حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

زهير حمدي - الأمين العام لحزب التيار الشعبي التونسي

 

وفا سرايا: هي مجموعةٌ من التقلّبات السياسية ترسم المشهد التونسيّ، فبينما يترقب الشارع تبعات قرار النيابة العامة فتح تحقيقٍ بشأن معلوماتٍ ووثائق تتحدّث عن جهازٍ سرّيٍ لحركة النهضة متورّطٍ في الاغتيالات السياسية، أتت الردود النهضوية لتضع هذه الاتهامات في سياق التوظيفات السياسية والادّعاءات الموجّهة ضدّ الحركة وضدّ الدولة.

إذاً يحتدم الجدل السياسي حول مصير حكومة الشاهِد، ولا سيما بعد تجميد عضويته في حزبه أخيراً، ما جعل الكلّ يتساءل عن طبيعة وحقيقة هذه الأزمة التي تعيشها البلاد. هل هي أزمة سياسية أم حكومية أم أزمة مرتبطة بمنظومة الحكم ككل؟ في المقابل، هل تحوّل التوافق بين النهضة والشاهد إلى شراكة؟ وما هي الآفاق المستقبلية لهذه الشراكة؟

على صعيدٍ آخر، ومع إعلان الرئيس السبسي فكّ التوافق مع حركة النهضة ورئيسها، وبالنظر إلى التوازنات السياسية والبرلمانية، وما قيل عن حال نزوح كثيفة من جناح السبسي إلى جناح الشاهد في حزب نداء تونس، تُطرَح تساؤلات حول هوامش المناورة أمام سياسي مخضرم كالسبسي وعلى بعد سنة من الانتخابات التشريعية والرئاسية.

هي ضبابية سياسية تنعكس على الاقتصاد التونسي وتعمّق جراحه لتقف السلطات بشكل متردّد ومتأرجح بين الوفاء بوعود تجاه الجهات الخارجية وتنفيذ الإصلاحات الكبرى لصندوق النقد الدولي، وبين مطالب الشّعب التونسي في ظلّ انهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

عن مواقف القوى اليسارية والتيار الشعبي مما يجري من أزماتٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ في تونس، نسأل اليوم ضيفنا في حوار الساعة الأمين العام لحزب التيار الشعبي زهير حمدي.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير مشاهدينا الكرام، وصباح الخير أستاذ زهير، وأهلاً وسهلاً بك على شاشة الميادين في حوار الساعة.

سابدأ من الحدث الأبرز على الساحة التونسيّة، الحديث عن هذا الجهاز السرّي لحركة النهضة المتورّط في الاغتيالات السياسية.

الكل يتساءل، لماذا بهذا التوقيت تحديداً، بعد مرور خمس سنوات على اغتيال الشهيدين البراهمي وبلعيد، يتم الكشف عن هذا الجهاز، في ظل ما تقول النهضة بأنه نوع من التوظيف السياسي أو ادّعاءات كاذبة؟

 

زهير حمدي: شكراً على هذه الاستضافة، نحن في التيار الشعبي ومع رفاقنا في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد بالاشتراك مع هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، أقمنا ندوة صحافية خلال الأسبوع الماضي أمطنا اللثام خلالها على مسألة لطالما أرّقت التونسيين، وتقف خلف كثيرٍ من الأحداث التي وقعت خلال السنوات الماضية ولم تجد لها جواباً ولا طريقاً إلى الجواب.

بطبيعة الحال، الذي حدث خلال السنوات الماضية من اغتيالات ومن غموض ومن ريبة في كثير من القضايا أو حتى في مسائل اقليمية ودولية في علاقة تسفير الشباب إلى بؤر التوتر، وما له علاقة أيضاً بالاغتيالات السياسية وما له علاقة أيضاً بملف الإرهاب، الجواب كان في كم هائل من الوثائق التي تم استعراضها تباعاً خلال هذه الندوة الصحافية. للسائل أن يسأل وهو ما تروّجه حركة النهضة أن لماذا هذا الملف يطرح اليوم؟ نحن نقول إن هذا الملف كان محل دراسة ومتابعة من قِبَل المحامين على مدى أشهر وسنوات، وهذا الملف لم تأتِ به هيئة الدفاع ولم نأتِ به نحن من جهة مجهولة أو هذه الوثائق مجهولة المصدر، هي وثائق كانت تحت إمرة القضاء وكانت تحت سلطة القضاء ولكن لم يتم استخدامها بالشكل المطلوب ولم يتم توظيفها بالشكل المطلوب من السلطات القضائية والأمنية، هي وثائق تبيّن أن هناك جهازاً سرّياً يتبع لحركة النهضة، ولا تستطيع حركة النهضة أن تنفيه لأن الوثائق التي وردت في هذه الملفات هي وثائق ثابتة، ولا يمكن الطعن بها حتى بالتزوير، والآن في آخر شوط من أشواط هذه القضية، تمّ التعهد، وتمّ الاحتفاظ بهذه الملفات من قبل الوكالة العامة لمحكمة الاستئناف بالأمس، لأن الذي حصل أنه منذ سنة 2013 وهذه الوثائق موجودة أمام القضاء ولكن لم يتم استغلالها ولم يتم توظيفها ولم يتم استخدامها لإدانة كثير من الأطراف وخاصة حركة النهضة.

 

وفا سرايا: أفهم من هذا الكلام، عفواً أستاذ زهير، أنه كان هنالك تقصير أم تواطؤ من القضاء التونسي، إذا كانت هذه الوثائق منذ بداية عملية الاغتيال وبداية التحقيق إن كان بقضية الشهيد البراهمي أو بلعيد، حتى تكشفت الآن؟ إن كانت لديها هذه الوثائق لماذا الآن تم الكشف عنها؟

 

زهير حمدي: يجب الاعتراف بأن ليس هناك مؤسّسة من مؤسّسات الدولة تشتغل وتعمل بطريقة سلسة وبطريقة طبيعية وبطريقة عادية. نحن قلنا، وحتى هذه السلطات وهذه المؤسّسات، المهنيون فيها يعترفون ويقولون إننا نخضع إلى ضغوط كثيرة، ونخضع إلى تدخّلات بأشكال مختلفة، سواء الأجهزة الأمنية، سواء السلطة القضائية التي كثير من قضاتها النزهاء يعترفون بأن هناك اختراقاً كبيراً للقضاء وهناك محاولة هيمنة، ومحاولة جر القضاء إلى مربع بعض الأحزاب السياسية، وخاصة حركة النهضة خلال السنوات التي كانت فيها في الحكم بمفردها سنتي 2012، و2013، هذه السنوات شهدت وضع اليد على كثير من مؤسّسات الدولة وأعتقد أن هذا هو جوهر الإشكال، حينما يشتكي مواطن وحينما يتقاضى مواطن ويلتجئ والتجأنا نحن منذ سنة 2013 إلى مؤسّسات الدولة من أجل كشف الحقيقة وهذا يعني كل التونسيين ولا يعني فقط التيار الشعبي وحده، كشف الحقيقة هو مسار وطني يهمّ كل التونسيين، حينما يتم إنكار العدالة وحينما تتم مجابهتنا بالتسويف وبالمماطلة وبعدم كشف هذه الحقيقة، فبالتأكيد هناك أطراف ما تضغط على القضاء، هناك أطراف ما تضغط على الأمن، هناك أطراف ما تضغط على جميع مؤسّسات الدولة لكي لا تظهر الحقيقة، وإلا بماذا نفسّر أنه منذ سنة 2013.

