حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

أمين حطيط - خبير في الشؤون العسكرية

 

محمد علوش: الفصائل العسكرية المسلحة في إدلب تبدأ بسحب معدّاتها الثقيلة تطبيقاً لبنود التفاهم الروسي التركي.

الاتفاق هو إجراء مؤقت أفشلت من خلاله الدولة السورية مخطّطات عدائية كما يقول الرئيس الأسد.

فما يجري في سوريا لا يمكن فصله عمّا يتمّ تداوله أخيراً بشأن ما يُسمّى صفقة القرن. إسرائيل الحاضر الغائب لم تقم بأيّ عدوانٍ جديد منذ سقوط الطائرة الروسية.

التواصل بين القيادتين الروسية والإسرائيلية لم ينقطع، والسعي لترميم العلاقات هدفٌ إسرائيليٌ من لقاءٍ وشيك.

فلسطينياً جاءت عملية نابلس أمس مدوّية على أكثر من صعيد: انهيار الرهان الإسرائيلي على تدجين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإرهاصات عودة المقاومة المسلّحة إلى الضفة تزداد مع تأرجح المفاوضات بين الموت والحياة.

فكيف ستؤثّر المتغيّرات السياسية والعسكرية على المشهد الاقليمي؟

ما مدى احتمال عدوان إسرائيلي جديد على لبنان، أو على قطاع غزّة؟

وهل ستنجح مساعي تل أبيب في ترميم العلاقات مع موسكو؟

للنقاش معنا الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الدكتور أمين حطيط.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا طبعاً سيادة العميد الدكتور أمين حطيط. أهلاً وسهلاً بك دكتور.

 

أمين حطيط: أهلاً بكم. أهلاً وسهلاً.

 

محمد علوش: لو بدأنا من آخر تصريحات الرئيس الأسد بخصوص اتفاق إدلب، هذا التفاهم الروسي التركي اعتبره الرئيس الأسد تفاهماً مؤقتاً، المؤشّر الاستراتيجي في ما يتعلق بإدلب هو، البعض يقول إن الموضوع أبعد من استعادة منطقة إلى حضن الدولة السورية، الأمر مرتبط بتغيير قواعد الاشتباك في كامل المنطقة.

هل تقرأه كذلك سيادة العميد؟

 

أمين حطيط: بسم الله الرحمن الرحيم. نبدأ من حيث وصّف الرئيس الأسد الاتفاق، وباعتقادي أنّ هذا التوصيف هو دقيقٌ وموضوعيّ، لأنّه قطع الطريق على كثيرٍ من التحليلات وعلى التوصيفات وعلى الطموحات. البعض ظنّ أنّ هذا الاتفاق، اتفاق سوتشي بين بوتين وأردوغان، بمثابة عطيّة أو هديّة تُعطى للتركي، والبعض الآخر قال إنها تعبير عن تهيّب سوريا وحلفائها لمعركة إدلب، فلجأوا إلى هذا الحل الذي يعطي التركي على حساب تأجيل المعركة.

الرئيس الأسد كان حاسماً في هذا الموضوع، وبعض الأقلام وبعض الآراء التي كانت وصّفت اتفاق إدلب بأنه مرحلة انتقالية، وأنا تحديداً ذكرت أنه جسر عبور من مرحلة إلى مرحلة مرتبطة بتوقيت معيّن. هذا الاتفاق ميزته أنه مبرمَج وفقاً لتوقيتات، على توقيت 15 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وتوقيت آخر العام الذي ينتهي بعد ثلاثة أشهر إلا أسبوع. فبالتالي أهمية هذا الاتفاق البعض حاول أن يطمسها، وأن يبرز نواحي أخرى، فجاء تصريح الرئيس الأسد البارحة ليقطع الطريق.

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نجمع الموضوع، نلمّ الموضوع ونقول إن اتفاق إدلب أولاً أعطى فرصة للقوى جميعها، كلٌ يتصرّف وفقاً لمصلحته بين قوسين، فإذا حقّق بهذا التصرّف مصلحة الآخر تكون مسألة الاتفاق قد أدّت غرضها، ولكن تأدية الاتفاق غرضه مشروط بأمرين: بحُسن النيّة، وبالمقدرة وبالإرادة التي تحكم. السؤال اليوم في ملعب التركي، هل يستطيع التركي أن يقوم بالالتزامات الثلاثة التي فرضها الاتفاق؟ الالتزام الأول عملية الفرز والحصول على موافقة الفصائل المسلّحة، المسلّحة بتوصيف إرهابي أو المسلّحة بتوصيف معارضة معتدلة، أو يستطيع أن يستحصل على الموافقة.

ثانياً هل سيستطيع التركي أن يسحب السلاح الثقيل من المنطقة المنزوعة السلاح وأن يجعل هذا السلاح تحت رقابته في مرحلة أولى ثم إخراجه من الميدان كلياً في مرحلةٍ ثانية. المسألة الثالثة، كيف سيكون التركي في مسألة المرحلة النهائية من اتفاق سوتشي، وهي مرحلة إعادة السيادة والسيطرة على المنطقة إلى الدولة السورية.

 

محمد علوش: انسحاب الفصائل أو سحب الفصائل المسلّحة بالأمس للأسلحة الثقيلة بحسب ما ورد في وسائل الأنباء أو وسائل الإعلام، تقديركم إلى أيّ حد هو التزام دقيق باتفاق سوتشي، وقد أدّى الضغط التركي على هؤلاء ثماره بمثل هذه الخطوة؟

 

أمين حطيط: حتى لا نغرق في تفصيل واحد، دعنا نناقش الأداء التركي في هذا الموضوع. قلنا ثلاثة التزامات، الالتزام الأول الفصل والإخراج لإنشاء المنطقة المنزوعة السلاح، ثانياً سحب السلاح الثقيل، ثالثاً إعادة المنطقة للسيادة السورية وفقاً لقواعد القانون الدولي العام.

