حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

عبد الله سلاّم الحكيمي - الوزير المفوض في ديوان عام وزارة الخارجية اليمنية

 

وفا سرايا: هي إنسانية تُذبَح كلّ يوم في أرض بلقيس الكرم، ومهد العروبة، فتتحوّل اليمن إلى حكايةٍ تبكي لها العيون والقلوب. ما يقارب أربع سنواتٍ من حصارٍ تجويعيٍ، وعواصف دمويّة، وقتلٍ، ودمارٍ، وأمراضٍ تنهش الجسد اليمني. وأبشع المجازر البشريّة تُرتكَب بحقّ الأبرياء، والأطفال.

 وفيما اليمن الجريح ينادي ويستغيث، تفشل كلّ مساعي المفاوضات قبل أن تبدأ من جنيف واحد وإثنين مروراً بمفاوضات الكويت ومسقط، وصولاً إلى جنيف ثلاثة. لا نتائج ملموسة على أرض الواقع، ولا من ترجمة فعلية لكلّ ما نسمعه عن رغبةٍ دولية في التوصّل إلى حلٍ سياسي.

فما هي حقيقة المواقف؟ وما مدى ارتباطها بالمصالح الاقليمية والدوليّة؟ مَن يعطّل فعلاً مساعي وقف القتال والمجازر؟ هل من تواطؤٍ دولي لاستمرار الحرب؟ ولماذا؟

ومع استمرار تقسيم اليمن الموحّد وتمزيقه، يعود الجنوب إلى الواجهة. انهيارٌ اقتصادي وسياسي انقلب إلى حراكٍ شعبي ضخم، تظاهرات تعمّ معظم المدن الجنوبيّة، لتطالب أبناء اليمن بالاتحاد بوجه ما سمّوه الاستعمار السعودي – الإماراتي.  

فما مستقبل هذه الاحتجاجات؟ وإلى أين تتّجه؟ وهل تستطيع الرياض وأبوظبي إسكات اليمنيين؟ وأين هي عملية الإنقاذ التي تحدّثت عنها الرياض؟ ولماذا تنتهج سياسة التجويع، وضرب الاقتصاد؟ ما هو مصير الصراع السعودي – الإماراتي الحادّ على النفوذ هناك؟

هي أسئلة كثيرة نطرحها اليوم في حلقة "حوار الساعة" على ضيفنا "عبد الله سلّام الحكيمي" الوزير المفوّض في الديوان العام لوزارة الخارجيّة اليمنيّة.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

صباح الخير مشاهدينا الكرام، وصباح الخير أستاذ عبد الله على شاشة الميادين.

إسمح لي أن أنطلق بداية الحلقة من المسار العسكري. بالرغم من امتلاك التحالف السعودي أضخم الإمكانات العسكرية المتطوّرة إلا أنّ الجيش اليمني، وأنصار الله، واللجان الشعبيّة تمكّنوا من الصمود والمواجهة، تحديداً أمس كان هناك نجاح بضرب جيزان، وإسقاط خمس طائرات استطلاع.

كيف نفسّر هذا الصمود بوجه كلّ ما تمتلكه السعوديّة، وحلفاؤها من قدرات عسكرية؟

 عبد الله سلّام الحكيمي: تحيّاتي لك أستاذة وفاء ولقناة الميادين. في الواقع، أنّ الحرب التي شُنّت على اليمن في العام الرابع الآن، النصف الثاني من العام الرابع لم تكن وليدة لحظتها، وأُعدّ لها منذ فترةٍ طويلة، وظنّ تحالف العدوان أنّها بالسهولة هذه، لأنّ اليمن كان مُفكّكاً إثر ما يسمّى بالربيع العربي العام 2011.

خابت هذه التوقّعات، ولم تسر الأمور كما كان يُراد لها أن تسير من قِبَل تحالف العدوان. الدولة من السهل عليها أن تدخل الحرب، لكن من الصعب عليها أن تخرج منها.

في الواقع أنّ الذي يجري هو عدوان إجرامي، قتلَ ودمّر، وحاصَرَ وجوَّع، وضرب مؤسّسات الدولة ومقوّماتها، ضرب اقتصادها، ضرب عملتها، استولى على بنكها المركزي الذي يُدير السياسة النقديّة.

هذا العدوان في الحقيقة لم يستطع أن يحسم خياره العسكري، وأدّى إلى بروز قوّة وطنيّة تخوض حرب تحرير وطني في الواقع، لأنّنا نحن أمام استعمار واحتلال أجنبي بغضّ النظر عن صفته كونه عربياً، لكنّه عربي بالإسم، إنّما هو في حقيقة الأمر مجرّد عدوان بالنيابة، حرب بالوكالة تخوضها السعوديّة والإمارات لصالح قوى دوليّة يرتبط بها موضوع الناتو العربي الذي يُراد إنشاؤه الآن.

وفا سرايا:  تقصد بالدول الاقليميّة أميركا، وما يتمّ الحديث عنه حتّى عن الدعم الإسرائيلي أستاذ عبد الله، هكذا نفهم من هذا الكلام.

 عبد الله سلّام الحكيمي: نعم، في الحقيقة القوى الدوليّة الولايات المتّحدة الأميركية على رأسها، والقوى الغربيّة، والكيان الصهيوني، لأنّه لم يعد خافياً العلاقة الوثيقة التي تتنامى، أو أنّه يُفصَح عنها يوماً بعد آخر. هذه العلاقة وإن كانت قديمة، ولكنّها ظلّت سرّية، إنّما الآن يرتبط كل هذا الذي يجري في اليمن بهذه المشاريع التي يُراد أن تُطبّق في المنطقة، مشروع الشرق الأوسط الجديد، وعلى طريقه ناتو عربي، وصفقة قرن، وتضييع القضيّة الفلسطينية إلى آخره.

وفا سرايا: صحيح، يعني وأنت دائماً تتحدّث في كتاباتك عن ربط ما يُسمّى مشروع الشرق الأوسط الجديد التي لم تنتهِ مراحل تنفيذه، وسوف نخوض بارتباط الملف اليمني بهذه الملفات الشائكة والمُحيطة به.

