حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

جلال غديرة وحسونة الناصفي

محمد علوش: بخطى ثابتةٍ تارة ومُترنّحة تارة أخرى تخطو تونس نحو الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي. لم تحل الأحداث الأمنية المتنقّلة ولا التعثّر الاقتصادي دون إنجاز الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها. التحالف بين حزب نداء تونس الحاكِم وحركة النهضة ساهم في رسم الصورة التي عليها تونس.

اليوم وبعد ست سنوات مضت على تأسيسه، يستعدّ حزب نداء تونس لعقد مؤتمره الأول. المؤتمر الانتخابي الذي تأجّل أكثر من مرة يتزامن مع استحقاقاتٍ حزبيّةٍ وسياسيّة تعيشها البلاد.

التضارُب في المواقف والفوضى في التصريحات مظاهر طغت على أداء الحزب في الفترة الأخيرة. التحديات التي تواجه الحزب تتمثّل في قضايا مختلفة منها داخلي ومنها خارجي. بمواجهة تلك التحديات، يسعى رئيس الجمهورية إلى تأليف جبهة سياسية مع المنشقّين قبيل الانتخابات المقبلة.

فهل سينجح الحزب في عقد مؤتمره الأول؟ وهل ستؤدّي المشاورات إلى إعادة المنشقّين؟ ما هو مصير التحالف مع حركة النهضة؟ وكيف ستنعكس تلك التصوّرات والتطوّرات على الحكومة الحالية؟

للنقاش معنا من تونس الأستاذ جلال غديرة القيادي في نداء تونس، وسيكون معنا في مداخلة عبر الهاتف الأستاذ حسونة الناصفي القيادي في حركة مشروع تونس.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونتحوّل إلى تونس مباشرةً مع الأستاذ جلال، لنسأل في ما يتعلّق بالمؤتمر الوطني أو المؤتمر الانتخابي الأول لحزب نداء تونس بعد مضيّ ست سنوات على تأسيس هذا الحزب الذي يُهيمن الآن على الحكومة ويتمثّل أيضاً برئيس الجمهورية.

ما هو الأمر المتوقَّع في هذا المؤتمر والمأمول من قِبَل أعضاء الحزب؟

 

جلال غديرة: شكراً ومرحباً بالسيّدات والسادة المشاهدين. المؤتمر هو يعطي الشرعية لكلّ الأشخاص، الهدف منه إعطاء وإضفاء الشرعية لكل القيادات ولكل المناضلين والمناضلات في حزب نداء تونس، باعتبار وصولهم إلى مواقع المسؤولية عبر الانتخاب الشفّاف والواضح، ليشمل كل هياكل نداء تونس، لأننا نحن حالياً من دون مؤتمر، المسؤولون وقيادات نداء تونس ليس لديهم الشرعية الانتخابية ومن لديه شرعية بطبيعة الحال كل الهياكل وكل المناضلين يصطّفون وراءه. هذه هي الغاية الوحيدة من هذا المؤتمر.

 

محمد علوش: شهدنا في الآونة الأخيرة تضارباً في المواقف، كثرة في التصريحات المُتناقضة داخل قيادات نداء تونس. هل من تفسيرٍ سياسي لذلك؟

 

جلال غديرة: بطبيعة الحال في غياب المؤتمر وتأجيله بصفةٍ مستمرّة، لم يوجد اصطفاف كامل ويحصل اختلاف في الرأي. الاختلاف في الرأي هو ظاهرة صحية بحد ذاتها داخل الأحزاب السياسية، التصريح بها والتعبير عن الرأي باتا من تقاليد الحزب، لكن في غياب المؤتمر لا يوجد اعتراف كلّي ومُطلَق بالمسؤولين والقيادات، وهذا يجعل كل واحدٍ يعبّر عن رأيه بطريقةٍ فيها العديد من التناقضات. عندما ينعقد المؤتمر أنا متأكّد أنه ستُحترَم قرارات القيادة باعتبارها تصبح مُلزِمة لبقية المناضلين والقيادات، هذه قراراتها مُلزِمة لأنها وصلت عن طريق الشرعية وعن طريق الانتخابات.

 

محمد علوش: هل هذا الكلام يشمل أيضاً المدير التنفيذي للحزب وهو نجل الرئيس السبسي؟

 

جلال غديرة: بالفعل حتى هو يشمله الموضوع، لأنّ الموقع الذي يتواجد فيه مع كل احترامنا له والموقع الذي أتواجد فيه وكل زملائي في الحزب والمناضلين وصلنا إليه بالتعيين، وبالتالي التعيين هذا غير كافٍ لإعطاء الشرعية اللازمة، ولاحظنا حتى في تجربة سابقة كون عديد المناضلين والقياديين في نداء تونس انفصلوا وانسلخوا عن الحزب، وكوّنوا أحزاباً أخرى أو كتلاً نيابية أخرى، لماذا؟ لأنهم يعتبرون أنّ المسؤولين عن الحزب لم يصلوا إلى مواقعهم بطريقةٍ انتخابيةٍ وشرعيةٍ، عِلماً أنّ موضوع هذا المؤتمر هو مُتّفق عليه في جلسات حصلت مع السيّد المدير التنفيذي للحزب السيّد حافظ قائد السبسي، وآخر اجتماع تم خلال شهر رمضان الفائت، مُتّفَق، وأذن المدير التنفيذي للحزب بتكوين لجنة برلمانية مكلّفة بإعداد المؤتمر. هذا أمر مُتّفق عليه ولا يجب أن يقول أحد كونه حزبياً يجب أن يواصل ويستمر من دون عقد المؤتمر.

