كمال الهلباوي - قيادي سابق في جماعة الإخوان المسلمين

 

وفا سرايا: في أمّةٍ عربيّة مشتّتةٍ ما بين حروب مذهبية وطائفية وعنصرية، وكراهية تعصف بدولها وشعوبها، وأعداء ينفّذون مخططاتهم بخُطى ثابتة معتمدين على انقساماتنا وتخلّي أنظمتنا وتآمرها على القضية الفلسطينية الأمّ، ومع تسارُع أحداث غير مسبوقة إقليمياً ودولياً مستهدفة ليس هوية العرب فحسب بل وجودهم ومستقبلهم كأمّةٍ وحضارة وأجيال مقبلة، وفي وجه هذا المشهد القاتم، تشرق ومضات أملٍ إحداها تتجسّد في قصة أيقونةٍ فلسطينية مقاومة وفي عينيها حلم أمّة، لتكسر عهد قيود المحتل وتتنفس الحرية.

فبين خلط الأوراق والمعادلات الجديدة والمؤامرات التي تُحاك تحت مسمّى صفقة القرن، يعيش عالمنا العربيّ أياماً مفصليّة، وفي ظلّ تصدّر الجماعات المتطرّفة الواجهة كداعش والنصرة، تراجعت قوى الإسلام السياسي في تقديم النموذج الناجح على صعيد الحكم والإدارة في المنطقة.

فهل أعيد النظر في كلّ هذه التجارب التي قدّمها وفي تعزيز الحوار بين تياراته في موازاة الحوار مع الآخرين؟ ما أسباب انحسار تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية؟ وهل إنّ الضغط الدولي والإقليمي هو الذي أنتج هذه الإمكانية بعد أن تحوّل الإرهاب إلى صداع يؤرق كل دول العالم؟

هي أسئلة ومحاور مفصلية نناقشها في حلقة اليوم من حوار الساعة مع الدكتور كمال الهلباوي القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير دكتور كمال، وأهلاً وسهلاً بك في بيروت على شاشة الميادين. سأنطلق من وجودكم، والمشاركة في الدورة التاسعة والعشرين للمؤتمر القومي العربي.

برغم كلّ ما يُحاك ويُخطّط لتصفية القضية الفلسطينية والمؤامرات بحق عالمنا العربي، هل يمكن أن نأخذ هذا المنتدى نموذجاً أيضاً أو مثالاً وترجمة لفكرة فلسطين جامعة؟

 

كمال الهلباوي: صباح النور وشكراً على الاستضافة.

 

وفا سرايا: أهلاً وسهلاً.

 

كمال الهلباوي: بالتأكيد نموذج ومثال للعمل والنظر للمستقبل واستشرافه في قضية من أصعب القضايا التي مرت على الأمّة، لم يمرّ عليها قضية مثل قضية فلسطين إلا قضية الأندلس. أنظري، الأندلس.

 

وفا سرايا: تاريخياً.

 

كمال الهلباوي: نعم، 500 سنة الآن أو أكثر، فهذه القضية تذكّرني دائماً بقضية الأندلس والموقف منه. هل نترك بلدنا وقطعة منا مرة أخرى وفيها مقدّساتنا؟ الأندلس لم يكن فيها مقدّسات، أما فلسطين ففيها مقدّسات. هل نتركها كما تركنا الأندلس أو ترك أجدادنا الأندلس؟ وهل التطاحُن القائم الآن بين الأمّة ما أدّى إلى تفرّقها إلى دويلات ودول صغيرة تستعين بالأجنبي للدفاع عنها، ومحاولة أنها تتّخذ عدواً من أبنائها، هل نترك هذا الأمر، أو يكون المؤتمر هذا نموذجاً ومثالاً للتطلّع إلى مستقبلٍ مشرقٍ، حتى الأجيال الجديدة تستفيد من خبرات الكبار الذين حضروا وخطّطوا وبقي التنفيذ؟

الكلام كثير في القاعات. الكلام النظري جميل وسهل.

 

وفا سرايا: صحيح، ولكن التطبيق واقعياً؟

 

كمال الهلباوي: إنما نحتاج إلى تطبيق حقيقي للمُقترحات الإيجابية التي قدّمت والتوصيات حتى نخرج من عنق الزجاجة.

 

وفا سرايا: عملياً، بشكلٍ سريعٍ دكتور كمال، هل الفكر القومي العربي قابل، لا زال قابلاً للحياة عملياً؟

 

كمال الهلباوي: القومية طالما أنها قومية اعتزاز وشرف وكرامة بالقوم مقبولة، إنما قومية استعلاء على الآخرين والتفاخُر بالأنساب والوقوف عند هذا الحد مرفوضة، أما قومية العزّة والشرف والكرامة، والقومية التي تنتقل إلى دائرة أوسع، وهي دائرة الإسلامية، نحن عندنا وطنية، الوطن.

 

وفا سرايا: عالم عربي وعالم إسلامي.

 

كمال الهلباوي: لبنان وطن، مصر وطن، إنما العرب قومية والأتراك قومية والفرس قومية والكرد قومية. يجب أن تجتمع هذه القوميات حول هدف أكبر من مجرّد فكرة القومية.

 

وفا سرايا: هنالك أمل بأن يبقى أحرار العرب، ألا يتركوا القضية الفلسطينية.

ذكرت بالمقدّمة إحدى ومضات الأمل خروج أمس عهد التميمي التي صارت عهد عهداً ورمزاً للنضال الفلسطيني.

هل يمكن القول، نحن أمام جيل عهد التميمي ونحن نتحدّث عن إمكانية الاستفادة والتجارب السابقة بالنسبة للأجيال القادمة؟

 

كمال الهلباوي: أولاً الأحرار لن يتركوا قضية فلسطين إلا وهم في القبر، حتى وهم في القبر سيسألون الملائكة، خذوا بالكم من فلسطين.

الأمر الثاني، بالنسبة لعهد التميمي، كل حر يتمنّى أن يكون أولاده عهد، يتمنّى أن تكون أمّه عهد، يتمنّى أن تكون زوجته عهد، يتمنّى أن تكون أخته عهد.

