سيطرة الشركات على وسائِل الإعلام في (بريطانيا). من الأقوال الشهيرة لرجل يُدعى "نيكولاس جونسون"، وهو رئيس لجنة الاتصالات الاتحادية في الولايات المتحدة، عن صحافيي وسائِل الإعلام الأساسية، قال لي: في بادئ الأمر يُقدِّم الصحافيون اليافعون الذين يملكون فكرة موضوع عن الدولة على كتابة المقال ويُقدّمونه إلى المُحرّر الذي بدوره يرفضه لأنه موضوع حرِج لا يُمكن تناوله. أمّا في المرحلة الثانية فتخطُر لهم فكرة المقال لكنهم لا يكتبونه وإنما يُقدّمون الفِكرة إلى المُحرّر الذي بدوره يرفضها لأنه موضوع حرِج لا يُمكن الاقتراب منه. أمّا في المرحلة الثالثة فتكون فكرة المقال حاضرة في فِكر الصحافيين لكنّهم ينتظرون عرضها على المُحرِّر، أما في المرحلة الرابعة فلا يخطُر لصحافيّي وسائِل الإعلام الأساسية أيّ فكرة عن موضوعٍ يتناول الدولة، وأعتقد أنّ كلامه صحيح جداً. أرى أنّه كثيراً ما نسمع عن تحيُّز قناة الـ "بي بي سي" والصحف الأساسية وبعض الصحافيين أمثال "لورا كينغز بيرغ" ولكن لا أعتقد أنّ تحيّزهم هذا أحد خصالهم بل أعتقد أنّه مُجرّد ثقافة في الصحافة الأساسية تُلقنهم مواقفهم و"الكناري" في ذلك السوق بالتحديد الذي يفتقر إلى تغطية أكثر عن اليسار المتطرّف وإلى وجهات نظر أشخاص مثل "جيرمي كوربين" وحرب الخُضر، وهذا ما استخدمناه

جورج غالاواي: وصف "فرانسيس بيكون" الرقابة الذاتية بالسهم الذي يُطلَق في الليل، فلا يُمكننا أن نعرِف أنه أُطلِقَ ولكننا بالتأكيد سنشعُر نتيجة إطلاقه، وهذا خير مثال على عدم تغطية جريمة قتل "رزان النجّار". إذ تردّد الصحافيون، وسيؤكّد "جوناثان ستيل" أنّهم يفعلون ذلك عادةً، قبل نقر كلمة (إسرائيل) على لوحة المفاتيح، إذ يقع طوفان بعد ذلك. أيّ شخص يوجِّه النقد أو يتحدّى السرديّة السائِدة المؤيِّدة لـ (إسرائيل) في وسائِل الإعلام البريطانية عليه أن يتأكّد أنّه سيلقى وابلاً من الشكاوى المُنظّمة يُمكنها أن تُهمِّش الصحافي الكاتب بسهولة إذا لم يكن المالِك أو المُحرِّر قوياً بما فيه الكفاية، وهذا صحيح في الإعلام الإذاعي على وجه التحديد، فأنا نفسي أُعاني من هذه المُشكلة. اعتقدتُ مرّات عديدة في برنامجي الإذاعي الحواري الوطني أنّ مُناقشة قصّة عن (فلسطين) ذو أهمية بقدر أهمية القصص الأُخرى التي يجري اقتراحها عليّ، ولكنني أعلم أنني إذا قدّمت قصّة عن (فلسطين) فستُقدّم شكوى لا محال إلى المُنظِّم "أوفكوم" في استطاعتها وقف البرنامج وإغلاقه لأنّ اللوبي المؤيِّد لـ (إسرائيل) منظّمٌ على نحوٍ كبير، فهو أشبه بسمكة قرشٍ قاتِلة وإن كنت أنا قادر شخصياً حتّى في بعض الأحيان على أن أُمارِس الرقابة الذاتية بشأن هذه القضيّة، فتخايلوا ما قد يفعله شخصٌ أقلّ التزاماً بهذه القضايا. قبل الفاصل، أعطنا فكرة عن الأرقام التي تتصفح وتقرأ موقع "الكناري" الذي لم يسمع به مُعظم مُشاهدينا من قبل

ستيف توبل: حسناً، رائِع. في الواقع الأمر سخيف حقاً. ففي عامنا الثاني أصبح لدينا 16 مليون قارئ من بينهم 11 مليون قارئ في (بريطانيا) ما يعني أننا وصلنا إلى ربع المُقاطعات في المملكة المُتّحدة. فقد قرأت ربع المُقاطعات في (المملكة المتحدة) شيئاً نشَره موقع "الكناري" في السنة الماضية، وعلى سبيل المثال نحو مليون قارئ قرأ أعمالي خلال شهرٍ واحد، وأتحدث عن شخصٍ مثلي يعيش في بيت مؤجَّر في جنوب (لندن)

جورج غالاواي: من الأفضل أن تشرح للجمهور الدولي ما هو البيت المؤجَّر، فهو ليس منزلاً مُترفاً

ستيف توبل: لا، هو منزلٌ تموِّله الدولة. ما هو مهم الآن هو أننا نعمل في غرفة أخبار الكترونية ويجري كلّ شيء عن بُعد، نجلس جميعنا في منازلنا ونطبع، هذه طريقة عملنا. لكن كما ذكرت في السابق، أعتقد أنّه بسبب وجود ذلك الفراغ، وكما أشرت عنه بنحوٍ صحيح في نقدك اللاذع، الرقابة الذاتية التي تُمارسها وسائِل الإعلام الأساسية هي ما يولِّد هذا الفراغ ليملأه الناس

جورج غالاواي: وأنت لا تخضع لأنظِمة كالتي خضع لها "جوناثان" عندما عمِلَ في "الغارديان" ولو قليلاً، تلك التي تفرضها المنظّمات الصحافية الذاتية الإدارة في (بريطانيا). لكن إن كنت مثلي في مُناظرة "توك راديو" أو على قناة "روسيا اليوم"، ونحن نواجه تحقيقاً حول عملي في "توك راديو" وظهوري عبر قناة "روسيا اليوم"، بالتالي القوى المواجِهة كبيرة بالفعل بينما أنت لستُ مضطراً للتعامل مع قوى مواجِهة ولا بدّ من أنه شعورٌ رائِع

ستيف توبل: بالفعل، فلسنا مُضطرّين لذلك، ونتبع قانون أحد أحدث المُنظِّمين في (بريطانيا) واسمه "إمبرس"، نتبع نظامه. لكن لأننا نعمل على الإنترنت، لا يستطيع المنظِم البريطاني "أوفكوم" أن يُحاسبنا، لكنني أعتقد أنّ السبب في ذلك يعود إلى أننا لا نملك جهات مانِحة ماليّة أو ما شابه، فلقد أنشأنا "الكناري" بمبلغ 500 جنيه إسترليني فقط ولم نتلقّ أيّ دعمٍ آخر، نعرِض إعلانات لكن لا تتدخل جهة أُخرى غير الكُتّاب في شؤوننا

جورج غالاواي: هل من الممكن أنه استشرف المُستقبل ونجح؟ سنعود بعد قليل        

المحور الثاني:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديثٍ عن حرب وسائِل الإعلام ومن يفوز. خرجنا بكاميرا "الميادين" مؤخراً إلى شوارِع (لندن) وطرحنا أسئِلة على الناس، فلنشاهد التالي:

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ وسائِل الإعلام الأساسية تعكس الواقع أم تختلقه؟

شاب 1: أحياناً ما تختلقه بالتأكيد

شاب 2: أعتقد أنّ ما يحدُث هو القليل من الأمرين وأعتقد أن العديد من الصحافيين يُحاولون فعل الأمر الصحيح لكنني أظنّ أنّ بعض مُحرري الأخبار يُحبِّذون اختيار الأخبار وتنقيتها استناداً إلى ما يرون أنها مواد ستجذب العدد الأكبر من المُشاهدات

رجل 1: لا، لا تعكس الواقع

رجل 2: أعتقد أن بعضها لا يُخبرك حقيقة الأخبار، فعندما تنقل وسائِل الإعلام الأخبار تُدلي بأمور تدعم نظامها السياسي

