أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

سوريا الدروس والعبر

لا يجب على العرب والمسلمين أن يغضوا الطرف عن سوريا العربية وما حدث فيها وما جرى عليها, وينبغي أن يؤسسوا دروسا وعبرا للأجيال العربية والإسلامية والإنسانية من محنتها وتجربتها الدامية.. فبحجة الحرية والدمقرطة إندلعت حرب عالمية ضد الدولة السورية وكان يقف وراءها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية والمخابرات الأقليمية.. ووسط هذا التداخل الكبير والمعقد بين رغبة الإرادات الدولية بإنتاج دولة سورية موالية للمحور الأمريكي ورغبة السوريين بالإصلاح , تاهت الرؤى وإختلط الحق بالباطل ... الصراع في سوريا ليس صراعا من اجل الديموقراطية والحريات فهذه لا تحتاج الى كل هذا العنف وهذا الدمار وكل هذه التحالفات .كما انه لا يحتاج الى التحالف مع الاجنبي الطامع. وحتى نستخلص العبرة من المحنة السورية ولتكون منارة للأجيال السورية والعربية والإسلامية والإنسانية , كيف صمد علماء سوريا وكيف صمدت القيادة السورية والجيش العربي السوري والشعب السوري, وكيف ستكون سوريا الجديدة تربويا علميا إعلاميا ثقافيا سياسيا إستراتيجيا حضاريا؟ وكيف تتعلم الأجيال السورية والعربية والإنسانية من المحنة السورية وما الذي يجب على الدولة السورية أن تفعله من أجل أمن ثقافي بعيد المدى ؟ والأخطر من كل ذلك كيف نصون إسلامنا من الخطف والتأويل والتدجيل وتحويله إلى سيف قاطع بيد علماء البلاط والضلال ...

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكم.

لا يجب على العرب والمسلمين أن يغضّوا الطرف عن سوريا العربية وما حدث فيها وما جرى عليها، وينبغي أن يؤسّسوا دروساً وعِبَراً للأجيال العربية والإسلامية والإنسانية، من محنتها وتجربتها الدامية.

فبحُجّة الحرية والديمقرطة، اندلعت حربٌ عالميّة ضدّ الدولة السورية، وكان يقف وراءها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية والمخابرات الاقليمية.

دخل العرب والمسلمون في دائرة عمى الألوان بسبب دور علماء الناتو. تاه العرب، وتاه المسلمون، وفقدوا تكليفهم الشرعي تجاه ما يجب فعله في سوريا العربية.

قامت هذه الإرادات الدولية بإنتاج فتنةٍ كبيرة كانت تعمل على تحويل سوريا من المحور العروبيّ إلى المحور الأميركيّ، وتاهت الرؤى، واختلط الحقّ بالباطل، فما هو المطلوب من العرب والمسلمين من المشهد السوري تحديداً؟ هل المطلوب القضاء على الدولة الراهنة وإنتاج دولةٍ عميلة للكيان الصهيونيّ؟

الصراع في سوريا ليس صراعاً من أجل الديمقراطية والحريات، فهذه لا تحتاج إلى كل هذا العنف وهذا الدمار، وكلّ هذه التحالفات. كما أنه لا يحتاج إلى التحالف مع الأجنبي الطامِع في بلادنا، ولا شكّ أنّ سقوط الدولة السورية لو تمّ، لكان أراح الكيان الصهيونيّ استراتيجياً لمدّة مئة سنة كما صرّح بذلك أعداء الأمّة العربية والإسلامية الصهاينة.

وحتى نستخلص العِبرة من المحنة السورية، ولتكون منارةً للأجيال السورية والعربية والإسلامية والإنسانية، كيف صمد علماء سوريا؟ وكيف صمدت القيادة السورية والجيش العربي السوري؟ وكيف صمد الجميع في سوريا؟

ثمّ كيف ستكون سوريا الجديدة تربوياً، إعلامياً، ثقافياً، سياسياً، استراتيجياً وحضارياً؟ كيف تتعلّم الأجيال السورية والعربية والإسلامية وحتى الإنسانية من المحنة السورية؟ وما الذي يجب على الدولة السورية أن تفعله من أجل أمنٍ ثقافيٍّ بعيد المدى؟

والأخطر من كل ذلك، كيف نصون إسلامنا من الخطف والتأويل والتدجيل وتحويله إلى سيفٍ قاطع بيد علماء البلاط والضلال؟

سوريا الدروس والعِبَر عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش سماحة مفتي الجمهورية العربية السورية العلامة الدكتور أحمد بدر الدين حسون.

سماحة المفتي، سلامٌ عليكم، سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم في الجامع الأموي.

مبدئياً، قصّة سوريا تحتاج إلى الكثير من الإطناب ربما حتى تعي الأجيال ما وقع في سوريا.

سأترك لك البداية. من أين نبدأ الحكاية؟

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: بسم الله الرحمن الرحيم. حمداً لك ربي كثيراً، وصلاةً وسلاماً على من أرسلته لنا هادياً وبشيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسِراجاً مُنيراً، وسلام الله وصلواته على سيّدنا نوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى.