ولكن، هل أيقنت السعوديّة وحلفاؤها بأنّها لم تحقّق أيّاً من أهدافها العسكرية، وخصوصاً معركة الحديدة أستاذ عبدالله يعني محاولات قوّات التحالف هي مستمرّة، ومُتكرّرة للسيطرة خصوصاً على الميناء الاستراتيجي، وحتّى الآن ليس هنالك أيّ هدف عسكري قد تمّ تحقيقه من الذي أرادت عند انطلاق عاصفة الحزم السعوديّة والإمارات؟

 عبد الله سلّام الحكيمي: صحيح، ما يجري في الميدان حقائق، حقائق الميدان تفصح عن وقائع غير التي يعلن عنها إعلام تحالف العدوان، والذي يقوم على نوع من الترويج للدعايات، والفبركات، والحقائق المزوّرة الكاذبة إلى حدٍ كبير.

إنّنا لا زلنا نسمع على سبيل المثال إذا اختصر الموضوع في هذا الشأن، منذ بداية العدوان ونحن نسمع أنّهم حرّروا ميدي، وحرض وهي على مقربة خطوات من الحدود السعوديّة، إلى اليوم ونحن نسمع دخلوا، خرجوا، احتلّوا، انسحبوا، سيطروا، دمّروا، لكنّها إلى الآن للعام الرابع ولا نزال في ميدي، وحرض، وهي منطقة مكشوفة في الحقيقة ليست جبليّة ولا شيء. لكنّهم لم يستطيعوا حتّى ميدي وحرض أن يحتلّوها حتى الآن، ويسيطروا عليها.

 وهكذا الحال بالنسبة للحديدة، بالنسبة للساحل الغربي عموماً، وهكذا الحال بالنسبة لجبهة نهم، والغريب في الأمر، أنّ الجيش واللجان الشعبيّة، المقاومة الوطنيّة لهذا الاحتلال الأجنبي لا تزال صامدة فيها، وتقاتل في أكثر من جبهة في آنٍ واحد، في حين أنّ ما جرى أخيراً في جيزان، هذا شيء مذهل.

حقيقة سقوط طائرات استطلاع سيطر على قرى ومواقع عسكريّة داخل جيزان، هذه في الحقيقة مؤشّر على أنّ الحرب باتت أبعد ما يكون عن توهّم تحالف العدوان بقدرته على حسمها، ولو حشدت له أميركا كلّ قواتها، وهي لن تحشد، ولن تقاتل معه، ولكنها تبيع لها السلاح بأضعافٍ مضاعفة، وتريد منه أن يدفع مقابل ذلك.

وفا سرايا: لنأخذ الشقّ الآخر، الطرف الآخر، ما هو الخيار إذا لا يحقّق أيّ هدف، لا بل بالعكس، يعني جيزان هذا تطوّر نوعي كما قلنا، هناك إسقاط لطائرات استطلاع أكثر من أربع طائرات. ما الخيار أمام السعوديّة؟  هل استكمال هذا المسار؟ فنحن مقبلون على العام الرابع والخامس بهذه الحرب أستاذ عبدالله.

عبد الله سلّام الحكيمي: مشكلة العقل السياسي الذي يُدير الحُكم في السعوديّة في نظرته إلى اليمن، فينظر إليه كحديقة خلفيّة، ومنطقة نفوذ مُطلَق للسعوديّة تتصرّف فيه كما تريد، لا تريد أن تنظر لليمن على أنّه دولة ذات سيادة مستقلّة، وأنّ حُسن الجوار هو الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه العلاقات.

فالسعوديّة ظلّت دائماً تفرض على العالم أن يتعامل مع اليمن من خلال الرياض وبقي  ذلك قائماً حتّى بداية عهد الرئيس إبراهيم الحمدي، حيث تمّ تغيير هذا الموقف، واقتنع العالم ألا بدّ من أن يتعاون، أو أن يتعامل في علاقاته مع اليمن مباشرةً، وليس عن طريق السعوديّة لأنّنا لسنا في وصاية. ما لم تغيّر السعوديّة هذه الرؤيّة السياسيّة، وعقلها السياسي في ما يتعلّق بإدراتها للمشكلة مع اليمن، ستظلّ الحروب مستمرّة.

 والحقيقة هذا العدوان ليس الأول من نوعه، فقد حصل إبّان الدولة السعوديّة الأولى، والثانية، وصولاً إلى الدولة السعوديّة الثالثة حالياً. نحن دائماً نتعرّض لعدوان.

وفا سرايا: لكن أستاذ عبد الله هذه الحرب هي الأوسع تاريخيّاً، لتشمل كلّ هذه الجبهات، وهذه المناطق. لفتني حديثك في البداية عن الدعاية، وعن مدى التأثير، وقلت أنّهم اعتمدوا نظريّة نازيّة قديمة هي مدرسة "غوبلز" القائمة على المواظبة على الكذب، والتكرار.

لكن بعض الأطراف الدولية  في المقابل تقول أنّهم نجحوا في تشويه صورة أنصار الله والجيش اليمني، فيما البعض الآخر ينطلق من مجلس حقوق الإنسان، حيث نجح المشروع الغربي بالرغم من المعارضة السعوديّة، فالسعوديّة لم تستطع أن تحقّق الأهداف من خلال الدعاية، وما مارسته في وسائلها الإعلاميّة. ما هو موقفكم؟  

 عبد الله سلّام الحكيمي: صحيح، الموقف أنّه في حرب الدعاية هذه، بما نلاحظه منذ بداية العدوان أنّ الجزء الأكبر منها يعتمد أقرب ما يكون على الحرب الإعلاميّة يخوضها تحالف العدوان عبر الإعلام، والاختلاق، الكذب.

حتّى أنّ المُتتبّع الدقيق لمجريات الأمور، يرى أنّ إعلام تحالف العدوان، وأبواقه من المرتزقة التابعين له يكرّرون، أو يقلّدون ما يفعله أنصار الله، أو ما يفعله الجانب الوطني في أطروحته الإعلامية والسياسية وإلى آخره، حتّى الأناشيد والزوامل أنجزوا مثلها.

 في الواقع، أنّ هذه الدعاية التي تتمثّل بإكذب إكذب يقومون بها على أمل أن يقبل الناس واحدة من مئات هذه الأكاذيب، هذه النظرية في الحقيقة قد تنفع في إيجاد نوع من الشك، لكن حقائق الميدان التي ينقلها الإعلام على محدوديّته كفيل بأن تسقط هذا الأسلوب القائم على غير أساس من وقائع الميدان. في اعتقادي، لو أنّهم نجحوا، لكانوا استطاعوا أن يحسموا الأمور.

