حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

جورج قرداحي - إعلامي لبناني

 

وفا سرايا: أهلاً بكم.

حين بدأت بكتابة كلمات هذه المقدمة، تخيّلت للحظةٍ واحدة، ماذا لو؟

ماذا لو استضاف ضيفنا لليوم الإعلامي جورج قرداحي ممثلين عن الدول العربية في برنامج المسامح كريم؟ ماذا لو قبلوا الدعوة واستيقظوا واعترفوا وسامحوا وتوحّدوا؟ ماذا لو استطاع أن يقرّب بين كلّ هذا التشتت والتباعد والخصومة والاتهامات؟

ولكن ماذا لو لا قيمة لها في مفهوم التاريخ والمجتمعات لأن راهنية الواقع هي قوة الفعل في تشخيص ما نحن عليه. فشعوبنا العربية ليست بحاجةٍ إلى أن تربح الملايين، بل يكفيها أن تُمنَح الاستقرار والأمان والتقدّم، وأن يحمي حُكّامها مقدّرات دولنا وخياراتها.

فكأنه لم يكن يكفينا إرهاب المحتل وبطشه لنواجه إرهاباً أشدّ بشاعةً وإجراماً وتطرّفاً وتكفيرا، فيما تستمر الصفقات المعلنة وتحت الطاولات أمام بلطجةٍ تجارية واقتصادية ومالية. لذلك، علينا أن ننطلق من الراهن، من التحديات والاستجابات، من التساؤلات والتحليل، من الإعلام والسياسة، إلى الرؤية والتجربة.

فأين الإعلام والإعلاميون في هذا الراهن؟ أين السياسة والساسة؟ أين الثقافة والمثقف؟ وهل لا يزال الأخير ضمير المجتمع؟ وماذا عن الدور التوعوي للنخبة في ظل هذه الأزمات؟ وأين الإعلام العربي بين واقع التضليل وطموح التغيير؟

هي أسئلةٌ كثيرةٌ تجمع بين السياسة والثقافة والمجتمع نطرحها اليوم في حوار الساعة على أحد روّاد الإعلام في عالمنا العربي الإعلامي العربي جورج قرداحي.

أهلاً بكم من جديد إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير وأهلاً وسهلاً بك أستاذ جورج في حوار الساعة في شاشة الميادين.

 

جورج قرداحي: صباح النور. تسلمين روحي. أهنئك على هذه المقدّمة الجميلة التي اختصرتِ بها كل شيء.

 

وفا سرايا: أهلاً وسهلاً بك. إنطلاقاً من هذه المقدّمة، هل الشعوب العربية قادرة أو يمكن أن تتمكّن أن تقول لبعضها البعض المسامح كريم؟

 

جورج قرداحي: الشعوب العربية قادرة أكيد، وأنا أعتقد أنه بين الشعوب العربية لا توجد هذه الخلافات الكبيرة التي نراها بين الأنظمة، والحقيقة الخلافات هي بين الأنظمة، لكن أن تقترحي أو تفكري بأن أستطيع أن أجمع القادة العرب في برنامج المسامح كريم حتى يتسامحوا أو حتى يتصالحوا، أنا أجد أن هناك عدة عقبات وعوائق أمام ذلك. أولاً أنّ معظمهم قرارهم ليس بيدهم.

 

وفا سرايا: للأسف.

 

جورج قرداحي: للأسف، ثانياً هناك شقاق مذهبي حصل في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي للأسف تمّت تغذيته من قبل القوى الخارجية، ومعروف من هي هذه القوى التي لعبت على الوتر المذهبي والوتر الطائفي، فحدث هذا الشرخ، لكن أنا أعتقد أنه لا مشكلة بين الشعوب العربية بعضها مع بعض.

 

وفا سرايا: ولكن هل الشعوب هذه تدفع ثمن هذه السياسات والإملاءات؟

 

جورج قرداحي: طبعاً، هي تدفع ثمن هذه السياسات، تدفع ثمن هذا التحريض، تدفع ثمن التحريض بواسطة الإعلام، من تصريحات، من مواقف، من شحذ للهِمَم.

 

وفا سرايا: سنستفيض معك بوضع الإعلام اليوم.

 

جورج قرداحي: يا غيرة الدين وإلى آخره، أكيد.

 

وفا سرايا: ولكن أليست هي نفسها الشعوب أستاذ جورج هي التي تختار، لن أقول في كل الدول العربية، لكن في الدول التي تتم فيها انتخابات، التي تسمّى بالتشريعية البرلمانية أو الرئاسية؟

 

جورج قرداحي: لا، نحن بعيدون جداً عن فكرة أن نقول إن الشعوب تختار قياداتها أو مسؤوليها في العالم العربي، حتى في لبنان، أنا لدّي تحفّظ أن أقول إن الشعوب في لبنان تختار قيادتها. أليس لبنان تجربة ديمقراطية ربما الوحيدة في العالم العربي؟

 

وفا سرايا: ما الذي اختاره الشعب اللبناني في هذه الانتخابات؟

 

جورج قرداحي: رغم هذه التجربة، تجدين أحياناً أن الاختيار غير سليم، أحياناً تحدث ضغوط وممارسات على هذا الاختيار تمنع المواطن أن يختار بأريحيّته وحسب قناعاته.

 

وفا سرايا: الشعب اللبناني، بما أنه تطرّقنا، على أساس ماذا اختار المجلس النيابي الأخير قبل أن أتحدّث عن نيّة حضرتكم كانت للترشّح؟

 

جورج قرداحي: لأقول لك أمراً، انظري للانتخابات الأخيرة التي حصلت، هل حصلت على أساس مبادئ؟ هل حصلت على أساس أهداف؟

 

وفا سرايا: كل شيء إلا المبادئ ربما.

 

جورج قرداحي: علينا أن نتحدّث بمنطق وبواقعية. حصلت انتخابات هجينة فيها مزيج وخلط وشوربة تداخلت ببعضها كلّها، وحصل نوع من التذاكي على المواطن اللبناني، وحصل تذاكٍ على الناخب اللبناني، ورأينا نحن هناك نتائج، ولا أقول لا يوجد نتائج جيّدة، لا، هناك نتائج جيّدة، هناك ناس استطاعوا التعبير بكل أريحيّة وصراحة وحرية عن أفكارهم، لكن الحقيقة أين المبادئ؟ أين المشاريع في هذه الانتخابات؟ أين المبادئ؟

من جهة يقولون لك دعم العهد، هذا الشعار، ومن جهة أخرى يقولون لك دم الشهيد. هناك أسس للانتخابات، هناك مشاريع، هناك برامج، هناك أفكار، هناك مواقف، هناك مبادئ، أين هي؟

 

وفا سرايا: ألم تكن هنالك أطراف ملتزمة هذه الشعارات؟

 

جورج قرداحي: عذراً على المقاطعة، دعيني أكمل الفكرة، الشعب اللبناني كان منقسماً، أليس كذلك؟ كان هناك شرخ، 8 آذار و14 آذار، هنا يوجد من كل الطوائف وهنا يوجد من كل الطوائف، هنا كان لديهم مبادئ ومشاريع، لنقل 14 آذار حرية وسيادة واستقلال، هناك كان هناك مبادئ وأفكار معروفة.