 

وفا سرايا: إسمح لي أستاذ زهير، أيضاً في الوقت الحالي هنالك تخوّف من إدخال القضاء التونسي بهذه التجاذبات السياسية، تحديداً رئيس جمعية القضاة التونسيين أمس كان لديه كردّ على هذه الاتهامات بالتقصير، قال لا بدّ من فصل هذه التجاذبات السياسية عن مسار التحقيق القضائي.

 

زهير حمدي: هذا هو موقفنا بالضبط، ونحن من دُعاة هذا الموقف، نحن من دُعاة إبعاد القضاء وإبعاد مؤسّسات الدولة عن كل التجاذبات السياسية، عن كل الأحزاب، وجعل هذه المؤسّسات وهذه السلطات تعمل باستقلالية تامة وهذا ما ندعو إليه، ولكن من الذي جرّ السلطة القضائية ومن الذي جرّ المؤسّسة الأمنية وحتى أحياناً المؤسّسة العسكرية إلى هذه التجاذبات وهذه الضغوطات؟ أعتقد أن الذي كان في الحكم، وأساساً حركة النهضة هي المسؤولة عمّا وصل إليه القضاء، لأنه لو كان القضاء يعمل بأريحيّة، ولا يتمّ التدخّل في شؤونه وكذلك الأجهزة الأمنية، لو لم يكن هناك هذا الضغط بشكل أو بآخر، فإن هذه القضية وهذه الملفات هي موجودة أمام القضاء منذ سنة 2013، من شهر 12 2013 هذه الملفات موجودة، بعد خمس أو ست سنوات يتم إحاطة الرأي العام بهذه الملفات  من طرف من؟ من طرف هيئة الدفاع ومن طرفنا نحن كمتضرّرين، ونحن من هنا نقول إننا لسنا متضرّرين كأشخاص، صحيح إننا فقدنا قيادات وزعماء وطنيين تم اغتيالهم غيلة عام 2013 ولكننا أيضاً نحن ندافع عن تونس وهذا هو الأساس، حينما نتوجّه إلى الرأي العام الوطني وحينما نتوجّه إلى الرأي العام بشكل عام والأحزاب السياسية الوطنية وإلى المنظّمات وإلى النخب التونسية، نقول لهم هذه القضية ليست قضية التيار الشعبي ولا قضية الوطنيين الديمقراطيين ولا الجبهة الشعبية ولا قضية أسر الشهداء، برأيي هي قضية الشعب التونسي بأكمله، لأنّ كشف الحقيقة هو الذي سوف يرسي حياة سياسية سليمة، وهو الذي سوف يرسي وضعاً سياسياً أفضل ووضعاً أمنياً وهو الذي سيرسي مناخاً من الثقة، أما إذا استمر هذا العبث بكشف الحقائق والتستّر على القتلة وعدم تحميل المسؤولية للأطراف السياسية التي كانت تقف وراءهم أعتقد أن هذا الأمر سوف يستمر بأشكال مختلفة، وأن هذا الصراع سوف يستمر، ولا يتصوّر أيّ عاقل أن يتم السكوت على عدم كشف هذه الملفات وهذه الحقائق ومحاسبة كل الذين أجرموا وأخطأوا.

 

وفا سرايا: ماذا عن تبعات إذا ما ذهب القضاء إلى تأكيد أن هذه الوثائق، وجود هذا الجهاز السرّي التابع للنهضة التي رفضت جملة وتفصيلاً كل هذه الوثائق وكل هذه الاتهامات للنهضة، تحديداً أيضاً عضو مجلس الشورى بحركة النهضة الأستاذ زبير الشهودي يقول إن قضية اغتيال بلعيد تم البتّ فيها قضائياً وأصدرت المحكمة قرارها النهائي.

ما هي التبعات إذا ما أقرّ بالفعل في القضاء أنه كان هنالك هذا الجهاز السرّي التابع لحركة النهضة ومن نفّذ هذه الاغتيالات السياسية؟

 

زهير حمدي: أعتقد أنه ليس من حق أيّ كان أن يزيّف الحقائق، والحال أن كل المُعطيات تفيد أن قضية شكري بلعيد وقضية محمّد البراهمي لا زالت منشورة في القضاء ولم يتم اتخاذ قرارات نهائية حتى في بعض الأعمال التحقيقية وحتى خلال الجلسات الحكمية، فإنه لم تتقدّم أيّ من القضيتين ولم يصدر أيّ قرار في أيّ موضوع من الموضوعات، وأعتقد أن هذا الملف هو حقيقة يكشف أنّ هناك جهازاً سرّياً يتبع لهذه الحركة، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن يتمّ الطعن في هذه الوثائق، سواء بالتزوير أو بالتزييف، وإذا كانت لديهم إمكانية أو حجّة لإقامة الدليل على أنّ هذه الوثائق لا تتبعهم ولا تعنيهم، فليتفضلوا بذلك أمام القضاء. ولكن أعتقد أن هذا التشنّج الذي دخلت فيه حركة النهضة وهذا النوع من الابتزاز وحتى هذا النوع من الترهيب ومن الهرزلة لمناضلي الحزبين، التيار الشعبي والوطنيين الديمقراطيين، وكل الأساليب التي تمارس اليوم ضدّنا، أعتقد أنها تدلّ على حال الهيستيريا التي وصلوا إليها، تدلّ أي ضاً على أن هذه حقائق لا يمكن بأية حال من الأحوال القفز عليها أو التغاضي عنها، هذه الحقائق لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يتم إنكارها، وسوف يثبت القضاء أن هذه حقائق فعلاً سوف تغيّر مجرى الحياة السياسية وسوف تغيّر مجرى.