شاب 3: أعتقد أنها تُرينا ما تريده ولا تعكس الواقع دائِماً، وإذا حدث شيء يُخبروننا عمّا يريدونه فحسب ولا يُصرحون بأية معلوماتٍ إضافية. إذا أردت معرِفة الحقيقة عليك أن تكون حاضراً لترى الحدث بأمّ عينيك

المُحاور: أيّ الوسائِل الإعلامية تُتابع؟ أو من أيٍّ منها تحصل على الأخبار؟

شاب 1: من الصعب متابعة وسيلة إعلام واحدة، لذا أعتقد أنّ عليك أن تجمع بينها جميعها لكي تفهم النطاق الكامل وتُقرر بنفسك ما هو الحقيقي وما هو غير حقيقي

رجل 1: قناة "سكاي" وأخبار "غوغل"

امرأة 1: أقرأ صحيفة The Sun وأُشاهد الأخبار على التلفاز من حينٍ لآخر

رجل 1: عندما أُريد مُشاهدة الأخبار أرغب في مُشاهدة تشكيلة كبيرة، فلا أُحبِّذ التركيز على ما حدث في (بريطانيا) اليوم والاكتفاء بهذه الأخبار

شاب 2: صحيفة "الغارديان"

المُحاور: ذكرتِ أنكِ تقرئين صحيفة The Sun

امرأة 1: نعم

المُحاور: هلّ تثقين بصحيفة The Sun بشكلٍ عام؟

امرأة 1: أثق بها عموماً لكن مع تحفُّظ، إذ أتحدّث عن المعرِفة من التجارب الحياتية التي تملكها بالفِعل. إذا كنت تتمتع بهذه المعرِفة فسيتسنّى لك التمييز بين الواقع من عَدمه

جورج غالاواي: عكست الآراء عامةً درجة عالية من التشكيك، فلقد قال أحدهم في استطلاعٍ عشوائي تماماً في الشارع أنّ وسائِل الإعلام تُريك ما تُريده. لم نختر هؤلاء الناس بسبب آرائِهم، حتّى السيّدة التي تقرأ صحيفة The Sun مع العلم أن صحيفة The Sun هي أكثر الصُحف تأييداً لليمين في (إنكلترا)، حتى السيّدة التي تقرأ The Sun عرفت أنّ فيها خطب ما كما عبّرت عن الأمر. نعم سيّدي، الميكروفون معك، ماذا تريد أن تقول؟

دان غلايز بروك – كاتب سياسي: أعتقد أنّه في السنوات القليلة الأخيرة بات من الواضح جداً أنّ الطبقة الحاكمة وقلّة الإعلام خسرتا السيطرة على السرديّة السياسية، واتّضح ذلك فعلاً في الانتخابات العامّة في (بريطانيا) في السنة الماضية. لكن قبل الانتخابات بنحو شهر، توقّعت استطلاعات الرأي سحق حزب العُمّال على نحوٍ لم نشهده منذ 1983، أو أسوأ من أدائِهم حينها حتّى، وبالطبع شتّان ما بين 1983 و2017. فكما أشرت، في عام 1983 خضعت وسائِل الإعلام لبضعة مالكين يُناهزون أربعة أو خمسة حرفياً تمتّعوا بسيطرة احتكارية على المعلومات التي حصل عليها الأشخاص الاعتياديون عن السياسة. ولنتقدّم سريعاً إلى عام 2017 حيث نشهد حالة يُصرِّح فيها شخص مثل "جوناثان باي" بخطابٍ لاذعٍ صغير يسخر فيه تماماً من شعار القيادة القوية المُستقرة الذي اعتمدته الحكومة خلال الحملة الانتخابية، فقد حصد "باي" 11 مليون مُشاهدة أي أكثر من قرّاء أنجح عشر صحف بريطانية معاً. شاهدتُ خطاباً لـ "تيريزا ماي" عبر الإنترنت، وهو أمرٌ لا أفعله عادةً بقدر البحث عن مقال، وبعد مقطع الخطاب مُباشرةً بدأ "يوتيوب" أُغنية "تلك الكاذبة" عن "تيريزا ماي"، وأفترض أنّ الموقع يبدأ هذه الأُغنية بعد أن يُشاهِد أي شخص أي شيء عن "تيريزا ماي" وذلك بالنظر إلى خوارزميّات الموقع، ولا بدّ من أنّ ذلك أزعجها فعلاً في رأيي، كذلك حصدت حتّى مُقابلتي الخاصة عن تفجير (مانشستر) 1.5 مليون مُشاهدة، أي أكثر من عدد قرّاء صحيفة "الدايلي ميل"، وبالتالي ما يحدث هو أمرٌ استثنائي وهو أنّ تفسيري الخاص عن تفجير (مانشستر) وصل إلى أُناسٍ أكثر حينها مُقارنةً بتفسير "الدايلي ميل"، وأعتقد أنّ البداية التي نراها الآن، وهذه كانت حال السنة الماضية، هي ردّة فعلِ عنيفة من الطبقة الحاكمة ضدّ هذه الظاهِرة، وليس من قبيل الصدفة أنّه بعد صدور نتيجة الانتخابات العامة لم يتعلّق إعلان "تيريزا ماي" الأول عن السياسة في "بريكست" على الإطلاق في أيّ من الأفكار الواردة في بيانها الانتخابي، بل كانت قد أعلنت فيه عن حملة قمع ضدّ الإنترنت، صرّحت عن حملة قمع ضدّ الإنترنت مُباشرةً بعد النتائِج خلال لقائِها مع "ماكرون" في (فرنسا) بذريعة مُناهضة المُحتوى المُتطرِّف، لكن ذلك بدأ من قبل في الواقع فقد غيّر "غوغل" في أبريل/ نيسان عام 2017 خوارزميّاته ليُعطي الأولوية لما سُميَ محتوى موثوقاً أكثر، أي أنّ مواقع الأخبار البديلة مثل موقعي "alter net" و"Counter Punch" خسرا نسبة زائرين، فخسر"alter net" مثلاً ثلثي زائِريه لأنه اختفى من بين نتائِج البحث على "غوغل" ولم يظهر الموقع من بينها، وبالتالي نرى حملة قمع ضخمة وردّ فعل عنيف. أظنّ أننا نعيش في عصرٍ ذهبي من حريّة الإنترنت لكننا نفقدها على نحوٍ سريع

جورج غالاواي: أُنشأوا تحالفاً، وكنت أطّلع على الأمر لغايات أُخرى، فقد أنشأت "فيسبوك" و"ويكيبيديا" تحالفاً لمواجهة ما قالتا أنها أخبار كاذبة برعاية سورية، ولا يسعني إلّا التعجّب عن كيف تغدو الحال أكثر أورويليّة يوماً بعد يوم، أعني تحصد "ويكيبيديا" نحو 18 مليار قراءة شهرياً، أي أكثر بكثير من 100 مليار قراءة في السنة، فقررت هي و "فيس بوك"، وهي إحدى أكبر منظّمات العالم حالياً، أن تُحدّدا ما هي الأخبار الكاذبة أولاً، ثانياً أن تحظيا بالقدرة على الحدّ من إمكانية وصول الناس إلى ما قررتا أنها أخبار كاذبة، بالتالي المعركة مُشتركة أليس كذلك؟

دان غلايز بروك: نعم، تماماً، وفي "ويكيبيديا" إن بحثت عن شخص مثل "جون بيلجر" فستلحَظ أنّ الموسوعة تشنّ حملةً مُدبّرةً ضدّ صحافيين على غراره، ولا أعلم إن رأيت صفحتك على "ويكيبيديا" في الآونة الأخيرة، لأني لم أفعل، إلّا أنّ عدداً من الصحافيين في الإعلام البديل يواجهون حملة مُدبّرة. من الساعة الثامنة صباحاً حتّى العاشرة من كلّ ليلة تُحاول "ويكيبيديا" تغيير المُحتوى، ففي حالة "جون بيلجر" مثلاً، يُقدِم شخص في كلّ ليلة على محو أيّ ذكر للجوائِز التي نالها ويُهينه بالقول أنه عميل روسي وما إلى ذلك، وبالتالي تُشَنّ ضدّهم حملة مُدبّرة. هذه هي الصفحات التي يزورها الناس، والنتيجة الأولى التي تكون بعد بحثك عن أي أحد عبر "غوغل" هي صفحته في "ويكيبيديا"، فتُحدد هذه المواقع من تكون وبالتالي أنت مُحقّ تماماً