الآن كلّ الوقائع على الأرض تشير إلى أنّ تحالف العدوان في وضعٍ سيّىء

للغاية، تقوم ضدّه ثورةٌ في الجنوب بعد أن تكشّفت لإخواننا في الجنوب هذه الأكاذيب.

وفا سرايا: سأتحدّث عن الجنوب بالتفصيل في المحور الثاني أستاذ عبد الله. لكن في هذه النقطة بما  يتعلّق معارضة السعوديّة تمديد التحقيق حول ارتكاب الجرائم. وأنت تقول أنّ هذا التحالف بات محاصراً. دولياً، هل بالفعل تغيّرت هذه النظرة، ولا أتحدّث هنا عن الولايات المتّحدة التي تقف دائماً إلى جانب العدوان، بل عن مشروع غربي استطاع تمديد فترة التحقيق في ما يخصّ ارتكاب الجرائم من قِبَل السعوديّة .

كيف نفسّر ذلك بعد كلّ هذه السنوات، وبعد المحاولات التي روّجت لها السعوديّة؟

  عبد الله سلّام الحكيمي: في الحقيقة، بالنسبة للموقف الأميركي، وإذا أخذنا حقيقة هذا الموقف يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء وتحديداً من أحداث 11 سبتمبر 2001 ، الإدارة والأجهزة الأميركية شنّت حملة مركّزة، ومكثّفة ضدّ السعوديّة واتهمتها علناً، ولا تزال بأنّها قوّة داعِمة للإرهاب على المستوى العالمي. موقف الأميركيين وحتى قانون جاسكا، وتأتي الآن قضيّة الخاشقجي، والفضيحة التي تدور فصولها حتّى اليوم، هذا الموقف يريد تفكيك السعوديّة.

كان العامل الرئيس الذي يحفظ للسعوديّة استقرارها، وهدوءها، وعدم وجود تفرقعات ، أو أيّة انتفاضات داخلية هو فائض الثروة الذي يشفط النقمة.

ولذلك أدركت الولايات المتّحدة أنّه لكي يتحرّك هذا المجتمع الراكِد عليها أن تشفط فوائض الثروة، وتجبر الحكومة السعوديّة أن تثقل كاهل المواطن بالالتزامات والأعباء، حينها يبدأ الحراك المجتمعي، والسياسي، وهي تريد أن تفكّك السعوديّة كما غيرها من المناطق ضمن إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

في قضيّة جرائم الحرب، عادةً القوى الغربيّة وبخاصة الولايات المتحدة لا تستعجل الأمور في هذا الشأن، لكنّها تحفظ الملفات، ولنا في العراق إبّان حكم الرئيس صدّام حسين عبرة. وهكذا هي تحفظ ملفّاتها، وتعيد فتحها وفقاً لحساباتها في الظرف والمكان الذي تريد لتحقيق أجندة معيّنة.

وفا سرايا: وهنا المفارقة، أنّ المشروع الغربي أتى مناقضاً لما تطرحه الولايات المتّحدة من تشويه للحقائق على أرض الميدان. إسمح لي أن أنطلق من المسار السياسي، ودائماً الهدف كان تقسيم وتجزئة اليمن، وفي هذا المسار من جنيف 1 و 2 مروراً بمفاوضات الكويت ومسقط وصولاً إلى جنيف 3، لماذا لم يحمل المبعوث الدولي الجديد غريفث أي جديد؟ حتّى جنيف 3 فشلت قبل أن تبدأ هذه المفاوضات. من يتحمّل المسؤوليّة الآن الأطراف الداخليّة أم أنّ الأطراف الدوليّة والإقليميّة كانت العامل الرئيس في ذلك؟ 

 عبد الله سلّام الحكيمي: لا في الحقيقة الذي يتحمّل المسؤوليّة مباشرةً هي القوى الدوليّة، وبالذات الدول الخمس الدائمة العضويّة في مجلس الأمن الدولي. هذه القوى الدوليّة كلّها من دون استثناء إمّا مشاركة مباشرة في الحرب وإدارة عملياتها، أو من ناحية أنّها تزوّد هذا التحالف العدواني الاحتلالي لليمن بالأسلحة، أو أنّها مؤيّدة له سياسياً وإعلامياً كما هي حال الصين وروسيا، وبالسلاح وبالدعم المعنوي والسياسي في أروقة الأمم المتّحدة ومنظّماتها.

إذاً هذا المجتمع الدولي لا يزال يرى أن هناك المزيد من فوائض الثروة البترولية يمكن الحصول عليه من السعوديّة والإمارات. تحالف العدوان يريد أن يستكمل استنزاف ما يمكن استنزافه عن طريق بيع السلاح، أو عن طريق الرشاوى، أو عن طريق التكاليف الباهظة للحرب. يعني اليوم السعوديّة في الحقيقة بحال سيّئة، والإمارات كذلك، لو استمرّت الحرب أكثر من ذلك، فإنّ ذلك يؤدّي إلى انهيار هذه النظم.

ما يجري الآن في الجنوب، وفي الحرب بشكل عام على اليمن، فإنّهم يريدون أن ينسحبوا من هذا المستنقع لكن بعد أن يشكّلوا مئات، أو شكّلوها، عشرات بل مئات الميليشيات المسلّحة الإرهابيّة من مختلف الأصناف، لكي يدخلوا اليمن في حرب داخلية – أهليّة، ويبقون يموّلونها من الخارج بالسلاح والمال، وينسحبون هم من هذا المستنقع.

 لكنّهم لن يستطيعوا لأنّه هناك قدرة، والذي استطاع على مواجهة العدوان المدعوم دولياً يستطيع أيضاً أن يواجه الحروب الداخليّة، وقد كان لو تذكرون الحرب قبل شنّ العدوان، فإنّ الجيش واللجان الشعبيّة وأنصار الله استطاعوا أن يصفّوا معظم الجماعات الإرهابيّة في معظم المحافظات الجنوبيّة والشماليّة، وقد جاء العدوان ليحمي هذه المنظّمات التي استقبلت العدوان وحاربت معه ولا تزال. هذه القوى الإرهابيّة المُدرَجة ضمن قوائم الإرهاب هي التي تقاتل الآن مع العدوان.

وفا سرايا: بالحديث عن هذه المجموعات أو المليشيات التي تُدعم من أطراف العدوان، سنتابع الآن بهذا المقال ما يتمّ الحديث عن تكوين أجنحة تطالب بالانفصال، وهذا ضمن مشروع التقسيم والتفتيت لليمن الذي أراده التحالف منذ البداية.