 

يحيى أبو زكريا: سلام الله عليهم.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: الذين كانت لهم إضاءاتٌ في قلوب كلّ المسلمين، وفي هذا المكان بالذات، حيثما تلفتّ ترى لهم أثراً وآثاراً، وسلام الله على آل نبيّنا الأطهار الذين زاروا هذا المكان وشرّفوه يوماً بدمائهم وأنوارهم، ورضوان الله على أصحاب رسول الله نجوم الهداية وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الأخ الكريم، يوم بدأت هذا البرنامج بعنوان أ ل م، تساءل الكثير، كلّ البرامج تُعرَف من عنوانها، فما هذا العنوان الذي أخذه هذا الأخ الحبيب الذي جاء من الجزائر يوماً وهو يحمل تراث أمّةٍ وحاضر انتصار ومستقبلاً واعداً لأفريقيا بأجمعها من الجزائر بإذن الله؟ ماذا أراد بـ أ ل م؟ وكل أهل التفسير أو في أكثريتهم يقولون أ ل م الله أعلم بمراده، فهل القصد من برنامجه أن يقول الله أعلم بمراده، أم لهذا البرنامج كان تنبيهاً وعِظةً بأنكم لو قرأتم أ ل م لانتبهتم إلى الآية التي بعدها مباشرة في كل أ ل م وردت في القرآن؟

فإن أردت أن تعرف أول سورة بعد الفاتحة أ ل م تقرأه ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. إن أردت في وسطه أن تقرأ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ.

فلماذا جعلنا أ ل م الله أعلم بمراده وتركنا ما بعد أ ل م من إشارات لها لتعطينا معاني كل حرف من حروف القرآن، فقاف، صاد، ط، س، م، كلها لها معانٍ وأسرار، ولكنّا أمّةٌ حملنا يوماً راية العلم للعالم، ففتحنا الأندلس بالنور والضياء، ودققنا على سور الصين بالمحبة والارتقاء، ودخلنا أفريقيا بالرحمة والإخاء، فما الذي حدث لنا حتى نسينا الرسالة ووقفنا عند الطوائف والمذاهب والجماعات؟

لذلك، حينما أردت أن تقف اليوم على أرض سوريا، وأن تقول لهم أ ل م سوريا انتصرت، فهل قرأتم أيها العرب، أيها المسلمون، أيها العالم الإنسانيّ، هل قرأتم سرّ انتصارها؟ هل عرفتم لماذا استطاعت أن تقف أمام أكثر من 120 دولة اجتمعت في باريس، مُنطلَق حروب الفرنجة يوماً عليها، على الشام وأهلها، وقالوا إنهم أصدقاء سوريا، وما اكتفوا أن يجتمعوا في باريس، ولكن في عام بعده ذهبوا إلى المغرب العربيّ، الذي وقف يومها قتيبة على شاطئه، وقال اللهمّ إنّي لو أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لخضتها في سبيلك، لا ليقتل الناس إنما لينشر العِلم في الأكوان والنور في القلوب، فنحن أمّة ما جئنا بالقتل ولا بالدهس، ولا نبينا جاء بالقتل كما يدّعي هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم أصدقاء سوريا.

ولكنّ حزني الشديد أنهم يوم اجتمعوا في المغرب واجتمعوا في بلدانٍ أخرى عدّة مرّات، كان بينهم أبناء عمومةٍ لنا، كانوا يظنّون أنهم في موقفهم مع أعداء الله وأعداء الإنسانية وأعداء سيّدنا موسى وعيسى ومحمّد وإبراهيم، كانوا يظنّون أنّ سوريا ستُدجَّن وإذا دُجّنت سوريا وقُسّمت وأذِلّت، فإنهم ما بعد سوريا هناك العراق، هناك الأردن، هناك الخليج، هناك أرض الحجاز ستكون بأيديهم كالخاتم كما قال عدونا الصادق، وأنا أفرح دائماً إذا كان عدوّي صادقاً أكثر من فرحي بأخٍ يجلس بجانبي وهو كاذب، فقال هذا العدو الصادق ترامب يوم انتخاباته، إنني سأعترف بالدولة اليهودية وبالقدس عاصمة يهودية، وأعترف لبعض العرب أنني لو رفعت يدي عنهم لسقطت دولهم خلال أسابيع.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: هذا قالوه لسوريا يوماً، قالوه لأبنائها، قالوا كونوا معنا، وتخلّوا عن فلسطين، وتخلّوا عن القدس، وتخلّوا عن العرب، وسنجعل لكم سوريا أجمل بلدان المنطقة اقتصاداً، وثقافة، وصناعة، وفكراً، ولكن نحن عرفنا أننا نحمل رسالات السماء، نحن عرفنا التاريخ، وقرأناه للحاضر والمستقبل، ولم نقرأ التاريخ ليقتل الأمين المأمون، ولم نقرأ التاريخ ليستشهد عثمان رضيَ الله عنه وهو يقرأ القرآن، ولم نقرأ التاريخ لننسى أنّ علياً سلام الله عليه والرضوان يُغدَر به وهو على باب المسجد، وقرأنا التاريخ لنتعلّم من سيّدنا الحسين.

