حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

جود سعيد - مخرج سينمائي سوري

وفا سرايا: أهلاً بكم. رُقيّ وتطوّر المجتمعات لا يُقاس بنسبة الغنى، إنّما بالموروث والمخزون الحضاريين اللذين يعبّر عنهما بالإبداع فنّاً وإنتاجاً إن كان عبر المسرح أو السينما. فالقلّة المبدعة هي التي تواجه التحدّيات والأزمات لخلق واقعٍ جديدٍ في مفهوم التحدّي والإستجابة. والفنّ السابع لم يكن يوماً غائباً عن المشهد السياسي. فالحرب في سوريا قتلت البشر والشجر والحجر، لكنها لم تسلب الطاقات الإبداعية من الناجين من دمارها وهولها رغم الصعاب وقلّة الإمكانات.

 

يقول المخرج العالمي روبيرتو روسيليني لا أريد أن أصنع أفلاماً جميلة، أريد أن أصنع أفلاماً مفيدة، وهذه المقولة تُترجَم في أعمال ضيفنا لليوم، فهو يعتقد أن دور الفن في طرح الأسئلة وليس في إيصال الرسائل، وفي أن حريّة الفن تكمن في الذهاب الى النقاط المظلمة وتسليط الضوء عليها. طارحاً سؤاله الأساسي في سلسلة أعماله السينمائية، هل كل هذه الحروب هي حروبٌ على الهوية؟ منذ "إنتظار الخريف"، "مطر حمص"، مروراً ب"درب السماء"، "مسافرو الحرب"، وصولاً الى "رجل وثلاثة أيام"، الفيلم الذي أثار منعه في مهرجان السينما العربية في باريس جدلاً واسعاً.

 

فما خلفيات هذا القرار؟ ما الأهداف التي تحققها الجهات الضاغطة سياسياً على المهرجانات العربية والعالمية، من دون الإطّلاع على المحتوى الفنّي أو الفكري للأفلام الممنوعة من العرض؟ ماذا عن دور الفنّ في الحروب وكيف يواجه الفنّان العربي وتحديداً السوري هذا الواقع؟

هي أسئلةٌ كثيرةٌ نطرحها اليوم على ضيفنا في حوار الساعة، المخرج السينمائي السوري جود سعيد. أهلاً بكم من جديد الى حوار الساعة.

 

أهلاً وسهلاً بك جود من جديد على شاشة الميادين في حوار الساعة، هذه المرّة الأولى في برنامج حوار الساعة.

نحن اليوم نلتقي بعد منع الفيلم الأخير لكم، هو ليس الأخير ولكن هذا الفيلم كان مطروحاً بهذا المهرجان مُنع "رجل وثلاثة أيام"، برأيكم هل يُحاسَب اليوم الفنّان أو السينمائي أو المخرج على أعماله الفنّية دون الإطّلاع على المحتوى ولكن على الفكرة السياسية التي يطرحها؟

 

 

جود سعيد: للأسف هذا الشيء نراه أكثر وأكثر في السنوات الأخيرة، وليس فقط معي، أي ليس فقط مع الفنان السوري عموماً، حتى هناك توجّه عام يزيد التسييس حتى في المهرجانات الكبيرة، حصلت مواقف مع مخرجين كبار سواءً لجهة النُكات أحياناً أو المُزاح، هذا حصل منذ أكثر من سنتين في مهرجان كان، وغيره.

في الحالة السورية الإستقطاب السياسي الحاصل ينعكس بشكل مباشر على الفن في سوريا ولا سيّما الفنّ الذي يُصنَع في داخل سوريا.

 

 

وفا سرايا: هل تفاجأتم بهذا القرار، بلد كباريس فرنسا هي نموذج لهذه الحريات، أن يصدر القرار في مهرجان يُقام في فرنسا، بمنع فيلمكم من العرض؟

 

 

جود سعيد: صراحةً أنا حين أرسلوا لي الدعوة الرسمية، أو منذ بداية التواصل من أجل الفيلم وأرسلنا الفيلم، حين وصلت الدعوة الرسمية سألتهم هل ستسحبون الفيلم لاحقاً أم لا؟ بشكل جدّي، قالوا لا، طبعاً لا، قلت لهم أكيد؟ لا تعذّبوني، قالوا لن نعذّبك.

 

 

وفا سرايا: لماذا؟ لأن لديك تجارب سابقة؟

 

 

جود سعيد: يوجد سوابق، أنا أعلم أن هناك عالم ستكون نائمة وستصحو، أنه يوجد فيلم لجود في المعهد العالم العربي إذاً هيّا أصبح لدينا عمل.

 

 

وفا سرايا: الحساسية من اسم جود دون النظر الى ما يقدّم جود الآن؟ تختلف الأفكار التي عُرضَت بالأفلان التي قدّمتها من بداية الأزمة السورية وحتى قبل الأزمة، ولكن لنتحدّث منذ إنتظار الخريف وصولاً الى اليوم.

 

 

جود سعيد: لا أعتقد أن هناك حساسية من اسمي، إن كانت من اسمي ليُخبرني وأغيّره رغم أنني أحبّه. أعتقد أن المشكلة في مضمون وشكل الأفلام، بمعنى في قيمته الفنّية، وربّما هذه أوّل مرّة أقولها، أعتقد إن شاهدوا أفلام أخرى، طبعاً لا أقول أن كل الأفلام سيئة أو كذا، بالعكس هي أفلام جيّدة جداً تُنتَج في سوريا، إذا شاهدوا فيلماً سيّئاً مقبولاً في أحد المهرجانات يتركونه، لا أحد يحاول أن يقول لا..

 

 

وفا سرايا: سيئ من أي ناحية؟

 

 

جود سعيد: فنياً ومضموناً، هناك بعض بعض التجارب فيها القليل من التبسيط لما يحصل في سوريا، فلا مشكلة عندهم ويتركونها لأن انظروا ماذا يُنتَج في داخل سوريا. هذه حقيقة.

حين يكون هناك تجربة وجدوا أنه تمّ التوقّف عندها، تطرح مضامين مختلفة، تقارب الحديث السوري ليس من وجهة نظر نقل دون تشغيل العقل، على العكس، تُقارب ما يحصل في سوريا من زاوية خاصّة قد تكون، تعالج الشخصيات بطرق مختلفة، تقف أمام معاناة الإنسان، الفرد السوري، مهما كان إنتماءه، فهنا يوقفونه.

 

 

وفا سرايا: تخاف من أثر طرح هكذا أفكار في هكذا قالب فنّي.

 

 

جود سعيد: بالضبط.