سنتابع الآن نحن وإيّاك هذا المقال في "البناء اللبنانية" تحت عنوان "اليمن يتمرّد على جلّاديه" لوفيق ابراهيم.

"البناء اللبنانيّة، اليمن يتمرّد على جلّاديه"

(تحوّل الجنوب اليمني ميدانياً إلى صراعٍ مفتوح: أولاً بين السعوديّة والإمارات على النفوذ في المناطق الجنوبيّة بحيث يأخذ أشكالاً إعلاميّة وسياسية وعسكرية، ولا ينفكّ يتصاعد مؤسّساً لحربٍ كبيرة بين الطرفين. وهناك قتالٌ مكشوف بين الحراك الجنوبي الشعبي من جهة، وتحالف السعودية والإمارات من جهة ثانية، هذا بالإضافة إلى قتالٍ مضمر بين حزب الإصلاح الإخواني ومحور هادي والإمارات والحراك الجنوبي والحوثيين.

كيف يطالب المتظاهرون في الجنوب بالطعام ومناطقه مفتوحة برّاً وبحراً؟ وتنتشر فيها قوّات سعوديّة – إماراتيّة؟ ألا يعني هذا الأمر أنّ قوات التحالف تمنع عنهم الطعام وتدمّر مراكز أعمالهم، وتقضي على كلّ مصادر العيش عندهم؟ وكيف توفّق السعودية بين دعمٍ أرسلته منذ أيام عدّة إلى البحرين قدره عشرة مليارات دولار، ولا تفعل شيئاً لمناطق الجنوب اليمني التي تزعم أنّ قاطينها مؤيّدون لطروحاتها؟ ولماذا هذا الانهيار الاقتصادي المتفاقم في الجنوب اليمني حيث تسيطر أبو ظبي والرياض مباشرةً بشكل كامل؟

هناك أيضاً دخول قطري تركي عبر تحضير حزب الإصلاح الإخواني للدخول طرفاً ثالثاً، بالاشتراك مع بعض أجنحة الحراك الشعبي على قاعدة أنّ الجنوب يريد الانفصال ويقاتل ضد السعودية والإمارات وأنصار الله في الشمال. بما يظهر أنّ كلّ الأطراف المحتلّة للجنوب، تعمل على تفتيته إلى كانتونات تتقاسمها كلّ من الرياض وأبو ظبي برعاية الأميركي والتحالف مع الإسرائيلي).

وفا سرايا: أستاذ عبد الله انطلاقاً من هذا المقال، وإن كنّا نتحدّث عن نفس الموضوع وعن الأطراف الثلاثة والميليشيات التي تدعم من العدوان. بالحديث عن الجنوب تحديداً، وما يجري من انهيار اقتصادي، وأزمة سياسية. هل سياسة التجويع وضرب الاقتصاد، وضرب سعر صرف الريال اليمني أداة حرب جديدة تستخدمها السعودية والإمارات إلى جانب الدعم الأميركي؟ وهنا أستند تحديداً إلى كلام السفير الأميركي السابق ماثيو تولر الذي تحدّث بشكل علني في آواخر آب 2016: يقول إنّ بلاده على إيصال الريال اليمني حتّى لا يساوي الحبر يُطبع به.

  عبد الله سلّام الحكيمي: نعم، من أقذر وسائل الحرب هي التجويع. في الحقيقة الآن لا نستطيع أستاذة وفاء أن نقول بأنّ هناك ثمّة اقتصاداً وطنياً، هذا الاقتصاد اليمني على محدوديّته التي كان عليها قبل، فإنّه ضُرِب. لم يعد هناك اقتصادٌ وطنيّ، فحين تضرب العملة، وتتمّ السيطرة على البنك المركزي، ويضرب النظام المصرفي عموماً، وهذه كلّها في الحقيقة تشير إلى انهيار دولة.

في الواقع، ليس هناك دولة في اليمن حالياً إذا أردنا الواقعيّة، لكن هناك حركة تحرّر وطني، واستطاعت أن تواجه قوى العدوان، وأن تنمّي قدراتها وأسلحتها، وتمرّغ أنف العدوان في الوحل، وسوف تجبره على الرحيل ذات يوم، لأنّه إذا نظرنا إلى حقائق الميدان، فإنّ هذا العدوان الذي أراد أن يحسم أمره في لحظاتٍ بسيطة أو في أيام، أو أسابيع، أو شهور قليلة لم يستطع تحقيق ذلك.

لكن في المقابل، فإنّ الجانب الآخر استطاع أن يبني جيشاً، بل جيوشاً تفوق أضعاف ما كان عليه الجيش الوطني الذي أرادوا أن يفكّكوه قبل وأثناء 2011 بالاغتيالات اليومية التي كانت تشنّ على القيادات العسكرية والأمنية لإفراغ المؤسّسة العسكرية تمهيداً لتدمير الدولة.

ما هو قائم في الحقيقة، هو تدميرٌ للكيان الوطني اليمني، وتدمير الدولة الوطنيّة اليمنية، هذا هو المراد، وهذا ما حاولوا أن يفرضوه ما يسمّونه بالأقلَمة، والأقلَمة ليست فيدراليّة كما يظنّ الكثيرون، ولكنّه اتّحاد دول ، دول مستقلّة تمارس السلطة على الأرض في إطار دولة شكليّة لا وجود لها.

وفا سرايا: كيف يمكن معالجة قضيّة الجنوب أستاذ عبد الله، واليوم تحديداً هناك كلام لرئيس اليمن الجنوبي السابق علي ناصر محمّد لصحيفة العرب يقول إنّ المشكلة لا تحلّ بالانفصال، إنّما من خلال دولة اتحادية من اقليمين. هل هذا الأمر قابل للتطبيق على أرض الواقع؟ أم أنّ الأمر صعب التحقّق وبخاصة مع التأزّم الحاصل بالنسبة للوضع الاقتصادي قبل السياسي؟

 عبد الله سلّام الحكيمي: حقيقة الأمر، أنّ الانفصال في اعتقادي ليس في مصلحة إخواننا في الجنوب لأنّ حدوث الانفصال، وهذا ما يخطّط له تحالف العدوان، وبالذات الإمارات. بالرغم أنّني أشكّ بوجود نوع من التضارب الحقيقي بين الأجندات الإماراتية والسعودية، لكن ما يسعون إليه من انفصال هو مخطّط له. وإذا حصل الانفصال ستعود، وستحيا السلطنات والمشيخات الـ 22 التي كانت قائمة قبل استقلال الجنوب. وهذا ما يجري التمهيد له من خلال عودة السلاطين، والمشايخ السابقين، ومطالبة كلّ دولة بالحصول على الاستقلال على حساب الأخرى، كل مشيخة، كل سلطنة. هذه هي الخطورة التي تحدق بإخواننا في الجنوب.