 

وفا سرايا: لماذا تأثّر، ربما أوصلت هذا الصوت، هي لم تكن تحمل السلاح ولكن وقفت بوجه المُتغطرس الإسرائيلي وهذا المحتل وأوصلت صوتها إلى كل العالم.

ما الذي ينقصنا نحن كفلسطينيين وكعرب أن نوصل هذا الصوت، وأصبحت هي ربما المثال الذي يُحتذى به، بحاجة إلى رموز كأمثالها في وطننا العربي؟

 

كمال الهلباوي: كفلسطينيين عندهم شجاعة وقوّة وعزّة ودفاع عن الأرض والعرض، كعرب مكبوتين، وبينهم وبين حكّامهم لا عمار كثير، إنما كفلسطينيين، لأنه لا توجد سلطة متحكّمة، مُتسلّطة، وهناك حركة مقاومة، وهذا الذي يجب أن يكون عليه كل الشعوب العربية والإسلامية، وإذا فرّط العرب في موضوع فلسطين لا قدّر الله، إلى الآن الأمور سائرة.

 

وفا سرايا: حتى الأنظمة دكتور كمال؟

 

كمال الهلباوي: حتى الأنظمة لا تجرؤ صراحةً، يذهبون بزيارات سراً لإسرائيل، يتفاهمون مع بعض في بلدان أخرى، يدعونهم سراً ويخافون من الشعوب حتى الآن الأنظمة، والجيوش التي مع هذه الأنظمة، قد يوافق كموظف على ماذا يفعل الرؤساء والحكومات، إنما كوطني وإنساني لا يمكن أن يقبل بهذا الأمر.

 

وفا سرايا: وهنا التعويل أيضاً على ما ذكرته، لأنه أيضاً هناك مواقف على ما يبدو سوف نتطرّق إليها بالأمس للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تجاه ما يُسمّى بصفقة القرن.

ولكن سنتابع بموضوع عهد، واسمح لنا أن نتوقّف مع هذا المقال دكتور كمال، وجها القضاء، باللوموند الفرنسية، يتناول فيه تمييز المحاكم الإسرائيلية بين عهد وجندي قاتل بجيش الاحتلال.

 

لوموند: وجها القضاء الإسرائيلي، جان بيار فيليو

أطلق سراح كل منهما. هو بعد تسعة أشهر من الاعتقال وهي بعد ثمانية أشهر منه. هذا هو القاسم المشترك الوحيد بينهما. هو المجنّد إليور أزاريا الذي وُجِد مذنباً لقتله بدم بارد في آذار (مارس) من عام 2016 مهاجماً فلسطينياً ملقى على الأرض بعد إصابته بجراح خطرة في الخليل. هي عهد التميمي التي اتُهِمت بدفع جنديين إسرائيليَّين حاولا دخول منزل عائلتها في الضفة الغربية المحتلة.

هو عمره 22 عاماً ولِد في مدينة الرملة وسط إسرائيل. هي ولدت عام 2001 في قرية النبي صالح واحتفلت بعيدها السابع عشر في السجن، فيما انقسم الرأي العام الإسرائيلي حول قضية أزاريا الذي دعم بقوّة التعامل بقسوة مع عهد التميمي.

النضال السلمي لعهد وعائلة التميمي لا يكفي للترويج لمقاومتهما العنيدة تجاه الاحتلال، والتي توسَم بأنها شكلٌ جديدٌ من الإرهاب، وهو التوصيف نفسه الذي يُطلَق على المشاركين في مسيرات قطاع غزّة.

أُفرِج عن عهد التميمي ووالدتها. السلطات الإسرائيلية فعلت كل شيءٍ للتخفيف من الصدى الإعلامي لتحريرهما، حتى أنها أقدمت على اعتقال الفنانين الثلاثة، الإيطاليَّيْن والفلسطيني، الذين رسموا صورة ضخمة لعهد على الجدار الإسرائيلي الفاصل في بيت لحم.

 

وفا سرايا: دكتور كمال، رغم هذا النضال الذي جسّدته، هل نحن بزمن قلب الحقائق والأشياء وتغيير الحقائق، حتى مساواة الجلّاد بالضحية؟

 

كمال الهلباوي: الحمد لله الآن خرجنا من هذا التعتيم المظلم بالكامل، فأصبح هناك ناس في الغرب، وفي أميركا اللاتينية، يشاركوننا طلب الحرية ويشاركوننا التظاهرات والمسيرات ويكتبون مقالات، حتى أن الرسامين الذين جاؤوا يرسمون على الجدران هذا دليل على أن.

 

وفا سرايا: مع العِلم مع أنه تم إلقاء القبض عليهم ، رسّامان إيطاليان من قِبَل سلطات الاحتلال؟

 

كمال الهلباوي: لا بأس، هؤلاء يذكّروننا بالجرّافة التي قتلت البنت الأميركية التي ساعدت من عشر سنين.

 

وفا سرايا: صحيح.

 

كمال الهلباوي: إذاً نحن لسنا مُحاصرين كما كنا سابقاً، ونحن في زمن الآن يستدعي الحوار بدلاً من الصراع، والحوار ينجح في أمور كثيرة. أنظري الجمهورية الإسلامية في إيران عندما حاورت باراك أوباما، الرجل العاقل نوعاً ما حول البرنامج النووي في اجتماعات خمسة زائد 1، وصلوا إلى نتيجة جيدة وتجنّبنا حروباً وتجنّبنا صراعاً.

 

وفا سرايا: وأتى ترامب لينسف كل هذا الاتفاق.

 

كمال الهلباوي: أما يأتي واحد مخبول كترامب، هو مخبول، أنا لا أشتمه ولكن أقول التوصيف الذي أطباء وعلماء النفس في أميركا قالوا عليه.

 

وفا سرايا: غير مُتّزِن، شخصية غير مُتّزِنة.

 

كمال الهلباوي: غير مُتّزِن، فينسف هذا، إنما في نفس الوقت، هذا ترامب المخبول يجري حوارات مع كوريا الشمالية فيخفّف الضغط، ويجري حوارات مع روسيا العدو التقليدي ومع الصين، لمحاصرة الجمهورية الإسلامية في المستقبل، وتقف وحيدة.