 

محمد علوش: إلى أيّ حد يمكن فَهْم ما حصل مؤخراً وهو انعقاد مجموعة أو عقد مجموعة من قيادات الحزب ما يشبه الخليّة أو اللقاء الخاص الذي اعتُبِر وكأنه نوع من الانشقاق الداخلي؟

 

جلال غديرة: التأخير المتواصل في موعد عقد المؤتمر وعدم الالتزام بمواعيد واضحة دفعَ الهيئة السياسية والنظام الداخلي للحزب يقرّ ذلك، القانون الداخلي للحزب، تحمّلت مسؤوليتها وأقّروا عقد المؤتمر في 29 و30 أيلول (سبتمبر) المقبل، لأنه في كل مرة نؤخّر، لأن سنة 2019 هي سنة هامة وحاسِمة باعتبار حدوث الانتخابات التشريعية والرئاسية، ولا يمكن للحزب أن يدخل لهذه المحطّات الهامة من دون عقد المؤتمر لتوضيح المواقع ونعرف مَن هي الشخصيات التي ستنجح في المؤتمر، وبالتالي سندفعها إلى الأمام لتحميلها المسؤوليات، فالمؤتمر أصبح ضرورة مُلحّة، ونقول حتى هذا المؤتمر عُقِدَ متأخّراً نوعاً ما، وكان من الأفضل عقده من قبل لنصطّف وراء هذه القيادات ونرفع من شأنها ونكوّن لها الشعبية اللازمة والشرعية اللازمة. إن شاء الله يكون مؤتمراً ناجحاً في أيلول المقبل، شفّافاً وشرعياً ليعطي الشرعية للقيادات.

 

محمد علوش: طبعاً إلى جانب ترشيح حافظ قائد السبسي لرئاسة الحزب، هناك شخصيات أخرى.

تقديركم، هل هذا سيُثير الخلاف داخل قيادات الحزب، خاصةً في ظلّ التراشُق السياسي بين هذه الأطراف التي تتنافس على رئاسة الحزب؟

 

جلال غديرة: المؤتمر هو في حدِ ذاته هو الذي سيحسم هذا، مَن سيفوز ومَن ستكون له الشرعية في الأصوات وفي الانتخابات والمناضلين الذين سيصوّتون له، هو الذي ستصطّف حوله الناس، ومَن لا يرضى بنتيجة الانتخاب وبنتائج الصندوق نقول ما عليه إلا الانسحاب. أما المبدأ في عقد مؤتمر، المؤتمر يقوم على الانتخابات، مَن يرضى بهذه النتيجة يبقى ومَن لا يرضى بالنتيجة ينسحب.

 

محمد علوش: إذاً ما الأسباب التي أدّت إلى تأخّر المؤتمر حوالى ستّ سنوات؟ هل هو الخوف من حدوث مزيدٍ من الانشقاقات الآن؟ لم تعد الأمور تحتمل أكثر من ذلك على صعيد التأخير؟

 

جلال غديرة: عادة المألوف ونقول هذا داخل نداء تونس، مَن يخشى المؤتمرات هو يخشى نتائج المؤتمرات وليس المؤتمرات بحد ذاتها، ومَن يخشى نتائج المؤتمرات يكون لديه موقع معيّن يخشى أن يفقد هذا الموقع، ولولا هذا السبب نقول بكل وضوح، وهذا شأن كل الأحزاب، مَن يخشى المؤتمر هو يخشى نتائجه وبالتالي يخشى على موقعه، وهذه الأسباب أدّت ببعض قيادات الحزب إلى تأخير هذا المؤتمر، واليوم آن الأوان لدخول هذه المحطّة والمُغامرة هذه وإن شاء الله تُكلّل بالنجاح، ويجب أن تكون هناك روح رياضية وروح ديمقراطية، ونعترف بنتائج الانتخابات ومَن سيفوز هنيئاً له بذلك.

 

محمد علوش: يوم الإثنين الماضي، كان هناك لقاء بعض أعضاء الكتلة النيابية التي تتبع الحزب، وصدر منها بيان وأعقبه بيان مُضاد من قِبَل حافظ قائد السبسي.

في أيّ إطار يمكن وضع هذه البيانات طالما هي تتحدّث في حراكٍ سياسي أو في شكلٍ سياسي وليس في إطار تنظيمي داخل الحزب؟

 

جلال غديرة: الخلفية الأساسيّة لهذا التجاذب والاختلافات في الرأي تقوم على أمرين. الأمر الأول، حرص قيادات في نداء تونس على تنظيم المؤتمر، لأنّ المؤتمر هو الذي يفرز القيادات كما قلنا الشرعية والمُعترَف بها.

الأمر الثاني هو الاستقرار السياسي. حركة نداء تونس، السيّد حافظ قائد السبسي، في حضوره في لقاء وثيقة قرطاج والتي تتضمّن 64 فصلاً، 64 نقطة، الفصل 64 هو اقتراح نداء تونس، اقتراح السيّد حافظ قائد السبسي، هو تحوير عميق وجذري للحكومة، أي ما يؤدّي إلى طلب إقالة أو إعفاء السيّد يوسف الشاهد. الرأي هذا لم يكن محلّ اتفاق عديد الأطراف وولّد الرأي والرأي المخالف. نحن نحترم الآراء المختلفة وأمر طيّب وظاهرة صحيّة عندما نختلف، لكن القرار النهائي لا بدّ من أن يكون قراراً نابعاً أولاً نشترك به ونصوّت عليه، نناقشه، نفهم أبعاده وتداعياته.

هذا الموقف أدّى لاختلاف بالرأي، ونقول الاجتماعات التي شاركت فيها مجموعة من النواب والقياديين الذين يمثّلون الهيئة السياسية، رغم عدم موافقة السيّد حافظ قائد السبسي، هذا نراه في البيانات، نتج ذلك وسارع في عقد هذه اللقاءات هذان الاختلافان، عقد المؤتمر والاستقرار الحكومي.

 

محمد علوش: اسمح لنا، ينضمّ إلينا عبر الهاتف الأستاذ حسونة الناصفي وهو قيادي في حركة مشروع تونس.

أرحّب بك أستاذ حسونة. طبعاً في ما يتعلّق بالعلاقة مع حزب نداء تونس، من المعروف أنه في الفترة الأخيرة يسعى رئيس الجمهورية إلى جمع جميع الأحزاب التي تشترك في مظلّة أيديولوجية معه قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة في العام 2019.

تقديركم، إلى أيّ حدٍ ممكن أن تنجح هذه الخطوة؟ ماذا عن حزب حركة مشروع تونس؟ كيف يرى نفسه في هذا الإطار؟

 

حسونة الناصفي: بناءً على المُعطيات السياسية في السنوات الأخيرة بطبيعة الحال وخاصة بعد نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، أصبح هناك ضرورة مُلحّة اليوم في تونس لتجميع القوى الديمقراطية، ولمّ شمل العائلة الموحّدة التي لا توجد أمور كثيرة تفرّقها سياسياً بقدر ما تجتمع على قواسِم مشتركة.