في هذا الإطار، نحن نستطيع أن نقول، أولاً ينبغي أن نذكر أن هناك شيئاً في الأفق من مواقف تركية باتجاه روسيا، هي طلب تمهيد المهلة لأسبوعين، هذا أمرٌ بدأ الحديث به، ويبدو أن روسيا أيضاً قد تستجيب وتمدّد المهلة من 15 تشرين الأول إلى الأول من تشرين الثاني.

الإرهاصات الأولية أن هناك موقفاً إيجابياً من روسيا إذا طلبت بشكل رسمي تركيا هذا الموضوع، لكن الذي حصل حتى الآن من أداء تركي لا ينبئ بأن تركيا تريد أو قادرة أو ستتقيّد بالالتزامات الثلاثة.

فبالنسبة لعملية فصل الجماعات المسلّحة، يبدو أنّ هذه العملية حتى الآن بعد مضيّ ثلاثة أسابيع من الاتفاق، لم يحصل شيء منها.

بالنسبة لعملية نقل السلاح الثقيل، يبدو أن التنفيذ كان نصفياً أو جزئياً، حيث أنه خرجت بعض الأسلحة، ولكنها انتقلت من اليد اليمنى لصاحبها إلى اليد اليسرى لصاحبها، أي لم تخرج من السيطرة.

 

محمد علوش: كأنها إعادة تموضع.

 

أمين حطيط: نعم، والمسألة الثالثة بالنسبة للاستعداد التركي لإعادة المنطقة للسيادة السورية، أعتقد أن موقف أردوغان مؤخراً بأنه لن يخرج من سوريا إلا بعد الانتخابات، أي هذا شرط لم يكن متضمَّناً في سوتشي.

 

محمد علوش: ضمن الاتفاق.

 

أمين حطيط: فبالتالي أنا أعتقد أن جزءاً من موقف ومن توصيف الرئيس الأسد للاتفاق في جزء منه ردّ على هذا الموقف، فبالتالي حتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أقول إنّ التركي مُلتزم بموجباته، وأن الاتفاق يسير في الاتجاه الصحيح.

 

محمد علوش: وبالتالي قد يتساءل البعض ما إذا كان من المبكر الحكم على الموقف التركي وإن كان يثير الشكوك كما أشرت حضرتك لجهة بعض المواقف أو التصريحات.

على أية حال، هناك من يربط طبعاً الإشكاليات القائمة في إدلب باشتباك روسي أميركي في المنطقة وتصارع في ما يتعلّق بالعلاقة مع إيران.

في صحيفة البناء اللبنانية، يكتب ناصر قنديل عن محوريّة الجغرافية السورية في الكباش الأميركي الروسي مع إيران. نشاهد معاً.

 

البناء اللبنانية: تبقى الكلمة الفصل في المنطقة سوريا، ناصر قنديل

لأن المقياس الوحيد الحقيقيّ الثابت لتقدّم وتراجع أيٍ من الحلفين المُتقابلين على امتداد مساحة المنطقة والعالم يبقى التقدّم والتراجع في الجغرافيا، المعركة الأميركية مع روسيا ومع إيران، يبقى محورها سوريا برغم كثرة مفرداتها من مواجهة أميركية روسية حول عشرات العناوين من السلاح الاستراتيجي إلى أوكرانيا، مروراً بملفات النفط والغاز، وحاصل ميزان القوّة فيها يترجَم بعرضٍ أميركي للتسوية عنوانه قبول روسي بإخراج إيران من سوريا، وكذلك المواجهة الأميركية الإيرانية الممتدة من اليمن إلى العراق، وفي رأسها العلنيّ مستقبل الملف النووي، ومحاور التدخّل لزعزعة استقرار إيران وحجم الرهان على العقوبات تُختصَر كلّها بتركيز أميركي على استعداد إيران للتراجع عن تمسّكها بالحضور في سوريا، وكذلك في تجاذبات إسرائيل مع روسيا تبقى القضية هي سوريا من مستقبل وجود إيران وحزب الله إلى حرية حركة الطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية والصراع الإسرائيلي مع إيران ليس خافياً أنّ نقطة الثقل فيه تتقرّر في سوريا لا في مكان آخر.

قراءة الجغرافية السورية بين المحورين المتقابلين تقول أولاً إن الحلف الذي يضمّ روسيا وسوريا وإيران والمقاومة متماسكٌ في تمسّك أطرافه بعضها ببعض في الجغرافيا، وهو يحقّق التقدّم تلو التقدّم في الجغرافيا السورية براً وبحراً وجواً منذ سنتين من دون انقطاع، وآخرها إغلاق الأجواء السورية بشبكات الـ s 300.

أما المحور المقابل، فهو آخذٌ في التأقلم مع هذه التحوّلات، على الرغم من لغة الإنكار من معبر القنيطرة إلى معبر نصيب وما بينهما الاستعداد للانسحاب الأميركي من قاعدة التنف، وصولاً إلى الصمت على الرسائل الصاروخية الإيرانية شرق الفرات.

 

محمد علوش: طبعاً الأستاذ ناصر قنديل، سيادة العميد، يربط ما يجري في سوريا بصراع أميركي روسي حول موضوع الوجود الإيراني والنفوذ الإيراني في سوريا.

لكن بخطاب الرئيس الأسد، ذهب أبعد من ذلك، قال إنّ ما يجري في سوريا هو مرتبط بما يسمّى صفقة القرن، أي إسرائيل الحاضر الغائب في هذه الجزئية، الولايات المتحدة الأميركية، أهدافها أبعد بكثير من نفوذ إيراني في سوريا، رغم التصريحات الكثيرة للجانب الأميركي بهذا الخصوص.