عندما جاءت الانتخابات وجدتِ أنهم اختلطوا ببعض ولم نعد نعرف من مع من ولم نعد نعرف أين هذه الشعارات. الشعارات التي كانوا ينادون بها هذه الجهة، أين أصبحت، والشعارات التي كانت تنادي بها تلك الجهة أين باتت؟

من كان ضد سوريا سار مع من يؤيّد سوريا ومن كان ضد المقاومة سار مع من يدعم المقاومة.

 

وفا سرايا: المصالح السياسية جمعتهم.

 

جورج قرداحي: كيف تفسّرين هذه الانتخابات؟ قولي لي.

 

وفا سرايا: أليست هذه التحالفات، أسميتها ولست أنت فقط حضرتك أستاذ جورج، بالتحالفات الهجينة، هي التي تنعكس اليوم على واقعنا في لبنان عن تشكيل الحكومة الحالية، متعثّرة؟

 

جورج قرداحي: سيّدة وفا، أنا لا أسمّيها هجينة، بل أسمّيها مصالحية، مصلحجية، كلها كانت على أسس مصلحية، على أسس تخدم الأهداف الخاصة، تخدم المصالح الخاصة، هكذا كانت بمعظمها.

 

وفا سرايا: لأجل ذلك تراجع عن قراره ونيّته بالترشّح؟ إسم جورج قرداحي الإعلامي الكبير، كنا نسمع اإن كسروان سوف يترشّح في الانتخابات النيابية.

 

جورج قرداحي: جزء كبير من ذلك هو هذا السبب، جزء كبير من عزوفي عن الترشّح، لأنني أنا من منطقة إسمها منطقة كسروان، منطقة كسروان جبيل، دائرة جبيل كسروان، أنا كنت مبدئياً أنوي الترشّح عن هذه المنطقة، في العام 2013 وقتها تمنّى عليّ فخامة الرئيس ميشال عون، كان آنذاك في الرابية، لم يكن رئيساً، وتمنّى أن أترشّح، وكان الأمر غير وارد عندي ولا أريده، وتقدّمت بترشيحي ولكن تأجّلت الانتخابات للأسف. هذه المرة، العمى رأيت المزاج مختلفاً، ورأيت الحراك مختلفاً، ورأيت التحالفات مختلفة، فوجدت أنه ليس لي مكان.

 

وفا سرايا: ليس المزاج الشعبي، المزاج السياسي والأحزاب والتحالفات؟

 

جورج قرداحي: المزاج السياسي طبعاً، تركيب اللوائح وتركيب المرشّحين والتعاطي بين المرشّحين أنفسهم، الناس الذين كانوا أمس ضد العهد أو ضد ميشال عون باتوا اليوم هم المقرّبين.

 

وفا سرايا: ولكن عادوا اليوم للموقع الآخر.

 

جورج قرداحي: لا أعرف إن رجعوا، لكن على كل حال، أنا شخصياً ليست هذه السياسة التي أريدها أنا، أو هذا النهج السياسي الذي أختاره، ليس هذا، أنا لست مضطراً أن أمارس سياسة فيها محسوبيات وفيها مسايرات، أنا السياسة عندي هي مبادئ، ولكن عندما تزول المبادئ لا داعي ولا يعود لي دور، وشعرت أنه ليس لي دور وانسحبت بهدوء من دون أن أزعج أحداً. لا انتقدت أحداً ولا أيّدت أحداً، خرجت لأنه ليس هذا جوّي.

 

وفا سرايا: ولكن هناك نوع من العتب على ما يجري بالصورة الضبابية الكاملة؟

 

جورج قرداحي: نوع من العتب، ليست هذه السياسة التي أفهمها وليست هذه السياسة التي أفهمونا إياها وقالوا لنا هذا خطّنا السياسي ونحن بهذه الطريقة سنعمل بالسياسة ونحن بهذه الطريقة سنُعيد بناء هذا الوطن، ليس هكذا.

أقول لك، صحيح، هناك خيبة أمل كبيرة ولن نقول خاب أملنا، لكن أنا أقول هناك أمور لم تتحقّق، كنت أتمنّى أن تتحقّق بمجيء الرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية.

 

وفا سرايا: ولكن أستاذ جورج، من بعد المقعد النيابي أو المكانة النيابية، بالأيام الأخيرة أيضاً قرأنا ترشيحاً كبيراً لإسم جورج قرداحي كوزير للإعلام بالحكومة التي ستشكّل، المتعثّرة حتى الآن، لا يبدو أي أفق سريع لتشكيلها؟

 

جورج قرداحي: بصراحة أنا لم أقرأ هذا الأمر، ومن ثمّ لا أطلب أيّ منصب وزاري مثلما لم أعد أطالب بمنصب نيابي ولا أتوقّع شيئاً.

 

وفا سرايا: إن عُرِض عليك ترفض؟

 

جورج قرداحي: أدرسها، لنرى، لا أقول لك أرفض بشكل قطعي، لا، أدرسها.

 

وفا سرايا: كيف ينظر اليوم الإعلامي جورج قرداحي والمواطن اللبناني أيضاً إلى واقعية لبنان في ظل كل هذه الأزمات التي تعصف به، وأيضاً وكأنه كان ينقصها التعثر فوق الأزمة الاقتصادية، تعثر تشكيل الحكومة التي يعوَّل عليها كثيراً؟

 

جورج قرداحي: مسألة تشكيل الحكومة هذه من الأمور التي كنا نشكو منها، التباطؤ بالتشكيل، جوّنا كان يشكو من هذا التباطؤ بتشكيل الحكومة. ما معنى ألا تؤلّف الحكومة بأسبوع واثنين وثلاثة وأربعة وشهر وشهرين وربما تبقى عشرة أشهر ولا تشكّل الحكومة؟ ما هذا البلد؟ كيف يُدار البلد؟

هذه من الأمور التي كنا نتوقّع أن تتغيّر بمجيء الرئيس عون إلى سدّة الرئاسة، وألا يستغرق تشكيل الحكومة أكثر من أسبوعين كحدٍ أقصى، كما يحدث في كل دول العالم، وإذ حالياً كل واحد مرتاح على وضعه، ذاك يأخذ إجازة، ومن جهة ثانية الآخر يحصل على إجازة. لا، هذا ليس بلداً، ولن يركب بهذه الطريقة.