جورج غالاواي: عدّل شخص صفحتي على موسوعة "ويكيبيديا"، ولم أقرأها قط ولن أفعل أبداً، حوالى 1,844 مرّة، وأعلم أنّ عدد المرّات لم يرتفع اليوم لأنه ممنوع من دخول صفحتي حتّى العاشر من يونيو/ حزيران بانتظار إجراء تحقيق، لكن سيُجرى تحقيق لا لسبب سوى أنّ هذا الرجل أجرى 135 ألف تعديل خلال السنوات الـ 15 الماضية، وأجراها ليلاً نهاراً وخلال عيد الميلاد والأعياد الإسلامية وعيد الفصح ويوم نهائي الكأس، من دون توقف، بالتالي لا يُمكن أن يكون رجلاً واحداً ولا بدّ من أنها خليّة تعمل عبر موجِّه الإنترنت الخاص به وتُظهِر التعديلات تحت عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص به، لكنه عمل يفوق كثيراً قدرة رجلٍ واحد. "كين ليفنغستون"، حدث في الولايات المتحدة وضع مُشابه لما وُصِف للتو عن الانتخابات العامّة عام 2017، وفي تلك الحال لم تنتهِ الأمور كما يروقني ويروقك، لكن انتخاب "دونالد ترامب" في حدّ ذاته صفعة للإدارة الأساسية ووسائِل إعلامها التي أظهر 99 % منها العداء لـ "ترامب"، ومع ذلك فاز

كين ليفنغستون- عمدة لندن الأسبق: دائِماً ما شوّهت وسائِل إعلام الإدارة الأساسية صورة اليساريين، لكن خلال السنوات العشرين الماضية شهدت الطبقة العاملة وحدها في (بريطانيا) والولايات المتّحدة وأماكن أُخرى من العالم تراجعاً في المُستوى المعيشي وفقدوا الوظائِف التي امتلكوها من قبل. وبالنظر إلى الأمر، فاز "ترامب" بسلسلة من الولايات التي أيّدت الحزب الديمقراطي لعقود، لكنّها في الأغلب ولايات صناعية، ومُحيَت تلك الوظائِف الجيّدة تماماً كما حدث هنا في (بريطانيا) على يد "ريغان" و"تاتشر"، واستمرّ "كلينتون" و"بلير" في هذا الموقف، لذا بدأ الناس يشعرون بالغضب، ويُمكن أن يؤول هذا الغضب إلى تأييدٍ كبير مُفاجئ كما حدث في انتخاباتنا العامّة لمصلحة "جيرمي كوربين" وجدول أعماله اليساري أو لمصلحة "ترامب"، بالتالي أعتقد أنّ نسبة ضخمة من السكان بالفعل، هنا وفي الولايات المتحدة على حدٍّ سواء، ينتابهم الغضب ويبحثون عن بديل، إذ ما عادوا يُصدِّقون الإدارة حمداً لله

جورج غالاواي: المُسيطر الوحيد على صعيد التلفاز الأميركي، الذي لا يُهيمن على ذلك المجال بعد هو قناة "فوكس نيوز". فهي رائِدة الآن وتتغلّب قناتها الرياضية حتّى على المُنافسين الأساسيين، ولا يرى أيّ شخصٍ شاهدها أنّها تمُتّ بصلة للتقدمية أو الخير سواء على صعيد السياسة أو على صعيدي الذوق والأخلاق وسواهما، وثمة إجماع على أنها شبيهة بمنزل رُعب، لكنّها حظيت ببداية عالية الوقع أليس كذلك؟ هلّ نشهد نمطاً في هذا الصدد؟

كين ليفنغستون: انطلاقاً من انتخاب "ترامب"، عليّ القول أنني لا أذكُر أنني دُعيتُ يوماً إلى مُقابلة على قناة "فوكس" ولا يُفاجئني ذلك، لكنني أظنّ أنّ هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن. فإذا عدت 20 أو 30 سنة إلى الوراء سترى أنّه كان يُمكن توقُّع نتيجة كلّ انتخابات إلى حدٍّ بعيد. أمّا اليوم، فأظنّ أنّ الناس ينتابهم الكثير من الغضب لدرجة أنّهم يُغيّرون رأيهم وهم في طريقهم إلى مركز الاقتراع، كذلك يؤثِّر في الأمر أنهم ما عادوا مُضطرّين للاعتماد على عددٍ صغير من الصُحف أو بضع قنوات، إذ يُمكنهم الذهاب في شتّى الاتجاهات والحصول على مواقف ومعلومات مُختلفة، وتكمن المُشكلة أحياناً في أنها هي الأُخرى معلومات خاطئة أيضاً، لكن الحال ليست بالسوء الذي كانت عليه

جورج غالاواي: بات الوضع ديمقراطياً أكثر

كين ليفنغستون: بالفعل

جورج غالاواي: إذ بات الجهلُ خياراً اليوم، وإذا أردت أن تعرِف تفسيرات مُختلفة فيُمكنك ذلك بسهولة على الحاسوب أو حتّى على هاتف جوّال  

كين ليفنغستون: مع أننا نتذمّر من وسائِل الإعلام، فقد عانينا أنا وأنت عقوداً من الكذب والتشهير، لكن لو كنت أنا وأنت سياسيين يساريين نعيش في أماكن مثل (تشيلي) أو (الأرجنتين) لأُطلِقت النار علينا بدل من مُجرّد تشويه سمعتنا عبر وسائِل الإعلام

جورج غالاواي: لا تستبق الأحداث

كين ليفنغستون: (يضحك)

جورج غالاواي: من يودّ المُشاركة حول الجانب البريطاني أو الدولي لهذه المسألة؟ سيّدتي، هل يُمكنني الانتقال إليكِ؟ لأنني سمعتكِ تتحدّثين من قبل. أنتِ شخص عاش في (سوريا) ويعرِف (سوريا) الحقيقية، لكنّكِ عندما عُدتِ إلى إنكلترا اضطررت للقراءة هنا عن (سوريا) في أعين أشخاص كانوا سيجعلونها أسوأ بعشر مرّات مما كانت ستجعلها المشاكِل التي تُعانيها بالفعل، لا بدّ من أنّ ذلك أثار جنونكِ إلى حدٍّ ما

تامي كباني – ناشطة: أثار جنوني قليلاً وما يزال يفعل، وأعتقد أنّ الناس لا يُدرِكون أنّ وسائِل الإعلام يُمكنها أن تكون خطِرة وهي تُستخدم في الحروب الحديثة كسلاح قوي جداً

جورج غالاواي: تُضاهي خطورتها خطورة أيّ سلاح آخر غير تلك النووية

تامي كباني: تماماً، تُمثّل سلاحاً قوياً جداً، ولا يُدرك أشخاصٌ كثيرون أنّ وسائِل الإعلام السورية خاضِعة لرقابة حول العالم. إذاً يفترض الناس أنّ كلّ صوَر السوريين التي يرونها تُمثِّل (سوريا)، إلّا أنّ في (سوريا) 23 مليون سوري لا يحظون بفرصة للتعبير عن آرائِهم. كانت "يارا عبّاس" صحافية سورية يافعة نقلت الأخبار بشجاعة بالغة من خطوط المواجهة من أجل بلدها لكنها قُتلت لهذا السبب، وإحياءً لذكرى صحافيين من هذا القبيل أذكُر "سرينا شيم" التي لقيت حتفها في (تركيا) أيضاً لكنّ هذا الخبر لم تتم تغطيته. كان "ويليام هيغ" على الحدود الأُردنية السورية يُسلِّم مبلغ خمسة ملايين جنيه إسترليني من أموال دافعي الضرائب ووقفت "أنجيلينا جولي" إلى جانبه وكنت في (سوريا) حينها ولم تتم تغطية أية حادثة من هذه الأحداث. نظرت إلى ذلك الحدث، وقد وقعت أحداث مرعبة، فرأيت فتيات يُقتلنَ بإقحام أوتادٍ خشبية في حلوقِهِنّ على يدّ من تُسمّيهم هذه الدولة مُحاربين من أجل الحريّة لكن من المعروف أنهم تابعون لمنظّمات إرهابية. رأيت جنوداً يجري اقتلاع قلوبهم وأحشائِهم لتؤكل، وكنت أُشاهِد وسائِل الإعلام البريطانية حين كنت في (سوريا) وأرى أنّ رجل دين هنا كان يُروِج لكلّ ما يحدُث