وفا سرايا: هل لديكم مُعطيات في هذا الشقّ تحديداً في ما ذكره الأستاذ وفيق ابراهيم في المقال، أنّه هناك تدخّل تركي – قطري بقوات على شكل حراك شعبي تطالب بالانفصال وتقاتل كلّ من أنصار الله، وكذلك السعودية والإمارات من أجل أهداف تركيّة – قطرية؟

عبد الله سلّام الحكيمي: يمكن أن نقول إنّ الدخول القطري التركي، وإن كان لا يزال غير محسوس بما فيه الكفاية، لكنّه دخول قوى جديدة بالتنسيق والتماهي مع التجمّع اليمني للإصلاح. لأنّ ما يدور اليوم في الجنوب، ويجب أن نركّز على هذه النقطة أنّ هناك سعياً لتصفية التجمّع الوطني للإصلاح الواجهة السياسية للإخوان المسلمين. وفي حقيقة الأمر هو أقوى مكوّن يمني يقاتل إلى جانب تحالف العدوان، تحالف العدوان يرى أنّه بدون ضرب قوّة الإصلاح، وهي قوّة وازنة قادرة على ضبط إيقاع ما سيحدث، أو ما يُخطّط له أن يحدث في الجنوب لا يمكن أن يتمّ كما يريد تحالف العدوان ما لم يُقضى على قوّة الإصلاح، والتجمّع الوطني للإصلاح، أو الإخوان المسلمين، والقوى التي تتحالف معه.

إذاً، بعد ضربهم للإصلاح، والإعدامات، والاختطاف، والاستهداف حتّى في شبوة، وهو استهداف للتجمّع الوطني للإصلاح بذراعه العسكرية ممثّلاً بعلي محسن الأحمر، وأيضاً بالجانب السياسي التجمّع الوطني للإصلاح ومعه بعض الأحزاب من اللقاء المشترك السابق. أعتقد أنّ التضارب بين الأجندات السعودية الإماراتية إن كانت حقيقةً موجودة، والسعي للانفصال ليس حبّاً بإخواننا في الجنوب، بل ليدخلوا في دوّامة من الصراعات.

وهذه العشرات بل المئات من المليشيات المسلّحة التي تمّ إنشاؤها، وتدريبها، وتسليحها، وتمويلها، لماذا نخبة شبوانية، نخبة لحضرموت، ونخبة مهريّة؟ ما الذي يجري في سقطرى؟

وفا سرايا: سنتحدّث  بالتفصيل عن هذه المطامع تحديداً في الجنوب أستاذ عبد الله، ولا نتحدّث عن مدينة أو مدينتين، بل بأكمله، فقد اتّسعت رقعة الاحتجاجات اتجاه العدوان السعودي الإماراتي. والأجندات تتضارب حول النفوذ، وهنا تحديداً سنتحدّث عن هذه النقطة.

لكن إسمح لي أستاذ عبد الله أن نذهب إلى فاصل قصير، ونعود لمتابعة حوار الساعة.

"فاصل"

وفا سرايا: أهلاً بكم من جديد إلى حوار الساعة الذي نستضيف فيه اليوم الأستاذ علي عبد الله سلّام الحكيمي.

لكن قبل استئناف الحوار، اسمحوا لنا أن نبقى مع هذا المقال في القدس العربي تحت عنوان "توتّرٌ في مطار عدن الدولي"، ونعود بعد ذلك لاستئناف الحوار.

(القدس العربي – توتّرٌ في مطار عدن الدولي: ذكرت مصادر يمنيّة في عدن أن توتّراً دولياً ساد مطار عدن الدولي أمس الثلاثاء، بين قوّات مواليّة للإمارات، ومسلّحين موالين لقائد أمني موالٍ للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. وذكرت المصادر أنّ عشرات المسلّحين التابعين لنائب مدير أمن عدن، العقيد أبو مشعل الكازمي، توافدوا إلى مطار عدن لدى وصول القيادي الأمني إلى المدينة قادماً من الرياض أمس الثلاثاء، لاستقبال نائب مدير شرطة عدن العقيد علي الذيب أبو مشعل الكازمي، العائد من رحلة علاج.

وتأتي عودة الكازمي في ظلّ تحرّكات عسكرية مُريبة لقوات تابعة لقيادات انفصالية مدعومة من الإمارات في المدينة، في ما وصف بأنّه تحضير لانقلاب غير معلن قد ينطلق في أية لحظةٍ ضد الشرعيّة اليمنيّة بدعمٍ إماراتي، وأرجعت مصادر محلية سبب التوتر في محيط مطار عدن إلى "أنّ الإماراتيين منعوا قيادات عسكريّة وأمنيّة من الدخول إلى الصالة لاستقبال أبو مشعل نائب مدير أمن عدن القادم من القاهرة" الأمر الذي دعا أنصاره إلى التوافد إلى المطار، ما أدّى إلى حدوث احتكاك مع قوى الأمن في المطار المدعومة من الإمارات. وازداد الوضع توتراً مع توافد مسلّحين مؤيّدين للكازمي إلى الأحياء القريبة من المطار، وانتشار طواقم وسيارات ترفع صوره).

وفا سرايا: أستاذ عبدالله، سأتحدّث عن التعبير الذي استخدمته وهو تضارب الأجندات السعودية الإماراتية السعودية، هل هناك احتمال لاندلاع القتال الكبير بين الطرفين على الصعيد العسكري انطلاقاً ممّا يجري في مطار عدن؟

 عبد الله سلّام الحكيمي: لا مطلقاً، لا أتصوّر بأنّ هناك صِداماً سوف يحدث بين قوّتي تحالف العدوان، لأنّهم متفقون حقيقة. الإمارات منذ زمن بعيد في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كانت تتوجّس أمنياً من السعوديّة وما تشكّله من خطر على سيادة هذه الدول، الدول الخليجية الصغيرة. ولهذا حاول الشيخ زايد أن يقيم علاقة خاصة مع الشهيد ابراهيم الحمدي، ثمّ بعد اغتياله انتهى هذا المشروع.