اليوم هناك محاولات جدّية، سواء كان داخل البرلمان أو خارج البرلمان، للمّ شمل هذه العائلة. صحيح، هناك صعوبات، خاصة في العلاقة ببعض الأحزاب السياسية وما تعيشه بعض الأحزاب السياسية الشقيقة والصديقة، لكن هذا لا يجب أن يحول دون أن نبقى مواصلين ومصرّين على ضرورة تجميع هذه القوى الديمقراطية الوسطية في عائلة واحدة. هذا لا نعتقد أنه صعب اليوم في تونس باعتبار الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها بلادنا، وباعتبار أيضاً الظرفيّة وحساسيّة الظرف في تونس خاصة بعد العمليات الأخيرة، وأيضاً مسألة الشلل الذي تعيشه مختلف مؤسّسات الدولة، وخاصة منها البرلمان في تونس، اليوم نعيش صعوبات كبيرة وكبيرة جداً على مستوى التوافقات وعلى مستوى المُصادَقة على القوانين، وحتى عندما طُرِحَ موضوع التغيير الحكومي سواء كان تغييراً جذرياً أو تغييراً جزئياً لا بدّ من حدٍ أدنى من التوافقات بين مختلف الفرقاء السياسيين. اليوم حركة مشروع تونس مُنخرطة في مسارٍ كاملٍ لتجميع القوى الديمقراطية سواء كان مع حركة نداء تونس أو مع بقيّة الأحزاب القريبة منا، لكن نحن لدينا قناعة كبيرة أن هذا لا يمكن ترجمته إلا عبر المؤسّسة التشريعية.

اليوم هنالك محاولة جدّية داخل البرلمان، وإن شاء الله في الأيام القليلة القادمة تتم ترجمة هذه المحاولات والمساعي إلى نتائج فعلية من شأنها أن تحسّن الوضعية السياسية في بلادنا، وإن شاء الله يتم التقارُب في أقرب وقتٍ ممكنٍ بين مختلف مكوّنات البرلمان، خاصة بين حركة نداء تونس ومشروع تونس، آفاق تونس، لِمَ لا أيضاً الاتحاد الوطني الحر، حزب آفاق، هناك محاولات جدّية، إن شاء الله المساعي موجودة والإيمان العميق سواء من قِبَلنا نحن أو من قِبَل زملائنا في البرلمان.

 

محمد علوش: هل تمت دعوتكم من قِبَل رئاسة الجمهورية للتشاور على غِرار ما حصل مع بعض الأحزاب مثل الاتحاد الوطني الحر، آفاق تونس، وحزب البديل، وهي جميعاً تشترك في المظلّة الأيديولوجية التي ينتمي إليها نداء تونس؟

 

حسونة الناصفي: بطبيعة الحال نحن خلال الأسبوع الماضي كان هناك نقاش مع رئيس الجمهورية، ومنصف المرزوق الأمين العام لحركة مشروع تونس، وكان محور اللقاء أساساً موضوع كيفية تقريب وجهات النظر، ولِمَ لا، لمّ هذه العائلة هذه في مجموعة موحّدة سواء كانت كتلة برلمانية كبيرة، تُعيد التوازن السياسي داخل البرلمان، أو حتى مسألة تشكيل ائتلاف خارج البرلمان، ائتلاف سياسي نستعدّ من خلاله للمحطّات السياسية القادمة خاصة عام 2019.

هناك مساعٍ جدية وهناك جو جيّد يسير بشكلٍ إيجابي لكن الأكيد إننا ننتظر نتائج إيجابية في المرحلة القادمة ، وهناك استعداد كبير من مختلف الأطراف السياسية في هذا المنحى، ورئيس الجمهورية على اطّلاع كامل بكل المسائل التي نقوم بها سواء في مشروع تونس أو بقيّة الأحزاب السياسية.

 

محمد علوش: تتفضّل بالبقاء معي سيّد حسونة. أتحوّل إليك أستاذ جلال لأسأل عن المُقاربة التي يُبديها نداء تونس لإعادة لمّ وجمع المُنشقّين عنه أو الذين يشتركون معه في الأطروحة الأيديولوجية.

هل هناك مُقاربة مختلفة أم مُقاربة نستطيع أن نقول مُتطابِقة مع ما يطرحه أيضاً الآخرون؟

 

جلال غديرة: هذه الفكرة كل الناس ترغب بها وهي فكرة جيّدة، تقريب وجهات النظر أفضل بكثير من التشتيت. نحن دائماً نفكّر بالانتخابات المقبلة عام 2019، الانتخابات التشريعية والرئاسية، إذا كانت هذه العائلة الديمقراطية والحداثية والتي تحمل نفس المبادئ والسياسات الأيديولوجية هذه مُتباعِدة، هذا يُشتّت الأصوات ويُضعِف كل هذه الأحزاب، وإذا توفّقنا لعقد هذا المؤتمر أكيد المؤتمر بحدِ ذاته يجب أن يؤدّي إما إلى تكوين ائتلاف أو جبهة بين هذه الأحزاب، أو قد يكون يؤدّي كذلك إلى مشاركة أبناء نداء تونس الذين هم في الأصل أبناء نداء تونس وخرجوا من نداء تونس لأنهم كوّنوا حزباً آخر وهو مشروع تونس، قد تكون هناك فكرة قد تُطرَح وتحتاج للتشاور وهي من جملة الأفكار الواردة، أن يشاركوا في المؤتمر مع بقيّة المناضلين، والذين اعتادوا على بعضهم وخاضوا مع بعضهم، خضنا مع بعضنا الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014، وعودتهم يجب أن تؤدّي إلى نتائج إيجابية في المحطّة الانتخابية القادمة.

 

محمد علوش: سيّد حسونة، بعض الصحافة تنقل إن المُنشقّين عن النداء يشترطون تشكيل فدرالية سياسية بين الحزب الأمّ وبقيّة الأحزاب المُنشقّة على قاعدة إبعاد نجل السبسي عن قيادة الحزب، وفكّ التحالف مع حركة النهضة.