جورج غالاواي: هذه إحدى أكبر المُفارقات التي شهدتها في حياتي، فلا يُمكنني التفكير في مُفارقة صارخة أكثر، وهي أنّ الأشخاص الذين صُنّفوا على أنهم ناشطون في حقوق المرأة كانوا جوقة تعمل لمصلحة "داعش" و"القاعدة" النقيضان للحركة النسائية أو أي من حقوق المرأة. بالتساوي، الأشخاص الذين يُصنّفون كقادة مسيحيين ظاهرياً على الأقل كانوا يعطون المال والمواد والأسلِحة لأشخاص كانوا سيقتلون كلّ مسيحي يصِلون إليه في (سوريا)

تامي كباني: لا يقتصر ذلك على المسيحيين

جورج غالاواي: أُشير إلى المُفارقة فحسب، أنتِ مُحقّة، كان من الممكن أن يقتلوا أيّ شخص أو حتّى أشخاصاً انتموا إلى طائِفتهم ودينهم

تامي كباني: قُطِعت إمدادات المياه في (حلب) من قِبَل المنظمات الإرهابية نفسها التي موّلتها وسلّحتها الولايات المُتّحدة و(أوروبا)، قَطعت هذه المنظّمات إمدادات المياه لكن وسائِل الإعلام لم تُغطِّ ذلك، فشهِدت (حلب) ظواهر جنونية. بالنسبة إلى العقوبات المفروضة على (سوريا) حالياً، كانت (سوريا) تُصنِّع مُعظم أدويتها، لكن العقوبات التي فُرِضت عليها إضافةً إلى البروباغندا التي نراها هنا كانتا عوامل في آلة الحرب وهي خطرة جداً، وأظنّ أنّ وسائِل الإعلام هنا تتمتّع بالدهاء، فلن يتقبل العامّة هنا أن يُقدِم بلدنا على قصف بلدٍ آخر إلّا إذا طرحنا ذريعة الأسلِحة الكيميائية ويُقدِّم المُحققون في استخدام الأسلِحة الكيميائية...

جورج غالاواي: ماذا حلّ في تحقيق "دوما"؟

تامي كباني: وصل المُحققون إلى (بيروت)، لكنّ الولايات المتحدة و(بريطانيا) و (فرنسا) قصفوا (سوريا) بينما كانوا لا يزالون في (بيروت) ولم يصلوا حتّى إلى (دمشق)، ولم ينبس أحد ببنت شفّة عن الأمر

جورج غالاواي: قالوا منذ نحو ستّ أو سبع أسابيع أنهم قد جمعوا عيّنات وأنهم سيصدرون تقريراً بعد ثلاث أو أربع أسابيع ويكاد يمرّ ضعف هذه المدّة لكن لا تقرير في الأُفق

تامي كباني: ومع ذلك تسمع عبر وسائِل الإعلام السورية قصص السُكّان الذين خرجوا من (دوما) و(الغوطة)، القصص التي يروونها مُرعِبة لكنك لا تسمع ما يحدُث من منظورهم

جورج غالاواي: بدأتم في سماع ما يحدُث في أجزاء صغيرة من وسائِل الإعلام البريطانية، فكان "أليكس تومبسون"، وهو مذيع وصحافي مرموق على القناة الرابعة، أوّل من رأيته خلال فترة الحرب الكاملة، ذهب إلى هناك ليتحدّث مع الناس وينقل ما قالوه بأمانة ومنحهم فُرصة ليُصرِّحوا به. سنتناول هذه المسألة بعمقٍ أكثر بعد هذا الفاصل                              

المحور الثالث:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن المشهد الإعلامي الدولي وحروب وسائِل الإعلام، من يخسر ومن يفوز وبمن يُمكن للمرء أن يثق؟ خرجنا بكاميرا "كلمة حرّة" إلى شوارِع (لندن)، لنرى ما قاله الناس  

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ وسائِل الإعلام الأساسية تُغطّي جميع القضايا أم أن أخبارها تأتي على نحوٍ انتقائي؟

رجل 1: تُغطّي أخباراً مُحدّدة

رجل 2: مُعظم وسائِل الإعلام مُتحيِّزة وهذا رأيي الخاص، وتُعطي معظمها معلومات تختارها

امرأة 1: تُغطّي الأخبار على نحوٍ انتقائي بالطبع، تختارها طبعاً

شاب 1: أثق بأنها مُتحيّزة إلى حدٍّ ما ولا تُعطي حقائق بحتة

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ وسائِل الإعلام الأساسية تُغطّي جميع القضايا أم أن أخبارها تأتي على نحوٍ انتقائي؟

شاب 1: أعتقد أنها تُغطّي الأخبار التي تختارها إذ أنّ صناعة الأخبار عمل تجاري لذا أعتقد أنّ على وسائِل الإعلام ألّا تُقرّر ما هي المسائِل التي ستُثير اهتمام جمهورهم فحسب بل ما الذي سيُحقّق أرباحاً أيضاً، لذا أعتقد أنّ المسألة تُوازن بين جني الأموال وبين أن يُركِّزوا كثيراً على ما سيعرِضونه

شاب 2: بالطبع تختار وسائِل الإعلام القضايا التي ستعرضها دائِماً

المُحاور: هلّ تثق بجميع الوسائِل الإعلامية؟

رجل 1: قطعاً لا

شابة 1: لا أثق بها

المُحاور: كم تثقين بالأخبار عموماً؟

امرأة 1: أُكرّر، أعتقد أنّ ذلك يعتمِد على التجربة الحياتية وعلى ما تعرِفه سابقاً وسواء أيعكُس ذلك الحقيقة في ما تراه أو لا. يُمكنك أن تُعمِّم ما تختاره وأن تفهم ما هو الواقع

جورج غالاواي: من جديد، يا لها من مجموعة ردودٍ لافتة من العامّة، نتناول الأخبار الكاذبة واستخدامها في أزمات دولية كُبرى، وأُريد التطرُّق بعد قليل إلى أزمتي (العراق) في عام 2002 و2003 بعد قليل، لكن الآن معك الميكروفون يا "روبرت ستيوارت" وأنت تبحث بلا هوادة منذ زمنٍ طويل في مسألة الأخبار الكاذبة في (سوريا)، أخبرنا عن الأمر

روبرت ستيوارت - صحافي: يتعلّق الأمر بتقرير مُحدّد نشرته الـ "بي بي سي" للمرّة الأولى تحديداً حينما كان البرلمان يُصوِّت على ما إذا كان ينبغي قصف (سوريا) في أُغسطس/ آب عام 2013