 

وفا سرايا: كيف ستغيّر المشهد السياسي في تونس تحديداً، ونحن مقبلون بعد سنة على انتخابات رئاسية وتشريعية؟ وكيف ستنعكس على الأحزاب الأخرى وخصوصاً على القوى اليسارية أستاذ زهير؟

 

زهير حمدي: نحن نعتقد أن حركة النهضة الآن تسوّق وتروّج أنّ الجبهة الشعبية تستخدم هذه الوثائق وهذه المسألة للدعاية السياسية وللدعاية الانتخابية. نحن نعتقد إننا لسنا تجار دم، ونحن نعرف أن الذين تاجروا بالدم والذين هم مسؤولون عن الدماء التي أريقت في تونس هم حركة النهضة وليست الجبهة الشعبية. الجبهة الشعبية كانت على مدى السبع سنوات الماضية هي الضحية الرئيسية في كل ما حصل في تونس وكان الجلاّدون هم الذين يقولون اليوم إن الجبهة الشعبية تتاجر بدماء شهدائها.

أعتقد أن الشعب التونسي اليوم في لحظة مفصلية لأن الشعب التونسي قد كتب بدمائه دستوراً مدنياً، وأن المسار الثوري الذي انطلق سنة 2011 كان هدفه إقامة دولة وطنية ديمقراطية اجتماعية، وأن الشعب التونسي لن يسلّم ولن يقبل بأن يُحكَم من قبل حزب غير مدني، والحال أن كلّ ما توافق عليه الشعب التونسي وكلّ ما خطه الشعب التونسي خلال هذه السنوات وناضل الشعب التونسي من أجله جيلاً بعد جيل هو إقامة دولة مدنية وأن نُحكَم من قبل ناس يؤمنون بمفهوم الدولة المدنية.

أعتقد أن حركة النهضة ما زالت إلى هذه اللحظة لا تعترف بهذه المسائل، وأن التنازلات التي قُدّمت سنة 2013 لا تعدو أن تكون تكتيكاً سياسياً، مثلما تمارس الجماعات الإخوانية في المنطقة العربية بقضية التمكين وبأسلوب التمكين. نعتقد أن حركة النهضة اليوم هي في حال انحناء أمام العاصفة بعد الموجة التي أطاحت بكثير من الأنظمة الإخوانية في المنطقة العربية، وهي ما زالت متشبّثة بمفهوم دولة الخلافة، وما زالت متشبثة بالمشروع الإخواني.

نقول للشعب التونسي إن هذه الحركة ما زالت لم تقطع مع الدولة الدينية وما زالت لم تقطع مع مشروعه وهذا المشروع هو ضد رغبة الشعب التونسي.

 

وفا سرايا: أستاذ زهير، إسمح لي، بالمحور الثاني سنتحدّث بالتفصيل عن خيارات النهضة وخصوصاً ما سمّي بالشراكة الآن بين السيّد الشاهد والنهضة، ولكن بهذا الموضوع، لنبقى بقضية الوثائق، بسؤال أخير، دعوتم أنتم الإئتلاف الحاكم والحكومة ومنظومة الحكم بأكملها بعدم استخدام هذا الملف سياسياً، وقد تتّجهون في التيار الشعبي إلى تدويل القضية.

إلى أيّ مدى يمكن اتخاذ هذا الخيار؟ ولماذا تلجأون إلى تدويل قضية التحقيقات وهذه الوثائق تحويلها إلى القضاء الدولي؟

 

زهير حمدي: نحن أخذنا قراراً على أنفسنا منذ لحظة اغتيال الشهيدين، وثبّتنا هذا القرار وهذا الموقف بعد ظهور هذه الحقائق وهذه الوثائق، وقلنا بالصوت العالي إننا لن نقبل بأيّ شكلٍ من الأشكال أيّ حلّ خارج نطاق الحقيقة كاملة ولا شيء غير الحقيقة. نحن نريد الحقيقة كاملة، حقيقة الاغتيالات، حقيقة الإرهاب، حقيقة شبكات التسفير، حقيقة كلّ ما حدث في تونس، وهذا لن يتم إلا بتوافر جملة من الشروط.

ونحن نقول إن جميع الخيارات بالنسبة لنا تبقى مفتوحة بما في ذلك حتى القضاء الدولي، ونحن ندرس هذا الخيار وهذه الإمكانية. إذا فشلنا في أن ينصفنا قضاؤنا الوطني وإذا فشلنا في أن تنصفنا مؤسّسات الدولة، فنحن سوف نرفع هذا الموضوع وسوف نأخذ كل أشكال التقاضي الأخرى بما فيها القضاء الدولي.

واسمحي لي في نهاية هذه المسألة وهذه النقطة بالذات أن أتوجّه بثلاث رسائل. رسالة أولى إلى الشعب التونسي في هذا الموضوع. أقول إن القضية لم تعد قضية الشهداء، الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، وهي قضية كل التونسيين الذين تأذّوا وكل التونسيين الذين أريقت دماؤهم خلال السنوات الماضية، وأن هذه القضية هي قضية الشباب الذي غرّر به وأرسل إلى جبهات القتال في دول غير دولته وفي مشروع غير مشروعه وكذلك هي كل الاغتيالات السياسية وكل العمليات الإرهابية وكل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي حصل في تونس، لذلك فإن تفكيك هذا الموضوع وتفكيك هذا الملف هو من أوكد القضايا الوطنية.

ثاني رسالة أودّ أن أوجّهها إلى قواعد حركة النهضة. أقول لهم إن هذا المشروع وإن هذا الصراع الذي تقوده حركتكم تجاه أبناء شعب تونس وليس تجاه الجبهة الشعبية هو صراع لا يعنيكم، إنكم استخدمتم في السابق في المحارق التي أوصلت حركة النهضة إلى السلطة، وأن السياسات الرعناء التي تتبعها قيادتكم هي التي أدّت بكم إلى سنوات التيه والتشتّت وسنوات الظلم والقهر التي عشتموها خلال السنوات الماضية، فإن حركتكم اليوم هي في موقع العدوان على الشعب التونسي، وهي في موقع العدوان على الأمّة العربية في كثير من الساحات العربية.

المسألة الثالثة، أتوجّه إلى قيادة حركة النهضة، وأقول لهم أن يعودوا إلى شعبهم، وأن يعودوا إلى مقتضيات وطنهم، وأن يعودوا إلى مصلحة هذا الشعب الذي عانى كثيراً، وأن يعودوا إلى مصالح الأمّة التي يدافعون عنها، أقول لقيادة حركة النهضة إن هذا المشروع غير مشروع الشعب التونسي، هذا المشروع ليس مشروعنا وأن الذي قمتم به خلال السنوات الماضية هو عدوان على الشعب التونسي وعدوان على الأمّة العربية، وأقول لهم إننا لسنا استئصاليين كما تروّجون وأن الاستئصال الذي مورِس مورِس من طرفكم أنتم، ولم يثبت لديكم ولا لدى العالم أننا ضالعون في أية نقطة دم من دماء أبناء الشعب التونسي. وأذكّرهم أيضاً وأذكّر الرأي العام وهذه أول مرة وربما تسمع في هذه المناسبة، أقول إن حركة النهضة قد التقى بها الشهيد محمّد البراهمي وكانت هناك حوارات بين حركة النهضة وبين التيار القومي في الوطن العربي قبل الثورة وبعد الثورة على أمل أن هذا التيار قد تغيّر وأننا نحتاج إلى تعبئة شاملة، تعبئة كل مكوّنات هذه الأمّة من أجل مواجهة الخطر الصهيوني والأميركي ولكن للأسف الشديد هم الذين غدروا بهذا المسار وهم الذين نكثوا هذه الوعود وهم الذين تراجعوا وهم الذين تمترسوا خلف العدو الصهيوني وخلف الولايات المتحدة الأميركية والرجعية العربية بمجرد أن.