لو بدأنا في موضوع فكرة فدرالية سياسية بحسب المُقتبَس من الصحافة التونسية، هل هذا مطروح؟ كيف يمكن ترجمته على أرض الواقع؟ هل هو بالاندماج التنظيمي أم فقط بالتنسيق في المواقف السياسية؟

 

حسونة الناصفي: المرحلة الأولى تتطلّب تنسيقاً في المواقف، نحن لدينا تجربة في تونس ليست ناجحة للأسف ، وهي مسألة التوافق السياسي التي لم تحصل من العام 2014 إلى اليوم، التوافق لا بد من أن يكون مبنياً على أسُس واضحة ونقاط معلومة. نحن اليوم الذي نعيشه في تونس هو إشكالية كبرى على مستوى إدارة التوافق الذي حصل بين حركة نداء تونس من جهة وحركة النهضة من العام 2013 إلى اليوم.

في العلاقة ببقية الأحزاب سواء كان مع نداء تونس أو في مشروع تونس أو بقيّة الأحزاب الوسطيّة الأخرى، هناك محاولة من نوعٍ ثانٍ، هي مسألة التجميع، سواء كما قلت فدرالية حزبية أو في جبهة حزبية أو في ائتلاف حزبي، لا يجب أن يكون مبنياً أساساً على موضوع القيادة داخل النداء أو إبعاد حافظ قائد السبسي نجل الرئيس أو غيره. هذا موضوع داخلي يُحسَم داخل مؤسّسات نداء تونس، بقيّة الأحزاب إذا كانت تحترم نفسها وتكون لديها قناعة راسِخة أنها تريد البناء للمستقبل، لا بد من أن تنأى بنفسها عن التدخّل في الشأن الداخلي لحركة نداء تونس. هذه مواضيع داخلية تُحسَم داخل مؤسّسات حركة نداء تونس، ليس لديها حتى علاقة ببقيّة الأحزاب، لكن بنفس الوقت هناك كتل برلمانية وهناك كتل قادِرة اليوم أن تجتمع في إطارٍ موحّد، في إطارٍ يقرّب وجهات النظر خاصة أن وجهات النظر داخل البرلمان من 2015 لليوم قريبة من بعضها، ولا توجد نقاط خلافية كبرى خاصةً من القضايا الوطنية الكبيرة. نحن عشنا في البرلمان قضايا رئيسية، قانون المُصالحة، العدالة الانتقالية، والقوانين الأساسية المتعلّقة بالحقوق والحريات في تونس، وأتت بقيّة نقاط الالتقاء بين النداء وبقيّة الأحزاب الوسطية تقريباً ساروا بنفس التوجّه، هذا الذي يجب أن يُبنى عليه، ولا يجب أن نناقش بداية النقاط الخلافية وكأن المسألة مسألة خِلاف.

 

محمد علوش: ما هو أبرز خلاف بينكم وبين نداء تونس؟ حركة مشروع تونس بالأساس هي انشقت عن نداء تونس، ووصل الأمر إلى أن ذهب نداء تونس وتحالف مع النهضة في مقابل أيضاً حركة مشروع تونس.

ما هي الأسباب الجوهرية لهذا الخلاف؟ هل هي أسباب داخلية أم أنها أيضاً كما يتّهم البعض بأنه بإيعاز خارجي تحصل هذه الأمور لا سيما داخل حركة مشروع تونس؟

 

حسونة الناصفي: الأمران مع بعضهما، ثمة سبب داخلي، ومسألة الديمقراطية داخل الحزب وخاصة مسألة المؤتمر الانتخابي الذي كان مطلباً رئيساً في حركة نداء تونس من سنة 2014 إلى اليوم، وهناك أيضاً مسألة التوافق بين حركتيّ نداء تونس وحركة النهضة الذي تحوّل بمرحلةٍ من المراحل إلى تحالفٍ ونحن كنا وقتها نرفضه، لأنه ولتكن الفكرة واضحة لدى الناس، نحن ليس لدينا مشكل مع مبدأ التوافق السياسي في تونس بين النداء والنهضة وبقيّة الأحزاب، نحن لدينا إشكال حقيقي في كيفية إدارة التوافق، وأنّ هذا التوافق لا يمكن أن يتحوّل إلى تحالفٍ سياسي. هناك فارِق كبير وبون شاسع جداً بين مبدأ التوافق ومبدأ التحالف. نحن للأسف في تونس وصلنا إلى مرحلةٍ من المراحل أن هناك أطرافاً سياسية حاولت أن تحوّل هذا التوافق إلى تحالفٍ سياسي غير منطقي وغير طبيعي. اليوم نحن نريد أن نُعيد الأمور إلى نصابها، التوافق السياسي ضروري وضروري جداً في تونس لكن لا بد من أن يكون مبنياً على أسُسٍ واضحة وسليمة، لا يجب أن يتحوّل هذا التوافق إلى تحالف.

 

محمد علوش: سأدخل في تفاصيل هذه النقاط سيّد حسونة، لكن كأني فهمت من حضرتك تعقيباً على السؤال الذي طرحته في ما يتعلّق بضغطٍ خارجي لجهة الانشقاق عن نداء تونس، أنت تؤكّد هذه المعلومة أم تنفيها، أنه لم يكن هناك ضغط خارجي بمعنى خارج تونس، هناك جهات اقليمية كانت ترغب بفكّ التحالف بين نداء تونس وحركة النهضة ، وبالتالي دفعت لمجموعة للخروج من نداء تونس تمثّلت بحركة مشروع تونس؟

 

حسونة الناصفي: كل طرف سواء كان داخلياً أو خارجياً، يسعى اليوم في تونس إلى فكّ هذا التوافق على أسُس غير صادقة، أراه يسعى إلى بثّ البلبلة في البلاد. اليوم تونس بمُقتضى النتائج الانتخابية الحاصلة بعد العام 2014، لا يمكن أن تُدار الأمور بها إلا عبر التوافق بين مختلف الأطراف السياسية، لكن الفرق واضح وكبير جداً بين التوافق السياسي، أن نكوّن حكومة، أن نتّفق على إصلاحات كبرى وبرنامج عمل لمدة أربع أو خمس سنوات، وبين أن يتحوّل هذا التوافق إلى تحالفٍ سياسي، غير منطقيّ، غير طبيعيّ، تختلف السياسة فيه، حتى على مستوى العلاقة بين القيادة في الأحزاب السياسية وقواعدها والذي يؤدّي إلى تضارُب كبير وكبير جداً، وهذا يحدث في تونس خلال الفترة الأخيرة، بحيث أصبح هناك غموض في كيفيّة العلاقة الموجودة بين حركتيّ النداء والنهضة.