هذا دليل على أن لديه خبلاً، وأنه لا يؤمن بالحوار إلا لمصلحة أميركا وما إلى ذلك، إنما نحن لا يجب أن نيأس، وعندنا أمل كبير أن العالم الحر كلّه معنا الآن، هيوغو تشافيز.

 

وفا سرايا: الرئيس الفنزويلي الراحل.

 

كمال الهلباوي: في فنزويلا أو لولا دي سيلفا رغم أنه دخل السجن، وحديثاً رئيسة جمهورية كرواتيا.

 

وفا سرايا: وأنت كتبت عنها حضرتك مقالاً.

 

كمال الهلباوي: كتبت عنها مقالاً في رأي اليوم، ولفتت الأنظار ببساطتها وأناقتها واحترامها وابتسامتها، ورغم أن كرواتيا هذه بلد صغير إنما نالت سمعة وشهرة.

 

وفا سرايا: تعبّر عن شعبها.

 

كمال الهلباوي: تعبّر عن شعبها، وهي درس لكل ملوك العرب وحُكّام العرب وجيوش العرب، هذه المرأة وحدها بما ظهرت به في كأس العالم لفتت أنظار الدنيا كلها، وقبلها كما قلنا هيوغو تشافيز ولولا دي سيلفا وما إلى ذلك.

 

وفا سرايا: في ما يتعلق بالحوار دكتور كمال، إسمح لي عن تفاصيل المبادرة الأخيرة لكم بين الفرقاء السياسيين في مصر. بدايةً سأبدأ بالاستقالة، أسباب وخلفيات هذه الاستقالة من المجلس القومي لحقوق الإنسان، تقدّمتم بهذه الاستقالة نتيجة هذه المبادرة، وأين أصبحت؟

 

كمال الهلباوي: بالنسبة للاستقالة، ليست المرة الأولى التي أرسل فيها استقالة، لماذا؟ لأنني لمست أن الضغط كبير على الأستاذ محمّد فايق، وهو رجل وطني محترم.

 

وفا سرايا: رئيس المجلس القومي.

 

كمال الهلباوي: رئيس المجلس القومي وعلى المجلس وأنا لا أحب أن يتحمّل أحد نتيجة سلوكي أو تصرّفي أو تفكيري.

 

وفا سرايا: ممَن الضغط دكتور كمال؟

 

كمال الهلباوي: الضغط قطعاً، الضغط الإعلامي أعتقد واضح، في ليلة واحدة لك أن تتصوّري أنّ هناك عشرة تلفزيونات وأذكر منهم أحمد موسى، تامر أمين، تامر عبد الكذا، لا أعرف ماذا، خيري رمضان ونشأت الديكي، تصوّري أن يضيّعوا وقتهم في أمر لا يفهمونه، المشكلة أنهم لم يفهموا المبادرة، وظنوا أنني أطالب بمصالحة بين الإخوان والنظام فقط، ولكن المبادرة هي للأمّة كلها، للعرب، لقضية فلسطين، لقضايا التحرّر، المبادرة حتى نعيش، أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف، هذه الشعوب تحتاج نعمتين اثنتين، التي أنعم بها الله علينا، هي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف، يحتاج للدخول والخروج من بلده، ليس هناك ترقّب ولا وصول ولا قوائم ولا سجن ولا اعتقال.

فأنا تخفيفاً للضغط على المجلس القومي لحقوق الإنسان وعلى أعضائه وعلى رئيسه الأستاذ محمّد فايق، أنني تقدّمت بالاستقالة أكثر من مرّة، ولم أعلن عنها، وهم لم يقبلوها. هذه المرّة، أنا تقدّمت بها وأرسلتها تخفيفاً للضغط عليه، الضغط الإعلامي، ربما، أقول ربما يكون هناك ضغط أمني، ربما، أنا غير متأكد.

 

وفا سرايا: تقول إن لكل مشكلة حلاً دكتور كمال، ولكن هل العقل العربي قادر على إيصال أو حل مشاكله من دون الدم، من دون هذه الحروب؟ للأسف نحن نسير بالمسار الآخر، نحن نقاتل بعضنا البعض. وإلى أي مدى هذه المبادرة ترسّخ هذا النموذج الذي انتصر به للأسف العقل الغربي علينا؟

 

كمال الهلباوي: مليون بالمئة، العقل الغربي، بشرط ألا نسمح بالتفريط بثروتنا البشرية، وأقصد بهذا هجرة الأدمغة إلى الغرب، والغرب يستفيد منها. تصوّري في بلد كأميركا، عندما تأخذين شخصاً مصرياً كفاروق الباز أو أحمد زويل أو مئات وآلاف من المواطنين العرب السورييين والسودانيين والمصريين واللبنانيين، وتستفيد منهم، وأمّتنا لا تستفيد منهم. هذا شرط من الشروط المهمة جداً، لأن العقل العربي، وثانياً يجب أن يكون لدينا مراكز للتفكير، مؤسّسات للتفكير، لأنّ أخطر مشكلة. أنتِ لو سألتِني أزمة الأمّة ماذا؟ أبسط أمر أقول لك فلسطين أو الاستبداد. لا، أنا أقول أخطر مشكلة موجودة في الأمّة الآن نقص الوقت المخصّص للتفكير، الناس كلها مشغولة، وعندما أتحدّث عن التفكير، لا أعني أفراداً، أنا وحضرتك، وإنما أعني أدوات التفكير ومؤسّسات التفكير، الثنك تانكس التي يتحدّثون عنها، إضافة إلى مراكز الأبحاث المهمة. نحن بحاجة إلى هذا، فهذا الشرط الثاني الذي يجب أن يكون متوافراً في الأمّة.

ومبادرة السلام المجتمعي أو الاجتماعي تدعو إلى مثل هذا الأمر، حتى نخرج من الصراع إلى الحوار، لأنه لو نظرتِ حضرتك الآن في أي بلد، في أية قضية من القضايا، صراع، حرب، شتيمة، إعلام، هذا كله ضياع للقوى البشرية وللثروات البشرية.

 

وفا سرايا: وللقدرات التي نمتلكها، ضياع بالحروب بالفعل.