 

أمين حطيط: أنا أستطيع أن أقول بشكلٍ حاسم وفقاً لرأيي الشخصي، لو لم تكن قضية فلسطين لما كان العدوان على سوريا، والعدوان على سوريا قَصَدَ أمرين، ولذلك في كلّ أدبياتنا السياسية نركّز على هذين الأمرين، الأمر الأول الربط بين ما يجري في سوريا وبين ما جرى من سلسلة أحداث سلبية أو إيجابية منذ العام 2000 إلى الـ 2006. نحن عندما شهدنا أنّ المعسكر المُحتضن لإسرائيل تحوّل بعد العام 2006 من استراتيجية القوّة الصلبة إلى استراتيجية العمل بالقوّة الناعمة، بدأ بلبنان، وكانت هذه الاستراتيجية، استراتيجية القوّة الناعمة، التي كان محلها، ميدانها التطبيقي الأول  لبنان عبر قرار تفكيك سلاح الإشارة لحزب الله، كان الحلقة الأولى من المعركة، بعد ذلك في العام 2009 ذهبوا إلى إيران، واستغلّوا مسألة الانتخابات الرئاسية وبعض التساؤلات والشكوك حولها، فخرجوا بالحلقة الثانية من الحرب الناعمة ضدّ الحلقة الثانية أو الحلقة العميقة لمحور المقاومة.

فشلوا في إيران فجاؤوا إلى سوريا، سوريا كانت الحلقة الثالثة من معركة تفكيك محور المقاومة من أجل خدمة قضية تصفية القضية الفلسطينية، فبالتالي ربط ما يجري في سوريا بصفقة القرن أو تصفية القرن هو ربطٌ دقيقٌ وصحيح، لأنه لاحظ كيف التاريخ، واليوم الاشتباك الروسي الأميركي تقلّب أصلاً في طبيعته وفي ذاتيته. روسيا قرأت ما يجري في سوريا في البدء بأنه عمل إرهابي يستهدف المنطقة في مرحلةٍ أولى، منطقة الشرق الأوسط في مرحلة أولى، ويستهدف روسيا والصين في مرحلة ثانية، فبالتالي جاءت روسيا وبعد انتظار أربع سنوات تراقب ما يجري، جاءت إلى المنطقة من أجل هدف دفاعي عن نفسها. هذا في المرحلة الأولى.

 

محمد علوش: أمام جماعات متطرّفة تأتي من روسيا وتعود إليها.

 

أمين حطيط: من روسيا ومن الصين، هي ربطت الموضوع.

 

محمد علوش: بالدرجة الأولى كان الهدف الروسي دفاعياً أمام هذه الجماعات.

 

أمين حطيط: دفاعي، ولكن عندما دخلت إلى سوريا، تبدّى لها أمر آخر، أنّ هناك حلماً تستطيع أن تحقّقه في هذا الدخول.

 

محمد علوش: وهو؟

 

أمين حطيط: وهو حلم العودة إلى المياه الدافئة بقوّة وحلم العودة من الصفوف الخلفية في النظام العالمي القائم بطبيعته أو شبه أحادية قطبية، لأن تكون في الصفوف الأمامية لنظام عالمي جديد. في هذه النقطة كان الكسب الاستراتيجي الكبير لروسيا، ولكن في هذه النقطة كان عليها أن تراعي التوازنات، لا تستطيع أن تلتزم بتحالف استراتيجي كلّي مع محور المقاومة، تُعادي مَن يُعاديه المحور وتُصادق مَن يصادقه، ولكنها لا تستطيع أيضاً أن تغفل التوازنات القائمة في المنطقة بعد أربع سنوات من العدوان على سوريا.

 

محمد علوش: لكن نشر منظومة الصواريخ s 300.

 

أمين حطيط: هذه المرحلة الثالثة، لذلك في المرحلة الثانية حفظت روسيا هذه العلاقة مع إسرائيل بالشكل الذي أرسي بتفاهمات 2014.

 

محمد علوش: بين الطرفين؟

 

أمين حطيط: نعم، تفاهمات 2014 تستطيع أن تفاخر بها إسرائيل إلى حد بعيد.

 

محمد علوش: كانت روسيا تغضّ النظر عن الاستباحة الإسرائيلية للأراضي السورية.

 

أمين حطيط: كانت روسيا بحاجة إلى مثل هذه التفاهمات خدمة لموقعها الاستراتيجي الذي تطمح إليه في المرحلة الثانية، لكن بعد أن حقّقت ما حقّقت وأصبحت بمأمنٍ معيّن وأصبحت تخشى على موقعها الاستراتيجي وعلى وضعها الدفاعي من الولايات المتحدة الأميركية التي شنّت حرباً شعواء ضدّها، حرب اقتصادية، حرب دبلوماسية، حرب أمنية.

 

محمد علوش: انتقلت إلى الدائرة الثالثة؟

 

أمين حطيط: لذلك انتقلت إلى المرحلة الثالثة.

 

محمد علوش: وهي؟

 

أمين حطيط: المرحلة الثالثة تختلف في خصوصياتها عن الأولى والثانية. كيف هذه المرحلة الثالثة؟ في المرحلة الثالثة استمرت بالتمسّك باستراتيجية عدم الصِدام مع أميركا ولكن أيضاً بنت ما يسمّى المعادلات الردعيّة التي يكون عدم الصِدام ليس فقط نتيجة إرادة الطرفين ألا يصطدما، بل نتيجة قوّة وتوازن الطرفين في الميدان حتى لا يصطدما، وهذا الانتقال النوعي كان مهماً جداً بالنسبة لكل الأطراف.

لذلك تزويد سوريا بصواريخ أس 300 لا يُنظَر إليه فقط في الأس 300، ينبغي أن يُنظَر إليه بالعنوان الأكبر، هو تنمية القدرات الدفاعية الجوية لسوريا في مواجهة أعدائها، وبرأس لائحة الأعداء هي أميركا. وبالتالي استغلّت، أنا أستطيع أن أقول، استغلّت واستثمرت روسيا فرصة ذهبية أتيحت لها عندما سقطت الطائرة وعلى متنها 15 خبيراً وضابطاً روسياً كباراً، وجاءت بهذه المنظومة التي كان يتعذّر عليها بين قوسين قبل سقوط الطائرة أن تزوّد سوريا بها.