سألتني أنت كيف أرى الوضع؟ أنا أميل إلى التشاؤم، الحقيقة، لكن لا أريد إخافة اللبنانيين، لكن أميل إلى التشاؤم لأنني لم أعد أرى نوراً أمامنا وأملاً كبيراً أمامنا، لم أعد أرى هذا الأمل. أرى أن هناك تخبطاً. ما هو سببه؟ لا أعرف.

 

وفا سرايا: ألا يستحق هذا الوطن الذي قاوم المحتل والإرهاب تحديداً، بعد معركة جرود عرسال كان لك مواقف وطنية بارزة، أخذت حيّزاً وانشغالاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إسمح لي فقط ما قلته برسالتك إلى المقاومين وأيضاً الذين دافعوا عن جرود عرسال تحديداً بوجه الإرهاب، ذهبتم إلى الخطر، واجهتم الموت من دون حساب، أنتم فخر هذا الوطن شاء من شاء وأبى من أبى.

هل خسرنا كل هذه الأثمان التي دفعت من دماء وتضحيات؟

 

جورج قرداحي: صحيح، للأسف هذا ما أخشى منه دائماً، وهذا الذي أحذّر منه وكنت أنبّه دائماً المقاومة إلى ذلك، المقاومة ومجتمع المقاومة وأهل المقاومة ومُحبي المقاومة يدفعون تضحيات، يدفعون دماً، لذلك هذا الدم يجب ألا يذهب هدراً، هذه ليست سلعة نتاجر بها، هذا الدم ثمين جداً، ثمين جداً، هذا الشاب الذي ذهب إلى عرسال أو إلى سوريا أو وقف على الحدود يقاوم كلّ عدوان من كل الجوانب، هذا الشاب الذي يستشهد، وأنا رأيت منهم خريّجي جامعة أميركية، وبعضهم خرّيجو يسوعية، شباب متعلمّّون لا يذهبون إلى الموت لأنهم ذاهبون لرؤية الحريات، لا، لديهم إيمان بقضية، ويحاربون ويدافعون ويموتون ويجرحون، أنا شاهدت الجرحى عندما عادوا من عرسال، زرتهم في مستشفى الرسول الأعظم ينتظرون ليشفوا ليعودوا إلى الجبهة. لا يصدق متى يشفى ويستعجل الطبيب بسرعة أريد العودة، فهؤلاء الشباب لديهم قضية، تضحياتهم التي ننحني أمامها وكل لبناني شريف يجب أن ينحني أمامها، لأن هذا لا يقاتل من أجل إيران، لا، لا تخطئوا، هذا لبناني مثلي مثلك، مثلي مثله ومثله مثلك، هذا لبناني يقاتل دفاعاً عن أرضه وووطنه وأهله وعن بقائه ووجوده سواء قاتل في سوريا أو سواء قاتل على الحدود أو قاتل في جرود عرسال، هذا يدافع عن وجوده وأرضه ووطنه. يجب أن نتبنّى جميعاً هذا الشعور وإلا لا يصبح لدينا حسّ وطني، إن بات لدينا هذا الشعور.

 

وفا سرايا: هل وصل الشعب اللبناني إلى هذه القناعة بعد كلّ ما عانيناه إن كان من المحتل أو من الإرهاب؟

 

جورج قرداحي: طبعاً هناك جزء كبير من اللبنانيين من كل الطوائف لديهم هذه القناعة، لأنها مسألة ظاهرة للعيان، هناك ناس يضحّون، هناك ناس لديهم كرم ويتكارمون على الوطن بأرواحهم ودمائهم، كيف لا يقدّر الآخر؟ إذا لم يقدّر معناها ليس جديراً بالمواطنية حتى، إن لم يقدّر هذه التضحيات، ليس لأن هذه التضحيات من المقاومة، ربما لو كان هناك تضحيات من جهة ثانية لبنانية كلنا يجب أن نقف لأنه إن كنا نعتبر أنفسنا كلنا لبنانيين وننتمي إلى وطن واحد كلنا جميعاً يجب أن نقف مع بعضنا.

 

وفا سرايا: هنا الإعلام إلى أي مدى كان يلعب هذا الدور وإلى أي مدى غاب عنه أن يلعب الدور الفاعِل بتقوية هذا الإيمان وإيصال هذه الرسالة، أتحدّث لبنانياً الآن قبل أن أتحدّث عربياً؟

 

جورج قرداحي: يا سيّدتي، مشكلتك بالإعلام، لنتحدّث عن الإعلام، هل الإعلام في لبنان إعلام واحد؟ هل يمكن أن نقول إعلاماً لبنانياً أو إعلامات لبنانية؟ لا، أنا أقول هناك إعلامات لبنانية، وكل جهة إعلامية تنتمي إلى جهة سياسية معينة أو جهة مذهبية معينة.

 

وفا سرايا: سياسية ومملوكة من أسماء محدّدة.

 

جورج قرداحي: ويتحرّك هذا الإعلام وفقاً للسياسات التي تضعها هذه الجهات، كما بالإعلام العربي أيضاً، ليس لدينا إعلام عربي، عندما يُقال لك إعلام عربي لا يوجد إعلام عربي موحّد، لديك إعلامات عربية، كل دولة لديها إعلام. الإعلام علينا ألا نظلمه كثيراً، لأن هذا الإعلام مُشتّت، هذا الإعلام ليس لديه أهداف واحدة، حتى بالأهداف الرئيسة يختلف الإعلام، لأن السياسيين مختلفون.

 

وفا سرايا: ونحن نتحدّث بهذا المجال أستاذ جورج، اسمح لنا أن نتابع هذا المقال في صحيفة الرياض السعودية تحت عنوان إعلامنا المواصفات وأفضل الممارسات. فلنتابع.

 

الرياض السعودية: إعلامنا المواصفات وأفضل الممارسات

قبل أيام كنت في قراءةٍ لسيرة المناضل الأميركي مالكوم أكس وكيف استطاع أن يصنع قصة نجاحه ويحقّق رسالته، فاستوقفتني عبارةٌ يقول فيها "وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، والمُتأمّل في هذه الكلمات يدرك يقيناً أنّ الإعلام يمتلك قوةً جعلت منه سلطةً لها نفوذ، قوةً تضاهي القدرة العسكرية التي مكّنتها من صناعة حرب موازية لها، قوة تخترق العقول والقلوب وتتجاوز الحدود. إنها قوة الكلمة. هذه القوة جعلت منه ذراعاً مهمة ومكبر صوت للدول والمجتمعات والمؤسّسات لإيصال رسالتها ودعم أهدافها وتوجّهاتها.

وفي ظلّ الانفتاح الواسع النطاق الذي نشهده في عصر العولمة، تحوّل كل فرد من المجتمع إلى إعلامي يمارس النقل والنقد للمعلومة والفكرة والحدث، وخاصةً روّاد مواقع التواصل الاجتماعي. ذلك بلا شكّ يشدّ من وطأة المسؤولية على كاهل وسائل الإعلام لدينا لترسيخ الثوابت أمام المتغيّرات، ونظراً إلى ما نلحظه في الساحة على مستوى العالم، حيث أصبح السبق على السبق الإعلامي سباقاً، وأغرقت المجتمعات بالأخبار والأحداث الهامشية التي لا السمع يلقي لها بالاً ولا البصر ولا الفؤاد، لذا بات لزاماً أن تكون جودة المحتوى الإعلامي على رأس هرم أولوياتنا.