 

كمال الهلباوي: لا يقل خطورة عن المبالغ التي حصل عليها ترامب من دول الخليج، لا يقلّ خطورة.

 

وفا سرايا: هذا مهم جداً، وبهذا السياق دكتور كمال، هذا ما ذكرته اليوم صحيفة القدس العربي بعنوان الشعبوية تهدّد الأمن والسلم الدوليين. فلنتابع ونكمل النقاش نحن وأنت.

 

القدس العربي: الشعبوية تهدّد الأمن والسلم الدوليين، سعيد الشهابي

يمكن القول إنّ ظاهرة الشعبية أو الشعبوية أصبحت داء خطراً يهدّد النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الظاهرة التي تجسّدت بصعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية ودفعت بالتيارات اليمينية المتطرّفة في الدول الأوروبية إلى الواجهة السياسيّة، هي نفسها التي أدّت قبل ذلك إلى ما عانت منه أمّتنا العربية والإسلامية في السنوات الأخيرة من تصدّع المجتمعات وفق خطوط التمايز الديني والمذهبي.

لقد كان هناك أملٌ لدى روّاد النهضتين العربية والإسلامية بأن يتعمّق الشعور بالهويّة الخاصة من أجل خدمة المصلحة العامة، فعلى الصعيد العربيّ، طُرِحت المسألة القومية بهدف التحوّل إلى هويّةٍ جامعةٍ للشعوب العربية لتجمع أمرها من أجل مواجهة الاستعمار الغربيّ والاحتلال الإسرائيلي.

إنّ الظاهرة الشعبوية تقوم على أساس إثارة القضايا الخلافية، ومن ذلك رفض استقبال المهاجرين، ومعاداة الإسلام، وترويج روح الاستعلاء والتباين، واعتبار الآخر المختلف عدواً.

هذه الظاهرة وصلت هي الأخرى إلى العالمَيْن العربي والإسلامي، ولكن بنسخةٍ أخرى ذات منطلقاتٍ مذهبيّةٍ أدّت إلى حمّاماتٍ من الدم ما تزال تسيل حتى الآن، وثمة إدراك للدور الإسرائيلي في ما يحصل سواء بطرح أجندة العمل للرئيس الأميركي، أو التحالف مع حكوماتٍ عربيّةٍ تماهت مع الظاهرة الشعبوية في نسختها العربية، كأسلوبٍ آخر من التصدّي للظاهرة الثورية الساعية إلى التغيير السياسي وتحرير فلسطين وإلى الحدّ من الهيمنة الغربية.

 

وفا سرايا: دكتور كمال، نحن أصبحنا على يقين بهذه الأمّة بأنها غرقت في بحور الفتن الطائفية والمذهبية، ما فجّرته أيضاً من حروب داخلية. اسمح لي، هنالك كلام يقول، تحوّل سلاح الجيوش العربية إلى الداخل لقمع الشعوب، القضاء أيضاً على المعارضات الشعبية وعلى الفكر بشكل خاص، وتسخير كل هذه الطاقات والإمكانيات للدفاع عن هذه الأنظمة التي يمكن أن نصفها بالمُتهالِكة.

هل هنالك سبب رئيس يمكن القول، هو الذي أغرقنا بهذه الحروب؟ صحيح هنالك مؤامرات، ولكن هنالك بنية أو أرض خصبة نحن سمحنا لها بأن تنبت.

 

كمال الهلباوي: نعم، الأرض الخصبة هي الجهل. العوامل الأخرى هي الفهم الخاطئ للدين خصوصاً، والدين الإسلامي بشكل أخصّ، فتحويل التعدّدية إلى صراع، تعدّدية المذاهب.

 

وفا سرايا: كانت غنى بالنسبة لبلادنا.

 

كمال الهلباوي: أيضاً غنى وثراء وقبول. كيف يقبل أهل السنّة أن يكون هناك تعدّد ما بين الحنيفية، الأحناف، والموالك، والشافعية، والحنبلية، ولا يقبلون المذهب الأسبق لهما وهو المذهب الاثني عشري الشيعي المرتبط بأهل البيت عليهم السلام؟ كيف هذا؟ إذاً أنت تقبل بحدود ما يمليه عليك عقلك التعبان، أو ما ورثته عن جهل من البيئة.

كنت أريد أن أقول كلمتين. الكلمة الأولى، أنا لا أتوقع من حركات التأسلف وليس السلف، التأسلف، يزعمون أنهم متأسلفون أو متسلّفون وهم أبعد ما يكون عن السلف الصالح، لأنّ السلف الصالح يحب أهل البيت ويحترم أهل البيت ويحترم المذاهب ولا يقيم الصراع بينها، إنما الذي إلى الآن يشغلني، وأرجو أنّ أهل الإسلام الوسطي، الحركات الإسلامية الوسطية كالإخوان وغير الإخوان أن يفهموا هذا المعنى ويدركوا أنه خطر وأن الخطر دخل إليهم، هناك عدد منهم، أنا أتلقى كل يوم رسائل موجهة نقد لي لأنني، من يقول علي تشيع ومن يقول يقبض من إيران ومن يقول يقبض من حزب الله.

 

وفا سرايا: هنا دكتور كمال، بالفعل أنه للأسف هل بات هنالك ولا يزال العدو الرئيسي والعدو الحقيقي للعرب إسرائيل؟ لأنه خُلِق عدو، إسمح لي منذ يومين في السياسة، نتحدّث عن ناتو عربي، تحت هذه التسمية حتى الملفت للنظر بأنّه دليل واضح على استعمال تحالف سنّي بوجه النفوذ الشيعي الإيراني، اللعب على هذا الوتر من قِبَل أميركا وحلفائها.

 

كمال الهلباوي: هذا إن شاء الله لن يكون، بفضل الله أولاً وأخيراً، وثمّ بفضل العلماء الذين لديهم إدراك ووعي كتجمّع العلماء في لبنان الذي يجمع ما بين السنّة وبين الشيعة من علماء، إنما لا يمكن أن نقبل هذا ولا يمكن أيضاً إلا أن نعود إلى مبادرة السلام الاجتماعي، لأنها تدعو للخروج من الطائفية والمذهبية. كيف نقبل في السياسة تعدّد أحزاب ولا نقبل في الدين تعدّد مذاهب؟ هذا دليل على خلل في العقل وفي التفكير، وفي أيضاً نقص الإعلام الذي يجب أن يركّز على هذه الأمور.