 

محمد علوش: طبعاً المنظومة، وأسألك هنا من واقع خبرتك العسكرية، الآن هي سلاح بيد الجيش السوري، أي هو صاحب القرار باستعمال هذه المنظومة؟

 

أمين حطيط: طبعاً لأنه هناك فارق، المنظومة كانت موجودة بيد الروس قبل سقوط الطائرة، ولكن تفاهمات الـ 2014 كانت تمنع الروس من استعمال هذه المنظومة ضدّ الطائرات الإسرائيلية، لنكن واضحين، تفاهمات الـ 2014 كانت تمنع، لكن انتقال هذه المنظومة إلى اليد السورية أولاً، وليس علينا أن ننظر فقط للمنظومة بل للوضع برمّته وبتكامله القائم على ثلاثة عناصر: العنصر الأول قبل المنظومة هو إنشاء الجدار الإلكتروني للتشويش بعمق 60 كيلومتراً، 10 براً و50 بحراً، والذي يغطي الساحل السوري برمّته ويعطل أية قذيفة ذكية أو صاروخ أو حركة طيران من البحر.

ثانياً، تأتي عملية صواريخ الأس 300 لتكمل فعالية الجدار الإلكتروني للتشويش.

ثالثاً، يأتي النظام الموحّد للتمييز بين صديق وعدو الذي أصبح يمكّن منظومة الدفاع الجوي المتكاملة السورية الروسية، لا تعرف حالياً من يطلق النار، لكن النظام المركزي الموحّد الذي يميّز صديقاً وعدواً، فبالتالي كل ما أصبح من طيران يطير فوق سوريا باستثناء الطائرة السورية والطائرة الروسية، أصبح هدفاً مشروعاً لهذه المنظومة.

 

محمد علوش: منذ نشر هذه المنظومة وتسليمها للجيش السوري بحسب ما أفهم من كلامك، لم تكن هناك طلعات غربية أميركية أو حتى إسرائيلية على الأراضي السورية؟

 

أمين حطيط: منذ أن سقطت الطائرة تغيّر الميدان. قبله كان الطيران الإسرائيلي يستهدف الهدف الذي يريد، لأنّ القدرات الجوية أمام الطائرة الإسرائيلية f 16 أو f 35 كانت محدودة، أما اليوم فاختلفت الحال، وهنا بين قوسين دعني أمرّر هذه الكلمة، البعض يقول وتحاول الدعاية الإسرائيلية أن تقول إن الطائرة الشبح f 35 الاستراتيجية تستطيع أن تتفلّت من شبكة رادار الـ s 300 والـs 400، أنا أقول لهم غير صحيح، لأن إسرائيل وروسيا اختبرتا هذا الموضوع منذ 15 يوماً تقريباً وفشلت في النتيجة. عندما خرجت طائرتان إسرائيليتان f 35  ووصلتا إلى شمال طرابلس في لبنان ووجهتا بأربع طائرات سوخوي 57 تقطع عليهما الطريق ففهمت إسرائيل الرسالة وانكفأت، ولذلك ما تقوله إسرائيل في هذه النقطة بالذات لا يعود كونه تطبيقاً لاستراتيجية الصوت العالي بعد أن فطر العضوض، بعد أن ضعف الجسم. فبالتالي اليوم هناك تحوّل في الميدان السوري لصالح حلف المقاومة وروسيا على حد سواء، بشكلٍ مهمّ جداً، وهذا أهم برأيي، أهمّ ما حصل لمصلحة روسيا في المرحلة الثالثة.

لأجل ذلك، أنا أقول إنّ اتفاق سوتشي كان خدمة لاستراتيجية إعادة التوازن الميداني ورسم قواعد ردعيّة ليست قائمة على إرادة عدم الصِدام، بل قائمة على إمكانات كلّ فريق في الميدان.

اليوم الذي يردع أميركا عن الاصطدام بروسيا أو بالقوات الروسية ليس الإرادة المشتركة التي قامت في العام 2015 والتي أسميناها اتفاق التنسيق السلبي، التنسيق السلبي أي عدم الصِدام، لا، الآن بات هناك شيء جديد. إضافة إلى ذلك أصبح هناك قواعد ميدانية، لذلك قال الأميركي، خاصة وزير الخارجية، قال إن تزويد سوريا بالـs 300 إنما هو تصعيد خطير.

 

محمد علوش: لكن الإسرائيلي ذهب أبعد من ذلك سيادة العميد، وقال إنه قد يقوم بقصف هذه المنظومة.

 

أمين حطيط: هذه استراتيجية الصوت العالي.

 

محمد علوش: هل يمتلك الإمكانية العسكرية لذلك، التقنية لذلك؟

 

أمين حطيط: لنأتي إلى الوسائل العسكرية، إذا أراد أن يدمّر هذه المنظومة كما يريد دعنا نرى المراحل الثلاث، إما أثناء النقل وهذه انتفت لأنه باتت كل المنظومة اعتباراً بين 23 و28 أيلول الماضي، كل المنظومة باتت بيد سوريا، بين 23 و28 أيلول كل المنظومة باتت بأيدي سوريا.

فإذاً أثناء النقل غير واردة، أثناء التمركز، التمركز سيكون بمناطق محمية أيضاً من منظوماتٍ روسية أثناء الانتشار، أثناء الانتشار، وهذا تفهمه إسرائيل جيّداً، أنّ في المرحلة الثانية لن تستطيع، لأنّ الروسي لا تزال يده على المحك، لا يمكنها تكرار خطأ الطائرة. في المرحلة الثالثة بعد الانتشار، هو يحمي نفسه فبالتالي التهويل بقصف.

 

محمد علوش: مَن تقصد بأنه يحمي نفسه؟

 

أمين حطيط: منظومة الـ s 300 تحمي نفسها بعد الانتشار، فإذا أثناء النقل انتهينا منها، واثناء الانتشار والنقل إلى المواقع الميدانية سيكون الروسي طرفاً في هذا الموضوع، لن تجرؤ إسرائيل، وأثناء التشغيل بعد أن تصبح بيد السوري بشكل كامل المنظومة تحمي نفسها.

 

محمد علوش: النقاش يفتح الباب على مصراعيه سيادة العميد لأن البعض يقول إن إسرائيل في ظلّ هذا الضغط أو الاختناق الذي تتعرّض له في سوريا تجاه هذه المواقف والتبدّلات إضافة إلى ما تقوم به إيران أيضاً من تزايد في النفوذ ربما يؤدّي إلى أن تفكّر إسرائيل بمواجهة على الأرض اللبنانية أو في قطاع غزّة.