ختاماً أقول، إنّ الإعلام أصبح شريكاً في صناعة سلّم المجد التنموي. لذا فلنعمل على جعل مؤسّساتنا الإعلامية منصّات تعلّم تحاكي أفضل الممارسات العالمية في نشر الرسالة المجتمعية ودعم الأهداف الوطنية.

 

وفا سرايا: أستاذ جورج، في ظلّ هذه العولمة، هذا الانفتاح، هل لا يزال الإعلام يمتلك هذا السلاح، سلطة النفوذ، أم نحن أمام تحوّل أكبر، للأسف من يمتلك هذا القرار هم من يمّلون هذه الإملاءات إن كان سياسيين أو حتى رجال أعمال؟

 

جورج قرداحي: ليس هل لا يزال، أنت عليك أن تري إن الإعلام السلطة تقوى يوماً عن يوم، سنة عن سنة، نحن نعيش اليوم بامتياز عصر الإعلام، الإعلام اجتاحنا جميعاً، اجتاح كل مجتمعاتنا، هناك اجتياح إعلامي بكلّ مكوّنات الحياة عند الإنسان، الإعلام كما قال الكاتب في مقاله في جريدة الرياض، وهذا ملفت.

 

وفا سرايا: ملفت في صحيفة الرياض السعودية.

 

جورج قرداحي: الرياض تكتب بهذه الحرية.

 

وفا سرايا: إلى ماذا يشير ذلك؟ نحن أمام تحوّل في المشهد؟

 

جورج قرداحي: هذا يجعلك سيّدة وفا تدركين أن هناك تغيّراً كبيراً جداً في المجتمع السعودي، الأمير محمّد بن سلمان وليذ العهد السعودي يقود تغيّراً لم يسبق له مثيل لا في السعودية ولا في غير السعودية، يغيّر كل المفاهيم ونظام المجتمع في المملكة العربية السعودية. هذا دليل كبير.

 

وفا سرايا: لكن كمجتمع سعودي قادر على تحمّل هذا التبدّل وهذا التغيير بشكل من الأشكال؟

 

جورج قرداحي: أعتقد أنه يتحمّل، وبالعكس هو متحمّس، المجتمع السعودي متحمّس، خاصةً جيل الشباب متحمّسون كثيراً لهذا التغيّر الذي يجريه ويُحدِثه الأمير محمّد بن سلمان. على كل حال، الأمير محمّد بن سلمان هو في طور بناء الدولة السعودية الرابعة. أنا قلتها سابقاً، لكن من يعلم تاريخ السعودية، يبني الدولة السعودية الرابعة في إنقلاب جذري على كل المفاهيم، وكل النمط الذي كانت تعيشه السعودية.

 

وفا سرايا: وللأسف انقلاب سياسي أيضاً.

 

جورج قرداحي: أيضاً انقلاب سياسي واقتصادي.

 

وفا سرايا: خاصة في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

 

جورج قرداحي: كم أتمنّى أن يفتح أحد فنادق لبنان ويوضع فيه، كما فعل الأمير محمّد بن سلمان في السعودية، كل مَن استفادوا من هذه الدولة، وكل مَن نهبوا خيراتها ويُعيدوا الأموال إلى الدولة المنهوبة. ما زال ينقصه قرار الأمير محمّد بن سلمان، أن يوقف حرب اليمن، هنا يكون، وعلى كل حال هو من الأشخاص الذين لا يمكنك توقّع قراراتهم، ولا ما هي مواقفهم.

 

وفا سرايا: ولكن في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية أستاذ جورج، هل لا زال الإعلام العربي، لا أتحدّث فقط عن إعلام سعودي، أتحدّث عن الإعلام العربي بمجمله، هل لا زالت هذه القضية هي القضية الجامعة؟ هل لا زالت تؤمن أن العدو المشترك هو إسرائيل، وللأسف هؤلاء الحكّام أيضاً هم يهرولون نحو التطبيع، ليس بتقارير، هناك إثباتات؟

 

جورج قرداحي: يمكننا طرح تساؤلات كثيرة، لكن في الواقع ما هي الإثباتات التي لدينا؟ يمكننا طرح تساؤلات، أن هناك صفقة العصر، وصفقة العصر تشارك بها هذه الدولة أو تلك وتلك وتلك، ولكن ما هي الإثباتات؟ هل صحيح أنه سيجرؤ زعيم عربي أن يتنازل مثلاً عن القدس أو سيجرؤ أن يتنازل عن القضية الفلسطينية؟ هذه مسألة تحتاج للتعمّق أكثر. هناك شعارات وشعارات مُضادّة، هناك حملات وحملات مُضادّة من هذا الطرف وذاك.

 

وفا سرايا: ولكن أستاذ جورج بتنا أعمق من الشعارات، هناك ممارسات.

 

جورج قرداحي: تتحدّثين عن الإعلام، الإعلام في بعض الأحيان هو أداة في يد القرارات السياسية أو في يد أصحاب القرار السياسي في العالم العربي. هناك ناس يحرّضون بهذا الاتجاه وناس يحرّضون بذاك الاتجاه. علينا أن ننتظر، لكن تبقى القضية العربية هي القضية المحورية التي لا يختلف عليها اثنان من العرب حسبما أعتقد، أبداً.

 

وفا سرايا: ولكن هل لا يزال المثقّف والإعلامي العربي أيضاً يمارس هذا الدور، الدور التوعوي، دور تثقيف مجتمعاته، حتى في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية؟

هل لا يزال هو يؤمن هذا الإعلام العربي بهذه القضية أستاذ جورج؟

 

جورج قرداحي: هناك إعلاميون يؤمنون لكن هل صوتهم يصل؟

 

وفا سرايا: يدفعون ثمن مواقفهم كما حدث معك ربما؟

 

جورج قرداحي: لا أتحدّث عن نفسي لكن هناك إعلاميون يؤمنون بهذه المبادئ الكبرى، يعيشون بهذه الأحلام، ما زالوا يعيشون بالأحلام الكبرى، لكن أكيد هناك إعلامات مأجورة، أنا قلت مرة هذا الربيع العربي المزعوم كان له مساوئ كثيرة جداً، لكن ربما كان لديه حسنة واحدة أنه فضح الإعلام العربي، فضح ليس كل الإعلام لكن فضح بعض أجهزة الإعلام التي كانت مطيّة في يد أصحاب المؤامرة على كل هذه الأمّة العربية وعلى الشعوب العربية.