جورج غالاواي: حدث ذلك بالصدفة بالتأكيد

روبرت ستيوارت: تماماً. كان الأوان قد فات للتأثير في قرار أعضاء المجلِس البرلماني، إذ كان التصويت يجري بالفِعل، لكن التقرير عُرِضَ في وقتِ مثيرٍ للاهتمام وزُعِمَ أنّه يُظهرُ هجوماً بسائِل "النابالم" على مدرسة وآثاره، ما دفع الضحايا إلى الهرع إلى المُستشفى ليتلقّوا علاجاً. بصرف النظر عن أنّ الدكتورة الأساسية في التقرير هي إبنة شخصية مُهمّة في المُعارضة، أعلن أطباء مُسجّلون في المجلِس الطبّي العام أنّ اللقطات مُزيّفة، ثم تواصلت بنفسي مع أشخاص تحدّثوا عن شهود عيان في (سوريا) قالوا إنّ ذلك لم يحدُث قط ومن بينهم مُقاتل في الجيش السوري الحُرّ الذي أعلن أنّ هذا الحدث في (حلب) لم يقع قط. يشوب الأمر الكثير من التناقضات، وبغضّ النظر عن أنّ الحدث من المُرجّح أن يكون ملفّقاً، سمحت دراسة متأنيّة لبرنامج "بانوراما" أصدرته الـ "بي بي سي" بعد شهر بعنوان "إنقاذ أطفال سوريا" تضمّن حلقات مُطوّلة عن هذا الحدث يُظهِر فريق الـ "بي بي سي" المُكوّن من المُراسل "إيان بانيل" والمُصوِّر "دارين كونواي" مُختبئان مع مجموعة تُدعى "أحرار الشام"، وهي مجموعة كانت تابعة لـ "داعش" حينها وشارك في تأسيسها مسؤول ديني من أتباع "أُسامة بن لادن"، وهو شخص متورِّط في تفجيرات (مدريد) عام 2004. كان "أحرار الشام" يُقلّون "بانيل" و"كونواي" في جميع أنحاء (سوريا) ومرّوا في أحد حواجز "داعش" من دون أن يتعرّضوا لأذى، ويبدو ذلك لافتاً للنظر الآن. بدا ذلك ممكناً عام 2013 قبل المشاهِد الفظيعة التي أظهرت قطع الرؤوس، ولاحقاً في البرنامج، صوّرَ فريق الـ "بي بي سي" مركبة لـ "داعش" عن كثب وظهر مُقاتلون مُسلّحون يقفون في الجزء الخلفي منها، أعني في هذا البرنامج خطب بارز، ويأتي على إظهار الخُوَذ البيضاء ويصف "جون بيلجر" الخُوَذ البيضاء ككيان لـ البروباغندا. أُتّابع ذلك مع الـ "بي بي سي" منذ حدوثه، فاتخذتُ إجراءات تقديم الشكوى وصولاً إلى مجلِس الأُمناء فاستبعدوا كلّ المُلاحظات من أوّلها إلى آخرها، وهذا ليس مُفاجِئاً حقاً، فهذه مسألة جدية وليست مُجرّد مشهد يُظهِر "ديفيد أتينبارا" ينكُز مجموعة من النمل الأبيض بعصا لبثّ الحيوية فيها، ففي أفضل الأحوال من المُرجّح أنّ هذا ...

جورج غالاواي: بل الأمر هو توظيف وسائِل الإعلام الأساسية لمصلحة الحرب ومصلحة بروباغاندا الحرب. اسمح لي أن أستمِع إلى السيِّد خلفك. ما رأيك في الأمر سيّدي؟

رومين – طالب: أودّ أن أتوسّع في مسألة الحرب التي تطرّقتُم إليها

جورج غالاواي: قرِّب الميكروفون من فمِك ولتُعرِّف عن نفسك إذا سمحت

رومين: إسمي "رومن" وأوافق على بعض الأفكار التي أدلى بها الضيوف، إلّا أنني لا أزال أؤمن بأن نحظى بالفوز في أية حربٍ إعلامية لأنّ الشركات هي التي تتحكّم في الأمر. قلت أنّ "فيسبوك" و"ويكبيديا" قد انضمّتا إلى الحرب، لكننا نقول أنّهما تأخذان. مثلاً، تبيع "فيسبوك" بياناتنا بالفعل لكلّ هذه الشركات منذ ما يفوق العشر سنوات. قلت أننا نعيش في عصر الإنترنت الذهبي لكن عندما نأخُذ في عين الاعتبار أنّه يجري التحكُّم بنا عبر التكنولوجيا والإنترنت وسيغدو كلّ شيء خاضِعاً للتحكُّم بعد عشر سنوات فضلاً عن أنه بالنسبة إلى الأخبار الكاذبة يبدو كلّ شيء مختلِف تماماً اليوم. مثلاً، انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع عبر "فيسبوك"، جرى الاعتقاد أنّ مركبة تعرّضت للهجوم على يد مُسلمين في (بيرمينغهام) لكن مقطع الفيديو صُوِرَ في بلدٍ آخر

جورج غالاواي: عُذراً؟

رومين: في بلدٍ آخر. أظهر الفيديو مُشجعي فريق كرة قدم لكن 80 % من الناس الذين شاهدوه

جورج غالاواي: لن يعرِفوا..

رومين: الحقيقة، تماماً

جورج غالاواي: هذه وجهة نظر مُتشائِمة، فلنستمع إلى السيّد هنا لنرى إن كنّا سنُصادف تفاؤلاً أم سنُعزّز التشاؤم. تفضل سيّدي

ستيفن نورمان يونغ – مصوِّر: مرحباً

جورج غالاواي: فلتعرِّف عن نفسك أولاً

ستيفن نورمان يونغ: إسمي "ستيفن نورمان يونغ" وأنا مُصوِّر يلتقط صوَراً في الشوارِع حيثما ذهبت وصادفت قصصاً كثيرة. لكن أولاً، هل يُمكنني تهنئة (الأرجنتين) لانسحابها من المُباراة ضدّ (إسرائيل)؟

جورج غالاواي: أحسنتِ يا (أرجنتين)

ستيفن نورمان يونغ: لا بدّ من أنها كانت خطوة جريئة وأنا لستُ معادياً لـ (إسرائيل) أو أي شيء آخر، أنا مُجرّد شخص، لكنها كانت خطوة جيّدة على المُستوى الإنساني. سيكون من المثير للاهتمام كيف ستُصوِّر وسائِل الإعلام النجم الكبير "ليونيل ميسي" وأمثاله

جورج غالاواي: صرّحت وسائِل الإعلام الإسرائيلية مساء اليوم بأنها إساءة مُعادية للسامية

ستيفن نورمان يونغ: هاك ما أعنيه. بالعودة إلى فكرتك بأننا نعيش في العصر الذهبي للإنترنت ووسائِل التواصل الاجتماعي أعتقد أنك مُحق، لكنني أعتقد أنّ وسائِل الإعلام الأساسية تقف على شفير تطوّرها، في أنها تبتعِد عن الاتجاه السائِد لأنها لا تحظى بالمُشاهدات

جورج غالاواي: هذا الوصف غير صحيح في الواقع

ستيفن نورمان يونغ: نعم

جورج غالاواي: في أيّة طريقة تُعَدّ مثلاً صحيفة "الإندبندنت" إحدى وسائِل الإعلام الأساسية؟ فلا أحد يقرأها تقريباً وهي عبارة عن موقع إلكتروني مثل موقعك

ستيفن نورمان يونغ: بالنسبة إلى الفِكرة التي ذكرتها سابقاً عن ملايين الأشخاص هنا وعن عدد الصُحف التي تُباع يومياً، بالتالي، هلّ ما تزال تُعدّ وسائِل إعلام أساسية؟