 

يحيى أبو زكريا: وهناك مسقط رأسه.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: واختيارك لهذا المسجد، الآن سنقرأ كلّ موقعٍ، لماذا اخترناه، لم نقرأ التاريخ لنقول إن الحسين سلام الله عليه والرضوان مع آل بيته زينب وزين العابدين جاؤوا إلى كربلاء ليأخذوا الحكم أو الخلافة أو المكانة في الشام، والله ما طلبها الصدّيق ولا عُمر ولا عثمان ولا علي ولا الحسن ولا الحسين، ما قاتلوا يوماً لزعامةٍ سياسيّة ولا لطائفة مذهبية، إنما كانت راياتهم لحرية الإنسان، لكرامة الإنسان، فيوم تحوّل الإسلام لعباً في أيدي الحكّام، خرج الحسين ليقول إنما خرجت نصرةً لدين جدّي.

لذلك، لمّا اخترنا هذا المكان، تاريخياً، وهذا الذي قصدتَه أخي في سوريا دروسٌ، والدروس هي أن تقرأ الماضي لتصنع الحاضر والمستقبل. يوم اخترت هذا المسجد، نحن في سوريا درسناه، وعرفنا أنّ أجدادنا قبل المسيح عليه السلام، كانوا هنا قبائل عربيّة، الغساسنة، وبنو تغلب، وطي، وقبائل أخرى كثيرة كانت تمتد في حوض الفرات.

لم يكن البيزنطيون والرومان لهم هنا مكان، كانت هنا أرض الأنبياء ورسالات السماء، كان سيّدنا إبراهيم يمشي من أور إلى القاهرة إلى مصر، ومن اللاذقية وطرطوس إلى مكّة، هذا المثلّث المقدّس، بلاد الشام الطاهرة التي اختارها الله لتبدأ فيها رسالة السماء، فجدي وجدك ما أحرقوا إبراهيم، إنما أحرقه النمرود والنمرود لم يكن من أبناء هذه المنطقة، كان من خارجها. لذلك ترك لنا إبراهيم عليه السلام بيتاً من دخله كان آمنا، فنحن اليوم مليار ونصف مليار مسلم ندخله كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ في صلاتنا.

 

يحيى أبو زكريا: قبيل أن تستطرد شيخنا، ما دام الأمر الجَلل كما ذكرت، ما دامت سوريا هذه عبق التاريخ، عطر النبوّة، بجنبنا قبر نبي الله يحيى، هنالك مقام زين العابدين، محراب الإمام زين العابدين، بالقرب منا قبر صلاح الدين.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: ومقام الخضر عليه السلام.

 

يحيى أبو زكريا: كل أرض سوريا تتكلم تاريخاً ورسالة وأدياناً. لماذا قدّموها ككافرة، لماذا قدّموها كخارجة عن الأديان والشرائع؟ لماذا جرّدوها عن إيمانها وهي ينبوع الإيمان؟ لماذا استباحوا عرضها وهتكوا سِترها وأحرقوا أصابعها إذاً؟

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: أنا لا أحزن من غرب ما فتئ منذ بدايته حتى اليوم يكره هذه الأرض، لأنها سمَت عليه فكراً وثقافة وروحاً. أين كان الفرنجة يوم كانت دمشق يصلّي في مسجدها هذا نصفه من المسلمين ونصفه من المسيحيين، هنا في هذا المسجد؟ أين كان الغرب والشرق يوم تركنا ذاك الجرن الذي لا زال في المسجد؟ هذا الجرن عُمره أكثر من 1600 سنة، لِمَ هذا الجرن الحجري؟ كان الراهب إن جاء مولودٌ مسيحيّ يريدون أن يغسّلوه يأتون به إلى هنا بجانب مقام يحيى ليُغسَّل في هذا الجرن الذي لا زال موجوداً حتى الآن. لماذا تركناه نحن المسلمون؟ لماذا لم نلغِ مقام سيّدنا يحيى؟ لماذا بقي مقام الخضر عليه السلام الذي يسمّى مار جرجس ويحيى الذي يسمّى يوحنا؟ لأننا أمّة ما كفرنا بأجدادنا، إنما أخذنا منهم رسالات السماء لنوصلها إلى الأحفاد والأبناء، صلّينا معاً لإله واحد، اتّجهنا إلى الكعبة لأن إبراهيم قال "ومن دخله كان آمنا"، فنحن كل يوم نتوجّه إلى الكعبة فأين الأمان في أمّة الإسلام؟ أين الأمان وأنا أرى ليبيا يُفعَل بها ما يفعل؟ هل في ليبيا طوائف ومذاهب وأعراق أم هي أمّة واحدة؟ ما -الذي جعل من جاؤوا إلى الجزائر في عام 90، 93 إلى 2005 يقتلون أكثر من مليون جزائري؟ وهذا الشعب الذي جعل أوروبا تقف أمامه مطأطئِة الرأس، شعب ما تخلّى عن عروبته، شعبٌ ما تخلّى عن إسلامه، شعب ما تخلّى عن جذوره، ما الذي جعلهم يأتون إلى الجزائر ويقتلون أبناء الجزائر؟ مَن هؤلاء؟ هم نفسهم الذين جاؤوا إلى سوريا من خارج الأنحاء، جاؤوا أكثر من 390000 إرهابي، ألمانيا التي أعطتنا الرقم ولسنا نحن، من كلّ بقاع الدنيا. أما يسأل بعض إخوتنا السوريين الذين استقبلوهم، أما يسألون هؤلاء لِمَ جاؤوا إلى بلادنا؟ والرسول يقول عن سوريا أنّ فيها عامود الإسلام إلى يوم القيامة، أنه سيبقى فيها ليوم القيامة.