 

وفا سرايا: تحديداً حول هذه المواقف سوف أعود إليك أستاذ جورج بموقفك من الأزمة السورية، قلت بأنك اتّخذت موقفاً كنت مقتنعاً به ولا زلت ووصلنا إلى هذه القناعة، والبعض قال إنه أصبح الإعلامي العربي يدفع ثمن هذه المواقف التي تقف إلى جانب الشعوب وليس إلى جانب الحكّام والأنظمة.

 

جورج قرداحي: عندما تكون هناك مؤامرة هناك كثر سيدفعون الثمن.

 

وفا سرايا: هذا مهم لأنك تقول إن ما جرى هو مؤامرة كبرى وليس ربيعاً عربياً.

 

جورج قرداحي: طبعاً، لماذا يدفعوننا ثمناً أنا وغيري؟

 

وفا سرايا: سنناقش هذه النقطة ونقاطاً أخرى معك أستاذ جورج ولكن إسمح لنا أن نتوقّف مع فاصل قصير، مشاهدينا الكرام ونعود لمتابعة حوار الساعة، إبقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا إلى الجزء الثاني من حلقة حوار الساعة المميّزة التي نستضيف فيها أحد روّاد الإعلام العربي الأستاذ جورج قرداحي.

 

جورج قرداحي: شكراً.

 

وفا سرايا: قبل أن نستأنف هذا الحوار أستاذ جورج، سنبقى مع مقتطف أيضاً لصحيفة القدس العربي اللندنية تحت عنوان مُستلزمات العمل العربي المُشترك، للكاتب سعيد الشهابي. فلنتابع.

 

القدس العربي اللندنية: مستلزمات العمل العربي المُشترك، سعيد الشهابي

برغم ما يُقال عن ضعف العمل العربي المشترك، عندما كان أحد التمظهرات المهمة لمقولة الوحدة العربية، فإنّ ما كان متوافراً منه كان مانعاً لأمورٍ متعدّدة، تفرّد كل دولة بقرارها وموقفها، استضعاف الأمّة على يد الاحتلال الذي كان يُسمّى يوماً العدو المشترك، افنتاح الأبواب على مصراعيها أمام الهيمنة المطلقة سواء من الشرق أو الغرب، والحؤول دون قيام مجموعات التطرّف والإرهاب التي تجاوزت الحدود الجغرافية المُصطنعة وتحرّكت ككيانٍ واحدٍ برغم اختلافاتها.

هذا العمل العربي المشترك ساهم في الحفاظ على هامشٍ صغيرٍ لوحدة الشعوب وشعورها بوجود دعمٍ محدودٍ من الأشقاء عند الحاجة.

إنّ ظاهرة التطبيع مع الاحتلال انقلاب على واحد من أهم الثوابت منذ احتلال فلسطين قبل سبعين عاماً. هذه الأمّة ترفض في عُمقها قبول مبدأ احتلال أراضي الغير بالقوة. ينطبق هذا على ما جرى في فلسطين من احتلال إسرائيلي بدعم غربي.

في عالم يشهد تراجعاً عن قِيَم الحداثة التي طوّرها عن مدى سبعة عقود في مجالات الحكم والإدارة والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان، فإنّ قبول الشعوب العربيّة الأمر الواقع، وتخلّيها عن مسؤولية رفض ما لا ينسجم مع أولوياتها وأهدافها سيؤدّيان إلى تراجعاتٍ غير محمودةٍ، وإخفاقاتٍ تستعصي على الإصلاح.

 

وفا سرايا: أستاذ جورج، هل لا زال هنالك قاسم عربي مشترك، ما يُسمّى أيضاً بالوحدة العربية؟ هل لا زال هنالك هامش لها لتجمع كل هذه الشعوب؟ وهل بتنا بحاجة إلى أسلحة جديدة، نحن أمام أنواع جديدة من الحروب؟

 

جورج قرداحي: علينا ألا نكون طوباويين كثيراً، وكلام الأستاذ سعيد بالمقال أيضاً طوباوي قليلاً، علينا الخروج من هذه الطوباوية لأن ما جرى في العالم العربي منذ 2010 إلى اليوم هزّ هذا الكيان العربي، إن كنا نعتبره كياناً عربياً موحّداً، اهتزّ. ما سُمّي بالربيع العربي جاء وأحدث شرخاً في هذه الأمّة. إخراج سوريا من الجامعة العربية ليس بالأمر السهل، العروبة من دون سوريا ليس لها معنى، نتحدّث بشعارات، إعادة الدور العربي وإعادة تنسيق المواقف العربية، هذه خيال ما زالت، خيال، الواقع مختلف تماماً. هناك انقسامات كبيرة في الجسم العربي، هناك تشقّقات كبيرة من الصعب الآن رأبها، تحتاج إلى وقت. تبقى طبعاً القضية الفلسطينية هي القضية الأمّ، لكن أيضاً لا يوجد نفس الحماس، لا تجدين نفس الحماس، لديك الخط المقاوِم، خط المقاومة الموجود والقائم والذي يعرف ما الأهداف والمبادئ.

 

وفا سرايا: حتى حقّقت انتصارات ما عجزنا عنه في السنوات السابقة؟

 

جورج قرداحي: لا شك، وهناك أطراف ليس لديها ذات الحماس ولا لديها ذات النهج، وقضية فلسطين ليست من أولويّاتها للأسف.

 

وفا سرايا: نحن أمام محورين في المنطقة، ولكن هل تجاوزنا هذه المؤامرة الكبرى أم نحن لا زلنا في خضّم هذه المواجهة؟

 

حورج قرداحي: لا، المؤامرة مستمرة لم نتجاوزها، لكن أستطيع أن أقول لك، المؤامرة صحيح تحطّمت على أسوار دمشق، ولكن المؤامرة لا تزال مستمرة، وخط المقاومة يجب أن يظلّ مستنفراً، لأن المؤامرة مستمرة ولم تنتهِ بعد، لم تنتهِ بعد، ما زال لديها أهداف أخرى ومخطّطات جديدة، الخطّة الأولى ربما فشلت، هناك خطّة ثانية وهناك خطّة ثالثة وهناك خطّط بديلة دائماً.

 

وفا سرايا: ما هي الأسلحة الجديدة التي يجب أن نمتلكها لإحباط كل هذه المؤامرات؟ لأنك كما قلت أستاذ جورج، ليس هنالك مخطّط واحد، خصوصاً إسرائيل بالأمس كانت تشنّ عدواناً جديداً على سوريا لأنه لديها هذا الهاجس من أن يقوى هذا المحور ويتحصّن أكثر؟

 

جورج قرداحي: السلاح الأساسي هو الوحدة العربية، لكن هذا شعار، أليس كذلك؟ هذا بات خيالاً، لكن كان يمكن أن يكون هذا السلاح الأساسي، أن يكون العرب موحّدين حول خطوط استراتيجية معينة، بطليعتها قضية القدس وقضية فلسطين، والأمن العربي المشترك بكل جوانبه، لكن للأسف هذا بات شعاراً الآن بالوضع العربي المُهترئ، بات شعاراً، ولكن يبقى الأمل على خط المقاومة.