 

 

وفا سرايا: إذا أردنا أن نتحدّث عن رجل وثلاثة أيام، هنالك أفلام عديدة لك وذكرناها بالمقدّمة، منذ بداية الأزمة السورية الأفلام السينمائية لك جود، ما هي القصة التي يريد إيصالها، أو الرسالة، مع أنك تقول نحن نطرح الأسئلة، أو السؤال الرئيسي الذي يودّ إيصاله الى المشاهدين؟

 

 

جود سعيد: بالمناسبة هذا الفيلم، ولو بإختصار، هو أساساً من أحبّ الأفلام الى قلبي.

 

 

وفا سرايا: هي قصّة حقيقية؟

 

 

جود سعيد: تمام، هذا الذي أردت قوله، رواها لي صديق مخرج محمد عبدالعزيز، حصلت مع أحد أقربائه، طبعاً ليس بالصيغة التي رأيناها بالفيلم لكن الحادثة الرئيسية أن يتّصل شخص ما بكِ ليقول لكِ توفّي قريبه، وهو ابني، رجاءً أوصليه لي، أنا أراها تلخّص الكثير من جوانب ما يحصل في سوريا لأنه لم يبقَ للسوري، لو كنتُ أقولها بابتسامة وهي ابتسامة وجع أكيد، حتى أن يجد مكاناً ليموت فيه، ليحضنه التراب كما جرت عاداتنا في بلداننا.

 

 

وفا سرايا: هذا يستذكرني بكتاب "الموت عمل شاق" حتى بات هذا الواقع السوري للأسف جود، ولكن ما الذي كان يميّز رجل وثلاثة أيام عن باقي الأعمال المتواجدة أو التي ستُعرَض بهذا المهرجان، التي دفعت الجهة، التي تعرّضت بطبيعة الحال لضغوطات سياسية لمنع عرضه؟ أي الهاجس الأساسي لهم بالنسبة لمنعه.

 

 

جود سعيد: أعتقد أولاً رجل وثلاثة أيام فيه مساحة من حرية القول، أظنّها واسعة للغاية، الفيلم يُعرّي بعض نماذج الشخصيات في سوريا التي عاشت الحرب وقبلَت بشرطها وبدأت تصنع اسمها على أساس ما يحصل، دون أن يكون لها حقّ في أن تتواجد على الساحة الفنية أو غير الفنية. فالفيلم يطرح أسئلة الإنسان على ذاته، أنا أمام الموت هل أُعيد محاسبة نفسي أم لا؟ فهو دعوة لكل واحد منّا، أظنّ كلنا تلوّثنا في الحرب دون نقاش.

 

 

وفا سرايا: صحيح، كل الأطراف حتى إن كانت مؤيّدة لهذه الحرب أم لا، الكل تراجع عن موقفه في النهاية لأن الأذى هو الذي ظهر.

 

 

جود سعيد: وكلّنا تلوّثنا نحن كأشخاص، تصرّفاتنا، نفسيّتنا كلها لم تعد سويّة. نحن بحاجة لأن نقف أمام المرآة لنقول ماذا فعلنا بأنفسنا؟ كلنا.

 

 

وفا سرايا: أنا أريد أن أسألك، ما الذي غيّرته الحرب في السوريين، وما الذي غيّرته أيضاً بالنظرة الفنيّة بنقل هذا الواقع السوري، ربّما إن كان سينمئياً أو حتى دراما، تلفزيون، مسرح؟

 

 

جود سعيد: أعتقد بالشقّ الثاني، بات صنّاع الفنّ السمعي البصري عموماً أكثر جرأة على القول، هذه يجب أن نعترف بها، وباتوا أكثر جرأة على المطالبة بحقّ القول.

من الناحية الأخرى ماذا غيّرت في السوريين؟ للأسف كما تفضّلتِ بالمقدّمة أنا أعتبرها، ولا زلت، هي حرب هوية وعلى الهوية، مَن يشنّ الحرب هو يشنّها على الهوية ومَن اضطُرّ الى خوضها، أنا مدني ولكن بشكل من الأشكال أنا عشت هذه الحرب، أنا أدافع عن هويّتي، مَن أنا وما هو هذا المجتمع الذي أعيش فيه؟

 

فاليوم هناك أسئلة جديدة تُطرَح على السوريين لإعادة بناء هذه الهوية السورية، التي أنا برأيي لم تسقط، الهوية السورية بمفهومها النظيف، بإرثها الحضاري لم تسقط وبقيت ويجب أن تعود الى الواجهة بشكل صحّي أكثر.

 

 

وفا سرايا: هل بقيت فنياً؟ هل نُقلَت بالشكل الصحيح؟ ستُجيبن على هذا السؤال ولكن ستنضمّ إلينا الآن من القاهرة عبر الهاتف الناقدة السينمائية الأستاذة ناهد صلاح الدين. أهلاً بك أستاذة ناهد. بدايةً، لا أدري إذا تابعتِ أعمال جود سعيد ولكن هو كان ينقل الواقع السوري، الأزمة السورية التي كان يعيشها كل مواطن سوري متواجد منذ عام ٢٠١١ حتى عام ٢٠١٨. لماذا يُحاكَ٬ الفنان اليوم على ما يُقدّمه من محتوى فكري دون الإطّلاع على هذا الإبداع الذي يقدّمه؟

 

 

ناهد صلاح الدين: بدايةً أهلاً بكم وأن سعيدة بالإنضمام لكم وبتواجدي مع الأستاذ جود سعيد، وأنا كناقدة سينمائية أكنّ له الكثير من الإحترام وأتابع تجربته بشكل جيّد، وللحقيقة أن أهمّ ما يميّز تجربة جود سعيد هو المنحى الإنساني الواضح جداً في أفلامه والذي إن جاز التعبير (يهرب من شخص الخطاب السياسي). ربّما أزمة رجل وثلاثة أيام هي أزمة مُثيرة للدهشة، ما حدث في باريس مدينة النور والحرية أن يعود مهرجان عربي بعد إنقطاع ١٢ عام، ومن أهم أهداف هذا المهرجان التعريف بالسينما العربية في أوروبا، إذاً فمنع الفيلم وهو فيلم عربي سوري من حقّه أن يُعرَض على جمهور يحتاج التعرّف على الجديد في السينما العربية السورية.

الغريب أيضاً أن يكون السبب في منع الفيلم أنه من إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، والله فعلاً أمر عجيب جداً، المؤسسة التي أنتجت قبل الأزمة السورية وتُنتج الآن بعد الأزمة وستظلّ تُنتج، من العقل هل يوجد عاقل يمكنه قبول وقف الإنتاج في المؤسسة العامة للسينما السورية؟ أنا لا أقبل فكرة محاكمة الفنان أو المبدع، هناك فيلم لا بُدّ أن يُعرَض ويكون التقييم للفيلم على أساس مقوّماته الفنّية وليس على أساس سياسي.