جورج غالاواي: هذه فكرة سديدة وعلينا الكفّ عن منحها هذا اللقب المُبجّل. اسمح لي بأن أسألك عن ذلك. ما يتّضح من استطلاع الرأي ومن نتائِج انتخابات عام 2017 هو أنّ أُسلوبهم لا ينجح في (بريطانيا) كما أشرت، فقدت القلّة الحاكمة السيطرة على السردية إلى حدٍّ ما، فينبغي ألّا نُبالغ في تقدير حجم ذلك. مُعظم الأشخاص في (بريطانيا) إذا كانوا يوافقونك الرأي على أنه ينبغي ألّا نقصف (سوريا)، إذا كانوا يوافقونك الرأي فقد تؤيّدك نسبة 50 % في الأغلب، لكن يوافق جميعهم تقريباً على أنّ "بشّار الأسد" شخصُ سيّئ. بالتالي، تفقد القلّة الحاكمة السيطرة على السردية لكنّهم لا يزالون يُسيطرون عليها إلى حدٍّ ما. لقد شهِدت "ويكيبيديا" التي تحدّثنا عنها منذ بضع دقائِق نقاشاً كبيراً بين مُحرّريها، عمّا إذا كان صحيحاً أن يصفوني بمؤيِّد لـ "بشّار الأسد" أو مؤيِّد للحكومة السورية. وعندما عرفت ذلك غرّدت عبر "تويتر"، " لماذا لا تزورون موقع "يوتيوب" وتسمعون ما قلته فعلاً ونطقت به بفمي ألف مرّة ما قد يُنهي نقاشكم؟ لكن ذلك لا يضع حداً لحروبهم. لم ينجحوا في الجدال حول غزو (العراق) وكان ذلك قبل عصر الإنترنت إلى حدٍّ ما ومع ذلك حدث، وخسروا الجدال في شأن التدخّل في (سوريا) ومع ذلك أقدموا عليه وجرى على نحوٍ محدودٍ أكثر من الحجم الذي كان سيأخذه بدايةً، فكيف يُمكننا أن نُنشئ تواصلاً بين السُلطة الشعبية والسلطة الديمقراطية وسُلطة وسائِل الإعلام البديل وبين الطبقة السياسية؟

دان غلايز بروك – كاتب سياسي: لا بدّ وأن نُلاحِظ مسألتين، فإذا قلت أنّ 50% أو أكثر من الشعب قد يوافقون أنّ "بشّار الأسد" دكتاتور سيّئ ولا بدّ من إطاحته فلا أعزو ذلك إلى وسائِل الإعلام وحدها، فهذا الاعتقاد نتيجة قرون من غسل الأدمغة الاستعماري في هذا بلدٍ كهذا، وهو بلدٌ لم يتقبّل وجود أهوال في تاريخه الاستعماري واعتاد النظر إلى البلدان الآسيوية على أنها بربرية، والأفريقية على أنها متوحِّشة، ولا أقول أنها أفكار تسري في حمضنا النووي لكنّها متجذّرة في قرونٍ من الثقافة الاستعمارية ولم نتعامل معها ولم نواجهها علناً. إذا تناولت (ألمانيا) ترى في قلب (برلين) النصب التذكاري للمحرقة ويتعلّم التلامذة الألمان في المدارِس عن أهوال المحرقة ويعرفون أنّ الهزيمة فرضت عليهم نوعاً من الاعتراف بماضيهم لكن البريطانيين لم يواجهوا ذلك في رأيي، لذلك أرى أنّه لا يزال فيهم موقف بريطاني شوفيني عميق تجاه سائِر العالم. مهما كان رأيهم في تفاصيل حرب مُعينة لا يزالون يفترضون أنّ (بريطانيا) وحُلفاءها يملكون حقّ شنّ حروب على بُلدان أُخرى أولاً، وإذا كان النظام السياسي في بلدٍ ما مُختلفاً عن نظام (بريطانيا) السياسي فلا داعي لمعرِفة أيّ شيء عنه قبل التوصُّل إلى أنّه لا بدّ من تدميره. في مسألة الجماهيرية الليبية مثلاً، إذا قرأت المُناظرة البرلمانية ترى أنّ المُشاركين فيها شعروا بأن في إمكانهم الإعلان عن أنّه لا بدّ من تدمير هذه الدولة مع الاعتراف بالجهل التام بنظامها، وكأنّ أيّة معرِفة بنظامها لا علاقة لها بحكمهم وحقّهم في التوصُّل إليه، بالتالي لا أعتقد أننا نواجه وسائِل الإعلام فحسب بل ثقافة استعمارية عُنصرية كاملة

جورج غالاواي: بالطبع سنعود للاستماع إليكِ (متوجّهاً إلى تامي كباني)  

دان غلايز بروك: وبالنسبة إلى تحريك الشعور العام ضدّ الحرب ليُمثل قوّة فاعِلة مُناهِضة للحرب، أعتقد أنه ينبغي لليسار أن يُجري نقداً ذاتياً في هذا الصدد. نظّمنا في عام 2003 أكبر تظاهرة في التاريخ البريطاني لكنّها لم تضع حدّا للحرب، وأعتقد شخصياً، مع أنني لا أؤمن شخصياً بالأناركيّة لكنني أعتقد أنّ "الأناركيين" الذين كانوا يحثّون على أخذ خطوات مُباشرة، مثل أمرٍ شبيه بثورة ملوّنة، متّبعين قاعِدة "تعلّم من العدو، ولنبدأ ثورة ملوّنة، ولنبقى في البرلمان، ولنُحاصر البرلمان لأسابيع متتالية" حتّى يُقدموا على خطوات مُباشرة، لنحاصر قواعد سلاح الجوّ الملكي وما إلى ذلك. أعتقدّ أنه لا بدّ من أن نجري نقداً، وعلى اليسار أن يتواضع قليلاً بدلاً من تهنِئة نفسه على تنظيم تظاهرة كبيرة أُخرى، وأن يعترِف بأنّ هذا الأُسلوب فشل فما الذي يُمكننا تعلّمه لإنجاز الأمور بشكلٍ أفضل في المرّة المُقبلة؟ ولا أعرِف الإجابات كلها لكن لا بدّ من التفكير والنقد

جورج غالاواي: هذا رائِع، أُميِّز النقد الذي توجّهه إليّ على نحوٍ جميل

دان غلايز بروك: أوجِّه هذا الكلام لنفسي أيضاً

جورج غالاواي: بصفتي أحد قادة الحركة المُناهِضة للحرب لم أتقبّل ذرائِع الإجراءات المُباشرة وفكرة الثورة المُلوّنة التي ذكرتها للتوّ، لكن بالنظر إلى أننا فشلنا بالرغم من تحريك ملايين الناس، فربّما وجهة نظرك سديدة، وسنتوسّع في الأمر بعد الفاصل    

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" ووصلنا إلى الفقرة الأخيرة، لذا فلنستكمِل سريعاً. "جوناثان ستيل" و"كين ليفنغستون" كلاهما معي هما الشخصان الوحيدان في الجمهور اللذان يبلغان ما يكفي من العُمر ليرُدّا على السؤال التالي، وسأطرحه على "جوناثان" أولاً. لماذا يخضع بعض الناس لأنظِمة بينما يخضع آخرون لحكومات؟ لماذا تمتلِك (السعودية) حكومة بينما تملك (سوريا) نظاماً؟ كيف يُعدّ "الأسد" دكتاتوراً وقد جرى انتخابه؟ والانتخابات هناك ليست جيدة بقدر انتخاباتنا وأُعبِّرُ عن ذلك ضاحكاً، لكنّها تبقى انتخابات، وهذا أفضل مما يُمكن قوله للتعبير عن (السعودية)، وكيف يُمكن أن نُخدَع بكلّ سهولة بما يلي؟ كنّا نحن الثلاثة أحياء عندما اعتُبِر "عبد الناصر" "هتلر النيل" بينما اعتُبِرَ "صدّام" "هتلر الفرات" واعتُبِرَ "القذّافي" "هتلر النهر الأخضر" و"الأسد" "جزّار دمشق". يبدو أنّ وسائِل الإعلام تبدأ بتنفيذ هذه الأساليب بلا عناء، وحسب خبرتك هلّ يتوقف الصحافيون لبُرهة ليُفكّروا أنهم قالوا: "قلنا ذلك عن شخصٍ سابقاً وانظروا إلى ما آلت إليه الأمور"؟ وكيف يفسّرون لأنفسهم هذه الفِكرة في صدد الحكومات والأنظِمة مثلاً؟