 

وفا سرايا: أليس تحرير القدس يبدأ بتحرير الشعوب العربية المظلومة بداية أستاذ جورج؟

 

جورج قرداحي: صحيح، حرّريهم.

 

وفا سرايا: ربما هذا سؤال، لكن هنالك قادة.

 

جورج قرداحي: لنتحدّث بواقعية، لأنه مؤسف الذي وصلنا إليه أو لما أوصلونا إليه الحقيقة، طبعاً العجز العربي أوصلنا إليه، ولكن المؤامرة والعقل الشيطاني الذي يقف وراء هذه المؤامرة أوصلنا إلى هذا الواقع.

 

وفا سرايا: لكن لماذا دائماً نضع المسؤولية على الآخرين أستاذ جورج؟ إن كان هناك مؤامرة في الخارج، دائماً منطق المؤامرة، لماذا نحن من نكون أدوات هذه المؤامرة؟ مَن يتحمّل مسؤولية؟

 

جورج قرداحي:300 مليون عربي نحن ليس لدينا قرار، عاجزون عن القرار، لا نؤثر في شيء؟ ربما تخطّينا الثلاثمئة مليون، مصر بمفردها ما شاء الله باتت مئة مليون، ربما 400 مليون عربي مهمّشون في هذا العالم كله، مهمّشون، ليس لنا دور.

 

وفا سرايا: ألا يمكن أن نلعب من خلال هذا التطوّر مفهوم الحداثة الجديد، ما بتنا نمتلكه من صوت، وأيضاً من صورة، لنأخذ بالتفصيل مواقع التواصل الاجتماعي أستاذ جورج اليوم باتت أكبر سلاح يمتلكه أي مواطن؟

 

جورج قرداحي: صحيح، هذا ما وددت قوله، هذا سلاح مُتاح للجميع وصحيح ربما إسرائيل تمتلك تفوّقاً عسكرياً على العرب، ولكن سلاح الإعلام وسلاح وسائل التواصل الاجتماعي، هذا سلاح متوافر لأبسط الناس ولأفقر الناس، هذا السلاح موجود، وقلت كيف الإعلام بدأ يغيّر صورة إسرائيل في الغرب وفي العالم. هذا الحقيقة وكله من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال الإعلام الإلكتروني، وهذا أمر شبابنا العرب وخاصة الفلسطينيين يجب أن يركّزوا عليه لأن هذا سلاح فعّال جداً ولا يمكن لأحد الوقوف بوجهه ولا يمكن لأحد احتكاره أو صدّه.

 

وفا سرايا: ينافس المؤسّسات الإعلامية التي تمتلك هذه المنصّات الأخرى؟

 

جورج قرداحي: طبعاً مشهد صغير لعسكري إسرائيلي يضرب طفلاً فلسطينياً ويبكي هذا الطفل، مشهد صغير خلال ثوانٍ ملايين من الناس ربما شاهدوه على وسائل التواصل.

 

وفا سرايا: بأقل من دقيقة أستاذ جورج ما ذكرته مهم جداً، الإمارات اليوم عنوَنت بمقال إسرائيل تضغط على الإعلام كي تخفي صورتها البشعة. سنتابع بأقل من دقيقة ما جاء في هذا المقال.

 

جورج قرداحي: هذا ما نقوله.

 

الإمارات اليوم: إسرائيل تضغط على الإعلام كي تخفي صورتها البشعة

يبدو أن إسرائيل باتت عاجزة عن منع العالم من الاطّلاع على جرائم الحرب المتعدّدة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين، التي لا تعرف حدوداً، وخصوصاً أنها تدّعي أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وتدعمها واشنطن في ذلك، وإسرائيل كما هي أميركا تمتلك رأياً مشوّهاً بشأن الأسس التي تكوّن الديمقراطية.

ولو أن إسرائيل تحترم حرية الرأي والصحافيين لما قتل جنودها الكثير من الفلسطينيين العُزّل والصحافيين خلال مسيرة العودة الكبرى التي قام بها سكان غزّة العُزّل قبل أسابيع، وهي تدرك أن الملايين حول العالم يشاهدون تلك المسيرات على شاشات التلفزة. ولكن إسرائيل لم تأبه لرأيٍ عالمي ولا حقوق إنسان، وارتكبت جرائمها الوحشية أمام نظر العالم أجمع وسمعه، وهي تدرك تماماً أنه ليس هناك من يحاسبها على فعلتها.

 

وفا سرايا: أستاذ جورج بمقابل خشية إسرائيل من سلاح الإعلام؟

 

جورج قرداحي: طبعاً لأنني كنت أقول لك قبل سماع هذا المقال، جاء هذا المقال منسجماً مع الكلام الذي كنت أقوله، أنه فعلاً هذا هو السلاح الأمضى والأفعل اليوم بالنسبة للرأي العام العالمي كله، ليس فقط الغربي بل الرأي العالمي بأسره، إسرائيل من حقّها أن تخاف وتخشى هذا الإعلام ودور الإعلام.

 

وفا سرايا: تغيّر المزاج الدولي تجاه هذه الصورة التي كانت تحاول أن ترسمها؟

 

جورج قرداحي: بات هناك أصوات كبيرة اليوم بالعالم تأتي عبر الفايسبوك والواتساب وفيديوهات لمسؤولين كبار يتحدّثون عن حقوق الشعب الفلسطيني، عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة، عن الممارسات الإسرائيلية الوحشية ضد الشعب الفلسطيني.

 

وفا سرايا: لا بل يتظاهر، وربما أكثر من الشعب العربي للأسف في التضامن مع الشعب الفلسطيني.

 

جورج قرداحي: عن هذا النظام الأبارتهايد السائد، تجدين هناك ناساً كباراً في العالم بدأوا الحديث.

 

وفا سرايا: ولكن في المقابل الإعلامي ألم يصبح مُرتهناً بهذا الحاضر؟ دوره بات مُقلّصاً أكثر، محدوداً أكثر، لديه هامش من الحرية محدود أستاذ جورج؟

 

جورج قرداحي: من أية ناحية؟

 

وفا سرايا: لأن وسائل الإعلام هي مملوكة من جهات معينة، لديها خط سياسي معين.