أقصد أن هناك نوعاً من المحاولات لإدراج، أو لإبقاء السعوديّة قائدة لهذا التحالف العدواني لمزيد من استنزافها حتّى تصرف أنظارها عن المناطق الخليجيّة. والعلاقة التي كانت قائمة بين بن زايد والرئيس السابق علي عبد الله صالح كانت علاقة خاصة.

والهاجس هنا هو جعل اليمن الموازن، ونوع من القوّة التي يمكن الاعتماد عليها في إشغال السعوديّة في ما إذا توجّهت إلى هذه الدول الصغيرة في الخليج، ولايزال هذا المشروع قائماً.

لكن لا أعتقد أنّ يوجد تضارب، ونحن أمام قوّة استعمارية مفرطة التخلّف.

وفا سرايا: ولكن الآن ما دور المجلس الانتقالي الجنوبي والذي يُقال ألا يعبّر قضية الجنوب أو صوت الشارع، وهذا كلام أيضاً للسيّد فادي باعوم صدر بالأمس، بل تعبّر عن صوت ومصالح الإمارات بوجه مطامع السعوديّة؟   

عبد الله سلّام الحكيمي: صحيح، المجلس الانتقالي الجنوبي كان يعوّل عليه في البداية، لكنّه قرّر أن يرتمي بالكامل في أحضان دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، ولا يعتمد وجوده إلّا على دعمها المالي، ودعمها الميداني في داخل المحافظات الجنوبية. لكن بزوال هذا الغطاء الإماراتي يصبح المجلس الانتقالي لا قيمة له، ولا تأثير.

الحكومة الحقيقية في الجنوب تبرز الآن في قيادة الـتظاهرات، وتوجيهها، وهي الحراك الجنوبي الثوري والتي يتزعمها السيّد حسن باعوم، هذه هي الحقيقة، وهو قوّة نضاليّة منذ سنوات طويلة ماضية وليس من اليوم. لم يكن هو نبت لتحالف العدوان، أو أتى على دبابة العدوان، أو على رماحها أبداً، ولكن كان موجوداً على الأرض.

الآن هو القوّة الرئيسية التي تحاول أن تفسد المُخطّط الذي يريد زجّ الجنوب في حربٍ لا نهاية لها، دوّامة من الصراعات، والتفكّكات داخل الجنوب.

هذه القوّة هي التي يعوّل عليها.

وفا سرايا: هل هذه الحركة الثوريّة قادرة على مواجهة الأطماع السعوديّة الإماراتيّة؟

وما هو دور الرئيس عبد ربه منصور هادي تحديداً وبخاصة عما يقال إنّ قوات وعناصر موالية للرئيس هادي هي التي تحارب القوات الإماراتية، أو الموالية للإمارات؟

عبد الله سلّام الحكيمي: لا، في الحقيقة بالنسبة لعبد ربه منصور هادي، ليس له قوّة على الأرض تسنده، إنّما هو يعتمد أو يقاتل أو يحارب أو يؤكّد وجوده بالاعتماد على قوّة التجمّع اليمني للإصلاح أو الإخوان المسلمين عموماً، والقوّة التي تتحالف مع الإخوان المسلمين أو التجمّع اليمني للإصلاح.

ولهذا كان التوجّه لضرب التجمّع الوطني للإصلاح بما يمثّل من قوّة عسكريّة وشعبيّة وميلشياوية إلى آخره هو الطريق لإزاحة  هذه الشرعيّة لأنّه لا يُراد لها أن تستمر.

عبد ربه منصور هادي يتعرّض للصفع من جندي من جنود الإمارات داخل عدن، ولا يستطيع أي مسؤول كبير أو صغير من مقرّه إلى المطار إلا بإذن من الحاكم الإماراتي، أو من ينوب عنه في الحراسة.

هذه الحقيقة تدلّ على أنّ الأمور تتّجه  إلى ضرب وإزاحة القوى التي تستطيع أن تضبط إيقاعات الأحداث في ما يُراد تنفيذه في الجنوب، وهو الإصلاح. وإذا ما ضُرِب الإصلاح الذي يستطيع مواجهة هذه المؤامرات، لكن عليه أن يُعيد النظر في منظومة تحالفاته، وفي علاقاته مع القوى السياسية. يجب أن يغيّر، ويتدارك الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي وقع فيه حينما ذهب يقاتل مع تحالف العدوان الأجنبي ضد بلده، ويتحالف مع القوى الوطنيّة التي تواجه العدوان في الشمال. من دون ذلك سوف يُضرب في مأرب، وسوف يُضرب في الجنوب، ثمّ تعمّ الفوضى في الجنوب.

وفا سرايا: لكن أستاذ عبد الله، هل يمكن أن نغفل الأزمة الخليجية وتأثيرها بطبيعة الحال على تأجيج مثل هذا الصراع  في الجنوب؟ وكذلك بدعم الرئيس عبد ربه منصور هادي المتواجد في الرياض عاصمة السعودية؟

عبد الله سلّام الحكيمي: لا طبعاً، في الحقيقة أنّه بالنسبة لعبد ربه منصور هادي، ولي تحفّظ في مسألة ادّعاء الشرعيّة في ما يخصّ هادي، وفقاً للمرجعيات الثلاث نفسها ليس له شرعية. وهي نفس المرجعيات الثلاث التي يقول إنّها يجب أن تكون مرجعيات حل. هذا موضوع آخر إذا أردتم أن نتحدّث عنه.

ولهذا طرحنا ذات يوم إنّنا يمكن أن  ننهي هذا الجدل عن الشرعية أو عدم الشرعية، بأن نتّجه إلى شكل من أشكال التحكيم القانوني الدولي، ليقول لنا هل لا يزال شرعياً؟ ومدته انتهت وفقاً للمبادرة الخليجية 23 فبراير 2014، ومنذ ذلك الحين لم يعد هناك شرعية.

لنفترض أنّ عبد ربه منصور شرعي 100% ، لنفترض أنّه منتخب وهو ليس منتخباً، إنّما استفتي عليه بخلاف أحكام الدستور. لنفترض أنّه حاز على كامل صفات الشرعية، فليس من حقّه كشخص أن يستدعي عدواناً خارجياً، وأن يتّخذ القرار كيف يشاء، أن يقيل حكومات. لأنّ فترته الانتقالية كانت قائمة على مبدأ التوافق الوطني وليس الانفرادي. فالرجل انفرد بكلّ شيء، قرّر كلّ شيء، وصار فوق السلطات، فوق القانون، فوق الزمن، فوق المكان، فوق كلّ شيء.