فليذهبوا إلى بلدانهم، فنحن الذين علّمناهم المسيحية يوم أرسلنا بولس الرسول من دمشق إلى أوروبا ويوم أرسلنا، هنا جاء الغزالي يوماً يدرس الإسلام في مسجدنا هذا، ويوم جاء محيي الدين ليتعلّم وينير على الدينا فتوحاته ويوم جاء وجاء من العلماء.

إذاً كان الهدف ليس إسقاط نظامٍ في سوريا كما كانوا يقولون، نريد إسقاط النظام، إنما كانوا يريدون تدمير تاريخ أمّة، موجود في سوريا.

 

يحيى أبو زكريا: ونكمل بعد الفاصل، وممّا يُقال أنّ سوريا العربية أهدت العرب والمسلمين علماء، عرفاء، مُفكّرين، فلاسفة. أما الأعراب فأهدوا سوريا إرهاباً، وعنفاً، وتدميراً، وإلى الله المشتكى.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: سامحهم الله.

 

يحيى أبو زكريا: سامحهم الله. مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فلا تذهبوا بعيدا.

 

"المؤامرة الصهيونية على سوريا" للكاتب عادل الجوجري:

جاء في إهداء الكتاب إلى جيل لم يولد بعد سيطالع في هذا الكتاب صفحات مما جرى في لحظة تاريخية حاسمة في تاريخ سوريا والوطن العربي حيث المؤامرة تتحرّك على رقعة شطرنجٍ، وحيث أنشودة الانتصار على قوى الشرّ سطّرها أبطال الجيش العربي السوري.

ويقول الكاتب في مؤلّفه الذي يقع في 350 صفحة، إنّ سوريا تعرّضت في عام 2011 إلى مؤامرةٍ صهيو أميركية تركية سعودية قطرية، بغرض تحقيق الفوضى التي تؤدّي إلى تفكيك بنية الدولة من جهة، وصرف القيادة والجيش والشعب عن استكمال مسيرة المقاومة والتحرير.

وأعتمد أطراف المؤامرة على التحريض الإعلامي المُكثَّف والتمويل غير المحدود ثم التسليح للمجموعات المسلّحة التي أخذت على عاتقها تنفيذ المهمّة المؤامرة.

هذه المؤامرة ليست منقطعة الصلة عن مخطّط تقسيم الوطن العربيّ المعروف باسم سايكس بيكو 2. ويستهدف إعادة وظائف الدول القُطرية والكانتونات الناتجة من التقسيم في شرق أوسط جديد تلعب فيه إسرائيل دور القائد والمُهيمن بعد أن تكون قد فرضت نفسها كحقيقة.

هذا المُخطط واجه مقاومة شرسة من القيادة السورية على محورين، الأول هو سلسلة الإصلاحات سياسية واقتصادية وإعلامية شملت قوانين جديدة للأحزاب والمجتمع الأهلي، وتوّجت بدستور استُفتي فيه الشعب وبانتخابات تشريعية أنتجت برلماناً جديداً شكّل فيه الشباب والنساء نسبة مهمة في عدد المقاعد.

المحور الثاني هو الحزم في مواجهة الإرهاب الذي انتهجته مجموعات مسلحة مرتبطة بالمخطط والدول الراعية والمموّلة للإرهاب، والتي حاولت استنزاف طاقة الشعب السوري وتهديد أركان الدولة وهياكلها.

 

 

المحور الثاني

 

"الدولة الوطنية السورية والحرب على الإرهاب" للباحث التونسيّ توفيق المديني:

 يقول الكاتب إن غزو العراق عام 2003 كان بدايةً لمشروع تفكيك الدول الوطنية العربية، حيث اعتبرت حينذاك الإدارة الأميركية أن هذا الغزو سيمثل حجر الدومينو لإطلاق موجة تغييرٍ سياسيٍ مُدارٍ أميركياً باتجاه الفوضى الخلاّقة، مؤكّداً أن سقوط بغداد كان مقدّمة السعي الأميركي لتحجيم الدور الاقليمي السوري.

ويتكوّن هذا الكتاب من 18 فصلاً. يتحدّث الفصل الأول عن خلفيات الأزمة في سوريا من غزو العراق وبداية تفكيك الدول الوطنية. ويشير الكاتب في سرده للواقع إلى أن الأزمة التي تعيشها سوريا منذ بداية الربيع العربي ليست وليدة لحظتها التاريخية فحسب، بل تعود جذورها التاريخيّة إلى مرحلةٍ سابقة، أي منذ الغزو الأميركي للعراق عندما تزايدت الضغوط الأميركية المستمرّة على سوريا أثناء طلب كولن باول وزير الخارجية الأميركية الأسبق في أيار من العام نفسه إنهاء دور سوريا الإقليميّ في لبنان وفلسطين والعراق، ووضعه في خدمة السياسة الأميركية تجاه المنطقة.