هل مازال لدى الإعلامي هذا الدور على إيصال هذه الرسالة؟

 

جورج قرداحي: دور وسائل التواصل الاجتماعي أمر ودور الإعلامي في وسائل الإعلام الكلاسيكية أمر آخر، لكن المؤثّر أكثر أنا برأيي هو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نعم، لأنه لا يمكنك الركون إلى رأي الإعلامي، بعض الإعلاميين وليس كلهم طبعاً، من خلال وسائل التواصل أو من خلال الإعلام الرسمي أو الإعلام الكلاسيكي، تلفزيون، إذاعة، صحف، هنا إمكانية لتوجيه هذا الإعلامي مع احترامي لكل الإعلاميين، أنا أرفض أن يكون هناك ناس من بينهم يوجَّهون أو أن أقول إنهم يوجَّهون، لكن للأسف يعملون بمؤسّسات تنتمي إلى جهات ربما ضد مصالحنا العربية وربما ضد قضايانا، وربما بأيدي ناس مؤثّرين، هم ينتمون إلى جهة أميركية، صهيونية إلى آخره. لكن وسائل التواصل الاجتماعي مُتاحة للجميع، للإعلامي ولغير الإعلامي.

 

وفا سرايا: ومنهم دفعوا أثماناً أستاذ جورج عن الموقف، الإعلامي بالنهاية هو إنسان يعبّر أيضاً، يتأثّر بمحيطه إن كان سياسياً، اجتماعياً، ثقافياً. مَن عبّروا عن مواقفهم وأنت واحد منهم، حضرتك واحد منهم، دفعوا الأثمان.

هل بات على الإعلامي أن يصمت؟

 

جورج قرداحي: لا، أنا من الرأي الذي يقول إن الإعلامي من حقّه أن يعطي رأيه.

 

وفا سرايا: خوفاً على مستقبله المهني.

 

جورج قرداحي: هناك ناس أخذوا عليّ، أنت لماذا تحدّثت، مثلك مثل غيرك، لماذا تعبّر عن رأيك. لا، أنا من واجبي أن أعطي رأيي، خاصة أنني أعرف أن هناك كثيرين يهمهم رأيي، وناس كثر يحترمون رأيي وهناك كثر يحبّون رأيي وهناك آخرون يهمّهم معرفة رأيي، عبّرت عن رأيي من دون خوف، وكنت أعوّل على أنه يمكن أن يتحمّلوا آراء كآرائي لأنها ليست آراء عدائية ضد أحد، لكنها آراء فيها نوع من إدراك قومي وانتماء قومي ودفاع عن قوميّتي وعن مبادئي القومية. للأسف كانت ردّة الفعل غير شيء، كما زملائي الآخرين دفعوا الثمن، لأنه كان لديهم مواقف مثل مواقفي.

 

وفا سرايا: لماذا الفارق بيننا وبين الإعلام الغربي الذي دائماً نحن نتمثّل بالحرية والديمقراطية التي يتمتّعون بها؟

 

جورج قرداحي: أقول لك، حتى بالغرب، لا تقولي ديمقراطية، لا توجد ديمقراطية، من يدرس إعلاماً يعرف أن الديمقراطية أو الحرية في الإعلام تقف عند حد، بأسوأ الحالات عند حد المُعلن والمُعلن قادر على أن يؤثّر، من يضع إعلاناً بجريدة قادر على التأثير على الكتابات في هذه الجريدة، المُعلِن ولن أقول لك السياسي، لا نتحدّث بطوباويات وحرية الإعلام. دعيك منهم.

حتى بالغرب ألا يوجد إعلاميون في السي أن أن، وغيرها، تومسون رئيسة الإعلاميين رحمها الله، ألم يعاقَبوا لأنهم اتخذوا مواقف تختلف عن سياسات الإدارة الأميركية؟ كم شخص من زملائنا من السي أن أن أبعِدوا من عملهم؟ وفي البي بي سي، مراسل البي بي سي بغزّة تحدّث بتقرير، أُبعِد من عمله.

 

وفا سرايا: من يحمي اليوم الإعلامي أستاذ جورج؟

 

جورج قرداحي: من يحمي الإعلامي؟ لا شيء يحميه، لأقولها لك بصراحة، عندما تصل الأمور لهنا، مثلاً مراسل البي بي سي في غزّة الذي طُرِد من وظيفته، ما الذي استطاع فعله؟ هل يرفع دعوى على البي بي سي في لندن؟

 

وفا سرايا: لن يجني شيئاً.

 

جورج قرداحي: ربما المحكمة تعوّضه مادياً لكن لا تُعيده إلى وظيفته.

 

وفا سرايا: هنا نتحدّث عن الخوف من المستقبل المهني.

 

جورج قرداحي: هنا نتحدّث عن الدول الديمقراطية التي فيها قوانين، لكن هناك دول ليس فيها قوانين، مثلاً أحدهم فُسِخَ عقده، ما الذي يمكنه القيام به؟ تفضل.

 

وفا سرايا: لا نودّ الحديث بطوباوية، ولكن يبقى لدينا أمل أستاذ جورج، في إطار مشروع تقسيم هذه المنطقة يبقى لهذه المنطقة خصوصية. المثل الأساسي ذكرته اليوم صحيفة الرأي اليوم، عذراً على الذهاب كثيراً إلى المقالات، دائماً بنفس الإطار.

 

جورج قرداحي: بالعكس تنوّرنا وتعطينا.

 

وفا سرايا: تحت عنوان حبيبي وكباب ونرجيلة التي تغزو أقدم شوارع موسكو التي تستضيف في هذه الفترة المونديال. دعنا نأخذ الأمل من هذا المقال أو هذا المقتطف من هذا المقال.

 

رأي اليوم: حبيبي وكباب ونرجيلة تغزو أقدم شوارع موسكو

في موسكو مثلٌ قديم يقول "إذا أردت أن تستمتع بالحياة والموسيقى فعليك بشارع أربات"، ففي ممرات المترو المؤدّية إلى الشارع الشهير وعلى مخارجها ينتشر العازفون وكلٌ يحمل آلته الموسيقية وينشد الفوز بإعجاب المارة وتفاعلهم معه، والجميع يتنفّس في امتحان الحصول على أكبر نسبةٍ من الجمهور وعلى تفاعله معه.

وفجأة، في خضمّ هذه الأجواء، تسمع أغنية "حبيبي يا نور العين" الشهيرة للفنان المصري عمرو دياب تنبعث من مكبّرات الصوت أمام أحد محال بيع الهدايا والتذكارات، لتليها أغنية "أنت معلّم" للفنان المغربي سعد مجرّد. تلتفت قليلاً لتجد مطعماً تركياً، وعلى مقربة منه ترى آخر يضع سيخاً للشاورما، ومطاعم أخرى تضع النرجيلة بأشكال وألوان مختلفة على الواجهات، وعلى عدد من الطاولات الموضوعة في الهواء الطلق أمامها.

وكلما تعمّقت أكثر في الشارع بدأت تتّضح أمامك ملامح شرق أوسطية أو عربية من خلال هيئة الزوّار ولغتهم وحتى عبر بعض أعلام الدول الموضوعة على واجهات عدد من الفنادق الصغيرة وبعض المحال في الشارع.

 

وفا سرايا: جميل أن ثقافة هذه المنطقة، إذا لم نكن نغزو اقتصادياً وسياسياً، ليس الغزو، الانفتاح الثقافي.