هذا في الحقيقة، عبد ربه منصور لم يعد له من بقاء إلا بما يخدم أجندة العدوان في التمسّح به كواجهة لما يسمّى شرعية لكي  يبرّر لتحالف قوى العدوان عدوانه على اليمن، واحتلاله لليمن ليس أكثر من ذلك. وحينما يجد تحالف صيغة ما، لتسوية سياسية ما، في القريب أو البعيد سوف يتخلّص منه، ومن المجاميع التابعة له. ولكن ليس له قوّة إلا من خلال إمساكه بقوّة التجمّع اليمني للإصلاح، والقوى الإرهابية التي تقاتل معه.

وفا سرايا: يعني سيكون خارج أي إطار لحلّ سياسي مُرتَقب، سيكون خارج هذا الإطار عبد ربه منصور؟ أم أنّه سوف يحتفظ بدورٍ ما، وتحفظ له السعودية ذلك؟

عبد الله سلّام الحكيمي: لا يقيناً، هو لن يكون ضمن الحل. ورقته السياسية طويت، لم تعد هناك أية إمكانية في أن يستمرّ في الصورة السياسية القادمة لليمن، لأنّ الولايات المتّحدة راضية عنه، لأنّه أربك لها خططها، وترتيبات كانت تعدّها منذ زمن، وبخاصّة في ما يتعلّق بالخيار الثالث الذي ضربته الغارة الجوية في صالة العزاء الكبرى في صنعاء. وهو الخيار الذي كان معتمداً على شخصيات وطنيّة بارزة. كانت الولايات المتّحدة تخطط أن يكون هذا الخيار الثالث، وهو الذي يتوّلى إدارة الأمور كحلّ وسط، ويجمع الأطراف، ويجمّع الأسلحة، ويسلّم إليه كلّ شيء.

السعودية لا تريد أيّ حل لا يأتي بأوامرها، من خلالها، بها ولها، لهذا ضربت صالة العزاء، وهي تعلم من هم في الصالة، وهو عزاء مُعلَن.

فلهذا فهي كانت تضرب الخيار الأميركي الذي أراد أن يبلور صيغة حل عن طريق الخيار الثالث.

 أيضاً أربك عبد ربه منصور المخطّط الأميركي الذي كان معتمداً على حكومة خالد بحّاح، حين أقالها فجأة، وهو مستند إلى شيء من الشرعية التي منحها له، وهو اتفاق السلم والشراكة في حقيقة الأمر. ولهذا لا الولايات المتّحدة راضية على عبد ربه، ولا الشعب راضٍ عن عبد ربه، ولا السعودية تريده، ولا الإمارات ترغب به. وهكذا بمجرّد وجوده اعتبروا أنّهم سيعلّقون شمّاعة من خلاله.

وفا سرايا: بما أنّنا نتحدّث عن المسار السياسي مع أنّي كنت سأتحدّث بجملة قصيرة، وأريد التعليق عليها بجملة قصيرة أستاذ عبد الله. يمكن أن نفهم الانهيار الاقتصادي في صنعاء والشمال المُحاصَر، لكن كيف نفسّر هذا الانهيار الاقتصادي في الجنوب بحراً وبراً؟ هذه السياسة المعتمدة، ما الهدف منها من قِبَل السعودية والإمارات؟

قبل أن أنتقل إلى فشل المفاوضات، مَن المُسبّب؟ ولماذا أفشلت، وبشكل رئيسي جنيف 3 أخيراً؟

عبد الله سلّام الحكيمي:  الحقيقة ليس غريباً أنّ التحالف العدواني حتى لم يستطع أن يقيم نموذجه الذي يدّعي أنه جاء إلى ترسيخه، أو تطبيقه.

كان المؤمّل أنّه من المفترضات الأولية والمنطقية، هو أنّ التحالف العدواني احتلّ أرض الجنوب كلّها، احتلّ كثيراً، احتلّ حوالى ثلثي مساحة البلد إذا سلّمنا ذلك نظرياً، مجازاً نقول أنّه احتلّ. لأنّه هو موجود في تجمّعات معزولة، ومُحصّنة ومُسيّجة لا يستطيع أحد الاقتراب منها، وهذا هو وجوده العسكري.

فمن الناحية النظرية نقول أنّه مسيطر، ولكنه كان عليه إذا كان ذكياً، لو لم يكن هدفه التدمير، وشطب الكيان الوطني، وتدمير الدولة الوطنيّة اليمنيّة، وتقسيم البلد إلى ست دويلات في دولة غائبة، لكان أقام نموذجاً مشرقاً يجذب إليه أفئدة الناس في الشمال، الكتلة البشرية الهائلة الأكبر التي تشكّل أربعة أخماس السكّان في اليمن. لكنّه عمل في الجنوب، وحاصر، وأوقف المرتّبات. لم تتحسّن أحوال الخدمات الأساسيّة، الكهرباء والماء إلى آخره، عاش الناس في جوع.

وفا سرايا: انهيار العملة

عبد الله سلّام الحكيمي: انهيار العملة، وضرب الاقتصاد، كلّ الدولة الوطنيّة انتهت تقريباً.

نحن الآن نتجاوز حين نقول أنّ دولة تقاوم العدوان، هناك حركة تحرّر وطني من الجيش واللجان الشعبيّة، وأنصار الله، والمؤتمر الشعبي العام، والوطنيين الأحرار الذين يخوضون المواجهة ضدّ هذا الاحتلال الباغي المُعتدي الذي يحتلّ أرضنا.

وفا سرايا: طيب ما مستقبل هذه الاحتجاجات؟ لأنّنا نتحدّث عن اتّساعٍ لدائرة الاحتجاجات في الجنوب. البعض يقول تعز التي كانت تهتف باسم ملك السعوديّة الملك سلمان، تخرج التظاهرات في كلّ يوم لأيام متتالية، وتصف التدخّل السعودي الإماراتي بشكلٍ صريح بالمحتل وبالعدوان. على ماذا يشير ذلك؟

عبد الله سلّام الحكيمي: نعم صحيح، هو يشير إلى أنّه في العام الرابع، أو خلال الفترة الماضية منذ بدء العدوان أدرك اليمنيون أنّهم وقعوا في فخّ نُصِبَ لهم، ولم يتبيّنوا أبعاده إلّا بعد فترة من الزمن، هذا جانب. الجانب الثاني أنّه فيما يجري في الجنوب، الاستحكامات العسكريّة في سقطرة وفي المهرة، وفي حضرموت. صحيح أنّ الهدف منها ضرب التجمّع الوطني للإصلاح، لكن في المهرة لا يوجد تجمّع وطني للإصلاح، وفي حضرموت ضعيف، وفي سقطرى غير موجود.