أنا أحزن وأبكي، والله العظيم يا أستاذة، عندما أشاهد في الإعلام جهلة يتحدّثون عن المذاهب كلاماً، وهم لا يعرفون.

 

وفا سرايا: وغابت الوحدة العربية، بتنا حتى بالتسمية لا نسمع بها، لا بإعلامنا ولا بين شعوبنا.

 

كمال الهلباوي: كنت مرة في برنامج مع إنسانة، مذيعة محترمة، إسمها هند عرفات، عنوان البرنامج إسمه عامل قلق، قلت لها ما هذا العنوان، قالت لي من يعملون قلقاً بالمجتمع هم أصحاب هذا البرنامج، ما هو يا بنت القلق، قالت القلق أنك تقول عن الإمام الخميني رحمة الله تعالى عليه أنه إمام وتتحدث عن حسن البنا أنه إمام، تصوّري هذا الأمر.

 

وفا سرايا: مع أنه دكتور كمال أنت لديك صلات مع الإسلاميين، اليساريين، العلمانيين، الاشتراكيين.

 

كمال الهلباوي: مع الجميع.

 

وفا سرايا: من خلال هذه المبادرة إسمح لي فقط للمشاهد العربي، هذه المبادرة هي قائمة على الحوار بدلاً من الصراع، لم تضم فقط شخصيات مصرية بل ضمّت شخصيات عربية، نتحدّث مثلاً كمرزوق الغانم من الكويت، الصادق المهدي من السودان والمفكّر الفلسطيني منير شفيق وكذلك الأستاذ معن بشور.

إلى أي مدى هذا الحوار قابل أن يطبّق بداية بمصر لننقله كنموذج للدول العربية الأخرى؟

 

كمال الهلباوي: أنا كنت أتمنّى أن يكون أول مؤتمر نعقده لمجلس الحُكماء او اجتماع يعقد في مصر، باعتبار مكانة مصر وقدرتها وعدد الناس فيها وأحرارها، ولأنها فيها صراع موجود مهما حاول بعض الناس أن يخفيه، إنما كانت الاستجابة ضعيفة حتى الآن رغم أن الرئيس السيسي في الثاني من حزيران (يونيو) في البرلمان ذكر خمسة أمور من التي ذكرتها في المبادرة، ولم يتهمه أحد بالإرهاب، إنما اتهموني أنا بالإرهاب. تحدّث عن السلام الاجتماعي، تحدّث عن عدم الانزلاق في الصراع، تحدّث عن بناء الإنسان، تحدّث عن استثناء أهل العنف والإرهاب.

إنما ما يلفت نظري الآن ويسيء إلي كثيراً وإلى الأمّة ويجب أن نتنبه إليه، هو اعتبار قطر عدواً وتركيا عدواً وإيران عدواً وحماس عدواً والإخوان عدواً. أنا أقول لهم لا، لا يوجد عدو من داخل الأمّة، العدو داخل الأمّة هو الإرهاب والعنف والتطرّف والتشدّد والتخلّف والاستبداد. أما العدو الخارجي فمليون في المئة، واضح تماماً كالشمس وليس من الآن بل من سنة 48.

 

وفا سرايا: تاريخياً.

 

كمال الهلباوي: الصهيونية العالمية مروراً بكامب ديفيد ومروراً بأمريكا ودعمها، وأية هيمنة حتى لو قامت هيمنة باسم الإسلام أو بإسم المسلمين، أنا ضدها وهي ستكون العدو الحقيقي للإنسان الحر. أترك الناس يعبدون حتى ما يريدون، "يا أيها الكافرون لكم دينكم ولي دين". حتى في الدين.

 

وفا سرايا: صحيح، هنا مهمة هذه النقطة للإشارة، إذا كانت هذه القضية الفلسطينية لا زالت الجامع، لأنه ذكرت ببداية حديثك حضرتك دكتور كمال، نحن نمر ربما بأخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية لتصفيتها. وأيضاً للأسف بالمقابل هناك تطبيع واضح وإن كان بشكل سرّي خوفاً من الشعوب.

سوف نناقش هذه الأسئلة وهذه المحاور معك، ولكن إسمح لنا أن نتوقف مع فاصل قصير ونعود لمتابعة حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

كمال الهلباوي: إن شاء الله.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: أهلاً بكم إلى الجزء الثاني من حوار الساعة التي نستضيف فيها الدكتور كمال الهلباوي. نرحّب بك من جديد دكتور كمال.

سننطلق من الموقف المصري، تحديداً ما نتحدّث عنه بتصفية القضية الفلسطينية، وإن لم تكن البنود واضحة ولكن الملامح من خلال الخطوات، آخرها كان قانون القومية اليهودية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس يقول، أنا لا أستطيع أن أوافق على شيء لا توافق عليه السلطة الفلسطينية، ويقول صفقة القرن هي تعبير إعلامي وليس سياسياً.

 

كمال الهلباوي: حتى لو تعبير إعلامي، نرفضه، إنما هذا تعبير إعلامي إذا كان ولكن مضمونه سياسي، ويتعلق بقضية فلسطين، وهي القضية المركزية التي هي أكبر من أي رئيس وأكبر من أية منطقة محدودة. هذه مقدّسات للمسلمين كلّهم، ليست فقط لفلسطين.

ثانياً، أن نرمي الحل على ما تقبله السلطة الفلسطينية، السلطة الفلسطينية تحكم جزءاً من فلسطين، وإنما يجب الرجوع إلى الشعب الفلسطيني بأكمله وليس فقط السلطة الفلسطينية. السلطة الفلسطينية مثلاً، إن شاء الله محترَمون، إنما مثلاً قاموا بتنسيق أمني مع إسرائيل، الشعب لا يقبل هذا.

 

وفا سرايا: لا يقبل هذا التنسيق بالفعل.