بعد الفاصل نستمع إلى إمكانية هذا السيناريو أو واقعية هذا السيناريو. أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا مشاهدينا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة. نخصّص هذه الحلقة للحديث أو قراءة استراتيجية في آفاق التحوّلات لموازين القوى في المنطقة.

طبعاً كنا نتناول الموقف الإسرائيلي بعد المتغيّرات العسكرية على الأرض في سوريا، كيف يمكن أن ينعكس هذا الموقف.

صحيفة الأخبار الصادرة اليوم، وفي مقالة للزميل علي حيدر، يتناول سيناريو لجوء إسرائيل إلى تنفيذ عمل عدائي على لبنان لتخفيف ما تتعرّض له الحكومة داخلياً ممّا يمكن أن يطلق عليه استراتيجية التنفيس بحسب ما يقول ضيفنا في الاستوديو. نشاهد معاً.

 

الأخبار اللبنانية: عقيدة الضاحية تهدّد تل أبيب، علي حيدر

في أسوأ كوابيسها لم تكن إسرائيل طوال تاريخها تتوقّع أن يلوح فوق تل أبيب في يوم من الأيام سيناريو عقيدة الضاحية وتهاوي ناطحات السحاب واستهداف منشآتها الاستراتيجية ومقر قيادة الجيش ووزارة الأمن، بل لم يُجُل في مخيّلة أحد أن يسلّم القادة الإسرائيليون بالممارسة بحقيقة أن المسافة الفاصلة عن تحقّق هذا السيناريو، قرارٌ يصدر عن المجلس الوزاري المصغّر بشنّ حرب على لبنان، وهو ما لم يجرؤ على اتخاذه في أكثر المنعطفات المصيرية التي مرت بها المنطقة، الحرب السورية مثالاً، وكانت تشكّل ظرفاً مثالياً لأيّ عدوان بهذا الحجم وما دونه.

قد يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد نجح أن يحفر بالوعي العام استعراضه على منبر الأمم المتحدة وهو يحمل صورة لما قال إنها مصانع لتطوير دقّة صواريخ حزب الله قرب مطار بيروت الدولي. لكنه فشل في أن يقنع أحداً بأن هذا الاستعراض قادر على تبديد سيناريو الرعب الذي بات يسكن وجدان كل إسرائيل قادةً وجمهوراً.

أما بخصوص المأزق الذي تواجهه المؤسسة الإسرائيلية بكلّ عناوينها السياسية والاستخبارية والعسكرية، فقد اعتبر الكاتب المتخصّص بشؤون الأمن القومي أوريبار يوسف أنه من المفترض بنتانياهو أن يعرف أيضاً أنه خلافاً للتهديدات الأمنية التي واجهتها إسرائيل طوال تاريخها ليس لديها اليوم رد عسكري جيد على تهديد مئات أو آلاف الصواريخ الثقيلة.

ولفت إلى أن عقيدة الضاحية سياسة التدمير التي نفّذها العدو في ضاحية بيروت الجنوبية خلال حرب 2006 أعلنتها إسرائيل، لكنّ حزب الله أيضاً يستطيع تنفيذها ربما تحت عنوان عقيدة الكريا، في إشارة إلى مبنى وزارة الأمن وقيادة الجيش الإسرائيلي.

 

محمد علوش: سيادة العميد، ما زال البعض يتحدّث عمّا يُعرَف بسياسة الردع المتبادَل بين حزب الله وبين إسرائيل، في حين يذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أنه حصل تفوّق لدى حزب الله، أي هذه السياسة لم تعد قائمة، بالعكس هناك خطر أصبح على إسرائيل من احتمالية القيام بعدوان لتثبيت هذه المعادلة وهي معادلة الردع.

اليوم في ظلّ ما يُحكى أو تبعاً لما تكلّمنا عنه في الموضوع السوري، أزمة داخلية تعيشها الحكومة الإسرائيلية في أكثر من مجال وفي أكثر من نقطة، هل يمكن أن ينعكس عملاً عدائياً في لبنان؟

 

أمين حطيط: المسرحية التي لعبها نتانياهو ومسؤولون إسرائيليون آخرون وكانت الأمم المتحدة المسرح الأول لإخراجها، لتمثيلها، تقود بشكل أو بآخر إلى القول بأنّ إسرائيل تطبّق الاستراتيجية المعروفة باستراتيجية التنفيس.

استراتيجية التنفيس ما هي؟ ما مضمونها؟ عندما يكون أمام الجيش هدف، تُغلَق الطُرق أمامه، فإنه لا يستطيع أن يعود إلى مواقعه خالي الوفاض، فيتّجه إلى اتجاهات أخرى لينفّس فيه حشده، ولذلك البعض ظنّ من مسرحية نتانياهو أن ميادين التنفيس ستكون إثنان، الميدان الإيراني، والميدان اللبناني. ولذلك ركّز نتانياهو بشكل واضح في الأمم المتحدة على الصوَر المثيرة للسخرية، والتي نسب بعضها لإيران بأنها مصنع تخفي فيه جزئيات الملف النووي، وبعضها الآخر إلى حزب الله والضاحية الجنوبية، وتخفي فيه الأسلحة والصواريخ فائقة الدقّة.

هذه الاستراتيجية، استراتيجية التحوّل أو استراتيجية التنفيس، يمكن القبول بها في حال وحيدة، هي أن تكون الميادين المقصودة لتنفيس الاحتقان أو لتنفيس التحشيد ذات قابليّة لاستيعاب قوى العدو أو قرار العدو العدواني. هنا نطرح السؤال، هل أنّ الميدان اللبناني أو الميدان الإيراني يسمح بهذه التطبيقات؟ الجواب، بالنسبة للبنان، منذ العام 2014 بنيت معادلة تفرض أو تنظّم المواجهة العدائية بين حزب الله والعدو الإسرائيلي، هذه المعادلة هي قمّة الردع الاستراتيجي والتي تختصر بكلمة الندّية في التعامل، مطار مقابل مطار، عُمق مقابل عُمق، اقتصاد مقابل اقتصاد، وهنا ألفت إلى العبارة الشهيرة التي استخدمها سماحة السيّد حسن نصر الله عند توصيفه لحاويات الأمونيا في عكا وكيف فعلت فعلها يومها.