نحن اليوم نحب أن نصحّح هذا المسار، نصحّح هذه العلاقة، وتكون علاقة مبنية على أسُسٍ صحيحة، أسُس سياسية بامتياز لمِنعة البلاد وإنجاح المسار الانتقالي الديمقراطي في تونس. التوافق ضروري لكن لا بدّ من أن يكون توافقاً مبنياً على أسُسٍ متينةٍ وليس توافقاً مغشوشاً مبنياً ربما على أكذوبة.

 

محمد علوش: جميل. اتّضحت الصورة لجهة التحالف أو الحوار أو، لنقُل، التفاهم بين نداء تونس وحركة النهضة بحسب ما ترون في حركة مشروع تونس.

لو تحوّلت إليك سيّد جلال لأسأل بالفعل، سمعنا خطابين حتى اللحظة من نداء تونس، آخر هذه الخطابات هو تصريح للمتحدّث الرسمي باسم نداء تونس بأن التحالف مع حركة النهضة قد انتهى.

بداية أريد أن أسأل، هل هو كان تحالف مُحاصصة على حساب القوى السياسية الأخرى؟ وهل استدرك الآن نداء تونس ليجد أنه من الأفضل له ولجميع حلفائه أن يبتعد عن حركة النهضة قبيل الانتخابات القادمة؟

 

جلال غديرة: أنا شخصياً لا أوافق على هذه الفكرة، التوافق عندما تم إنشاؤه منذ البداية سنة 2014 يقوم على أمرين.

أولاً الاتفاق على مسائل اقتصادية، على المصالح التنموية، على الإصلاحات الكبرى، على البحث عن الحلول التنموية، والإصلاحات في المجال الاجتماعي والصناديق. هذا اتفق عليه لأنه حتى كتلة نيابية أو حزب ليس لديه الغالبية التي تسمح بالقيام بالتصويت على القوانين والقيام بهذه الإصلاحات.

الاتفاق حول هذا، حول المسائل التنموية والاجتماعية، وفي المحطّات السياسية التوافق هذا يدعو إلى التنفّس، وهذا ما حدث في الانتخابات البلدية. التوافق يقوم على هذا، الاتفاق على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتنافُس في الانتخابات. هذا إذاً حافظَ على هذا الخط وهو التوافق ناجع وناجح. إذا كانت هناك مسألة فيها مصلحة للبلاد والمواطنين لا نختلف عليها، وحتى هذا التوافق لاحظناه مع كل الكتل النيابية بما في ذلك المعارضة، قانون المالية وميزانية تونس عندما صوّتنا لها في كانون الأول (ديسمبر) المنصرم كل الأحزاب صوّتت وهذا دليل على حصول توافق في المسائل  المالية والاقتصادية.

يبقى في المحطّات السياسية نتنافس. إذا حافظنا على هذه الموازنة وهذه المبادئ، فالتوافق سيستمر في تونس إلى حين حصول أيّ حزب من الأحزاب على الأغلبية المطلقة في البرلمان التي تسمح له بتمرير القوانين كما ينبغي. هناك نرى ضرورة مُلحّة، حزب نداء تونس لديه حالياً 86 نائباً، والأغلبية المُطلقَة تحتاج إلى 109 أصوات، أي ليس للنداء الأغلبية، بينما لدى النهضة 69 نائباً والأغلبية كما قلنا 109. هذا ما أدّى إلى حصول هذه الاتفاقيات والتوافقات التي في بعض الحالات تختلّ، عديد القوانين يقع فيها تضارب ونتحالف مع كتلٍ أخرى، ولا يعني هذا التوافق شرط قاعدة دائمة، قد نختلف في بعض المسائل. هذا هو المبدأ، وفي حال حافظنا على هذا المبدأ يمكن للبرلمان أن يعمل بشكلٍ طبيعي.

 

محمد علوش: سيّد حسونة تدعو إلى التوافق السياسي، في نفس الوقت اعتراضكم على التحالف القائم بين النداء والنهضة هو بسبب التحالف السياسي وليس التوافق السياسي كما فهمت من حضرتك. لكن في نفس الوقت، دعوتكم الآن للعودة والعمل تحت مظلّة أيديولوجية واحدة بينكم وبين نداء تونس وبقيّة المشتركات مع الأحزاب، ما تُعرَف بالأحزاب التقدميّة الأخرى، هو أليس يُعتبَر أيضاً حلفاً ضد حركة النهضة التي استطاعت أن تأتي بشرعية مُعتبَرة ومُحترَمة في الانتخابات البلدية الأخيرة؟

 

حسونة الناصفي: معقول، هذا هو، لكن نحن ضدّ فكرة إقامة تحالف ضدّ حركة النهضة، هذا نحن بعيدون عنه تماماً. نحن اليوم ناس مؤمنون أن حركة النهضة حزب سياسي موجود في تونس أفرزته صناديق الاقتراع، لكن الإشكالية التي لدينا هي أن تتغير موازين القوى في تونس. الشعب التونسي عام 2014 اختار حركة النهضة كحزبٍ ثانٍ، واختار العائلة الوسطية الديمقراطية في المرتبة الأولى. اليوم القاطرة داخل البرلمان وفي تونس حتى على مستوى الحُكم تغيّرت تغييراً جذرياً بما يتنافى مع نتيجة انتخابات  2014 وأصبحت حركة النهضة هي القاطِرة التي تجذب وراءها جميع الأطراف السياسية الأخرى. نحن اليوم نسعى إلى تكوين ائتلاف سياسي يُغيّر موازين القوى لإعادتها إلى شكلها الطبيعي، وهو أن تقود العائلة الوطنية الوسطية الديمقراطية مسار الحياة السياسية في تونس وحركة النهضة تكتفي بحجمها السياسي. لا بدّ من أن نعرف أمراً آخر.