بصرف النظر عن السبب الحقيقي للمنع فلا يمكن قبول هذا المنع كحقّ راسخ، لا يمكن قبول تعطيل أي صوت إبداعي للخروج الى النور، لأنه حتى لو كنتَ يا أخي تختلف معه فعلى الأقلّ افعل كما قال الفرنسي فولتير "قد أختلف معك في الرأي لكنني مستعدٌ أن أموت دفاعاً عن حقّك في أن تقول رأيك".

 

 

وفا سرايا: إذاً لماذا برأيك أستاذة ناهد أخذ هذا المهرجان، بعد كل هذا الغياب، نتحدّث عن ٨٠ فيلم وثائقي وروائي طويل وقصير، لماذا اتُخذ هذا القرار؟ هل تعرّض لضغوط سياسية وهل حوكم عمل جود فقط لأنه تابع لجهة منتجة، للمؤسسة العامة للسينما السورية، وكأنها تحاسب حتى المؤسسة العامة على إنتاجها السينمائي في ظلّ هذه الحرب؟

 

 

ناهد صلاح الدين: أنا لا تفاصيل واضحة عندي ولكن في العقل والمنطق أنه لا يمكن أن يكون قرار سياسي فرنسي، الذكي يفهم مَن له المصلحة في تعطيل صوت أو صورة أو رأي مبدع كجود سعيد أو فيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، في حين أن هناك أفلام أخرى لن أذكر جنسيتها موجودة في المهرجان.

أنا أتصوّر كما قال الفنان أيمن زيدان على حسابه الشخصي، إذا لم يكن الفيلم مهم لم يكن قد مُنع. هناك الكثير من الأفلام من إنتاج المؤسسة، الأفلام القصيرة مثلاً تُعرَض في مهرجانات أوروبية ودولية أخرى لكن يبدو أن أصحاب المنع في أي مدينة أوروبية لا ينتبهوا إليها ولكن ينتبهون لفيلم روائي طويل يحمل اسم جود سعيد وإنتاج المؤسسة العامة للسينما.

 

بالمناسبة أنا لا أدافع عن جود سعيد بشكل شخصي ولا عن المؤسسة العامّة للسينما السورية أيضاً بشكل شخصي، لكن المؤسسة كما قلت في البداية أنتجت وما زالت تنتج وستظلّ تنتج… وأصدرت من أهمّ مطبوعات للسينما الموجودة في العالم العربي، أنا صوتي هنا ليس دفاعاً بشكل شخصي إنّما بشكل منطقي لا يمكن تعطيل دوران عجلة إنتاج سواءً على مستوى الكتابة أو على مستوى الصورة لأنه لا يوجد عاقل يعطّل الإبداع.

ثانياً أنا كنتُ محظوظة بأنني شاهدت فيلم رجل وثلاثة أيام ثلاثة مرّات تقريباً، والفيلم عُرض في مهرجان الإسكندرية السينمائي في العام الماضي وكنتُ أنا المدير الفنّي لمهرجان الإسكندرية السينمائي ولهذا شاهدت الفيلم أكثر من مرّة وحصل بطل الفيلم الأستاذ محمد الأحمد على جائزة أفضل ممثّل في المهرجان، وكان هناك حضور كبير جداً من الجمهور ومن الصحفيين والنقّاد لأن هناك شغف بمعرفة ماذا يحدث على الأرض السورية. ثمّ أن الفيلم هم في تقديري حالة إنسانية عن الحرب والموت، الموت سيّدتي الذي طال كل السوريين.

 

 

وفا سرايا: لماذا هذه الأزدواجية سيدة ناهد، هي نفسها هذه الجهة المنتجة كانت قد أنتجت قبل عام ٢٠١١ أيضاً يفلماً لجود وبالعكس كان هنالك تكريم وسيتحدّث عنه جود بالتفصيل، وأيضاً بالمقابل لماذا تُفتَح أبواب هذه المهرجانات العالمية لأفلام أخرى تُقدَّر، يمكن أن تكون لديها قيمة فنّية ولكن إذا كانت ملائمة لوجهتها السياسية تُعطى هذه الجوائز؟ أي هناك إزدواجية معايير حتى لدى هذه المهرجانات.

 

 

ناهد صلاح الدين: هناك ضغوط ربّما، أو على الأغلب من المعارضة السورية، وهذه الضغوط معروفة لنا في مصر وفي العالم كله، على هذه المهرجانات، لأسباب أو أخرى يكون اللعب على إعتبار أن المؤسسة تتبع الدولة السورية وتتبع النظام السوري، وحتى أنا سمعت إحدى الآراء المضحكة جداً أن الجثة التي يحاول بطل الفيلم إعادتها الى قريتها هي جثّة مجنّد سوري وكأنه مات بالمجان أو كأنه لا يستحقّ أن يُدفَن في قريته أو لا يستحقّ الدفن على الإطلاق، وهم ينسون أن هذا المجنّد يتبع جيشاً اسمه الجيش العربي السوري، هو ليس مرتزقاً بالمناسبة ولم يدخل ساحة الحرب مرتزقاً، هو يدافع عن أرضه وبلاده ومن حقّه التكريم بعد استشهاده.

 

ما يُثير فعلاً للجدل، وأنا عند رأيي، أنه لا بُدّ من تقييم الفيلم فنياً، وأنا أرى أن فيلم جود سعيد "رجل وثلاثة أيام" من أهمّ التجارب التي حكت عن الحرب السورية وتناولت الأزمة السورية من منظور إنساني، وأثار جدلية الحياة والموت..

 

 

وفا سرايا: في هذه النقطة، بصفتكِ الناقدة السينمائية، بمتابعة لمجمل الأعمال السينمائية منذ بداية الحرب في سوريا، الى أي مدى كانت ملهمة على الرغم من بشاعة المشهد والوضع الإنساني الصعب، حتى عدم الإحترام لحرمة الموت وقيمة الموت لأيٍّ كان، نحن نتحدّث عن وجود مدنيين سوريين دفعوا الثمن الباهظ، الى أب مدى كانت ملهماً للسينما العربية والسورية؟

 

 

ناهد صلاح الدين: الحقيقة أن السينما السورية أو السينما العربية حتى التي تناولت الحدث السوري كانت، وهذا لا يخفى عن أحد، كانت منقسمة الى قسمين، القسم الداخل والخارج إذا جاز التعبير، الخارج أيضاً انقسم الى قسمين، المعارضة أو غير الموالي أو المهاجم أو المحايد أي النظرة المحايدة التي نقلتها بعض الأفلام الأوروبية أو العربية، والمعارضة معروف أن أغلبها حتى الصور التي كانت منقولة هي إمّا بهاتف خليوي أو بتصوير بدائي جداً، أنا لم أشاهد كل التجارب بل شاهدت بعضها في بعض المهرجانات التي تابعتها.