فبالتالي القول بأن إسرائيل قادرة على ممارسة استراتيجية التنفيس سواء في لبنان أو في إيران هو قولٌ يسقط على أصله، لماذا؟ لأن إسرائيل غير قادرة للذهاب إلى حرب، لأن إسرائيل لا تستطيع أن تقذف المقذوف على لبنان وتذهب إلى شاطئ البحر تستمتع.

 

محمد علوش: وكأن شيئاً لم يحصل.

 

أمين حطيط: لا، هي تنتظر أن هذه القذيفة ستشعل حرباً، وتعرف إسرائيل قبل غيرها أن ظروف الحرب غير متوافرة بالنسبة لها، لأن هناك ثلاثة شروط، لا يمكن لعاقل أن يذهب إلى حرب غير أن تستوفي الشروط الثلاثة.

الشرط الأول هو القدرة على تحقيق الإنجاز العسكري، أي القدرة على هزيمة العدو في الميدان، وهنا إسرائيل اليوم في العام 2018 في مأزقٍ ثلاثة أضعاف أكثر من مأزقها في العام 2006.

 

محمد علوش: الشرط الثاني سيادة العميد؟

 

أمين حطيط: الشرط الثاني قدرة الجبهة الداخلية على احتواء ردّة فعل الخصم، إسرائيل في العام 2007 اعتمدت شعار جيشٌ يعمل تحت النار، أجرت 11 مناورة كيان من أجل تطبيق هذا الشعار، وبعد ذلك في العام 2014 فشلت ورأت يومها بالتفاهمات مع روسيا خير منقذ من فشلها في هذا الشعار. فبالتالي الشرط الثاني، احتواء ردّة فعل الخصم وحماية هذه الجبهة الداخلية فشلت في تحقيقها، والثالث البيئة الدولية التي تسمح لها بتحويل الإنجاز العسكري إذا تحقّق إلى مكاسب سياسية، تعلم أن اليوم العالم منقسم على ذاته، وهذه البيئة الدولية غير متحقّقة، فإذا أقلّه شرطان، وهي ثلاثة شروط، غير متحقّقة.

 

محمد علوش: هل الأمر نفسه ينطبق على الحال في قطاع غزّة؟

 

أمين حطيط: سألتني سؤالاً بالغ الأهمية خاصة بعد عملية بركان بالأمس في الضفة الغربية. أنا أعتقد أنّ واجبنا نحن أن نسلّط الضوء كثيراً، كثيراً على العملية البطولية التي نُفّذت أمس بالضفة الغربية، عملية بركان، لأن هذه العملية ينبغي أن تُقرأ على أساس أنها تدبير استباقي، إنما نظرية التنفيس تصطدم، وتذهب القوى لتبحث عن الخاصرة الضعيفة. إيران ليست خاصرة ضعيفة، وشرحنا أن لبنان ليس خاصرة ضعيفة. السؤال هل أن فلسطين هي الخاصرة الضعيفة؟

أنا أعتقد أن عملية البارحة مقترنة بسلسلة تظاهرات الرفض الفلسطيني يوم الجمعة المتتالية، شكّلت بالنسبة لإسرائيل وستُقرَأ هكذا، بأنها تدبير فلسطيني استباقي وقائي حتى لا يُنظَر إلى فلسطين على أساس أنها الخاصرة الضعيفة ويذهب نتانياهو ليفرغ شحنة عدوانيته وانتقامه هناك.

هذه العملية إذا عُزّزت أيضاً بمثيلاتها، وإذا عُزّزت بالمواقف السياسية التي خرجت وخاصة على لسان الأمين العام الجديد للجهاد الإسلامي.

 

محمد علوش: وحركة حماس والجبهة الشعبية.

 

أمين حطيط: وعلى لسان حماس وأيضاً محمود عباس اتخذ مواقف مهمة في هذا الموضوع. إذا تلاقت هذه الأطراف الثلاثة في موقف سياسي متماسك واستثمرت ما يجري في الميدان، أعتقد عند ذلك أنّ فلسطين لن تشكّل الخاصرة الضعيفة التي تطبّق فيها إسرائيل استراتيجية التنفيس.

 

محمد علوش: سنعود إلى قضية فلسطين بكل تأكيد، لأنّ لدينا مقالة حول الموضوع تناسب موضوع حل الخلافات بين القوى الفلسطينية، لكن بالعودة إلى إشكاليات الصراع القائم بين الولايات المتحدة الأميركية، أو بين محور أميركي ومحور آخر هو محور المقاومة.

طبعاً الولايات المتحدة الأميركية لا تقف كما يقول البعض مكتوفة الأيدي بل تحاول أن تعيد أو ترمّم هذا المحور الذي تقوده.

في صحيفة الدستور الأردنية يتحدّث عزت جرادات عن مستقبل الناتو العربي أو التحالف العربي الأميركي لمواجهة إيران في المنطقة. نشاهد معاً.

 

الدستور الأردنية: حلف ميسا، عزت جرادات

ميسا هود مسمى حلف الناتو العربي المزعوم، فهو تحالف استراتيجي للشرق الأوسط، وهو فكرة أميريكية قديمة حديثة لإنشاء تحالف خليجي ومصر والأردن والولايات المتحدة الأميركية. وسوف يتعاطى هذا الحلف مع أزمات المنطقة وتحدياتها باستثناء ما يتعلق بإسرائيل، ويتطلّع إلى تحقيق السلام والاستقرار والأمن في المنطقة من خلال وضع أسسٍ للتعاون الأمني والاقتصادي والسياسي، وتشكيل سدٍ منيعٍ لمواجهة الحظر الإيراني والإرهاب والتطرّف.