جوناثان ستيل – مراسل الغارديان السابق: يغدو الأمر غير شعوري، فتُستخدم هذه الكلمات السيئة تلقائياً لتُشير بفكرة إلى القارئ، فهي إشارات صغيرة إلى القارئ ليعلَم أنّ هؤلاء الأشخاص الذين لا نُحبّهم نُسمّي حكمهم نظاماً، أمّا هؤلاء فنُحبهم لذلك نُسمي حكمهم حكومة. تُستخدم اليوم عبارة "مدعوم إيرانياً" وهي تعبير مجازي جيّد، فيُقال أن المتمردين الحوثيين في (اليمن) يلقون دعماً إيرانياً ما يعني أننا لا نُحبهم لكننا لا نقول إنّ الجيش السعودي يلقى دعماً غريباً و دعماً أميركياً. هذه الإشارات قوية أكثر على المُستوى اللاشعوري المخفي الذي يُملي على الناس ماذا يُفكّرون، ولو صرّحت وسائِل الإعلام بكلّ بساطة أن الحوثيين أشخاص فظيعون بينما من هم في الحكومة السعودية أشخاص رائِعون أو ما شابه، لكن أُسلوبها أكثر غموضاً بكثير من ذلك. أردت التطرّق إلى المسائِل التي يجري التغاضي عنها في أحيانٍ كثيرة. رأينا مثالاً جيداً جداً هذا الأُسبوع، فقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً جيد جداً عن نتائِج قصف (الرقة) من قِبل الولايات المتحدة بشكلٍ أساسي و(بريطانيا) إلى حدٍّ ما في عملية تحرير (الرقة) من "داعش". هذه قصة كان يُمكن لأي صحافي غربي يعمل في صحيفة غربية أساسية أن يحصل عليها بنفسه، لماذا تُرِك الأمر لمنظمة العفو كي تُجري هذا البحث؟ لأنه لم يكن في إمكان أحد الدخول إلى (الرقة) أثناء القصف، كان عليك افتراض وقوع إصابات كثيرة في صفوف المدنيين، وأوّل ما كان ينبغي أن يحدُث بعد تحرير (الرقّة) هو إرسال كثيرٍ من الصحافيين إليها لاكتشاف ما الثمن الذي دفعه المدنيّون من سكّان (الرقة) مقابل هذا التحرير، لكن لم يُقدِم أحد على ذلك. الأمر سيّان بالنسبة إلى (الموصل) في (العراق) بعد القصف الجوّي والمِدفعي المُكثّف على يد الولايات المتحدة والجيش العراقي الذي تدعمه. أرسلوا عدداً قليلاً من الصحافيين ليدخلوا المدينة ويتفقدوا عدد الإصابات، أمّا في (الغوطة) الشرقية شرقيّ (دمشق) أو في (حلب) منذ نحو عام، رأينا تغطية مُستمرّة للقصف الروسي وقصف القوات الجوية الروسية وما كان يحدُث وكلّ تلك التصريحات عن عدد الإصابات. لم يتواجد مراسلون على الأرض لعدم توفُّر إمكانية الوصول إلى هناك إذ كانت مناطق يُمكن أن تتعرّض فيها للخطف أو أن يُقطع رأسك فيها إذا دخلت كصحافي حين خضعت لسيطرة "داعش". مرّة أُخرى، عندما انتصر جيش الحكومة السورية في (حلب) لم يذهب أيّ صحافي إلى هناك ليرى ما الذي حلّ بها، وبلّغوا حينها أنّ أشخاصاً قد فرّوا إلى (إدلب) لأنهم أرادوا الهرب لكنهم لم ينقلوا أنّ الغالبية العُظمى من الأشخاص الذين خرجوا من شرقيّ حلب عندما فُكّ الحصار ووقف القصف، ذهبوا إلى غرب (حلب) الخاضعة لسيطرة الحكومة وكانوا أسعد بالعيش في ظلّ سيطرة الحكومة أكثر من الذهاب إلى مُخيّمات اللاجئين في الشمال الخاضعين لسيطرة المُعارضة، بالتالي، يحكُم تحيّزاً تاماً الأحداث التي تُغطّى وتلك التي لا تُغطّى وكيف يتم تغطيتها والتغاضي عنها

جورج غالاواي: "كين ليفنغستون"، لا نذكُر لصغر سننا حينها الفترة التي شوِّهت فيها سمعة "عبد الناصر" وسُمي "هتلر النيل"، لكننا نتذكّر بوضوح التحريف والبروباغندا اللذان أدّيا إلى حرب (العراق) التي جرى تكرارها في (ليبيا) وبعد ذلك في (سوريا)، هل ينتج ذلك كما أُشير للتوّ من استشراف؟ هلّ هو في حِمضنا النووي نحن كشعب في ظلّ تاريخنا الإمبريالي وما إلى ذلك؟ ربما أنت مُحقّ في أنه لا يُمكننا أن نلقي اللوم في هذا على الصحافيين فهو بمثابة عقيدة سائِدة في (بريطانيا) أليس كذلك؟

كين ليفنغستون: كبرت وأنا أسمع أنّ لدينا إمبراطوريّة رائِعة وأننا ساعدنا في تعزيز أشخاص يُعانون من الفقر المُدقع إلى أن استطاعوا الاعتماد على أنفسهم، وبعدها تُدرِك أننا كنّا ننهب المواد الخام في جميع أنحاء المُستعمرات تقريباً بالمعنى الحرفي. أردنا الإطاحة بـ "عند الناصر" ليس لأنه كان فاشياً أو ما شابه بل لأنه أخذ السيطرة على قناة (السويس) من يد (بريطانيا) واستخدم الأموال التي نتجت منها لمصلحة الشعب وفي الطريقة التي...

جورج غالاواي: لقد فعل "مُصدّق" الأمر نفسه قبل ذلك بسنوات قليلة

كين ليفنغستون: نعم، في عام 1953. وطَّنَ شركات النفط البريطانية في (إيران) فأطحنا به لتقبع (إيران) تحت دكتاتورية وحشية في ظلّ الشاه مدّة 25 عاماً، والحقيقة أننا خُدِعنا خلال تاريخنا وبدأت تتكشف الأمور الآن شيئاً فشيئاً. إذا عدت بالتفكير إلى عام 1960 فأذكُر أنّ "كينيدي" فاز في الانتخابات الرئاسية بعد أن وعد بأن يُغلِق الفارِق في عدد الصواريخ مع (روسيا) وبعدها حصل على تقرير مُختصر أولي من البنتاغون أشار إلى أنّ (روسيا) تملك أربع صواريخ يُمكنها أن تقصف الولايات المتحدة بها بينما امتلكت الولايات المتحدة 350 صاروخاً يُمكنها أن تقصف بها (روسيا). "كينيدي" رجل عمِل في مجلِس الشيوخ مُدّة ثماني سنوات وكان على وشك أن يتولّى الرئاسة لكنّه لم يعرِف الحقيقة، أمّا الآن، فمما سمعناه من الجمهور نُدرِك أنّه يُمكنك معرِفة الحقيقة. فقد سرّب أشخاصٌ عُظماء شُجعان مُستندات حكومية سرّية وسواها فباتت المعلومات مُتاحة ويُمكننا أن نجدها، لذا أعتقد أنّ الحال أفضل إلى حدٍّ بعيد مما كانت عليه خلال طفولتنا

جورج غالاواي: نعم، الحال أفضل من هذا الجانب مع أنّ المُبلّغين أو الأشخاص الذين بُلّغوا دفعوا ثمن ذلك بالطبع

كين ليفنغستون: بالطبع

جورج غالاواي: فـ "سنودن" منفي في (موسكو) و"أسانج" في منفى محفوف بالمخاطر في سفارة (الإكوادور)، ودخلت "تشلسي مانينغ" السجن لسنوات عدّة، وحتّى أنّ عناصر شرطة مُسلّحين داهموا شقتها في هذا الأُسبوع وكانوا يتفقّدون سلامتها حاملين أسلِحة آليّة

كين ليفنغستون: في حال تولّت سُلطة بلدنا حكومة لائِقة، آمل أنّ أوّل ما تفعله هو السماح له بترك سفارة (الأكوادور) وإخباره بأننا " لن نُرحِّلك إلى الولايات المتحدة لأننا نعرِف نوع القضية التي تواجهها، لقد قمت بعملٍ صائِب وأخبرتنا الحقيقة"، ينبغي أن نُكافئ هؤلاء الأشخاص لا أن نُشارِك في مُضايقتهم