 

جورج قرداحي: يا شيخة هذا ليس غزواً، هي ظاهرة عابرة بمناسبة المونديال، مناسبة عابرة بشوارع موسكو، فيها مما هبّ ودبّ، فيها من كل شعوب العالم اليوم موسكو، لا بأس.

 

وفا سرايا: ما الذي تغيّر بصفات الإعلام العربي أستاذ جورج؟ وما الذي يخافه جورج قرداحي كإعلامي على مستقبله وعلى مستقبل الإعلام بشكل عام؟

 

جورج قرداحي: يجب ألا نفقد الأمل بالنسبة لمستقبل الإعلام، الإعلام هو مرآة المجتمع، هو مرآة الحياة، الإعلام هو تاريخ الحياة المعاصرة يمكننا القول، لذا علينا أن لا نفقد الأمل، سنبقى متأمّلين أن يكون الإعلام انعكاساً لتجربة ديمقراطية إن شاء الله بالمستقبل، لتجارب ديمقراطية إن شاء الله بالمستقبل، ويكون هناك هامش من الحرية أكثر من الهامش الموجود حالياً، لا أتحدّث عن لبنان لكن أتحدّث عن باقي الدول العربية، ولكن نحتاج لوقت وعلينا ألا نقطع الأمل ونصوّرها كأن القصة سوداوية، كما تكونون يكون إعلامكم، إن كانت صورتنا سوداوية يكون إعلامنا سوداوياً. لا نودّ القول إننا وصلنا لهذه الدرجة.

 

وفا سرايا: كيف أثّر الإعلام بالأزمات اليوم، من عام 2011 خصوصاً ما سُمّي بالربيع العربي، هذه الأزمات والحروب التي خاضوها، وكيف تأثّر؟

 

جورج قرداحي: أثّر كثيراً.

 

وفا سرايا: طبيعة الحال.

 

جورج قرداحي: أثّر، جزء كبير من هذا المسار الذي أخذه ما سُمّي بالربيع العربي كان المحرّض عليه هو الإعلام، وأنا أول من تحدّثت واتّهم بعض وسائل الإعلام، كان الجميع ساكتين لكن تحدّثت وغضبوا مني كيف أحكي عن بعض وسائل الإعلام التي كنا نحترمها ونعتبرها تعبيراً صادقاً عن آرائنا وأفكارنا وطموحاتنا وحريتنا، فتبيّن أنها مُحضَّرة لتكون مطيّة وأداة في يد المؤامرة التي اجتاحت هذه الأمّة العربية.

 

وفا سرايا: هل كُشِف هذا الدور؟

 

جورج قرداحي: الإعلام أثّر، تذكرين في بداية هذا الحراك، الربيع العربي، من تونس إلى مصر إلى ليبيا، هناك آلات تصوير كانت توضع في ميدان التحرير في مصر تصوّر الناس الذين يُضرَبون، كله كان في مجال التعبئة.

 

وفا سرايا: ما سُمي بالثورات الملوّنة التي كان ينظَّم لها بشكل أساسي.

 

جورج قرداحي: من دون شك أن الإعلام بجزأيه، الإعلام الكلاسيكي ووسائل التواصل الاجتماعي، لعب دوراً خطيراً جداً في إثارة هذا الحراك وفي تعزيز هذا الحراك وفي إيصاله إلى ما وصل إليه.

 

وفا سرايا: شخصياً، ما الذي يريد أن يغيّره بنفسه؟ ما الذي تحب أن تغيّره بشخصية جورج قرداحي؟ ومما يخاف؟

 

جورج قرداحي: لم يعد مُحرِزاً التغيير، لا يمكنني أن أغيّر شيئاً، راضٍ عن نفسي الحمد لله مُتصالح مع نفسي ولا أريد تغيير شيء بنفسي.

 

وفا سرايا: ترضي ضميرك لكن ليس ما يتوقّعه بعض المشاهدين العرب أو الشعوب العربية التي تختلف ربما برأيها معك أستاذ جورج؟

 

جورج قرداحي: أنا الآن راضٍ لأنه يأتينا ردود فعل وتعليقات تنصفني، هناك ناس كثيرون يقولون هذا الرجل كان معه حق، من البداية عندما اتخذ موقفاً، هناك كثر لاموه، حتى مثلاً إخواننا بالمعارضة السورية لاموني بالبداية، اليوم التقيت ببعضهم، قالوا لي أنت الوحيد كان معك حق، كنا نحبّك بداية وغضبنا منك لاتخاذك هكذا مواقف لكن الآن صرنا نحبك أكثر لأنك كنت على حق. هذا أمر يسعدني لأني كنت على حق بالمواقف التي اتّخذتها، لأنني عندما اتّخذت موقفاً لم آخذه لا من أجل فلان ولا دفاعاً عن فلان ولا بنيّة معيّنة ولا بأهداف معيّنة.

 

وفا سرايا: وقفت مع الدولة كما قلت وقتها.

 

جورج قرداحي: أكثر من ذلك، أنا خشيت على وجودي، على نفسي، أنا بلبنان هذا البلد الصغير نحن نعتقد أنه نصف العالم، هذه الأرزات القليلة تشغل الكون لكن هذا البلد الصغير الضعيف الذي تهزّه أية هزّة، وإن اشتعلت النيران في مكان خارج لبنان تصل إلينا مباشرة، حين بدأ هذا المسار في سوريا.

 

وفا سرايا: الحراك؟

 

جورج قرداحي: لا أريد تسميته حراكاً.

 

وفا سرايا: الأزمات، هي حروب.

 

جورج قرداحي: كنت أريد أن أقول حراكاً لكنني تجنّبت القول، لم يكن حراكاً، عندما بدأت المؤامرة في سوريا أنا خفت على لبنان ولم أخف فقط على سوريا.

 

وفا سرايا: وأرخى بظلاله بطبيعة الحال؟

 

جورج قرداحي: خشيت على لبنان وعلى كل القضايا العربية وأولها القضية الفلسطينية، وذكرتها وقتها في خطاب مكتوب. قلت أخاف على سوريا لأني أخاف أولاً على أهلها لأنه إذا نشبت حروب أهلية في سوريا تفكّك سوريا، من سيدفع الثمن؟ أهل سوريا.

 

وفا سرايا: لم يتبقَ لدينا وقت. لمن يقول المسامح كريم جورج قرداحي؟

 

جورج قرداحي: المسامح كريم لمن أساء.

 

وفا سرايا: شخصياً ووطنياً؟

 

جورج قرداحي: لمن أساؤوا الظنّ وأصدروا حُكماً خاطئاً علينا والمسامح كريم لكل الناس.

 

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك الإعلامي العربي جورج قرداحي ومرحّب بك دائماً عبر شاشة الميادين. والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة.

في أمان الله.

 

جورج قرداحي: شكرا لك.