 

وفا سرايا: ولكن هذه اتهامات خطيرة أستاذ زهير، هل تتّهم النهضة بانسياق لهكذا مشروع نتّهم فيه أيضاً العدو الإسرائيلي؟ هذا يعبّر عن موقفكم أو لتوضّح لي هذه الفكرة لو سمحت؟

 

زهير حمدي: نحن على يقين بأن المشروع الإخواني في المنطقة هو موضوعياً متحالف مع المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة. بماذا تفسّر ما الذي فعله مرسي خلال سنة واحدة من حكمه، من تفريطه في مقدّرات شعب مصر ومن تفريطه في حقوق الشعب الفلسطيني ومن تفاهماته مع الكيان الصهيوني؟

 

وفا سرايا: ولكن ألم يكن نهج النهضة مختلفاً عن نهج الإخوان المسلمين، تحديداً التجربة المصرية أستاذ زهير، أم أنكم تقاربون من المسألة السورية، كيف تم التعامل من قبل النهضة تحديداً مع ما جرى بالأزمة منذ عام 2011 بأنها مشابهة؟

 

زهير حمدي: هذا ما سآتي إليه، لعلمك أنّ السياسة المحلية والسياسة الدولية من طرف جماعات الإخوان المسلمين على امتداد هذه الساحات العربية هي سياسة واحدة تخضع إلى استراتيجيّة التنظيم العالمي، مركزية القيادة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ولكن هناك تكتيكات مختلفة حسب الساحات، الساحة التونسية ربما كانت تبدي شكلاً من أشكال المرونة في التعاطي السياسي المحلي، ولكن في القضايا القومية والقضايا الدولية أعتقد أنّ الإخوان في تونس لم يكن هناك فرق بينهم وبين الجماعات الأخرى سواء في سوريا، أو في مصر، هم الذين جنّدوا بالوثائق، وهذه الوثائق هي أمامنا منشورة، ونشرناها وموجودة على صفحات الإنترنت، هم الذين جنّدوا الشباب للذهاب إلى سوريا، وهم الذين فتحوا المطارات، هم الذين جعلوا من سياسة التسفير لإسقاط النظام السوري سياسة دولة وسياسة رسمية، هم الذين استجلبوا الجماعات التي تدرّبهم هنا والتي تدرّبهم على كثير من العمليات الإرهابية وغيرها، هم الذين تواصلوا مع النظام المصري وبنوا جسوراً من تسفير الشباب بين ليبيا وتركيا وسوريا، هم الذين طردوا السفير السوري، هم الذين احتضنوا مؤتمر أصدقاء سوريا. هم إذاً متواطئون مع الكيان الصهيوني، مع الولايات المتحدة الأميركية، مع الرجعية العربية أساساً، الخليجيين، في إسقاط الدولة الوطنية السورية، وهم الذين أيضاً أسقطوا الدولة الوطنية الليبية خلال سنة 2011 وهم الذين تواطأوا مع قطر وتركيا كذلك وأسقطوا الدولة الليبية ومن يحكم الدولة الليبية هي ميليشيات اليوم قريبة جداً منهم منها فجر ليبيا وغيرها بتواطؤ مع أنظمة الخليج ومع تركيا. لمصلحة من هذا، إسقاط الجيوش العربية، إسقاط الدول الوطنية العربية وتفكيك بنى المجتمعات العربية والاغتيالات السياسية لقيادات قومية وقيادات ناصرية ووطنية ديمقراطية تقدمية، لمصلحة من هذا المشروع؟ هذا هو مشروع الكيان الصهيوني ينفَّذ موضوعياً من طرف هؤلاء سواء كانوا مرتبطين بشكل عضوي مع الصهيونية ومع الولايات المتحدة الأميركية والمشروع الإمبريالي الأميركي في المنطقة، أو كانوا حلفاء.

أنا أعتقد أن هناك تنسيقاً ما وأن هذا القرار اتُخِذ من قبل الولايات المتحدة الأميركية سنة 2008 في عهد أوباما بأن يكون هناك رهان على الإسلام السياسي وأساساً على الإخوان المسلمين في المنطقة وهذا ما حصل ولكن وقعت استدارة من طرف الولايات المتحدة الأميركية وتراجعوا.

 

وفا سرايا: ولكن الواقع الآن أستاذ زهير ونحن نتحدّث عن المرحلة السابقة التي كانت تحكم فيها الترويكا وكلنا نشهد حتى عام 2013، سنتحدّث بالتفصيل الآن كيف تُدار السياسة الخارجية التونسية، وأيضاً لا بدّ من التطرّق إلى هذه الضبابية في المشهد السياسي التونسي الذي ينعكس على أزمات اقتصادية هي كانت المُسبّب الأول أيضاً بظهور الإرهاب وتسفير الشباب التونسي إلى بؤر الإرهاب.

سوف نناقش كل هذه النقاط، ولكن إسمح لنا أن نتوقّف مع هذا الفاصل القصير، ونعود لمتابعة حلقة اليوم من حوار الساعة.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: أهلاً بكم من جديد إلى القسم الثاني من حوار الساعة التي نستضيف فيه اليوم الأمين العام لحزب التيار الشعبي في تونس الأستاذ زهير حمدي. ولكن قبل استئناف الحوار سنتوقّف مع الصحافة اليوم التونسية بهذا المقال، ميزانية الولاء للخارج.

 

الصحافة اليوم التونسية: ميزانية الولاء للخارج

كشفت طبيعة المؤشّرات الأولية المتعلّقة بمشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2019 عن منهجية حكومة الشاهد في إعداد هذين المشروعين، وهي منهجية تقليدية خاوية من كل إرادة لدفع التنمية وانتعاش الاقتصاد الوطني.

فقد اقتصرت تصريحات المسؤولين على الإعلان عن حجم كتلة الأجور ونسبتها في الناتج المحلي الإجمالي وحجم اعتمادات الدعم وحجم خدمة الدين، وكلها مؤشّرات مرتبطة بالتزام حكومة الشاهد تجاه صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.