لقد تضاربت الأنباء حول النوايا والجهود التي تهدف إلى تجسيد هذه الفكرة، فثمّة توجهاتٌ لعقد قمة بزعامة أميركية في مطلع عام 2019 لوضع أسس تعاون أمني اقتصادي سياسي تمهيداً لإقامة التحالف الاستراتيجي على نمط حلف الناتو. وإذا أخِذت الاختلافات العربية الراهنة وانعدام التوافق على العدو الأول للدول العربية أي إسرائيل والتدهور الخطر في عدد من الدول العربية وانعدام ثقة الشعوب العربية بالسياسة الأميركية ولا سيما في حال الاحتلال الإسرائيلي والدعم الأميركي لاستمرار ذلك الاحتلال، إذا أخِذ كل ذلك بعين الاعتبار فإن حلف ميسا المزعوم وأي حلف لا ينبثق من رؤية عربية مستقلة سيكون مصيره الفشل.

 

محمد علوش: أعود إليك سيادة العميد. طبعاً ربطاً بالمقال، أن الولايات المتحدة الأميركية لا تقف مكتوفة الأيدي، هي تحاول بناء تحالف عسكري جديد أو ترمّم هذا التحالف الذي كان قائماً بصيغة مختلفة.

الإشكالية في الموضوع استراتيجياً، البعض يقول، إنه انتقلت أهمية هذه المنطقة من دائرة الخليج الغني بالنفط إلى دائرة حوض المتوسّط كما تقول صحيفة الجمهورية اليوم، لوجود كميات هائلة من النفط والغاز فيه، وبالتالي الاشتباك الروسي الأميركي ومعه الإيراني هو يدور بالفعل حول هذه النقطة من منطقة الشرق الأوسط.

تقديرك، إلى أيّ حدّ هذا الناتو يتّجه باتجاه من هذه الشاكلة؟

 

أمين حطيط: أولاً ينبغي أن نذكّر بأنّ الهجوم على المنطقة بهذا الشكل له هدفان، أيهما الأول وأيهما الثاني غير واضح، ولكن السببين من دون ترتيب، وجود إسرائيل وأمنها.

 

محمد علوش: هذه ثابتة في كل المحاور.

 

أمين حطيط: والأمر الثاني، الطاقات النفطية الموجودة في المنطقة.

 

محمد علوش: هي مستجدّة في المنطقة، في حوض المتوسّط.

 

أمين حطيط: هذه الطاقات النفطية تتبدّل أمكنتها وفقاً للاكتشافات الحديثة، كانت الطاقة النفطية في المنطقة متركّزة في منطقة الخليج، في الصحراء العربية ومنطقة الخليج، الطاقات النفطية اليوم انتقلت، لم تسقط الأولى ولكن برزت الثانية، وأصبحت السواحل اللبنانية الفلسطينية السورية وضمن العمق السوري كما يُقال، إنه قائم على بحيرة من الغاز، فبالتالي أحد الأهداف الأخرى، هما هدفان للعدوان على سوريا، إذا سيُكتَب يوماً ما تحليل استراتيجي عن العدوان على سوريا. ما الذي قصده معسكر العدوان على سوريا؟ قصد أمرين، فكفكة محور المقاومة من أجل تثبيت إسرائيل خدمة للهدف الأول، ثانياً وضع اليد على القدرات النفطية والغازية في المنطقة والتي تشكّل سوريا بشكل أو بآخر نسبة تتراوح بين 45 و55 بالمئة من كامل الطاقة الجديدة المكتشفة، أي نصف الطاقة الجديدة المكتشفة الغاز هي في سوريا شاطئاً وعمقاً.

فبالتالي هذه المتغيّرات في المكان، الطاقة النفطية، غيّرت في اتجاهات الاهتمام، من أجل ذلك الناتو العربي الذي تعمل عليه أميركا من شأنه أن يحقّق هذين الهدفين. من تجد أميركا أنه يهددها في هذين الهدفين، بشكل رئيسي إيران القوية لأنه بالنسبة لإسرائيل لا مجال للحديث عن قبول إيراني بوجود إسرائيل، الأمر محسوم.

بالنسبة للنفط، إيران ترفع شعاراً رئيسياً ينبغي أن يُذكَر دائماً ودائماً، هو سبب مشاكلها مع كل الناس، المنطقة لأهلها في مقابل الشعار الذي تريده أميركا منطقة مستعمرة أميركية، هذا الحلف الذي تريده أميركا هو من أجل تثبيت مقولة منطقة مستعمرة أميركية.

السؤال، هل أن أميركا ستستطيع أن تنجح في تسخير قوى المنطقة لحماية استعمارها في المنطقة؟ لو جئنا إلى القوى التي ستنتظم في هذا الحلف الجديد لوجدنا أنّ ثقل هذه القوى، ثقلها، إذا استعرضتها، صحيح هي ست أو سبع دول، ولكن أميركا موجودة، بحلف ومن دون حلف موجودة براً أو موجودة بحراً عبر أسطوليها الخامس والسادس، موجودة بالمنطقة في الخليج الأسطول الخامس و الأسطول السادس في البحر المتوسّط.

الثقل الجديد في المنطقة هو الثقل المصري. السؤال، هل أنّ مصر ستبدّل عقيدة جيشها التي لم تتبدّل منذ اتفاقية كامب دايفيد وإلى اليوم، كل ما حصل، العقيدة القتالية للجيش المصري الذي أحييه كما أحيي الجيش السوري في ذكرى حرب ستة تشرين، هذه العقيدة لم تتغيّر.

لذلك العامود الفقري لهذا الحلف هو الجيش المصري والجيش المصري بعقيدة قتالية قومية لا زال، في أقصى الحالات لا يحارب، في أقصى الحالات، فبالتالي أنا أعتقد أن هذا الحلف الذي تبتغيه أميركا من أجل تهيئة البيئة لانزياحها العسكري من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة الشرق الأقصى وفقاً لما حضّرت له في العام 2010 في المفهوم الاستراتيجي للحلف الأطلسي، هذا الحلف حلف غير قابل للحياة، لا أقول سيفشل، أقول غير قابل للحياة، لن يقوم أصلاً، لأن المقوّمات بالنسبة لدول الخليج، وجدنا كيف تخبّطت قدراتها العسكرية في اليمن، واليوم المأزق الذي تعانيه دول الخليج في اليمن والتصدّعات الداخلية داخل منظومة الخليج لا يمكن أن تعالج لا بورقة ولا باجتماع.