وتطرّق الكاتب في هذا الفصل إلى الهندسة الإقليمية الأميركية للمنطقة وسعي الأعداء لإنهاء دور سوريا الإقليمي، وإلى تحييد الدولة الوطنية السورية منذ بداية 2011، والدخول في المرحلة الخطرة في الحرب الإرهابيّة عليها في بُعدها الطائفي والمذهبي، وصولاً إلى استمرار بقاء الدولة.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد، من الجامع الأمويّ في سوريا المنتصرة مع العلاّمة سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون.

سماحة المفتي، إذاً سخّروا الجنّ والإنس وسخّروا كلّ ما يخطر ببال وما لا يخطر لتدمير سوريا التاريخ كما عرضت.

في ما يزعجهم هذا التاريخ الذي أرادوا تحطيمه وتدميره؟

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: أنت تعرف أخي، حينما جاء الفرنجة إلى سوريا، دمّروا الكنائس الأرثوذكسية والمساجد الإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: وحينما جاء التتار سرقوا الكتب العربية، وأيضاً الفاتيكان سرق من سوريا آلاف النسخ من الكتب العربية وفرنسا وبريطانيا، وحينما أقول سوريا، سوريا قُسّمت بين فرنسا وبريطانيا لفترة من الزمن حتى هُيئ لإسرائيل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: اليوم سوريا بقيت الوحيدة التي احتضنت كل المقاومة الفلسطينية.

 

يحيى أبو زكريا: صدقاً.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: فتح بدأت في الكويت، ولكن كيف تصل من الكويت إلى فلسطين؟ لا بدّ من سوريا. أيضاً المقاومة العربية والإسلامية، إذا أغلقت سوريا الباب، لم يعد لفلسطين باب يُدخَل عليهم منه، فالذين استسلموا سلّموا الحدود ليد الصهاينة. فإذاً بقيت سوريا ولبنان، لبنان هناك من أراد أن ينهيه في الثمانينات، ولكنّ الرئيس حافظ الأسد رحمه الله عرف أنّ المُستهدَف ليس لبنان وليس سوريا، والله كان المُستهدَف كلّ الشرق العربيّ، فلو سقطت سوريا بعد لبنان في أيديهم تقسيماً لكانوا اليوم يصلون إلى حدود روسيا ليقسّموا الأمّة هناك بين مسلمين ومسيحيين يقتل بعضهم بعضاً. هكذا كان تفكيرهم، لذلك حينما جاؤونا في عام 2011، إن كنت تذكر أنّ سوريا عام 2009 كانت متكلّمةً باسم العالم العربي والإسلامي في البرلمان الأوروبي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

 الشيخ أحمد بدر الدين حسون: يومها أرسلني الرئيس بشّار الأسد إلى البرلمان الأوروبي.

 

يحيى أبو زكريا: وسمعناك جميعاً.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: وكان أول خطاب. هل يومها تكلّمت باسم سوريا؟

 

يحيى أبو زكريا: لا والله.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: تكلمت باسم ثلاث، باسم العرب أمّة وبالإسلام رسالة وبالإنسانية كلها رسالة أخرى، كنت أتكلّم باسم المسيح وموسى وإبراهيم ومددت يديّ وقلت هذه أيدينا ممدودة للسلام في فلسطين وفي العالم كله، بدل أن تُكافأ سوريا على ذاك الخطاب، قرّروا أن ينهوا هذا الفكر، أن ينهوا هذا الفكر الذي يحمل الرسالة التي عنوانها الحمد لله رب العالمين، وليس الحمد لله رب المسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: عِلماً سماحة المفتي، بن غوريون كان واضحاً، يقول إذا أردنا للكيان العبري أن يستمر علينا أن ندمّر سوريا والعراق ومصر، وزير خارجية الكيان العبري شاريت قال يجب أن ندمّر سوريا حتى نسلم أمنياً.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: لذلك حينما تكلّمت سوريا في البرلمان، وأنقذت سوريا لبنان، ووقفت ضدّ الحرب بين العراق وإيران، هي الوحيدة التي وقفت ضدّ الحرب، وانقسم العالم إلى قسمين، قسمٌ وقف مع العراق، أوروبا وبعض العرب، كاليوم تماماً، كيف يقفون ضدّ سوريا، وقفوا ضدّ إيران، لماذا؟ لأن إيران أغلقت السفارة الإسرائيلية ووضعت بدلاً منها السفارة الفلسطينية، هذا كان ذنب إيران. سوريا كانت ترعى ذلك كله ليس بالأمس، إنما في تاريخها الإنسانيّ، من المسيحيّ إلى طه إلى يومنا هذا، هي تقول نحن أمّةٌ حملنا رسالة، فلا دينٌ يفرّقنا، الدين عندنا دينٌ يجمعنا بإلهٍ واحد وإن تعدّدت طُرقه. الذي يسألك عن طريقك في الدين وعن طريقي في الدين هو رب العالمين لا أنا ولا أنت.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: لذلك سوريا التي حملت هذه الرسالة كانت هي السدّ الوحيد الذي إذا أسقِط يستطيعون تذليل المنطقة كلها، وكانت تركيا مُستهدَفة، وهذه أقولها للشعب التركيّ، أقسم لهم بالله، لو سقطت سوريا بأيديهم، لكان الغد عليكم لتمزيق تركيا إلى دولٍ متعدّدة، وكان ذاك مخططاً لها، وهذا قلته يوماً، ولكن عام 2011 حينما بدأت درعا، وجاءت قناة عربية كان لها مكاتب في دمشق، أكرمناها، استقبلناها، أعنّاها، ولكنها كانت تبثّ السموم لتدمّر سوريا. يومها خرجت بعد أحداث درعا وقلت كلمة ولا زالت مُسجّلة، إنّ ما يحدث في سوريا وما سيحدث في سوريا هو من خارج سوريا لا من داخلها، فشعب سوريا ليس فيه أقليات، نحن لا نؤمن بالأقلية أبداً. لو كان عندنا واحدٌ فقط من البشر يحمل الجنسيّة السورية، وهو زردشتيّ، فله نفس حق مفتي الجمهورية، له ما لي وعليه ما عليّ، لو وُجِد في سوريا ملحد لا يؤمن برسالات السماء ويحمل الجنسية السورية، له ما لي وعليه ما عليّ.