 

محمد علوش: ألا يسمح حجمها السياسي لحركة النهضة بناء على قواعد الديمقراطية التي تقول حضرتك إنك تحترمها، بأن ترشّح أحداً لرئاسة الجمهورية وحتى للبرلمان وحتى في تسمية رئاسة الحكومة ، وخاصة بعد الجدل الكبير الذي صاحَب نجاح مرشّحة حركة النهضة لرئاسة بلدية تونس أو ما يُعرَف بشيخة تونس؟ تفضّل.

 

حسونة الناصفي: المسائل مختلفة. أنا لا أعتقد أنّ حركة النهضة اليوم، حتى لو تغيّرت موازين القوى السياسية، اليوم قادرة هي أن تترأّس الحكومة في هذا الظرف في تونس. التوازنات السياسية لا تسمح اليوم أن تترأّس حركة النهضة المسار السياسي، وتختار هي رئيس الحكومة.

موضوع رئاسة الجمهورية كان أمامها خيار سنة 2014 ورفضت المشاركة في الانتخابات الرئاسية، وهذا خيارهم، في العام 2019 قد يكون لديهم أمر ثانٍ، مع أنني دائماً وأبداً أستبعد أن أرى في تونس، تونس الجديدة، رئيساً للجمهورية من حركة النهضة، أعتقد أن هذا من شبه المستحيلات السبعة أن يكون حاصلاً في الجمهورية التونسية. هذا رأي شخصي.

 

محمد علوش: لماذا؟ لأسباب داخلية أم توصيات خارجية؟

 

حسونة الناصفي: لا يا صديقي. حركة النهضة لديها نتائج انتخابات أخيرة في السادس من أيار (مايو)، الانتخابات البلدية، حركة النهضة هي الحزب السياسي الأول على مستوى الترتيب بعد المستقلّين، لكن حركة النهضة هي الحزب السياسي الأول بستة بالمئة من الجسم الانتخابي الوطني في تونس، ليس لديها حجم كافٍ يجعلها أن تكون لديها القدرة على تسيير الأمور وتكون هي القاطِرة التي تقود الجمع في تونس، حجمها الانتخابي محدود ومحدود جداً، ما ساهم في بروزها وتصدّرها لطليعة ترتيب الأحزاب السياسية اليوم هو تشتّت بقيّة العائلة الديمقراطية. اليوم هذا الذي يدفعنا إلى أن نسعى إلى تجميع هذه القوى الديمقراطية ليكون المشهد السياسي في تونس واضحاً ويكون الواقع الذي نعيشه على مستوى الأرض والواقع هو الذي يكون لديه ترجمة على مستوى نتائج الانتخابات في المستقبل.

هذا هدفنا، وهذه الحقيقة التي لا بدّ للناس من أن تقتنع بها. حجم حركة النهضة في تونس حجم محدود جداً، لكن للأسف الشديد ما ساهم في أن تتصدّر هي المشهد هو تشتّت بقيّة العائلة السياسية في تونس.

 

محمد علوش: سؤال أخير باختصار قبل أن نذهب إلى فاصل ونختم مع حضرتك، سيّد حسونة هل تدعمون الرئيس السبسي لانتخابات رئاسية قادمة؟

 

حسونة الناصفي: أولاً وبالأساس الرئيس الباجي قائد السبسي لم يُعبّر إلى حد هذه اللحظة عن رغبته في الترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة. نحن الرئيس الباجي قائد السبسي كان مرشّحنا عام 2014 وإلى اليوم نكنّ له أكثر الاحترام الممكن إيماناً منا بقوّة وبرمزيّة هذه الشخصية في تونس والدور الذي لعبته على المستوى السياسي. لكن أن يكون ثمة برنامج من هذا النوع عام 2019، فلكل حادث حديث، وإذا كان طُرح هذا الموضوع، بطبيعة الحال نحن في مشروع تونس سيُناقش داخل مؤسّسات الحركة ولا يجب أن يكون هناك موقف شخصي من عندي أو من عند أيّ طرف سياسي يحافظ على هذا الموقف.

 

محمد علوش: شكراً جزيلاً لك الأستاذ حسونة الناصفي القيادي في حركة مشروع تونس.

مستمرون معكم مشاهدينا ومع ضيفنا الأستاذ جلال غديرة، لكن بعد فاصل قصير. أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: حوار الساعة يرحّب بكم مشاهدينا من جديد، ونخصّص هذه الحلقة للحديث عن المُستجدات السياسية في تونس، لا سيما مع إقبال حزب نداء تونس الحاكم إلى مؤتمر وطني جامِع له لأول مرة منذ ستّ سنوات، وهو تاريخ تأسيسه.

على أية حال، تحت ضغط الواقع الاقتصادي والسياسي على الجميع التحرّك، على الجميع الإنقاذ. تحت هذا العنوان تناولت الصحافة التونسية اليوم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، مُحذّرةً من أنها تتّجه نحو الإفلاس، في الوقت الذي يتراشق فيه السياسيون ويتبادلون التّهم. نشاهد معاً.

 

الصحافة اليوم التونسية: على الجميع التحرّك، على الجميع الإنقاذ

لا يختلف إثنان في تونس على أن البلاد تعيش حال أزمة خانقة، وأنها بالفعل توشك على الإفلاس، وأنّ السبب الرئيس وراء كل ذلك هو عدم الاستقرار السياسي وعدم وضوح الرؤية وعدم معرفة مَن يحكم فعلاً. فعندما تتحوّل أزمات الاقتصاد إلى خطرٍ حقيقي على رواتب الناس وأجورهم ولقمة عيشهم وأرزاقهم، فذلك لم يعد يُسمّى أزمةً اقتصادية، بل هو إفلاسٌ حقيقيٌ وهو بداية للسقوط في عالم الدول الفاشلة.

هناك نظرةٌ كارثية يعتقد أصحابها أنّ دول العالم وأوروبا وأشقاءنا العرب وأميركا وغيرها لا يمكن أن يتركوا تونس تسقط، وسيتقدّمون في آخر المطاف لإنقاذها، وهو رأي خاطئ مئة في المئة، لأنّ مفهوم الدول لم يعد يعني الكثير بالنسبة إلى المنظومات المتحكّمة في اقتصادات العالم ومصائره، لكنّ الأهمّ أنّ الحل يجب ألا يتأخّر وألا يتواصل السِجال السياسي العقيم، وعقليّة تسجيل الأهداف في مرمى الخصوم، وعقليّة كسب مزيدٍ من المواقع أو انتظار مزيدٍ من العثرات للآخرين، فالجميع الآن في مرمى النار.