الداخل في الحقيقة يوجد سمة مهمة جداً لا بدّ من الوقوف عندها وما يُثير للدهشة أن أفلام الداخل وأغلبها من المؤسسة العامة للسينما السورية، زادت عجلة الإنتاج في مرحلة الحرب، كما نعلم المؤسسة في ما قبل كانت تنتج فيلماً أو إثنين في العام إنّما من حين الأزمة السورية وحتى هذه اللحظة زادت العجلة ويوجد تنوّع. أنا في الحقيقة تابعت تجارب للأستاذ عبداللطيف عبدالحميد والأستاذ باسل الخطيب، والأستاذ أحمد إبراهيم، والأستاذ جود سعيد، أخشى أن أنسى أحداً لكن الكثير من التجارب فيها تنوّع مهم جداً وكما قلت لك أن المنظور الإنساني كان واضحاً، الكتابة نفسها للنص كانت واضحة أي أن هناك كتابة معيّنة، نسق وبناء درامي مختلف، كثير من الأفلام وليس كلها..

 

 

وفا سرايا: ربّما هذا العامل الإيجابي خلقت كل هذه المسائل وأظهرت كل هذه القلّة المبدعة لتُرينا بالفعل الواقع، وأيضاً شغف المجتمع العربي وأيضاً المجتمع العالمي لمعرفة ما يجري في سوريا ومن خلال هذه الأعمال الفنيّة.

على كل الأحوال أنا أشكرك جزيل الشكر.

 

 

ناهد صلاح الدين: أنا أريد القول فقط أن ما تقدّمه السينما السورية في سنوات الحرب هذه لا بدّ من التعامل معها بمزاج فنّي وليست أمزجة متأهّبة للتعامل مع الفيلم السينمائي كفعل سياسي. للحقيقة أنا لي تحية خاصّة للأستاذ جود لأن فيلمه فيه منحى تدريبي وغير مألوف لكنه مثير للخيال ودائماً يجعل المتفرّج يبحث عمّا وراء المشهد. هو كما قال منذ قليل يطرح الكثير من الأسئلة لكنه لا إجابة عنده، وهو غير ملزَم بأن تكون عنده إجابة، السينما غير ملزمة، هي تطرح الأسئلة وتحكي عن الواقع القاسي والملغَم بالكثير من هذه الأسئلة وهو في النهاية تظهر فيه الولادة التي خرجت، ميلاد جديد خرج من أتون الحرب والموت، وبهذا هو قدّم فيلماً جميلاً جريئاً يستحقّ فعلاً المشاهدة والعرض والمشاركة في المهرجانات.

 

 

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك أستاذة ناهد صلاح الدين الناقدة السينمائية كنتِ معنا من القاهرة.

ذكرت عدّة نقاط مهمة جداً الأستاذة ناهدة، ما الذي لفتك أكثر شيء؟ نفس الجهة كنّا نتحدّث تحت الهواء هي أنتجت لك فيلماً قبل الأزمة.

 

 

جود سعيد: تماماً. أولاً أشكر الأستاذة ناهد كثيراً، وأنا أعرف أنها من الأشخاص الذين توقّفوا نقدياً أيضاً عن تجربة رجل وثلاثة أيام.

 

برأيي أن هناك نقطتان، الأولى هي وضوح الرؤية اليوم عند أغلب الوسط السينمائي العربي بما يحصل. البعض عندهم الجرأة والشجاعة كالأستاذة ناهد أن يقولوا رأيهم بكل وضوح، البعض الآخر حين تحصل قصّة كهذه يمرضون وينشغلون بأمور أخرى، لكن يخبرونك أي يرسلون لك رسالة من تحت الهواء أننا متضامنون ومتعاطفون والى آخره.

 

الفكرة التي تضعك أمام الحقيقة، أنا لم أتغيّر، أنا في ٢٠١٠ و٢٠٠٩ و٢٠٠٨، سنوات بداية العمل السينمائي، أنا كان مُحتفى بي من قبَل نفس الأشخاص ونفس الجهات التي هي اليوم ترفض ما أقوم به، وفيلمي الأوّل يحمل نفس الأسئلة التي سوف يحملها فيلمي الأخير وفيلمي الذي أصوّره الآن والذي قبله والذي قبله، لن يتغيّر شيء. والفيلم الأوّل "مرّة أخرى" والذي يتناول الجيش السوري في لبنان وعُرض في كل مهرجانات فرنسا تقريباً، ما عدا كان، وتمّت دعوتي أنا والفيلم في مجلس الشيوخ الفرنسي في ٨ آذار ٢٠١١، وشاهده ١٢٠ شيخ في مجلس الشيوخ بحضوري وتمّت إدارة الجلسة من قبَ أحدهم أسئلة وأجوبة، الذي اختلف فعلياً هو عملياً السياسة.

 

 

وفا سرايا: هذا أكبر دليل على أنه حوكم نتيجة ضغوطات سياسية وليس بمعرفة ما يحمله من أسئلة طرحتها في هذا الفيلم أو من محتواه الفني والمضمون.

 

 

جود سعيد: أو سينمائية الفيلم، هذا سؤال ننساه جميعاً، كما قلت لم يوجد بعض الشجعان..

 

 

وفا سرايا: برغم قلّة الإمكانيات أو صعوبات تواجهونها أنتم وخصوصاً في هذه الحرب جود.

 

 

جود سعيد: أكيد طبعاً.

 

 

وفا سرايا: سنتحدّث بشكل تفصيلي عن الواقع اليوم للسينما السورية، ذكرت نقطة مهمة السيّدة ناهد، جعلت الى تكثيف هذا الإنتاج والى أي مدى أيضاً يُحاكَم الفيلم نتيجة الجهة المُنتجة، وهنا أيضاً أهمية الإنتاج الخاص وليس فقط الإنتاج العام.

 

 

جود سعيد: طبعاً هي الموارد المالية مجرّد كذبة للتغطية على الحالة لسبب بسيط، طبعاً "بانتظار الخريف" و"مطر حمص" تعرّضا لنسب متفاوتة لنفس القصّة، وأيضاً "صديقي الأخير". "بانتظار الخريف" و"مطار حمص" يوجد شريك بالإنتاج وهو قطاع خاص وهو آدمز برودكشن وهي شركة سورية لبنانية. "صديقي الأخير" الشركة الرئيسية في الإنتاج هي فردوس دراما وهي شركة قطاع خاص وتعمل حتى في الخليج. السؤال هو يتعلّق دوماً في مضمون الفيلم وبالمواقف السياسية للأسف.

 

 

وفا سرايا: عن مضمون هذه الأفلام وأيضاً لا بدّ من الحديث عن الى أي مدى أثّرت هذه الفترة ليس فقط بالسوريين بل أيضاً باللبنانيين السوريين، الذين انعكست على إنتاجهم، فهم جزء، الفنان هو جزء من هذا المجتمع وأكثر مَن يعبّر عن هذا الوضع.