من أين جئنا بهذا؟ جئنا به من القرآن الكريم، أ ل م، حينما قال الله لرسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لأهل مكّة، لا أعبد ما تعبدون ولكن هل أقاتلكم؟ هل أقتلكم؟ قال لكم دينكم وليَ دين، لكم دينكم الذي صنعتموه وليَ دين الذي صنعه الله لي، فما قاتلهم. هم مَن قاتلوه، هم مَن أخرجوه، هم مَن ذبحوا ياسر على الصليب وسمية تُطعَن في بطنها على الصليب، وما طعن منهم أحداً وما قتل منهم أحداً، وكذلك المسيح ما قتل أحداً، وقُتِل أتباعه وصُلِبوا.

أما لما ذهب إلى المدينة وجد اليهود ووجد بعض النصارى، ماذا قال لهم؟ سأدمّركم، سأقتلكم؟ قال يا أهل الكتاب أ ل م، يا أهل الكتاب، يا مَن عندكم كتاب من السماء ككتابي الذي أُنزِل من السماء، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. ما هي الكلمة التي ستساويني بها يا محمّد معك وهو اليهودي أو المسيحي؟ أنّ إلهي وإلهك واحد، ألا نعبد إلا الله، وأن نمتلك حريتنا وألا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. يا الله، لو شرحنا هذه الجملة في لقاء قادم، كيف تحوّل رجال الدين وعلماء الدين مسلمين ومسيحيين ويهوداً، إلى أنصاف أرباب. المفتي لا يُرَدّ عليه، ومَن المفتي؟ إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل أهذا وحيّ من عند الله أم المشورة والرأي. البطرك لا يُرَدّ عليه، البابا لا يُرَدّ عليه، الحاخام لا يُرَدّ عليه، جعلنا طبقة دينية تستعلي على الناس وتجعل من نفسها أرباباً. ماذا قال الله لنبيّه أن يقول لليهود والنصارى؟ تعالوا إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا الله وأن نمتلك حريتنا، ألا نتخذ أرباباً من دون الله.

 

يحيى أبو زكريا: لكن هذا الحريق السوري وما جرى في سوريا العربية وما يخفّف الوطأ أننا بعد خطوة أو خطوتين سنمضي إلى الانتصار الأكبر، أن إخوة يوسف هم مَن ذبحكم، إخوة يوسف هم مَن موّل الحريق والتفخيخ والتدمير، أنّ العلماء الذين كانوا يجعلون عمائم على رؤوسهم هم الذين أفتوا بكفر الرئيس، وكفر الجيش وكفر الشرطة، ودعوا الناس جميعاً إلى الخروج على دولتهم.