 

محمد علوش: ولكن البعض يقول سيادة العميد، تبقى في هذا الحلف وهو الحلف الأميركي ركائز أساسية متينة عصيّة ليس فقط على الخرق وإنما حتى على المواجهة في الأساس.

في القضية الفلسطينية، تسرّب الصحافة مكالمة هاتفية بين الرئيس السيسي والرئيس محمود عباس في سبيل الضغط للتخفيف قليلاً عن قطاع غزّة ، وكان هناك رفض بحسب ما تقول التسريبات من قِبَل الرئيس محمود عباس لجهة الخلافات القائمة بين فتح وحماس.

طبعاً الخلافات الفلسطينية الداخلية جزء أساسيّ، تؤثّر في طبيعة هذه المواجهة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بشكل عام.

في الميادين نت تكتب السيّدة بثينة شعبان عن ضرورة تجاوز الخلافات بين الفلسطينيين من أجل حفظ القضية في وقتٍ حسّاس تمر به المنطقة. نشاهد معاً.

 

الميادين نت: تجاوز الخلافات، الدكتورة بثينة شعبان

بينما تخطّط الدوائر الصهيونية والإدارات الأميركية المتعاقبة وحكّام الخنوع من أعراب الخليج لسلب فلسطين، كلّ فلسطين، واقتلاع حق عودة الفلسطينيين إلى وطنهم من أذهان العالم من خلال إغلاق منظمة الأونروا لشؤون اللاجئين في أعقاب قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة للكيان الغاصِب وفق القانون العنصري الإسرائيلي، وصدور عشرات الإجراءات التعسفّية والقوانين الصهيونية العلنية والسرّية، ينشغل الفلسطينيون أو القيادات الفلسطينية بإنهاء الانقسام المتأزّم حول تفاصيل تجاوز الخلافات الأبدية بينهم وزمانه، والسؤال البديهيّ والواضح هو الانقسام حول ماذا أو علام الاختلاف؟

إذا كان الوطن سليباً والعدو استهدف ويستهدف الجميع أمس واليوم وغداً، ويستهدف مصيرهم ومصير أطفالهم وأحفادهم، فهل هناك أخطر من هذه اللحظة التي تستدعي توحيد كل الجهود والمقدّرات والطاقات لمواجهة التحدّي المصيري الذي يواجه الفلسطينيين في كل مكان؟

أما أن يفكّر الجميع من هو الرابح ومن هو الخاسر، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى خسارة الجميع، إذ لا يربح أحدٌ شيئاً على الإطلاق حين يخسر حقّه في وطنه.

ولكي لا أحمّل الفلسطينيين عبء ما يجري، فإنني أقول إن القضية الفلسطينية تعتبر المجهر الحقيقي لكل ما اعترى ويعتري هذا العالم العربي ومنذ عقود.

ففيما يتحكّم أعداؤنا وخصومنا وعملاؤهم من الأعراب بانقساماتهم وخلافاتهم، ويتّخذون موقفاً موحّداً ضدّنا، نجد أن المواقف العربية مشتّتة ومُتباينة حتى حين ما يتعلق الأمر بجميع قضاياهم المصيرية.

ما الذي فعله الفلسطينيون والعرب كي يُفشِلوا مخططات الأعداء؟ وكيف تمت مواجهة هذه المخططات وبأية أدوات؟ هل ينتظر العرب إلى يوم القيامة كي يحكم الله بينهم في ما كانوا فيه يختلفون؟

 

محمد علوش: عودة إليك سيادة العميد. تبقّى لدينا دقيقة واحدة. نأسف طبعاً لأنّ الوقت حَرِج جداً.

إلى أيّ حد تقدّر أن الخلافات القائمة فلسطينياً ليس فقط تؤثّر على قوّة هذه القضية وطرحها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وإنما أيضاً تؤثّر على مسار المقاومة ومحور المقاومة في القضية الفلسطينية؟

 

أمين حطيط: بكلّ تأكيد، عندما يكون هناك تصدّعٌ في الجسم، فالأثر والفعالية في الميدان تكون نتيجة لهذا التصدّع. للذلك وحتى لا يكون طموحنا غير واقعي، أنا أقول وأتمنّى على الإخوة  في القيادات الفلسطينية، أن يتّفقوا استراتيجياً على مبادئ لا يُزاح عنها، وأن ينظّموا الخلاف تكتياً، ويعمل كل واحد في ميدانه خدمة للهدف الاستراتيجي، والأهداف الاستراتيجية في المسألة الفلسطينية لا تحتاج للغُز، لدينا أربعة أهداف استراتيجية حاسمة، ليتّفق عليها ويتم إدارة الخلاف في المسائل الميدانية والعملانية من دون أن يتدخّل فريق بعمل فريق ميدانياً، طالما أن عمله خدمة للأهداف الاستراتيجية المتّفق عليها، خاصة في الآونة الأخيرة  بعد أن أفصح عن تصفية القرن أعتقد أن هناك ميلاً فلسطينياً خاصة من قِبَل القوى الأربع الرئيسة، ميل فلسطيني لاتفاق استراتيجي وإدارة خلاف ميداني. غير ذلك، لا يمكن أن ننتظر وحدة فلسطينية متماسكة، ومرّت سنوات طويلة ونحن نسمع ذلك. ليعلم الإخوة الفلسطينيون اليوم أنّ إسرائيل تبحث عن الخاصرة الضعيفة في فلسطين، وهذه الخاصرة الضعيفة تقفَل في وجهها كما أقفِلت خاصرة سوريا وخاصرة لبنان وخاصرة إيران، تُقفَل بوجهها باتفاق استراتيجي وسعي ميداني يخدم الهدف الاستراتيجي.

 

محمد علوش: كل الشكر والتقدير لك سيادة العميد المتقاعد الدكتور أمين حطيط. طبعاً نشكرك على هذه المُعطيات والمعلومات، كما نشكركم مشاهدينا لحُسن المتابعة، وإلى اللقاء.