جود سوف نناقش كل هذه النقاط ولكن بعد هذا الفاصل القصير، ابقوا معنا مشاهدينا الكرام في حوار الساعة مع المخرج السينمائي السوري جود سعيد.

 

 

فاصل

 

 

وفا سرايا: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام الى الجزء الثاني من حوار الساعة والتي نستضيف فيها المخرج السينمائي السوري جود سعيد.

أهلاً بك من جديد جود. لفتني كلام مهم جداً لك قبل الفاصل، نحن نطرح الأسئلة في هذه الأفلام حول هذه الحرب، الحرب على الهوية، هل استطاع الفنّ السوري، أتحدّث معك سينمائياً عن تجربتك، بحماية هذه الهوية أو الحفاظ عليها ونقل هذه الصورة؟

 

 

جود سعيد: أتوقّع الى حدٍّ ما، وهذا أحد أسباب محاربة ظهور هذه الأفلام لأكبر شريحة من الجمهور، لأنكِ حين تسمحين بعرض هذه الأفلام في كل مكان تكونين بشكل ما تطرحين رأي آخر، تطرحين صورة أخرى، تطرحين جانب كان معتماً بالنسبة لهؤلاء الناس مما يحصل، نحن كيف نفكّر؟ أنا كيف أرى مَن هم حولنا؟ في النهاية السينما وجهة نظر في الحياة والكون والإنسان.

أعتقد أن مَن بقوا في سوريا وكان خيار بقاءهم في سوريا ليس خياراً سياسياً بالدرجة الأولى، أنا واحد من الناس لم يكن خيار بقائي خيار سياسي، أنا كان من السهل عليّ كثيراً مغادرة سوريا، عائلتي موجودة من قبل الأحداث في فرنسا، عندي إقامة طويلة هناك، إذاً كان من أسهل الأمور أن أحمل شنطة صغيرة وأغادر سوريا. كان الخيار بالنسبة لي، أنا حين تركت الهندسة اخترت أن أدخل السينما، اخترت أن أكون شاهداً على حياتي أولاً وعلى ما يحصل من حولي وعلى هذا الوطن الذي اخترت أن أبقى به. أنا قلت ليس هو خيار سياسي لأفسّر هذه العبارة، فاعتبرت أن واجبي أن أصنع سينما هذه اللحظة، واجبي أن أكون شاهداً على ما أراه وكيف أحلل الذي أراه، فاعتُبرَت وجهة النظر هذه سياسية. وفي النهاية كل حياتنا وخصوصاً نحن في هذه المنطقة السياسة متداخلة فيها بتفاصيلها، بيومها وحتى في فنجان القهوة صباحاً يمرّ معه مع أي صديق حديث سياسي، سواءً كنّا في الحرب أو ما قبل الحرب. نحن أجيال وُلدَت في حرب، وهي الحرب على سوريا، وأتمنى ألا أختم حياتي أنا والأجيال القادمة، وللأسف هذا كان ضمون فيلمي الأول "مرّة أخرى" للحرب..

 

 

وفا سرايا: هنا لماذا اختلف مضمون "رجل وثلاثة أيام" عن العمال السابقة؟ الأعمال السابقة أيضاً كانت تطرح ما يجري في الحرب السورية، كانت تُضيء على جانب منها وإن كانت عبر قصص إنسانية.

 

 

جود سعيد: أنا لا أستطيع أن ألعب دور الناقد، أنا أحبّ دوماً أن أرى فيلمي بعيون الآخرين، طبعاً أنا عندي أسئلتي على أفلامي ووجهة نظري كيف صنعها، لكن أريد أن أُعطي مثال واحد. في "مرّة أخرى" كان الإبن يبحث عن ذاكرته من خلال أبيه المتوفّى، في "رجل وثلاثة أيام" بات الأب يبحث عن قبره منتظراً أن يأتي ابنه، بمستقبل لا نعرف تماماً كيف سيربى هذا الإبن.

دائماً الأسئلة في الأخير، أنا بالتأكيد أنضج، المعرفة تزداد، التجربة تجعل المُنتَج أن يكون مختلفاً شكله، ولكن الأسئلة الكبرى الت يتتعلّق بالإنسان السوري وبالحياة في سوريا وبي أنا شخصياً وكيف أنا أرى تلك الزوايا، الأسئلة هي نفسها.

 

 

وفا سرايا: لن تتغيّر الأسئلة ولكن طرح الأمور ربّما أصبحت لديك بنضج خبرة أصحبتَ تطرحها بشكل آخر.

 

 

جود سعيد: بشكل فنّي مختلف. وأنا من الأشخاص أيضاً، بعض الناس يعجبهم هذا وبعض الناس يعتبرها تهمة، الذين يحبّون السينما كسينما، الفيلم بالنسبة لي أيضاً قبل أن يكون أو في نفس الوقت الذي أفكّر فيه في مضمونه أفكّر كيف سيكون وكيف سيخرج الى الشاشة.

 

 

وفا سرايا: كل فيلم يعكس هو أيضاً صورة ورؤية جود سعيد بطربيعة الحال.

 

 

جود سعيد: تماماً.

 

 

وفا سرايا: جود الى أي مدى أيضاً تطمح الى أن يكون لديك تجارب مع شركات إنتاج مختلفة؟ أنتم تصوّرون الآن على ما أعتقد "درب السما" انتهيتم من تصويره، وأيضاً "مسافرو الحرب"، الإنتاج الخاص أيضاً هو مهم بالنسبة لجود.

 

 

جود سعيد: أكيد، وأنا بالنسبة لي الإنتاج الخاص قادر أن يحررك من أسئلة كبيرة، طالما أنتِ اتّفقتِ مع المنتج على المحتوى الفكري للفيلم كما حصل في تجربة "مسافرو الحرب" وهو إنتاج لبناني، فحرّيتك تتضاعف لأن الأسئلة التي تُطرَح حول كيفية صناعة الفيلم تنتفي. طبعاً بأغلب أفلامي القطاع الخاص كان موجوداً، من "مرّة أخرى" الى "صديقي الأخير" الى "بانتظار الخريف، "مطر حمص"، درب السما"، القطاع الخاص دائماً موجود، ولكن تجربة "مسافرو الحرب" سيكون فيها في مكان ما إختلاف عن باقي التجارب لأن سهولة التعاطي مع المنتج كفرد، فيتحوّل المشروع الى مشروع مشترك بينك وبين المنتج..

 

 

وفا سرايا: مشروع متكامل مع شركة الإنتاج.

 

 

جود سعيد: أنا أقول طبعاً أن شركة الإنتاج ألخّصها هنا بشخصية إعتبارية، بالنهاية شركة الإنتاج هذه عندها وجهة نظر واحدة تلخّص رغبتها في صناعة هذا الفيلم.