ما الذي تقوله في هذا؟ الغربي قرّر أن يحطّم تاريخك لكن إخوتك هم مَن موّل.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: أنا أجد في هذا أنّ الرئيس بشّار الأسد وفّقه الله لكل ما فيه الخير، في بداية هذه الأزمة قال كلمة في مجلس الشعب، قال إنّ الأزمة طويلة، يومها صعقنا جميعاً، نحن كنّا نظنّ أنها ستنتهي في درعا، فقال لا، الأزمة طويلة، ثمّ أنهى خطابه، ولكن لا تخافوا سوريا الله حاميها. تتبّعت بعد ذلك حديثه في لقاءات، فوجدت أن من كنّا نعتبرهم إخوة وأصدقاء، وكانوا يأتون إلى سوريا ويستقبلهم السيّد الرئيس في بيته لا في قصره، ويسافر معهم إلى صحراء سوريا وشواطئها، كانوا يأتون إلى سوريا لعلّهم يدجّنون السيّد الرئيس ليكون معهم على هواهم، فكانوا يعطونه إغراءات وإغواءات، لأمرين، أمرٌ أن يسمح بإقامة أحزابٍ دينيّةٍ في سوريا، وسوريا لا تسيّس دينها فدينها سلامٌ ومحبّة. مَن يريد السلطة عليه بالسياسة، أما أن تستعمل الدين لتصل إلى السلطة، فقد وجدنا ما فُعِل بمصر وما يُفعَل اليوم بتركيا، مَن ينتخب فلاناً يرضى عليه الديّان، ومَن لا ينتخب فلاناً يذهب إلى النيران؟ مَن ينتخب الرئيس حافظ الأسد أو بشّار الأسد يذهب إلى الجنة ومَن لا ينتخبه يذهب إلى النار، إلى السجن؟ لا، من انتخب أبو بكر الصديّق أهلاً وسهلاً، أما عبادة بن الصامت أو سعد ابن عبادة لم ينتخب أبا بكر ولم ينتخب عمر ومات هنا في الشام، فما قلنا إنه في النار، فحينما أسمع عالِماً من علماء المسلمين كنا نعدّه إماماً يقف يوماً ليتخلّى عن كل إمامته وعقيدته، من لم ينتخب مرسي فإنه يحارب الله ورسوله، وهذه سمعنا بها في آخر انتخابات تركية.

في سوريا ليس موجوداً عندنا هذا، مَن ننتخبه يجب أن يكون إبن سوريا، أياً كان يكون، نحن لا ننتخبه إماماً أو مطراناً أو مفتياً، ننتخب مَن يحمل رسالة الشعب وأمانة الشعب، لذلك كانوا يأتون إليه ليطلبوا منه أحزاباً سياسية دينية فيعتذر منهم بلطف، ويأتي الآخر ليطلب الصلح مع إسرائيل من الرئيس، لسنوات عدّة، فكان يبتسم ويقول، هذا الأمر بيد الشعب السوري لا بيدي، فيوم تعود الجولان ويأخذ الفلسطينيون حقوقهم، يومها إن بقيت إسرائيل سأسأل الشعب ماذا يقول في هذا.

إذاً كان الهدف من سوريا، هؤلاء الأصدقاء الذين جاؤوا واشتروا أراضٍ وأقاموا شركات، كان الهدف إسقاط سوريا، فما الذي جعل سوريا تنتصر؟ هذه التي أهديها للعالم العربي والإسلامي والإنساني، هل من جاءنا من إخوتنا في إيران، شكراً لهم، وهل مَن جاءنا من إخوتنا في لبنان، الشكر لهم، وهل مَن جاءنا من إخوتنا في روسيا، شكراً لهم؟ لا والله، إن أمّة لا تحمل الحق رسالة والإيمان برسالتها وعقيدتها وماضيها هذا أموييها وتلك كنائسها وهناك لغتها، هناك في سوريا لهجات في كل العالم الإسلامي لا يوجد لها مثيل، هنالك 23 طائفة في سوريا، كلّهم يشعرون أنهم واحدٌ أمام المسجد والكنيسة والقضاء وأمام ربّ العالمين، لا يستعلي فيها أحد على أحد.

هذا الموقف لمدّة ثلاث سنوات من الصمود، وقطع كل أبواب المدَد لسوريا، جعل إيران تأتي، وجعل إخوتنا في لبنان يقولون إنّ أمّةً وشعباً حملوا عنّا يوماً ما تقسيم لبنان، لا بدّ من أن نذهب إليهم ونقول نحن معكم، حينما وجدوا آلافاً من الإرهابيين صاروا في سوريا وليس أبناء سوريا كما يدّعون.

أما تقول لي بعض أبناء سوريا لم يكونوا، كانوا، ووقعوا في الفخّ، كما وقع بعض الصحابة يوماً ما حينما قال لهم ذاك اليهوديّ، جاء المهاجرون ليأكلوا أموالكم أيها الأنصار في المدينة، فقال الأنصار يا للأنصار وقال المهاجرون فخرج الرسول يقول وأنا بينكم؟ أتقتلون بعضكم؟ فبعض إخوتنا من السوريين، وهؤلاء الذين أناديهم اليوم، أما آن لكم أن تستيقظوا؟ أما آن لكم بعد ثماني سنوات دمّرتم فيها وطنكم، وقتلتم فيها أنفسكم، يوم قتلت أخاك السوري إنما قتلت نفسك، قتلت تاريخك، قتلت مستقبلك، فصمود جيش فيه من كل أبناء الوطن، فشاب مسيحي في الجيش يحمل ضابطاً مسلماً جُرِح، وضابط من مذهب إسلامي يحمل شاباً من مذهب إسلامي على ظهره 5 كيلومترات لينقذه من جراحه. لو قصصنا لكم قصص الشهداء والجرحى في جيشنا لكتبنا عنهم مدارس كبرى. هذا أولاً.