والحال اليوم أن المقدرة الشرائية للمواطن في تدهور مستمر لاعتبارات عديدة منها انهيار قيمة الدينار والتعويل على التوريد عوض المنتوج الوطني وارتفاع التضخم وارتفاع نسبة الفائدة للبنك المركزي. كما التزم الشاهد بتجميد أجور الموظّفين للسنة الثالثة على التوالي والحال أن الأجور في تآكل مستمر.

وتندرج ميزانية الدولة لسنة 2019 في إطار الالتزام بتنفيذ برنامج الإصلاحات الكبرى لصندوق النقد الدولي وتطبيق مقتضيات اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمَّق مع الاتحاد الأوروبي، حيث تمّت المصادقة على جميع القوانين المرتبطة بذلك مثل قانون الاستثمار وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقانون المنافسة والقانون الأساسي للبنك المركزي.

كما أمّن الشاهد تسديد الديون الخارجية بتخصيص 22 في المئة من ميزانية 2019 لخدمة الدَّين، وذلك بمزيدٍ من الاقتراض من الخارج على حساب ميزانية التنمية التي لم يخصَّص لها سوى ستة مليارات دينار مقابل 40 مليار دينار هو حجم الميزانية.

 

وفا سرايا: أستاذ زهير، قبل أن نتحدّث عمّن يتحمّل المسؤولية تجاه هذه الأزمة السياسية، لا بدّ من الحديث عن وضع اقتصادي خانق تعيشه تونس، والآمال التي كانت لدى الشباب التونسي بعد الثورة على أرض الواقع لم يتحقّق منها شيء.

هل اليوم صحيح أن نحمّل السيّد الشاهد مسؤولية بأنه قد وفّى بوعوده للجهات الخارجية على حساب مطالب الشعب التونسي بهذا الانتعاش الاقتصادي؟ وهل هو قادر كان على تحقيق ذلك في ظلّ هذه الظروف؟

 

زهير حمدي: أعتقد أن المؤشّرات وحدها كافية للإجابة عن الوضع الاقتصادي المتدهور في تونس، ولكن يجب أن نكون واضحين في هذه المسألة، إنّ المسؤولية صحيح تتحمّلها الحكومة باعتبارها هي السلطة التنفيذية المنوط بعهدتها رسم السياسة الاقتصادية وتنفيذها، ولكن في نهاية المطاف هناك ائتلاف يحكم، هناك طرفان رئيسيان، هناك حركة النهضة ونداء تونس هم الأحزاب المشكّلة لهذه الحكومة، وسواء كان رئيس الحكومة بصفته هذه بعيداً عن نداء تونس، وسواء كانت حركة النهضة ونداء تونس، سواء كانوا الثلاثة مجتمعين، فإن عنوان الأزمة هو واحد، وبطبيعة الحال هذه الميزانية هي تعكس طبيعة الوضع الاقتصادي الذي وصل إلى مرحلة غير مسبوقة. المؤشّرات باعترافهم هم هي الأسوأ على الإطلاق منذ الثورة، منذ سنة 2010 على الأقل، سواء في ما يتعلّق بانهيار الدينار الذي بلغ أرقاماً خيالية، جعل معيشة الشعب التونسي وكل فئات الشعب التونسي من تجار وصناعيين ورجال أعمال وحتى مواطنين بسطاء، وكذلك العجز الكبير في الميزان التجاري، وكذلك التضخّم وغلاء الأسعار، وكل هذه المؤشّرات باعترافهم هم هي وصلت لأرقام مفزعة انعكست بشكل كبير على حياة الطبقات الوسطى والطبقات الفقيرة في تونس، وتدفع ثمن هذه السياسات.

هذا ماذا يعكس في نهاية المطاف؟ يعكس في نهاية المطاف أن الشعارات التي قام من أجلها شباب تونس في 2011 لم تعرف طريقها إلى التنفيذ، وأنّ الذي وُكّل لإدارة الشأن العام في تونس ليسوا من روح ورحم هذا المجتمع الذي يرغب في تحقيق الشعارات الرئيسية، وأهداف الثورة في العدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة والعادلة والشغل والكرامة الوطنية وغيرها. بالعكس، هم يعبّرون بشكل واضح وسافِر عن تموقعهم في موقع قوى الثورة المضادّة، وهو ما أثبتوه يوماً بعد يوم، اليوم في نسبة العجز.

 

وفا سرايا: هل نفهم أنّ كل الأطراف السياسية غرقت بأتون هذه السياسة أو هذا الصراع السياسي والمصالح بطبيعة الحال وتقاسم السلطة، وكان هنالك بالمقابل انهيار اقتصادي كبير، خصوصاً بعد الاستياء الواضح للتونسيين من المقابلة التلفزيونية الأخيرة للرئيس السبسي التي ركّز فيها فقط على الأزمة السياسية من دون أن يتطرّق إلى الحلول الاقتصادية لهذا الوضع المأساوي في تونس بالفعل؟

 

زهير حمدي: الذي يحكم يا سيّدتي هو منظومة، منظومة حكم كاملة، هذه المنظومة فيها أطراف سياسية صحيح، فيها حزبا حركة النهضة والنداء، ولعلمك أن الحزبين هما في توافق تام من حيث الرؤى والخيارات الاقتصادية، وهذا ما يفسّر الفشل الذريع الذي وصلنا إليه، أنّ

 

لا فرق بين نداء تونس وحركة النهضة في ما يتعلق بخياراتهم الاقتصادية التي لم تقطع بأيّ شكل من الأشكال مع التجارب التنموية السابقة والسياسات السابقة، وخاصة في ما يتعلق بمسألة التنمية ومدى استقلاليتها عن المؤسّسات المالية العالمية، وهي المشكلة الرئيسية كما ورد الآن في التقرير، وكذلك في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية في تونس بمعزل عن السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.

 

وفا سرايا: أستاذ زهير، لكن اليوم فُكّ هذا التوافق ما بين نداء تونس والنهضة. اليوم نتحدّث عما سُمّي بشراكة جديدة ما بين السيّد الشاهد والنهضة. عن أية شراكة نتحدّث؟ عن شراكة آنية وظرفية لاجتياز هذه الأزمة واستمرار الاستقرار كما تصفه حركة النهضة بالفترة الرئاسية وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة والتشريعية، أم نتحدّث عن تحالف أكبر سياسي قد يصمد لما بعد الانتخابات؟

 

زهير حمدي: الذي يحرّك جميع هذه الفئات وهذه الأطراف وهذه المكوّنات لا علاقة لها برؤى أو تصوّرات يمكن أن تخدم هنا وهناك الشعب التونسي. الذي يحرّك هؤلاء جميعاً والمحرّك الرئيس في التحالفات وفكّ التحالفات والارتباطات وفكّ الارتباطات وتشكيل هذه الكتل وحلّ هذه الكتل وهذا المشهد العَبثي السياسي الذي لا مثيل له في تاريخ الحياة السياسية في تونس، إنما يعكس في نهاية المطاف صراع هذه القوى وهذه اللوبيات من أجل التموقع ومن أجل المصالح.