طبعاً يبقى العمل مع القطاع العام عنده مميّزات في مكان ما ولكن بنفس الوقت نحن لا ننكر وجود بيروقراطيات، وجود أسئلة يجب أن تُطرَح ولكي يستمر هذا القطاع العام في أن يكون معافى، في أن يُنتج سينما أولاً للسينما، لا أتكلّم بالشكل، سينما للسينما بمعنى سينما سورية الهوية الفنية، قبل أن نفكّر بالمحتوى.

أنا اليوم أتمنى أن نبدأ نشاهد أفلام من المؤسسة العامة للسينما خارج إطار الحرب.

 

 

وفا سرايا: هذه نقطة مهمة ولكن اسمح لنا أن ينضمّ إلينا في هذا الحوار الأستاذ بيان أبي صعب نائب رئيس تحرير صحيفة الأخبار. أهلاً وسهلاً بك أستاذ بيار، اليوم هل يُحاكَم الفنان أو المخرج أو الروائي على ما يقدّمه من أعمال أم على مواقف ورؤيا لديه تجاه إن كان الحرب أو الأزمة، أي موضوع يخصّه لأنه هو في النهاية إنسان؟

 

 

بيار أبي صعب: أولاً تحية لك ولضيفك وتحية لكل المشاهدين.

عزيزتي تعلّمنا من الغرب أمر أساسي وهي حرية الإختلاف بالموقف، بالرأي، بينما هنالك الذين يدّعون دعم ما يُسمى بين عشر مزدوجات الثورة في سوريا، وهي ليست كذلك وليتها كذلك، ليتها إنتفاضة من أجل الحرية والعدالة، بالأخير هي ليست كذلك، هي حرب على سوريا، ولكن الذي يدّعون من وجهة نظرهم أنهم ضد الإستبداد ومع الحرية هؤلاء أوّل هدف من أهدافهم يُفترَض أن يكون التعددية والإختلاف ورفض الفكر الواحد، نتفاجأ أن فرنسا اليوم في أدنى درجات إنحطاطها وقريبة من الفكر الواحد ومن الإستبداد، وأن منظّمي مهرجان السينما العربية في باريس يمارسون رقابة فاشية أي يمارسون رقابة على خلفية إنتماء سينمائي وهم لا يختلفون بذلك عن النازية، التي احتلّت فرنسا وهددت الحضارة البشرية، هددت في لحظة من لحظات التاريخ حين كان النازيون يصادرون الفنّ المنحط كما كانوا يسمّونه ويمنعون الفكر والإبداع حين لا نسجم مع الأيديولوجيا النازية. ما تفعله فرنسا اليوم تنجرف الى الإنحطاط من دون أن تدري باسم مصالحها الإستعمارية، بأي حقّ أنتِ كمبرمجة مهرجان، كمسؤولة مهرجان وكمؤسسة عريقة كالمعهد العالم العربي، تسمحين لنفسك أن تنصّبي نفسكِ حكماً على ضمير المبدع، يمكنك ألا تحبّي فيلم جود سعيد، لا تحبّي سينما جود سعيد، أن تكوني ضد مضمون جود سعيد..

 

 

وفا سرايا: هناك ملاحظة من قبَل جود أستاذ بيار، للتعليق، تفضّل جود، حول هذه النقطة، تمّ اختيار الفيلم.

 

 

جود سعيد: المفارقة كانت أن الفيلم تمّ اختياره وبرمجته وشاهدناه في المنشور، ومن ثم كأنهم صحوا، كانوا نائمين وصحوا على قرار آخر.

 

 

بيار أبي صعب: أنا أعي القصة تماماً ونشرناها بتفاصيلها في الأخبار، أحاول أن أختصر لأنك تعرف كيف يكون الوقت في هذه الحالات، ولكن صحيح أن المفارقة الأساسية أن الضغط الذي مورس على ..

 

 

وفا سرايا: ما الأهداف أستاذ بيار التي تحققها هذه الجهات الضاغطة سياسياً على هكذا مهرجانات دولية عربية وأيضاً عالمية تُقام كما قلت، تعلّمنا منها الحريات مثلاً كفرنسا؟

 

 

بيار أبي صعب: ما كان يمكن أن ينجح هذا الضغط لولا هذا المزاج العام اليوم الموجود، ثوّار الغفلة كما أسميناهم بالأخبار عندهم بضاعة يبيعونها لا تتناسب، لا تنطبق على حقيقة الأمر والواقع على الأرض في سوريا. أى هؤلاء الناس الذين يدعون كذباً وبهتاناً الى الحرية والديمقراطية وكذا ليس هناك مَن يمثّلهم على الأرض، على الأرض هناك همج، متخلّفون وتكفيريون، وبالتالي لم يكن هؤلاء الذين مارسوا الضغط لينجحوا لولا أن المزاج العام، لولا أن الخطاب السياسي المهيمن للدولة الفرنسية التي غضّت النظر عن الإرهابيين بالمئات..

 

 

وفا سرايا: هل نفهم من هذا الكلام أستاذ بيار أن حتى هذه الأنظمة التي تنتقد وتشنّ هذه الحرب تحت شعار الديمقراطية ومكافحة الديكتاتورية هي مَن تمارس الآن هذا الدور؟ بشكل سريع لو سمحت.

 

 

بيار أبي صعب: حتى هذه الأنظمة، هذه الأنظمة ديمقراطية نسبياً يا صديقتي، الديمقراطية تُطبَّق بالغرب وفي فرنسا ونحن نقتدي بها ولكن هذه الديمقراطية تبطل حين تتدخّل المصالح الإستعمارية للدولة الفرنسية في سلب حقوقنا، أرضنا، في دعمها لإسرائيل، حين ذلك لا يود هناك ديمقراطية، بل هناك فكر مهيمن، هناك قوى إستعمارية تفرض الأيديولوجيا على الرأي العام وعلى شعوبنا، وهي التي فرضت التكفير في الديمقراطية في بلداننا، وهي الآن تدّعي الديمقراطية وتمنع السينمائي من عرض فيلمه. فليناقش فيلم جود سعيد بأقسى النقاش، وليُهاجَم..

 

 

وفا سرايا: فليُحاسَب وليُنتقَد فنياً وفكرياً على ما قدّمه..

 

 

بيار أبي صعب: لا نحاسبه بالعرض باسم الديمقراطية التي يبشّرون بها وهم أنبياء في هذا المعنى ولا علاقة لهم بالديمقراطية التي نحلم بها في سوريا وفي مجتمعاتنا..

 

 

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك أستاذ بيار أبي صعب نائب رئيس تحرير صحيفة الأخبار على هذه المداخلة التي وضعت الإصبع على الجرح.