جورج غالاواي: سيّدتي، تعرِفين (سوريا) أكثر من أيّ شخص آخر في هذه الغرفة ربما، ما تقييمكِ لوسائِل الإعلام العربيّة؟ من وجهة نظري، ما عدا "الجزيرة" و"روسيا اليوم" و"الميادين"، كلّ القنوات الأُخرى خاضعة لسيطرة دولها أو أسوأ، أي أنها تعمل لمصلحة دول أجنبية. تحطّمت مصداقية "الجزيرة" في (ليبيا) وفي ما يتعلّق بـ (سوريا) على وجه التحديد حيث أصبحت بصراحة مكان نشر الفيديوهات المحضّرة في المنازل للجهاديين المُتشدّدين وبالتالي "الجزيرة" في تردٍّ. من وجهة نظركِ وخبرتكِ، ماذا يستفيد العربي الاعتيادي في الشارِع من وسائِل الإعلام في بلده وتلك العربيّة إن كنتِ تعرِفين الإجابة؟

تامي كباني – ناشطة: أعتقد أنّ الناس هناك يملكون معلومات أكثر قليلاً وسأُعطيكَ مثالاً. أمضيتُ وقتاً في قرية (البرصة) السورية وفي مُخيّم (اليرموك) وسافرت إلى (حلب) وجلت في (حمص)، لذا أتمتّع بكثيرٍ من الخبرة في أماكن عدّة مُختلِفة واستطعت أن أُكوِّن رأياً من مُنطلقٍ موضوعي جداً، كذلك سافرت في أنحاء (لبنان)، لكن أعتقد أنّ الناس يتمتّعون بالوعي عموماً وربّما يُدرِك العرب في بلدنا الوضع الحقيقي لكنّهم يُعانون بعض الخوف من التحدّث عن الأمر، لذا من المُفاجئ أن يتقدّم شخص ويتكلّم لأن هذا يُشجِع الشخص هنا على أن يتحدث بسوء عن بلده إذا كان من (سوريا) ولن يحصل على المُساعدة إذا كان يُحاول إنقاذ نفسه من وضعٍ ما إلّا إذا تحدّث بسوء عن بلده، وأودّ القول للعِلم أنّه عندما نتحدّث عن أشخاص خرجوا من (سوريا) قبل تدخّل (بريطانيا) فيها نلحظ أن نسبة طلبات اللجوء من السوريين كانت أقلّ من واحد بالمئة على الأرجح بين العامين 2004 و2005، لكن تغيّر ذلك منذ تدخُّل بلدنا. لكنّ خوفاً ينتاب الناس، فلا يُحبّذون التصريح بما يحدُث فعلاً إذ قد يتعرّضون للهجوم بسبب ذلك، ومن المًشجِّع أن نسمع أشخاصاً يقولون أنهم يبحثون عن وسائِل إعلامٍ أُخرى غير أنهم يعودون للاستماع إلى وسائِل الإعلام نفسها لذا لا يدركون المسألة، كذلك بالنسبة إلى التحقّق من الحقائِق وكلّ ما سمعناه عن الأسلِحة النووية. في السبعينات وقّع أكثر من 190 بلداً مُعاهدة نزع الأسلِحة النووية، ومع ذلك البلدان الرائِدة بما فيها الولايات المتحدة و(بريطانيا) هي الدول التي تُطوِّر أسلِحتها النووية ولا تحترِم تلك المُعاهدة وتتحدّث عن بلدان أُخرى مع أنها تبيعها أسلِحة نووية لكن هذه الأخبار لا تُغطّى، ولا تتطلّب معرِفة ذلك إلّا تحقّق بسيط من الحقائِق يُمكن إجراؤه بسهولة. لكن من بين جميع البلدان، على (بريطانيا) أن تذكُر أنّها وقّعت المُعاهدة وجدّدت تعهّدها في التسعينات، والمُعاهدة سارية إلى أجلٍ غير مُسمّى. إذاً وقّع البريطانيون على المُعاهدة التي وافقوا بموجبها على نزع أسلِحتهم النووية لكنّهم لم يفعلوا

جورج غالاواي: أخيراً "ستيف توبل"، قال أشخاص عدّة في استطلاع الرأي إنّ وسائِل الإعلام تُسلِّط الضوء على مسائِل وتنشرها وتُبرزها بحسب ما ستلقى رواجاً أو بكلامٍ آخر، يُحركها دافع تحقيق الأرباح. لا أوافق على ذلك شخصياً ولا أتقبّله لأن المرء لا يحقّق أرباحاً عندما يملِك صحيفة في (بريطانيا) بل في الواقع، يعني أن يملِك المرء صحيفة أنّه سيتكبّد خسائِر فادحة، وبالطبع ما تزال بعض الإذاعات التجارية تُحقق أرباحاً لاسيما على الصعيد الفضائي، لكن المحطات التجارية الأرضية حتّى ليست شكاً على بياض كما كانت يوماً. يدخل الأشخاص إلى الإعلام ليُعززوا خطّهم أو خطّ أحد آخر ربّما ويملأ جيوبهم بالمال في الخفاء أو العلن وأنت جزء من التقليد، أليس كذلك؟ فأنت لا تعمل في موقع "الكناري" لجني المال لأنني أعلم أنك تكاد لا تستطيع البقاء على قيد الحياة من عملك في "الكناري" الذي يقرأه الملايين ولا يجني "الكناري" أرباحاً. تكتبون أنت وزملاؤك أموراً لأنّ لديكم وجهة نظر تُريدونها أن تصل إلى العالم ولأنكم اكتشفتم أنّ عدداً كبيراً جداً من الناس يُشارِكونكم وجهة النظر هذه

ستيف توبل – صحافي مُستقل: تماماً، أعتقد أنك لخّصت المُشكلة، فكما أشرت على نحوٍ صحيح، إذا ذكرنا مثلاً "جيمس هاردينغ" الذي عمِلَ مُديراً لقسم الأخبار في السابق في "البي بي سي"، كان صديقاً مُقرّباً لمُستشار (بريطانيا) السابق "جورج أوزبورن" أليس كذلك؟

جورج غالاواي: هذا محض صدفة

ستيف توبل: بالطبع، ولم تتعلّق بأية اعتبارات أُخرى لأنّ "رونا فير هيد" وهي الرئيسة السابقة لمجلِس أُمناء الـ "بي بي سي"، وهي الهيئة المُشرِفة للشبكة التي عملت لمصلحة "ديفيد كاميرون" في مكتب رئيس مجلِس الوزراء حين تولّى هذا المنصب، ولا شيء مُريب هنا أيضاً وأعتقد أنّ ما تقوله صحيح، فليس من المُربِح أن تُدير صحيفة اليوم ولهذا تزول الصُحف ببطء في بلدنا، لكن لدى هؤلاء الأشخاص مصالِح خاصة. كذلك أيضاً، لدى أشخاص مثلي مصلحة في نشر رأيي لأنني أرى ظُلما مُجحِفاً وأشعُر أنّ عليّ أن أفعل شيئاً حيال الأمر، هذا دافعي، بينما تتمثل دوافع هؤلاء الأشخاص بالحفاظ على الشركات التي يملكون حصصاً فيها والتأكّد من عملها بسلاسة لكي يُنمّوا محفظة أسهُمهم، وهي دوافع مُختلِفة لكنّها مسألة شخصية كما أشرت

جورج غالاواي: مع فائِق احترامي لك "جوناثان"، أنا أحد الأشخاص الذين يؤمنون بالتالي، عندما يُخنَق آخر مُحرر بآخِر نسخة من صحف (بريطانيا) الأساسية سنغدو أحراراً فعلاً. كنتم تُتابعون قناة "الميادين" مساء اليوم كما فعلتم خلال السنوات الستّ الماضية واليوم ذكرانا السنوية. كنّا أقوياء وبتنا أقوى ومثَّل هذا البرنامج جزءاً من ذلك، لذا أود أن أشكركم لمشاهدتكم هذا البرنامج في السنوات الستّ الماضية، وإن أبقاني الله أعِدكم بستّ سنوات أُخرى. كنتم معي أنا "جورج غالاواي" وكان لقاءً رائِعاً