لا أعتقد أن يوسف الشاهد أو غيره ولا حركة النهضة ولا نداء تونس تمتلك بديلاً أو برنامجاً يمكن أن يقترب من نداء تونس أو النهضة تقترب من الباجي قائد السبسي أو تقترب من يوسف الشاهد في ما يتعلق برؤيتها أو برنامجها الاقتصادي. فقط هو تقاسم مواقع وتقاسم غنائم، وبالنسبة لهم الحُكم والدولة لا تعدو أن تكون غنائم، بدليل أنهم متّفقون جميعاً في ما يتعلّق بالارتباطات والإذعان إلى إملاءات صندوق النقد الدولي والإذعان إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنهم يختلفون في التفاصيل الداخلية وفي المواقع في الداخل، ولا يناقشون، بل أعتقد أن سرّ الاقتراب بين حركة النهضة ويوسف الشاهد، المحرّك الرئيس فيه هو العنصر الخارجي، العنصر الخارجي سواء الاتحاد الأوروبي أو صندوق النقد الدولي، لأنهم اليوم تقريباً يتسابقون من أجل إثبات الولاء لصندوق النقد الدولي وللاتحاد الأوروبي، مَن هو الأكثر قدرة على ضمان مصالح هذه الأطراف المالية العالمية، ومَن هو الأكثر قدرة على أن يكون هو البديل الذي سيشهد ارتهان تونس المستقبلي له.

اليوم لو ننظر إلى قانون المالية الحالي وللميزانية الحالية، ولو ننظر إلى التشريعات التي تصدر اليوم، هي تقريباً تكريس لإملاءات اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، سواء التي لم تناقش ولم توقّع الإتفاقية الجديدة التي تسمّى الأليكا، اتفاقية الشراكة هذه مع الاتحاد الأوروبي ما زالت لم تُعرَض على البرلمان وما زالت لم تُناقَش ودخلت حيّز التنفيذ من طرف الحكومة الحالية نتيجة ضغوطات تمارس من الاتحاد الأوروبي، ومقتضاها أن يتم التفريط في القطاع الزراعي في تونس وكذلك التفريط في قطاع الخدمات في تونس، وأن تصبح هذه الخدمات وهذا القطاع الزراعي تابعاً للقطاعات الأوروبية، ويتمّ تفكيك وتهميش قطاعاتنا الرئيسية، مثلما تم تفكيك وتهميش قطاعاتنا سنة 96.

وكذلك في ما يتعلّق بجوهر الميزانية الحالية، الميزانية الحالية جوهرها هو القيام على روح وسياسة التقشّف التي تنعكس في جلّ مظاهر هذه الميزانية، وأعتقد أنّ الوصفة التاريخيّة والمعروفة لصندوق النقد الدولي هي تقريباً ذاتها، استُخدِمت في تونس في تجارب سابقة وفي دول أخرى، واليوم أيضاً طابع هذه الوصفة موجود في الميزانية الحالية خاصة في ما يتعلّق برفع الدعم عن المواد الأساسية، في ما يتعلّق بالتفويض في المنشآت العمومية بغضّ النظر عن أنها رابِحة أم خاسِرة والخوصصة، وكذلك رفع الدعم عن قطاعات ومرافق كبرى مثل التعليم والصحة وهي موجودة ومكرّسة في هذا المشروع ويجري تنفيذها.

 

وفا سرايا: كانت هنالك مجموعة من الإجراءات وهنا أودّ أن آخذ منك تعليقاً عليها، مجموعة من الإجراءات التي قام بها السيّد الشاهد في ما يتعلّق مثلاً  بخفض الضرائب على السيارات الشعبية.

هل كافية هذه الإجراءات بالنسبة أم أنها أصبحت بالفعل بالنسبة للمواطن التونسي هي من المكمّلات وليس من الأساسيات في مقابل انخفاض القدرة الشرائية، تراجع سعر العملة، البطالة المرتفعة؟

 

زهير حمدي: يا سيّدتي، هل تعتقدين أن الشعب التونسي اليوم مشكلته في السيارات؟ الشعب التونسي لا يجد الحليب، تونس دولة مُنتجة كبرى للألبان واللحوم وغيرها، ولكن منذ أشهر لا يجد الإنسان الحليب، ولا يجد كذلك الدواء، ولا يجد الماء أحياناً ولا يجد الكهرباء، هذه الفئة المشمولة بهذا الإجراء، إجراء السيارات الشعبية والخفض في الأداء والرسوم الجمركية عليها، هو أعتقد أنه لا يعدو إجراء شعبوياً، الغاية منه انتخابية لا أكثر ولا أقل، لأن المعنيين بالحصول على هذه السيارات النسبة بين 10 و15 بالمئة من سعر السيارة، لا معنى له. الذي يريد أن يمتّع الشعب التونسي بالسيارات والمواد الأساسية وبخدمات جيّدة وغيره يدافع عن الدينار التونسي الذي لم يعد الآن يستجيب لأدنى متطلّبات الحياة. أعتقد أنّ عودة الروح للدينار التونسي، عودة الروح وإنعاش الاقتصاد الوطني، التصدير بجدّية وبندّية إلى الدول في الخارج، إقامة استثمارات حقيقية مع دول ليس لها ماضٍ استعماري معنا وليست لها أطماع فينا مثل دول البريكس، تنويع المبادلات الاقتصادية وعدم رهنها للاتحاد الأوروبي وعدم الخضوع إلى إملاءات صندوق النقد الدولي، هي مقدّمات ومؤشّرات حقيقية وبداية خروج من النفق الاقتصادي.

 

وفا سرايا: هل يمكن أن تذهب بها هذه الحكومة الحالية، بهذه الخيارات؟

 

زهير حمدي: بطبيعة الحال لن تذهب، لأنّ الذي جُبِل والذي ارتهن في بداياته منذ وجوده، وأعتقد أن المشهد السياسي بشكل عام منذ سنة 2013 تقريباً وحتى منذ انطلاق الثورة وتاريخياً في تونس وبنسب متفاوتة، هذا المشهد السياسي، العنصر الخارجي، الأوروبي والأميركي أساساً، هو الفاعِل الرئيس فيه، وأعتقد أن الذي يصنع هذه الرموز والذي يزرع هذه الوجوه في الحياة السياسية هو من قوى الهيمنة الخارجية، وهم لا ينكرونه، وأنا أتحدّاهم أن يبيّنوا عكس هذا، ألا تكون هذه النماذج السياسية وهذه الأشكال السياسية وهذه القوى السياسية، أن تصنع في الغرب والغرب هو الذي.