جود ما طرحه الأستاذ بيار، نحن نتحدّث عن هذه الضغوطات السياسية، قبل أن أطرح السؤال سمعنا كثيراً أسئلة تتحدّث عن خيارك كمدني وكمواطن سوري، ولكن البعض ربط القبّعة العسكرية التي تضعها أيضاً بأعمالك، بأسلوبك. ما سرّها؟

 

 

جود سعيد: أولاً أنا وحيد، بالتالي أنا لا عسكرية لديّ ولم أمارس أي شكل من أشكال.. أساساً أكره السلاح بطبيعتي.

 

 

وفا سرايا: أي أنه يمكن للفرد أن يواجه ويقاوم ليس فقط من خلال السلاح، فالفن هو ربّما أكبر مجال يمكن أن يوصل رسالته.

 

 

جود سعيد: أكيد، الفنّ هو ذاكرة الشعوب، حتى مَن يُهزَمون ظلماً، طبعاً وهذا لم يحصل، يبقى من ذاكرتهم هذا الفن الذي يدافع عن حقّهم.

بالنسبة للقبّعة كثير من المقرّبين مني يعلمون أنها شىء عاطفي جداً، أنا كان عمري ١٦ سنة حين توفّي والدي، ١٥ أيلول ١٩٩٧ وكنت وحيداً في البيت الذي يقضي به أغلب إجازاته، فنزلت الى غرفته لإقفالها وقرت الإحتفاظ بشيئين فقط، لم أكن أريد منه أي شيء آخر إلا الاسم طبعاً ويشرّفني، وأعتقد أنه لم يكن شخص عابر على المجتمع السوري، فأخذت قبّة وكانت إنكليزية بالمناسبة، ولبستها حوالى عشر سنوات، طيلة فترة دراستي في فرنسا كانت دائماً موجودة على رأسي، حتى أن مرّةً نسيتها في موقف الباص، حين سار الباص ٤ أمتار صرخت بوجه السائق كي يتوقّف فنزلت وركضت ووجدتها مكانها. فأصبحت عادة.

وكثير من القبّعات التي أرتديها اليوم منها صنع في أميركا، ومنها في فرنسا، ومنها في الصين، وهي أًبحت جزء منّي.

 

 

وفا سرايا: تطبع شخصيات كما نرى شخصية جود في الأفلام التي يقدّمها.

الآن ستنضم إلينا الممثلة السورية رغدة من القاهرة. أهلاً وسهلاً بك سيّدة رغدة، بدايةً أنتِ من أكثر الفنانين الذين كانوا مثيرين للجدل من الناحية الفنية، الذين أعربوا عن مواقفهم الوطنية وحوكموا، الى أي مدى اليوم الفنان العربي مثلاً كجود، يعرض الفيلم السينمائي ويُمنَع هذا الفيلم دون معرفة ما يحتويه ولكن نتيجة الموقف السياسي أي محاكمة الفنان.

 

 

الفنانة رغدة: عزيزتي أنا سأحاول أولاً أن أقول لجود خذني عبرة، كان مشوار طويل ومجهد جداً في مسألة الحصار، هذا حصار، أنا أتكلّم بالنسبة إليّ، حصار ذو ألوان كثيرة جداً. لكن هنا أريد أن أستحضر إليك أمراً ليقوّيك قليلاً وأقول لك أظنّ على ما أذكر الشاعر سمير العمري يقول "ورموك بالحقد الضرير نكايةً، ما لو رموا جبلاً بي لانهال، كن كالسحاب متى التقى الريح ارتقى، ومتى أقلّ المثقلات أقالا، لا يستوي صقرٌ يطير الى العلا، وغرابُ بيّنٍ ينعق الإمحالا".

هذا فقط لأشدّ أزرك قليلاً ولو أنني أرى من وجهة نظري، أنا لن أجامل وتعلمون أنني لا أجامل وكذا، أكيد هناك أسباب للتوجّه السيّئ لفيلمك، لكن هذا له عندي بعض الملحوظات أودّ أن أطرحها.

أظنّ أنا أكبر مثال تستطيع أن تأخذه على حصار أعمال مسرحية سينمائية تلفزيونية من أكثر، من بداية حصار العراق، فاشتدّ ولا يهمّك أي شيء.

 

 

وفا سرايا: هذه رسالة دعم لجود ولكن بنتيجة خبرة الحصار الذي طاولكِ، سيّدة رغدة الى أي مدى خلقت هذه الحرب السورية بشكل عكسي إبداعاً فنياً سورياً وخصوصاً سينمائياً، نقول نحن من الألم يخرج الأمل من خلال هذه الإبداعات الفنية؟

 

 

الفنانة رغدة: دائماً تداعيات أي حرب بالذات حين تكون حرب لا وصف يواكبها كما حدث في الحرب السورية، فأكيد لها تداعياتها وانعكاساتها، أنا أريد أن أتكلّم فقط عن الحصار الفني لأنه إذا أردنا التكلّم عن الحصار الإقتصادي والسياسي هذا يتطلّب ساعات، لكن أحاول أن أكون سريعة وأتكلّم حول الحصار الفني.

هو حصار الفكر طبعاً أقذر أنواع الحصار في العالم، الحصار الإقتصادي مقدور عليه، الحصار السياسي مع الوقت يزول، لكن حصار الفكر حين يتمّ من القائمين وهم ما يُسمّوا بالمعارضين حاملي الفكر، وأنهم قادرون على إستبعاد أي منتج فكري فنّى ثقافي خارج الحدود السورية من خلال تموضعهم كزمرة أو عصابة أو فريق، لكن أريد أن أسأل إذا هم قادرون أن يتحكّموا بهكذا أمر خارج الحدود السورية، نحن أين، أين صوتنا في الخارج؟ لماذا؟ هذا معروف سببه طبعاً..

 

 

وفا سرايا: مهم جداً ما طرحتِه سيّدة رغدة، على كل الأحوال لضيق الوقت نحن نشكرك جزيل الشكر على هذه المداخلة وسنُحيل هذا السؤال أيضاً عل جود، لماذا بالفعل ما طرحته السيدة رغدة، لماذا لا يتمّ نشر هذه الأعمال، هل بسبب هذا الحصار خارج حدود سوريا؟

 

 

جود سعيد: طبعاً أكيد هذا الحصار هو جزء، ولكن هنا أعود للشىء الذي كنتُ أقوله والذي له علاقة بآليات مغرقة بالقدَم، لا زالت المؤسسات الرسمية في سوريا تتعاطى، اليوم أنتِ بحاجة لأن تحرري هذا السوق بعيداً عن خوف الموظّف من رقيب مالي أو غير ذلك، أنا أتكلّم بصراحة كبيرة. أنا أدعو شركات التوزيع في العالم العربي أو في داخل سوريا الإلتفات الى هذا المنتَج السينمائي السوري وتوزيعه في الصالات خارج سوريا.