أما الذين يراهنون على 2019 باعتبارها محطة مفصليّة، فإنّ الخشية الآن أصبحت  ألا تصل الدولة سليمةً إلى هذا التاريخ، وأن تتعدّد الكوارث خلال هذا العام، أو حتى خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

لقد انتخب التونسيون حزباً ورئيساً، وأعطوا أصواتهم بكلّ حريةٍ ليجدوا أنفسهم أمام تشكيلاتٍ سياسيّة لا يعرف أحدٌ من أين توالدت، وأمام ائتلافات لا يعلم إلا الله على أي أساس قامت ووفق أية برامج، وما الذي يُخفى منها تحت الطاولات، وماذا أقرّت في الغرف المُظلمة.

 

محمد علوش: إذاً إضافة إلى ضيفنا من تونس الأستاذ جلال غديرة القيادي في نداء التونس، معنا عبر الهاتف الأستاذ خالد شوكات وهو وزير سابق وقيادي أيضاً في نداء تونس، ينضمّ إلينا عبر الهاتف من الرباط.

أريد أن أسألك سيّد شوكات في ما يتعلّق بموقفكم كعضو في نداء تونس من المؤتمر القادم، هل تعتقدون أن جميع مَن هم منخرطون في النداء يرغبون بالفعل في استحقاق هذا المؤتمر وما يفرزه من نتائج؟

 

خالد شوكات: المؤتمر هو استحقاق، ضرورة وليس خياراً، ولا أعتقد أن النقاش الدائر في داخل حركة نداء تونس هو بين مَن يريد مؤتمراً وبين مَن لا يريد مؤتمراً. هذا غير صحيح، الكل يريد مؤتمراً، وواجبنا أن نتّجه بالحزب إلى مؤتمر انتخابي ديمقراطي، ولكن البعض مستقوياً بالحكومة، ومستقوياً بالسلطة، يريد أن يفرض أجندة على القيادة الحزبية وهو أمر نرفضه. نحن تقييمنا للحكومة الراهنة هو تقييم سلبي أعلنا عنه داخل طاولة الحوار التي انعقدت حول وثيقة قرطاج، وقلنا إننا نجد أنها حكومة فاشلة وستعمّق أزمة البلد وأزمة النظام الديمقراطي.

 

محمد علوش: وبالتالي مَن الذي يستقوي بالحكومة سيّد شوكات، لتحقيق مكاسب داخل نداء تونس؟ مَن هي الجهة التي تتّهمونها بأنها تستقوي بالحكومة؟

 

خالد شوكات: هناك جهة تريد أن تضع يدها على الحزب، رئيس الحكومة نفسه يريد أن يصدّر أزمة حكومته وأن يهرب إلى الأمام بدل من  أن يقرّ بفشل حكومته وبدل من أن يعود إلى حزبه، فضّل طريقاً آخر، فضّل طريق الهروب إلى الأمام من خلال محاولة تصدير أزمة حكومته، وجعلها أزمة حزبية. نحن مصمّمون في القيادة الوطنية لحركة نداء تونس على رحيل هذه الحكومة، لأنه لا يمكن أن تواصل البلد وجود مثل هكذا حكومة فاقدة للدعم الحقيقي، وتحوّلت من حكومة وحدة وطنية إلى حكومة انتشال وطني. المساند الوحيد الآن لهذه الحكومة هو حركة النهضة، سائر الطيف السياسي يعارضها ويعارض استمرارها، وهذا هو موقفنا. بالنسبة للمؤتمر، هذا مؤتمر هام نعدّ له ونخطّط له منذ أشهر، ونحن سائرون في اتجاهه بإشراف القيادة وليس بإشراف مجموعة ارتهنتها الحكومة الحالية وتسخّرها لصالح أجندة مشبوهة.

 

محمد علوش: كلام واضح. أتحوّل إليك أستاذ جلال. بشكلٍ عام هل تتّفق مع ما استمعنا إليه من الأستاذ خالد شوكات؟

هل هي بالفعل أزمة حكومية يحاول البعض داخل نداء تونس أن يحوّلها إلى أزمةٍ سياسيةٍ داخل التنظيم أو داخل الحزب، أزمة تنظيمية داخل الحزب؟

 

جلال غديرة: واقع الأمور كون هذه الحكومة من أعلن فشلها أو ادّعى فشلها، هي حكومة نداء وتضمّ 14 وزيراً لنداء تونس، وفجأةً نجد أنّ حزب نداء تونس هو الذي ينتقد الحكومة ويقول عنها إنها فاشلة، في حين أنه عندما نرى واقع الأمور، نداء تونس عندما يضع حكومة يجب أن يكون هو المُدافِع عن الحكومة وهو الذي يمثل حاضنة سياسية لهذه الحكومة ويقف إلى جانبها ويساندها، باعتبار يوسف الشاهد هو إبن نداء تونس، قيادي من قياديي نداء تونس، والوزراء معه. وكي نعود، لو فرضنا أنه من ادّعى فشل الحكومة، لنعد للأرقام والمُعطيات، نجد عكس هذا، نجد حكومة استطاعت تحقيق نتائج، أن هذه الحكومة هذه عندما بدأت بعملها كان الإرهابيون يضربون في المناطق السياحية وفي قصر باردو وفي البرلمان وفي جانب البرلمان وهجرة السياح وغلق المؤسّسات السياحية وفشل على عدّة صعد، وكنا نعيش في ضعفٍ كبيرٍ، وفجأة مع الحكومة هذه نجد أنه تم القضاء على الإرهابيين، لم يعودوا يضربون داخل المدن وعاد السياح وعادت الثقة.

فسفاط قفصة الحوض المنجمي الذي تبلغ مداخيله حوالى خمسة مليارات كان متوقّفاً منذ سنة 2008 ومصداقية في التعامل مع رئيس الحكومة هذا وهذه الحكومة وعاد الإنتاج لو بنسبة 60 أو 70 بالمئة، عائدات السياحة تحسّنت.