 

كمال الهلباوي: يستجدون كذا، لا يقبل هذا، فإذاً القصة، وكما جاء في ميثاق الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، إنّ هذه قضية ليست فلسطينية. لماذا نتراجع الآن عن أنها قضية عربية وقضية إسلامية؟ لا ينبغي التراجع عن هذا التراث الكبير للجامعة العربيّة، ولا نريد له أن يصبح حبراً على ورق.

 

وفا سرايا: بالفعل.

 

كمال الهلباوي: ولا منظمة المؤتمر الإسلامي، فلا بدّ من هاتين المؤسّستين الكبيرتين أن تستمعا مع بعض، أو كلٌ وحدها، ثمّ تقرّر قراراً حاسماً، واضحاً، أمرين إثنين، أنّ العدو الحقيقي للأمّة هو الصهيونية وهي إسرائيل ربيبتها، وأنّ الهيمنة الأميركية الحالية هي العدو الحقيقي وليست إيران لأن إيران وتركيا وقطر والإخوان وحماس والجهاد الإسلامي والمقاومة الكبيرة، خاصة حزب الله في لبنان، هذه كلها لا يمكن أن تكون أعداء، هؤلاء مقدّمة الدفاع عن الأمّة ومقدّمة رفض الاحتلال ومقدّمة قيادة الأمّة إلى ما فيه خير البلاد والعباد، إنما المتساقطون على الطريق.

 

وفا سرايا: هل وصلنا إلى هذه النتيجة، نتيجة الأحداث والتحديات التي نواجهها، بأنّ الخيار الأنجع لنا هو فقط بسبيل المقاومة؟ ومن يمتلك مفتاح إسقاط هذه المؤامرة، ما تُسمّى بصفقة القرن؟

 

كمال الهلباوي: المقاومة واجب كالصلاة عندما تقتربين للوقت الثاني، متى تجب الصلاة في العصر، عندما يقرب المغرب تصبح واجباً، لم يترك لنا العدو طريقاً إلا المقاومة، لأنّ الجرائم التي يرتكبها كل يوم وكل ليلة من الأسرى والسجون والمعتقلات وهدم البيوت وقطع الأشجار وقتل الناس ومسيرات العودة والاعتداء عليها، لم يبقَ لنا إلا المقاومة هنا، أما إذا أراد العدو حواراً محترماً كما يتحاورون مع روسيا ويتحاورون مع كوريا بعزّة وكرامة والوصول إلى نتائج محترمة.

 

وفا سرايا: ألا نتحمّل جزءاً من المسؤولية بأننا نحن نُظهِر أنفسنا بمنطق الضعيف، فلذلك لا تتحاور معنا هذه القوى بمنطلق القوي مقابل القوي؟

 

كمال الهلباوي: سيأتي يوم من الأيام تضطر أن تتحاور مع المقاومة، لأنه عليك ألا تنسي أنّ العدو ضعيف جداً في داخله، وأن أسباب انهزامه موجودة، في الجيوش، استخدام العنف بالمناسبة هذا ليس دليل قوّة.

 

وفا سرايا: صحيح.

 

كمال الهلباوي: إن كان يخشى من الطائرات الورقية التي تُحدِث بعض الحرائق.

 

وفا سرايا: والحمد لله ربما أثبتت المقاومة موقع القوّة بأبسط ما تملكه، إن كان في فلسطين أو في لبنان.

 

كمال الهلباوي: أو يطارد العدو شخصاً باحثاً يسعى لمساعدة حماس كالمهندس زواوري الذي قتل في تونس لأنه يخترع لهم أمراً معيّناً، أو ورش الحدادة لأنه يخشى. العدو أجبن، أجبن من خُلِق على هذه الأرض.

 

وفا سرايا: ولكن بالمقابل، للأسف، هنالك شعوب عربية لا تزال تتأثر بهذا النموذج الغربي.

بهذا السياق، عن ظاهرة التغريب ونموّها في دول الخليج، سنستعرض هذا المقال في صحيفة الوطن تحت عنوان، هل نشهد صعود كنتاكي لمحمّد درويش. فلنتابع.

 

الوطن البحرينية:  هل نشهد صعود كنتاكي؟ محمّد درويش

إذا آمنا بمبدأ لكل فعل رد فعل يساويه في الشدّة ويعاكسه في الاتجاه، فإن التشدّد في الدين إلى حد الانغلاق الذي شهدناه في العقود الأخيرة دفع فئةً منّا إلى الخروج فكرياً من المجتمع، وسهّل لها اعتناق الفكر الغربيّ المعروف عنه تساهله الكبير مع الحريات بأنواعها.

أعتقد أنّ عملية الاستبدال تمّت وانتهت وخُتِمت بأختام حبرها لا يُمحى.

قبل عشرين عاماً، لم يكن لمحبّي الغرب والمُتشبّهين به وجودٌ واضحٌ في مجتمعاتنا. اليوم عربياً وخليجياً، أصبحت لهم جمعياتهم المدنية والخيرية وندواتهم ومؤتمراتهم، وصار لهم حضورٌ واضحٌ في السينما والتلفزيون، وبدأوا بالظهور بثقة في الإعلام الجديد الذي من خلاله يروّجون لنمط حياة غربي دخيل على مجتمعاتنا.

ومن يعتقد أن هؤلاء بعيدون عن الأيديولوجيا فقد حاد عن الصواب، لأنّ الفكر الغربي بحد ذاته هو أيديولوجيا مُطبّقة وملموسة. حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية وحرية الأديان والمساواة بين الجنسين والتجارة الحرة والاتجار بالبشر وغيرها من المصطلحات التي باتت تُستخدَم وكأنها جزءٌ لا يتجزأ من حديثنا وثقافتنا، هي في الواقع من صميم الفكر الغربي.

المصطلحات المذكورة تبقى في خانة المصطلحات الإيجابية التي تعايشنا معها وتبنّيناها برحابة صدر، لكن لسنا ببعيدين عن زمن قد يجبرنا على التعامل مع مصطلحات وقضايا أخرى أكثر تعقيداً تمسّ الأسرة والشرف، أو تتدخّل في شكل وتركيبة هيكل الدولة.