 

وفا سرايا: أستاذ زهير، البعض يقارب المرحلة الآنية بمرحلة عام 2013. هل يمكن أن نشهد تحالف جبهة الإنقاذ الذي وقتها جَمَعَ حزب الرئيس السبسي والجبهة الشعبية بإسقاط حكومة الترويكا، أم أننا أمام مرحلة مختلفة من الصعب أن تذهب الجبهة الشعبية إلى هكذا خيار وتحالف جديد مع الرئيس السبسي؟

 

زهير حمدي: أعتقد أن المرحلة مختلفة تماماً. في 2013 كان هناك خطر داهِم يهدّد الدولة ويهدّد المجتمع، هناك حال دماء تسيل، هناك اغتيالات سياسية، هناك إرهاب ضرب تونس، فكنّا بحاجة إلى أن تتوحّد كل القوى التي تؤمن بالدولة المدنية والقوى الديمقراطية من أجل حماية تونس ومن أجل وقف إراقة دماء التونسيين. ولكن اليوم المسألة مختلفة تماماً، اليوم الأولوية هي للمسألة الوطنية، الأولوية إلى أن نرفع الشعار وأن تتوحّد على أساسه القوى الوطنية، والقوى الوطنية المعنية بهذا هي التي تؤمن بأن تونس مستقلّة القرار، وتونس كاملة السيادة، وتونس التي تبني تنميتها المستقلة، وتونس السيادة الوطنية ذات الأولوية، وتونس ذات الاقتصاد غير التابع، وتونس التي يمكن أن يكون لها اقتصاد متنوّع ومعاملات تجارية متنوّعة. أعتقد أن هذا هو الشعار الذي ينبغي أن تتوحّد عليه القوى، وأعتقد أن الجبهة الشعبية أحد هذه الأطراف الرئيسة، ولا ندّعي أننا وحدنا، هناك قوى أخرى ولكن بالتأكيد ليس من بينها نداء تونس، هناك قوى سياسية أخرى وأحزاب أخرى ومنظّمات وطنية، وأساساً الاتحاد العام التونسي للشغل لا ننكر أنه من القوى التي تدافع عن السيادة الوطنية وأعتقد أن مشكلة تونس هو كيف نحمي سيادتنا الوطنية.

 

وفا سرايا: ولكن هناك ضبابية في موقف الاتحاد الوطني للشغل تحديداً أستاذ زهير من حكومة الشاهد، هل هي معه أم هي ضدّه، هل هي الآن بخندق مع نداء تونس، الكثير من التساؤلات حول موقف اتحاد الشغل؟

 

زهير حمدي: الاتحاد العام التونسي للشغل لا يمكن أن يقارن ببقية الأحزاب وليس حزباً سياسياً، هو منظمة اجتماعية له إكراهات حينما يتم التعامل مع مختلف القضايا، ليست له نفس المقاربة التي لنا نحن كأحزاب وكجبهات وهو منظمة اجتماعية لديه أولوية مطلقة في الدفاع عن منظّريه وتحسين ظروفهم، ولكن أحياناً في القضايا الوطنية الكبرى، تاريخياً الاتحاد العام التونسي للشغل كان دائماً حاضراً، وكان دائماً في المسألة الوطنية يكون في الصفوف الأولى للمدافعين عن المسألة الوطنية. نحن اليوم نعتقد إننا في حاجة لتعبئة كل القوى الوطنية من أجل الدفاع عن سيادة تونس التي هي فعلاً مهدّدة وعلى الاستقلال الوطني وعلى الإرادة الوطنية وعلى القرار الوطني المستقل وعلى تنميتنا المستقلة، هي المفتاح وهي المدخل الوحيد إلى أن نخرج من هذا النفق الذي وضعتنا فيه قوى مرتبطة بقوى الهيمنة العالمية وقوى استعمارية كبرى.

 

وفا سرايا: برأيكم، قبل أن أدخل بالسياسة الخارجية، ما تتحدّث عنه أنه لا يمكن فصل بالنهاية تونس عن هذا المحيط عما يجري حتى من أزمات لدى العالم العربي خصوصاً ما تتحدّث عنه كان بالفترة السابقة الحرب في سوريا.

أستاذ زهير، بتعليق لكم، هل تعتقدون بأن مصير حكومة الشاهد هو الاستمرار حتى إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة، أم أنه يمكن أن يجري السيّد السبسي أيّ إجراء غير دستوري، لأنه حتى الآن أنه لم يلجأ إلى المادة 99 على ما أعتقد بالدستور التي تمنح التصويت حول الثقة هذه الحكومة، لأنه كان هنالك لديه تخوّف بأن يحصل على الأغلبية المُطلقة نتيجة الأصوات، إن كانت النهضة أم حتى النواب الذين استقالوا من نداء تونس؟

 

زهير حمدي: بصراحة لا يمكن الجزم بهذا الخيار أو ذاك لسبب بسيط، إنّ الحياة السياسية في تونس دخلت مرحلة من السريالية والعبثيّة التي لا توجد في أيّ بلدٍ آخر، ولا يمكن بالتالي التكهّن أو البناء أو التحليل لاستشراف ما يمكن أن يحدث اليوم أو غداً، لأنّ الذي يحدّد تحرّك وقرارات وسياسات الأطراف المكوّنة ليست قضايا سياسية أو قضايا وطنية بقدر ما هي مصالح لوبيات نافذة هنا وهناك، مصالح خارجية، مصالح داخلية، مصالح مافيات تتصارع في ما بينها، تتقاتل في ما بينها، تتصالح، تتحالف. هذا هو الذي يحرّك السياسة للأسف الشديد، ولكن أعتقد أنه لا يمكن اليوم الحديث عن وجود نداء تونس أو يمكن البناء على وجوده أو عدم وجوده لأننا نعتقد أن هذا الحزب خرج من المشهد نهائياً، وكذلك إنفراد حركة النهضة بالحُكم بشكل نهائي والترتيبات والتفاهُمات التي تجري بينها وبين رئيس الحكومة كالعادة لا يمكن البناء عليها، لأنها ترتيبات تخضع إلى اتفاقات وتفاهُمات سرّية، وهي من العلامات البارزة ومن الخصوصيات البارزة في إدارة النهضة للشأن السياسي. هناك اتفاقات أكيد عُقِدت بينها وبين يوسف الشاهد، مثلما عُقِدَت اتفاقات باريس عام 2013 بين الباجي قائد السبسي وبين راشد الغنوشي، والذي بمقتضاه تم حُكم تونس لمدة أربع سنوات وثم بالتوافق آنذاك.