 

محمد علوش: كيف تفسّر لنا أن يقول المدير التنفيذي لنداء تونس حافظ قائد السبسي هو مَن يوجّه الاتهامات إلى الحكومة ويدعو إلى إقالتها ويرى أنها عثرة حقيقية أمام تقدّم البلاد؟ هل هذا يتناقض مع ما تقوله حضرتك لجهة أنه ينتمي إلى نداء تونس وأن فيها 14 وزيراً، هذه الحكومة، من نداء تونس؟

 

جلال غديرة: هذه نقطة استغراب من قِبَل عديد الأطراف الذين يخالفون هذا الرأي، هو كون نداء تونس والكتلة البرلمانية لها وقيادة نداء تونس من المفروض أنها تدعم هذه الحكومة وتقف إلى جانبها، وتفاجأنا بهذا الموقف. نحن نعرف أن هناك الكثير من النواب غير منخرطين بعد بهذا الموقف، وإبعاد الحكومة يتطلّب الرجوع إلى البرلمان وسحب الثقة منه أو طلب تجديد الثقة بها، سحب الثقة يتطلّب 109 أصوات، ونحن نؤكّد أن هذا العدد غير موجود لأن النواب غير مقتنعين بأن هذه الحكومة فاشلة، نسجّل في النتائج وعلى مسؤولية أمام الشعب التونسي، ليست مسؤولية كما يُقال حزبية، هذه مسؤولية واقعية.

 

محمد علوش: يظهر هنا أن التباين واضح جداً لجهة تقييم أداء الحكومة، سيّد خالد شوكات نحن نريد أن نسأل هنا، إذا كان نواب نداء تونس داخل البرلمان يؤيّدون هذه الحكومة، وهم منتخَبون من الشعب وبالتالي ممثّلون حقيقيون ويمثّلون بشكلٍ حقيقي، وما بين بعض القيادات السياسية داخل نداء تونس التي ترى أنّ هذا لا يمثّل نداء تونس ولا وجهة نظره.

كيف يمكن للمُشاهد أن يُحدّد مَن هي الجهة بالفعل التي تؤتمَن على توصيات نداء تونس؟

 

خالد شوكات: السيّد النائب المحترم الصديق جلال غديرة يقدّم مُغالطات، أستطيع أن أقول، مفضوحة، لأنّ جميع المؤشّرات الاقتصادية والاجتماعية ضوؤها الأحمر اشتعل، كما أن تقييم جميع المنظمات الاجتماعية والخبراء الاقتصاديين يقولون الاحتياطي من العملة الصعبة، الحكومة السابقة حكومة السيّد حبيب الصيد، مستوى 112 يوماً، الآن هي في أدنى مستوياتها، نسبة التضخّم تركته حكومة السيّد الحبيب الصيد مستوى 3 فاصل 6، اليوم هو في حدود 8، الأسعار اشتعالاً، الدولار تركته الحكومة الماضية في مستوى 2 فاصل 4 واليورو واليوم هو تجاوز. ماذا أقدّم لك؟ هناك 12 مؤشراً اقتصادياً كلها اشتعلت، نحن نسير نحو الإفلاس، نحو الكارثة.

هو يتحدّث عن الأمن. الأمن ليس من إنجازات الحكومة، الأمن هو مُنجَز الحكومة التي سبقت. قبل يوم سقط ستة من قيادات الحرس الوطني، سِلك الحرس الوطني، يتعلّق بالوضعية الأمنية خصوصاً بعد إقالة وزير الداخلية السيّد لطفي بن براهم في إطار أمر مشبوه. عن أية إنجازات يتحدّث هذا الرجل؟ حركة نداء تونس لا تمتلك إلا ثلاثة أو أربعة وزراء ندائيين حقيقيين فقط. نحن لا نعترض على أن يقوم النواب بتقييم عمل الحكومة، وطالبنا رئيس الحكومة بالذهاب إلى البرلمان مثلما فعل.

 

محمد علوش: وجهة النظر اتّضحت سيّد خالد شوكات، كلّ الشكر والتقدير لك القيادي في نداء تونس والوزير السابق خالد شوكات.

أعود إلى ضيفي، يقول إن جميع المؤشّرات بشكلٍ عام لا تشير إلى نجاح هذه الحكومة، لكن أياً كان النقاش لجهة أداء وتقييم هذه الحكومة، واضح جداً أن هناك أزمة بنيوية الآن وتنظيمية داخل جسم نداء تونس، مَن يمثل حقيقة هذا الحزب وكيف يمكن أن تكون نتائج المؤتمر إذا كانت التبايُنات بهذه الحدّة قبيل أيام من انعقاد هذا المؤتمر؟

 

جلال غديرة: نتائج المؤتمر هي بطبيعتها ستفرز قيادات مُنتخَبة داخل نداء تونس، وإذا كانت هي قيادات تحمّلت مسؤوليتها، يبقى على بقيّة المناضلين في نداء تونس الالتفاف حولها ودعمها ومساندتها، والوقوف إلى جانبها، وهذا المؤتمر ضروري للابتعاد أكثر ما يمكن من الاختلاف في وجهات النظر أو التقييمات المختلفة، وهذا أمر ضروري المؤتمر.

نحب إعطاء رقم واحد بالنسبة للاقتصاد في تونس. نسبة النمو عندما تسلّمت هذه الحكومة الحُكم، كانت تساوي صفراً، وقلنا هذا في البرلمان، السيّد وزير المالية في ذلك الحين المرحوم سليم شاكر قال للتدقيق هي صفر فاصل 1، حالياً نسبة النمو 2 فاصل 5، وقد تصل في الجزءين الأخيرين من العام إلى 3 فاصل 5، ما يؤكّد أن المعدّل السنوي لن يكون 3، نطمح إلى تحقيق أربع نقاط نمو سنة 2019 وهذا البرنامج الانتخابي. هذا هو موجود.

 

محمد علوش: إذاً يبقى الأمر مرهوناً بما قد يفرزه المؤتمر من نتائج لجهة صحّة التمثيل داخل هذا النداء، وكيف يمكن أن ينعكس على التحالفات مع القوى السياسية وعلى الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلد بشكلٍ عام.

كل الشكر والتقدير لك أستاذ جلال غديرة القيادي في نداء تونس، كما نجدّد الشكر لكل من كان ضيفاً معنا عبر الهاتف. والشكر موصول لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة، وإلى اللقاء.