ليس من المستبعد من وجهة نظري أن يُستبدَل الفراغ الذي تركه الفكر الدينيّ السياسي، والذي أتعبنا وأدخلنا في متاهات لا حَصْر لها بفكر كنتاكي، ما دامت الأرضية مهيأة وما دام الانبهار بالغير سمة شعوبنا، وخاصة أننا لم نستطع حتى الآن أن نصنع فكراً تنويرياً خاصاً بنا ونحقّق كدول ومجتمعات التقدّم الفعلي في العِلم والصناعة والاقتصاد.

 

وفا سرايا: هل نفتقد إلى هذا الفكر التنويري أو نصنع فكراً تنويرياً خاصاً بنا، لذلك تلجأ هذه الفئات إلى النموذج الغربي؟

 

كمال الهلباوي: أنا أقول لحضرتك، نحن نجحنا نجاحاً هائلاً ومتميّزاً في استيراد كلّ ما هو سلبي من الغرب، وفشلنا في استيراد أي شيء يدعو إلى التقدّم أو احترام حقوق الإنسان أو المساواة أو الاستفادة من القوى والثروات البشرية قبل المادية.

أنظري النظرة الغربية، فيها سلبي وفيها إيجابي. أنظري لماكرون في فرنسا، للشخص الأفريقي الذي أنقذ الطفل من الطابق الرابع، مباشرة منحه الجنسية ووظّفه بالإنقاذ واستفاد به، شخص يريد مجتمعه أن يتقدّم، لا يهمّه هذا أسود أو أبيض، من أين جاء.

 

وفا سرايا: حتى فريق كرة القدم الأخير الذي يضمّ كلهم من أصول مختلفة.

 

كمال الهلباوي: مسلمون وأفارقة، إنما هذا فريق فرنسا، يستفيدون به. نحن أساتذة في إهدار الطاقات البشرية، وضع الناس في السجون والمعتقلات، وما إلى ذلك، وهذا ما تدعو إليه مبادرة السلام الاجتماعي، الخروج من كل هذه المآزق إلى الحوار والاستفادة من الطاقات البشرية. والله لو مجنون، لو مجنون وسمع أن الخليج أو السعودية منحت ترامب خلال يومين 460 مليار دولار، يستيقظ، المجنون يشفى، ما هذا الجنان؟ هناك جنان أكبر مني، لو نفس مستثمر.

 

وفا سرايا: وهم يموّلون الخطط والمؤامرات التي تُحاك؟

 

كمال الهلباوي: هذا مقال جيد إلى حد بعيد، إنما يتحدّث عن كنتاكي. لماذا لم يتحدث عن استيراد أدوات الأمن القومي؟ هل نستورد شيئاً من عدونا ونعتقد أنه يكون بمصلحتنا؟ هل نستورد أمراً كالأمن والطائرات؟

 

وفا سرايا: أسلحة لنحارب بعضنا البعض.

 

كمال الهلباوي: لماذا لا نتعاون مع تركيا ومع إيران بالذات في مثل هذه الأدوات التي تحفظ الأمن القومي، إيران والله نموذج لنا جميعاً بالتقدّم، لنترك المذهب والإختلاف المذهبي حتى نساويه.

 

وفا سرايا: من أكثر الدول المتقدّمة بأبحاثها العلمية والتطوّرات.

 

كمال الهلباوي: وعاشت الحصار، لم تذهب إلى صندوق النقد الدولي، إنما الدول الأخرى رغم أموالها وثرواتها وبترولها تذهب إلى صندوق النقد الدولي. إيران لم تفعل هذا ولا تريد أن تفعل هذا، ولذلك أميركا تحاول أن تحاصر إيران وخصوصاً في النفط ولذلك هذا التحالف بين روسيا وتركيا وإيران يجب على عقلاء الأمّة أن يتقدّموا إليه ويدعموه.

 

وفا سرايا: أي عقلاء يا دكتور كمال، ويحكى عن تحالف عربي آخر لمواجهة هذا النفوذ؟

 

كمال الهلباوي: أنا أتحدّث عن الشعوب، خروجاً من النظام العالمي البائس، هناك نظام عالمي بائس، هناك قطب واحد، وأنا عشت في أفغانستان ست سنوات وتكوّن النظام العالمي هذا هناك بعد هزيمة السوفيات، إنما استفادت به روسيا، وأقول للجهلاء المتأسلفين والمتشدّدين، كم دعوتمونا إلى ما يسمّى الجهاد، وكم دعوتمونا إلى قضايا وإنشاء دولة إسلامية في أفغانستان أو اليمن أو إلى آخره. اعقلوا ودعونا، كتف الأمّة لم يعد يتحمّل كل المصائب التي وضعت عليه.

 

وفا سرايا: بما أنك أشرت تحديداً إلى الإسلام السياسي، قبل أن ننتقل إلى هذا المقال، بغضّ النظر عن نجاح الإسلام السياسي أو فشله، هل الاستقلال الثقافي السياسي عن الغرب، البديل الوحيد له هو عبر هذا الإسلام السياسي دكتور كمال؟

 

كمال الهلباوي: لا، القوميون، الوطنيون، الشعوب التي تكره هذا الغرب لأخلاقياته المتدنية في بعض الأمور، ولظلمه لقضية فلسطين بالذات، وهيمنته على مقدّرات الشعوب، وإخافته لحكّامنا، هذه الشعوب واعية جداً لمسالب الغرب، رغم تقدّمهم ورغم العدل الداخلي ومحاولة المساواة الداخلية وحقوق الإنسان في الغرب الداخلية، إلا أنّه يعلي مصلحته أولاً، ولا يهتمّ بالآخرين. نحن النموذج الذي لدينا، سواء قومي أو إسلامي أو ليبرالي او اشتراكي أو شيوعي، هذا النموذج يجب أن يقوم على العدل والمساواة والحرية واحترام الآخرين واحترام الرأي الآخر.

 

وفا سرايا: يجب إعادة قراءة أيضاً التجارب التي مررنا بها منها تجربة الإسلام السياسي.