اليوم أعتقد أكيد هناك تفاهمات ما بين رئيس الحكومة الحالي وبين حركة النهضة لا ندري ما هو جوهرها وما هي مضامينها، ولكن في نهاية المطاف قد يكون عنوانها الرئيس حكم تونس في المرحلة المقبلة، ربما من الطرفين، وتقاسُم السلطة بين هذا الطرف وذاك، هو العنوان الرئيس.

 

وفا سرايا: هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة أستاذ زهير، عن هذا التوافق ما بين الشاهد والنهضة.

لكن إسمح لي، لم يتبقَّ لديّ الكثير من الوقت بهذا الشقّ تحديداً عن السياسة الخارجية. سأذهب إلى مقال وأعود إليك أستاذ زهير.

 

زهير حمدي: دائماً ليس حسابات البيدر كما حسابات الحقل وأعتقد أنه ستجري في النهر مياه كثيرة في المرحلة القادمة.

 

وفا سرايا: سنتابع هذا المقال وأعود إليك في ما يتعلّق بالسياسة التونسية الخارجية تحديداً، المواقف ممّا يجري في المحيط العربي، تحديداً الآن قضية إخفاء الصحافي السعودي خاشقجي، وهذا التنديد التونسي الذي ورد في جريدة الأخبار اللبنانية تحت عنوان لإلغاء المناورات مع السعودية.

 

الأخبار اللبنانية: تنديد تونسي بإخفاء خاشقجي: لإلغاء المناورات مع السعودية

مع بدء مناورات عسكرية مشتركة بين قوات سلاحي الجو السعودي والتونسي، خرجت عشر منظّمات تونسية عن الصمت أمس في بيان مشترك حذّرت فيه أولاً من خطورة التقارُب مع السعودية، وطالبت ثانياً بإجراء تحقيق دولي شامل في قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

وفي حديث إلى الصحيفة، قال المدير التنفيذي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية علاء الطالبي إنّ إجراء المناورات أمرٌ خاطئٌ من أساسه لكونه يأتي في إطار تدريب القوات السعودية، ما يُعَدّ مساهمة في تقوية قدرات الجيش السعودي التي سيستغلّها في حربه ضدّ اليمن. ورأى في السكوت عن المناورات استهتاراً بالجرائم التي تُرتكَب في اليمن.

ولم يسبق أن جُمِع جيشا البلدين في حدث مماثل على امتداد العقود الماضية التي انحصر التعاون خلالها على الجوانب الفنية واللوجستية في ظل اختلاف التوجّهات السياسية لكل منهما، لكن علاقات البلدين اكتست أخيراً طابعاً أمنياً مثيراً للانتباه رغم أنها لم تشهد طفرات تُذكَر منذ عام 2011 مع الحضور الدائم لمسألة استقبال الرئيس المعزول زين العابدين بن علي وعدد من أفراد عائلته والهاجس السعودي المستمر تجاه مشاركة حركة النهضة الإسلامية في الحُكم.

 

وفا سرايا: أستاذ زهير، هكذا مواقف لمنظّمات وتنديد تونسي بإخفاء الصحافي خاشقجي، كيف يمكن أن تنعكس على العلاقات السعودية التونسية، وأيضاً على موقف الخارجية التونسية تجاه مجمل الأزمات في المنطقة؟

 

زهير حمدي: أعتقد أنّ انخراط تونس ليس بمناسبة هذه المناورات العسكرية، هناك علاقات وهناك ضغوطات وهناك استجابة من قِبَل النظام في تونس والدولة التونسية إلى ابتزاز وضغوطات النظام السعودي من أجل انخراط تونس في ما يسمّى بالتحالف الإسلامي لمقاومة الإرهاب. وأعتقد أنّ تونس صحيح لم ترسل جنودها إلى أرض المعركة في اليمن للعدوان على الشعب اليمني، ولكنها هي عملياً جزء من هذا التحالف، واليوم نشهد نقلة أخرى في العلاقة بين النظام التونسي والنظام السعودي، هذه النقلة هي إقامة مناورات مشتركة على الأراضي التونسية.

أنا من موقعي هنا أندّد بهذه العلاقات وهذه الشراكة وهذه المناورات بين تونس والنظام السعودي لسبب بسيط، أنه ليس هناك لنا ما نستفيد من هذا النظام. هذا النظام، حينما تقيم مناورات مع أنظمة ومع دول، يفترض أن تكون هناك مشتركات كبرى بين هذه الدول، وأنا أعتقد أن هذا النظام ما زال في محور العدوان على الأمّة العربية وتونس جزء من هذه الأمّة ، وأعتقد أن هذا النظام ضالعٌ بشكلٍ رئيسيّ في قتل الشعب اليمني وإبادة عشرات الآلاف من اليمنيين وفي تدمير دولة كاملة في اليمن.

أعتقد أن هذا النظام كذلك مسؤول عما حصل في سوريا وما حصل في ليبيا، وأعتقد أن هذا النظام بصماته موجودة في كل الساحات العربية، وأنّه ارتبط إسم هذا النظام بالدماء والقتل، ولذلك ما زلت على موقفي من أن هذا النظام هو في المحور الآخر المُعادي لمصالح الأمّة العربية، وبالتالي فإن تونس تحكمها مبادئ وقِيَم لا تحكم هذه الدولة وهذا النظام.

تونس محكومة بروح الثورة التونسية، ثورة الحرية، ثورة الكرامة وكذلك العدالة، تونس محكومة بدستور، أعتقد أن هذا الدستور الذي لا يبيح لدولة أن تتعاطى مع دولة ليس لها دستور وليست لها قِيَم سياسية يمكن أن يبنى معها، لذلك فإن هذه المناورات نعتقد أنها لا تفيد التونسيين في شيء، وأنها تعزّز وتقوّي نظاماً بات اليوم معزولاً، ونظاماً بات اليوم في موقع الجبروت والطغيان الذي لا حدود له، وأربط هنا بما حصل للصحافي السعودي في تركيا، أعتقد أن عصر قتل وخطف المعارضين قد ولّى وانتهى، ولكن هذا النظام يمارس كلّ أساليب التنكيل والقتل سواء بصفةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة حتى مع مواطنيه وحتى مع المعارضة غير الراديكالية، وهذا رجل معروف.

 

وفا سرايا: للأسف أستاذ زهير، وصلت الفكرة لكن الوقت انتهى، وكنت أريد أن أدخل أكثر بتفاصيل ما الذي تتوقّعونه من السياسة الخارجية التونسية لدولة تونس، تحديداً في ما يتعلّق بالعلاقات مع السعودية والصراع الاقليمي في المنطقة، ولكن للأسف الوقت انتهى.

على كل الأحوال نحن نشكرك جزيل الشكر على وجودك بيننا في حلقة حوار الساعة لليوم الأستاذ زهير حمدي الأمين العام لحزب التيار الشعبي في تونس، كنت معنا من العاصمة التونسية.

والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكرام على طيب المتابعة في أمان الله.