ولهذا، لا بدّ من الأخذ بالاعتبار أنّ شيئاً من هذا الذي يجري موجّه في المستقبل القريب ضدّ سلطنة عُمان التي يُراد لها شيء مخفيّ يكون منطلقاً لإيجاد البلبلة والفوضى والقلاقل في سلطنة عُمان. ربّما هذا يكون أحد الأسباب لما يجري.

في اعتقادي أنّ اليمنيين سواء في تعز

وفا سرايا: وهذه النقطة التي أشرت إليها، أنّ الجنوب اليمني يراد أن يكون منطلقاً لأي مخطط ضد سلطنة عمان هكذا أفهم من كلامك قبل أن نذهب إلى مقال سريع أستاذ عبد الله لو سمحت.

عبد الله سلّام الحكيمي: أي نعم سيّدتي، وهذا مؤكّد، هذا واضح جداً  أنّه لا أفهم ماذا يُراد من استحكامات عسكرية أو من وجود قوات عسكرية إماراتية سعودية، ومنظمات الإجرام العالمي التي تدعمهم في سقطرى، وهي منطقة منعزلة لم تحصل فيها أية فوضى، أية فتن، أية اضطرابات في السابق طوال التاريخ في سقطرى وفي المهرة، وفي حضرموت حتّى.

إن لم يكن الهدف هو عُمان على المدى البعيد. هل يريدون أن ينقلوا الاضطرابات إلى سلطنة عُمان ؟ ربّما. لكن هل ينجحون؟ هذه مسألة طبعاً تتعلّق بالحراك الثوري الجنوبي الذي يقود المواجهات اليوم، ومدى التحامه مع القوى الوطنية التي تواجه العدوان ، لأنّ هناك هدفاً مشتركاً في الحقيقة.

وفا سرايا: بما أإّنا نتحدّث عن هذه المدن اليمنية الجنوبية المهرة، وسقطرى، وحضرموت سوف نتابع هذا التقرير " المهرة دائرة المخطّط السعودي الإماراتي في اليمن" في صحيفة الرأي اليوم الإلكترونية.

رأي اليوم.. المهرة دائرة المخطّط السعودي الإماراتي في اليمن.

برز إلى السطح أخيراً صوت يعلو من محافظة المهرة اليمنيّة التي كانت حتّى فترةٍ ليست ببعيدة خارج دائرة الصراع الحالي في البلاد منذ إطلاق عاصفة الحزم على اليمن في الخامس والعشرين من مارس/ آذار ألفين وخمسة عشر. وعلى الرغم من ثرواتها التي تشكّل مطمعاً طبيعياً لكلّ من الدول (المعتدية على اليمن) . ومن أنّ كلّ دولة تريد السيطرة عليها، كانت المهرة المطمع لدول التحالف منذ انطلاق العاصفة، لكنّ السعودية والإمارات بدأتا طرق أبواب محافظة المهرة، ووضعتا علامات إسمنتية تمهيداً للشروع في بناء أنبوب نفطي ادّعتا من خلاله أنّهما تجريان مسحاً ميدانياً لإعمار اليمن وتنميته، لكنّهما في حقيقة الأمر لا تبحثان سوى عن موطئ قدم جديد لهما في المنطقة.

الضغوط التي يتعرّض لها التحالف دفعت به إلى أن يبحث عن ساحةٍ جديدة في اليمن لتحقيق انتصارٍ بسيط على الأقلّ، لكن كل تلك المحاولات جوبهت برفض شعبي وقبلي. وكان لافتاً مشهد موكب العميد علي سالم الحريزي أثناء وصوله إلى الغيضة من الشحر، والحشد الكبير من مختلف قبائل المهرة الذي كان باستقباله بعدما أرادت قيادة التحالف اعتقاله على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها المحافظة رفضاً للاستحداثات العسكرية والمنشآت التي تقوم بها. السعودية اليوم تعيش أزمة حقيقية، وقد لا تستسلم لكن ستغرق نفسها في المستنقع الذي وضعت نفسها فيه قريباً.

 

وفا سرايا: أستاذ عبد الله لم يتبقَ لنا سوى دقيقة واحدة، ونحن نتحدّث أنّه لا يمكن فصل الأزمة، والحرب اليمنيّة عن المطامع الغربيّة، وتصفية القضية الفلسطينيّة، وحتى عن الأزمة السوريّة.

إلى أي مدى توافق بأنّه يتمّ وفقاً لهذه المصالح الإقليمية والدولية ربط الحل السياسي في سوريا بالحل السياسي في اليمن والعكس صحيح ؟

عبد الله سلّام الحكيمي: ربّما لا أستبعد ذلك لأن الموقف الصيني وروسيا الاتحادية على سبيل المثال ممّا يجري في اليمن يدل على أنّ هناك شيئاً ما من هذه المقايضة التي تتم في سوريا، وبين سوريا واليمن على أساس أنّ اليمن تبقى للنفوذ الأميركي، وسوريا تبقى في فلك روسيا الاتحادية.

لكن أعتقد بأنّ الأمر أصبح صعباً الآن، لأنّنا نحن أمام ثورة شعبية موجودة في اليمن تتبلور الآن، وتبدأ تتصاعد وتتّسع، وأيضاً القدرات العسكرية لحركة التحرّر الوطني التي تقود حرب مواجهة مع هذا الاحتلال الأجنبي تتنامى وتتّسع، وأسلحتها تتطوّر، وانتصاراتها أيضاً، وتحارب وهذا شيء عجيب ، كيف تحارب في أكثر من جبهة، أكثر من 10 أو 15 جبهة في آنٍ واحد. هذا يدلّ على قدرات، وقوّة موجودة في الميدان.

ولهذا أعتقد أنّه ولو تم، وأشك أنّ هناك نوعاً من المُقايضة. يقيناً لن تنجح.

وفا سرايا: شكراً جزيلاً لك.

وصلت الفكرة أستاذ عبد الله سلّام الحكيمي الوزير المفوّض في الديوان العام لوزارة الخارجية اليمنية أشكرك جزيل الشكر على هذه الحلقة من حوار الساعة.

والشكر الأكبرلكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة.

في أمان الله.