 

كمال الهلباوي: مليون بالمئة، قراءة وفهم واستفادة. القراءة، الناس تقرأ الكتب وتشاهد التلفاز، إنما تنزيل الأمر على الواقع وفق مخططات، هناك آية في القرآن، إذا كان هناك وقت، في سورة الحشر، تدعو إلى النظر إلى الغد، النظر إلى الغد، الغد عندنا يعني المستقبل، والمستقبل عندنا ليس مئة سنة ولا مئة ألف سنة كما يفكّر الغرب، إنما المستقبل يمتد إلى يوم القيامة، من اليوم إلى يوم القيامة.

 

وفا سرايا: المستقبل الآتي. سنتطرّق في هذا المقال إلى صراع القِيَم، هو مقال لمستشارة رئيس الجمهورية السورية الدكتورة بثينة شعبان في الميادين نت تحت عنوان صراع القِيَم. سنتابع هذا المقال ونعلّق عليه بشكل سريع.

 

الميادين نت: صراع القِيَم، الدكتورة بثينة شعبان

لقد كان لافتاً أن معظم ردود الأفعال الأميركية التي هاجمت مواقف ترامب بشدة إثر قمة هلسنكي التي جمعته بالرئيس الروسي كانت قلقة من هزيمة ما يسمّونها القِيَم الأميركية، كما عبّر أعضاء الكونغرس وسياسيون ومثقفون عن غضبهم من ترامب لأنه لم ينتصر للقِيَم الأميركية، وترك بوتين يتفوّق عليه في هذا المنحى العام.

درجَ الغرب منذ قرونٍ على اعتبار نفسه سيّد الكون، وعلى استثمار ونهب مقدّرات الشعوب والتعامل معها بفوقيّة لاعتباره المنقذ والمدبّر للأمر، وأنّ على البشر أن يتعلّموا منه، أو يأخذوا بصيصاً من علمه ومعارفه وقيمه. ومن هنا فقد حاول أن ينشر الديمقراطية التي تمثله هو في العالم ولا يزال.

ومن هنا كانت الحروب والانقلابات التي دبّرتها المخابرات الغربية في دول مختلفة من العالم، ليس لكي تكون هذه الدول أكثر ديمقراطيّة، بل كي تكون أكثر امتثالاً للمصالح الغربية، وإيماناً بالتفوّق الغربي على جميع القِيَم في العالم.

فلذلك، فإن لقاء بوتين وترامب أثار حفيظة الغربيين المتعصبين الذين يشكلون النسبة الكبرى من النخبة الحاكمة وممثليها في الإعلام والحكومة، لأنه شكّل مؤشّراً واضحاً على حضور قِيَمٍ أخرى جديرةٍ بأن تكون بديلاً للقيم الاستعلائية والاستعمارية الغربية.

ومن المنظور ذاته، يتوجّب فهم تصريح وزير الدفاع الأميركيّ ماتيس الأخير حول إيران، حين قال إنّ واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، بل إلى تغيير سلوكه.

ومن المنظار نفسه سعت الدول الغربية وبتمويل من بعض دول الخليج وتدخل تركيا إلى تغيير النظام في سوريا من خلال حربٍ إرهابيّة، حين عجزت بالفعل عن تغيير سلوك النظام.

لقد ولّى زمن الديمقراطية الليبرالية الغربية التي قد تناسب شعوب الغرب، ولكنّها بالتأكيد لم تعد وصفةً مقبولةً لدى الجميع في عالم اليوم.

 

وفا سرايا: دكتور كمال، هل هُزِمت القِيَم الأميركية، خصوصاً وأشرتم بكتب لحضرتكم منذ زمن، عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، هنالك أهداف، وبدا بشكل واضح ربما في الميدان السوري ومنذ عام 2011 حتى يومنا، هذه الحرب التي شنّت على سوريا؟

 

كمال الهلباوي: ثلاث نقاط هنا في هذا. أولاً تحية للدكتورة بثينة شعبان، مقال محترم وجيد. ثانياً، هؤلاء الغربيون الذين هم ضد ترامب أيضاً وغير سعداء بقمّة هلسنكي، يتحدّثون عن القِيَم الأميركية. أنظري الديكتاتورية حتى بالقِيَم، هو يريد أن يفرض قِيَماً أميركية لا قِيَماً إنسانية في حين أننا نحن نعيش في عالم متعدّد ويجب أن تكون هناك قِيَم إنسانية نتّفق عليها.

 

وفا سرايا: جامعة.

 

كمال الهلباوي: ونحاول أن نفرض. ثانياً هذه العقلية هي عقلية فرانسيس فوكوياما الذي كتب من قبل في أميركا نهاية التاريخ. يقول للعالم لا تتعبوا نفسكم، كفى، نحن وصلنا إلى ما يمكن أن يكون من هنا لنهاية التاريخ، سيروا وراءنا ونحن نوردكم المورد السليم. هذه العقلية عقلية الهيمنة من العقليات الشاذّة جداً، ولا يمكن لها أن تبقي، عقلية هتلر، عقلية النازيين، عقلية فرانكو، عقلية الاستبداد.

 

وفا سرايا: اليوم أصبحنا بعقلية جديدة تُسمّى عقلية ترامب. بشكل سريع، تفضّل.

 

كمال الهلباوي: الأمر الآخر أن التدخل في شؤون الآخرين هذا أمر مرفوض عندما يتحدّثون عن إيران، ووزير الدفاع يقول كلاماً وترامب يقول كلاماً ووزير الخارجية يقول كلاماً. نحن لا نريد أن نعيش في هذه الفوضى، إنما نريد مواقف واضحة وثابتة وسلمية، ونحاور إيران كما تحاورون كوريا رغم أن كوريا فيها مجنون، إيران ليس فيها.

 

وفا سرايا: بالأمس كان هنالك مقال، لو نوقّع اتفاق سلام مع إيران، مع العدو تم توقيع اتفاقات سلام وإن كانت لا تعبّر عن الشعوب.

نحن نشكرك جزيل الشكر. الكلام معك لا ينتهي دكتور كمال الهلباوي القيادي السابق في حركة الإخوان المسلمين.

 

كمال الهلباوي: العفو. الله يكرمك. أنا شاكر حضرتك.

 

وفا سرايا: والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارام على طيب المتابعة. في أمان الله.