 

 

وفا سرايا: ولكن ما مدى واقعية ذلك جود؟ أنا أريد التحدّث بالدراما، بالتلفزيونات السورية، كان إذا يتمّ التطرّق بمنظور سياسي معيّن هم يعتبرون أنه تابع للدولة السورية، يُمنَع، كشركات خليجية منعت إنتاج أو عرض.

 

 

جود سعيد: السينما أسهل من التلفزيون، هناك الكثير من الموزّعين في العالم العربي لا مشكلة لديهم أن يتواجد الفيلم السوري في الصالة طالما هو قادر أن يحقق أرباحاً للصالة، بالنهاية الصالة أنتِ تذهبين إليها، التلفزيون يدخل الى بيتك، فبالتالي الحالة ليست متشابهة كثيراً. المسلسل حين يريدون منعه لا يضعونه على شاشتهم، أما الصالات لها ترتيب آخر.

 

 

وفا سرايا: وهذا يعطي أمل أكبر أن ينتشر أكثر أو يخرج خارج الحدود.

 

 

جود سعيد: طبعاً ولكن في داخل سوريا لا يوجد هذا النشاط لتوزيع الفيلم السوري. اليوم مثلاً فيلم "مطر حمص" تمّ توزيعه وفي فرنسا، واللفيلم سيكون في الصالات ولم يُمنَع وأخذ تأشيرة القبول بعرضه وغير قابلة للسحب لأنها رسمية. طالما دخل المال على العملية وخصوصاً في تلك البلدان، أي حين يصبح القضاء يمكنه أن يتدخّل في أي قرار سياسي.. مثلاً نحن اليوم، جنسية الموزّعة أو جنسيتي فرنسية هم سيكونون عاجزين أن يسحبوا الفيلم، وهذا كلام قانونيين فرنسيين، طبعاً أنا لم أكن أتفرّج على ما يحدث. هذا طبعاً إدانة فظيعة.

 

 

وفا سرايا: حتى ذكرتَ ضغط المال وليس فقط الضغوطات السياسية، أي يُدفَع الأموال لهكذا جهات..

 

 

جود سعيد: أكيد، الآن يوجد موزّع فرنسي ل"مطر حمص" لا أحد يجرؤ أن يتكلّم معه، يوجد موزّع فرنسي للفيلم في أوروبا لا يستطيعون أن يتكلّما معه بشيء.

 

 

وفا سرايا: ممكن أن تلجأ الى هكذا أسلوب لإيصال الأفلام التي تنتجها؟

 

 

جود سعيد: هذا الذي نحاول أن نقوم به وهذه حقيقة وأمر واقع، اليوم لو العلاقات الدبلوماسية موجودة طبعاً لعجزوا، لأنه يمكنك أن تلجئي قضائياً وتكسبي بكل بساطة.

 

 

وفا سرايا: وهذا نتيجة الوضع الحالي، الحرب القائمة هي قطع هذه العلاقات مع هذه الدول.

 

 

جود سعيد: تماماً، أُخرج فيلم من إنتاج مصري أو لبناني وهم لا يستطيعون فعل ذلك.

 

 

وفا سرايا: جود للأسف لم يتبقَ لنا سوى دقيقة واحدة، برأيك ما الذي قدّمه حود في السينما في طيلة هذه الفترة والأعمال، الكمية التي قدّمها، وما يريد أيضاً إياصله في المستقبل، أن نخرج دائماً من الأفلام التي تتحدّث عن سيرة الحرب وما جرى في هذه السنوات؟

 

 

جود سعيد: أتمنى أن نخرج من الحرب كي نخرج من هذه الأفلام التي نتحدّث عنها. بالنسبة لي أعتبر أنني لم أقدّم شيء بعد، قلتها ربّما مع أوّل فيلم طويل، الإخراج بالنسبة لي فكرة، هو طريق، درب ومشوار، فربّما أنتِ مضطرّة أن تعرّفي عنّي كمخرج ولكن أنا بيني وبين نفسي أقول دائماً هي نقطة بعيدة..

 

 

وفا سرايا: ولكن الحرب السورية لها شقّ إيجابي، تنوّع بالإنتاج، نحن نتحدّث أيضاً عن أسماء أخرى وليس فقط جود.

 

 

جود سعيد: طبعاً، هناك أسماء كبيرة وقدّمت تجارب، وبالمناسبة التجارب التي صُنعَت في الداخل السوري متنوّعة أكثر بكثير من التجارب التي كانت خارج سوريا، متنوّعة بآرائها، بأشكالها الفنية وبمضامينها. بالنسبة لي ما سيأتي هو استمرار في عملية البحث. أنا في السينما أقدّم شىء منّي، جزء منّي.

 

 

وفا سرايا: هذا ربّما ما يميّز الإختلاف عند جود سعيد عن باقي الأعمال، حتى إن كان في الداخل أو في الخارج في سوريا؟

 

 

جود سعيد: ربّما، لأنني أعتبر أن السينما هي مكان تُعيدين به بشكل من الأشكال خلق الحياة بشخوصها، بأماكنها، تتدخّلين في هذا الخلق كي تقولي كيف ترين الحياة.

 

 

وفا سرايا: إبداعياً وفنياً ما الذي يعد به جود سعيد؟

 

 

جود سعيد: أن أبقى صادقاً مع ذاتي أولاً ومع الفريق الذي يعمل معي، وبالتالي معك ومع كل الناس التي تتابع الأفلام. أنا لا أصنع فيلماً لستُ مقتنعاً بكل تفصيل من تفاصيله، ليس مقتنع برغبة التسويق لهذا التفصيل لا، عليه أن يمسّني..

 

 

وفا سرايا: لأن الحياة بالنسبة لجود سعيد هي سينما وحفنة من الأصدقاء..

 

 

جود سعيد: السينما موقف كما الحياة.

 

 

وفا سرايا: أشكرك جزيل الشكر ونتمنى لك المزيد من الإبداع والإنتاج جود لأن الفنّ هو أكثر ما يعبّر عن هذه المجتمعات، وكما ذكرتَ السياسة تذهب ولكن يبقى الفن والتاريخ يحفظ ذلك.

 

 

جودسعيد: أريد أن أقول أمر أخير تعقيباً على هذه الجملة، فعلاً السياسة والحالات السياسية ربّما بعد سنتين نرى فرنسا في سوريا والعكس، أريد أن أشكر الميادين حقيقةً لأنها معنا من أول حالة تعرّضنا إليها في دبي، من مطار بيروت الى الإستديو، فشكراً جزيلاً على صدقكم معنا.

 

 

وفا سرايا: نحن حتّى فنياً وليس فقط سينمائياً ننقل هذا الواقع كما هو جود، وهذا هو هدفنا لإيصال كل الأصوات بحرية.

شكراً جزيلاً لك المخرج السينمائي جود سعيد على وجودك بيننا في حوار الساعة، والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة، في أمان الله.