ثانياً، شعبنا الذي وصل أن يأكل الخبزة اليابسة، أما الأونروا وأمم المتحدة كانت تسرق أموال العرب وأموال المتحدة باسم سوريا، مخيّمات، هذه كلها كانت للسرقة والتشهير وتدمير حالتنا النفسية، فإذا كنا نصلّي العيد كل عيد في مسجد، فيقصفون المسجد الذي نصلّي فيه، وكما قال لي رئيسنا يوماً، قيل له لا تصلّي العيد فإنه قد يهدم المسجد أو يقصف، قال أنا أذهب إلى بيت الله والله هو الذي سيحميني، فأنا في ضيافته، فكان ينزل، وشعب قرّر ألا يذل، وعُرِضت على كثير من أبنائه إغراءات وإغواءات ليتركوا سوريا فرفضوا.

 

يحيى أبو زكريا: وأنت أحدهم، أنت أغريت وقُدّمت لك الدنيا برمّتها وقلت لهم انفرقعوا عني. هنا أريد أن أعود إلى إبنكم الشهيد سارية رحمة الله تعالى عليه ونحن في الذكرى السادسة لشهادته، وأنت استقبلت قاتليه وعفوت عنهم، لكن ما يزيد الأمر خطورة أنّك عندما سألت القتلة من لقّنكم الأمر لقتل ولدي سارية، قيل لك إنّ الأمر جاء من دولة خليجية؟

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: نعم.

 

يحيى أبو زكريا: لا أريد أن أحرّك لواعجك.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: سيّدي الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: لكن ماذا تقول في هذا السياق؟

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: في الذكرى السابعة لاستشهاد سارية، أقسم بالله، في استشهاد سارية، رأيت كلّ شابٍ من شباب وطني هو سارية، القاتل والمقتول بالنسبة لي سارية. أليس أبناء وطني.

 

يحيى أبو زكريا: عظَّم الله لكم الأجر.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: فالقاتل غرّر به والمقتول شهيد، ناديت القاتل ليستيقظ وليقول أو ليسمع ما قاله يوماً هابيل، لئن بسطت يدك إليّ لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك.

والله لقد تمكّن بعض قواتنا في الجيش السوري من مجموعات إرهابية كانت تختبئ داخل مدنيين لتدمّرهم عن بكرة أبيهم، فكان يأتيها الأمر لا تفعلوا فما ذنب هؤلاء المدنيين.

يوم قُصِفت حلب في يوم عيد الميلاد، ورأيت بيوتاً قد هُدِمت على رؤوس أطفال قد لبسوا ثوب الميلاد، خرجت على التلفاز صباحاً في العاشرة والدموع في عينيّ وأنا أرى الأطفال، فقلت يومها لجيشنا السوري، أناشدكم الله أية منطقة تخرج منها القذيفة لتقتل الأطفال والمدنيين في حلب، هنا أوجّه الخطاب للمدنيين الذين يسكنون مع الإرهابيين، أفرغوا المنطقة التي تخرج منها قذيفة لتقصف مناطقكم المدنية وعلى الجيش أن ينتقم بعدها ممّن يقصفون المدنيين.

أريد أن أسألهم، خلال ثماني سنوات ماذا دمّروا؟ دمّروا المصانع، المساجد، الكنائس، قبر عمّار إبن ياسر، قبر حجر إبن عدي، قبور الصالحين، التاريخ. لماذا فعلوا ذلك؟ هل هم أبناء أمّة؟ والله يقول للنبي صلّى الله عليه وسلّم إذهب فانظر إلى إرم ذات العماد، إلى أوتاد، مصر، إلى. تفرّج، أنظر إلى الآثار. لماذا دمّر هؤلاء الآثار؟ ليقولوا إنه لا يوجد في المنطقة إلا بنو صهيون لهم آثار وأنتم العرب المسلمون ليس لكم آثار. هكذا قالوا لهم أنها أصنام، كيف يقول الله لنبيّه إذهب وانظر إلى ديار سامودا وعاد وفيها أصنام.

إذهب إلى ذي الأوتاد في مصر وفيها أبو الهول، ولذلك لما جاء مرسي قرّر بعضهم أن يهدموا أبا الهول لأنه صنم. وَيحكم، إن الله أمرني أن أنظر ماذا فعل أجدادنا في التاريخ خطأ لأصحّح الخطأ.

 

يحيى أبو زكريا: بالمناسبة، حتى هذا الجامع وُجّهت إليه قذائف وأرادوا هدمه.

في سياق الانتصار السوري المدوّي الذي سوف يكون له دوّي لا أقول كدوّي النحل، لكن دوّي كدوّي السماوات والأرضين، ما الذي تقوله للعرب، للمسلمين، حتى يتعلموا من الدرس السوري ويجعلوه طريقاً مسلكيةً في حياتهم؟

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: ليتعلّموا من سوريا، نحن ذكرنا التاريخ والحاضر، نحن اليوم في سوريا نصنع المستقبل، وقد بدأنا والحمد لله بصناعته، فقبل أن أخاطب العرب والمسلمين وأبناء سوريا من كلّ الأطياف، أخاطب هؤلاء الذين خرجوا من سوريا مهاجرين، أقول عودوا إلى بلدكم فلا عزّ لكم إلا فيه.

وأقول لمن يلعبون لعبة اللاجئين، كفاكم، فقد سرقتم أموال العالم بإسمنا، فنحن في سوريا ما قبل الأحداث، كنّا نفتح القلوب للجميع، ونقول كلّ مواطنٍ عربيّ يدخل سوريا بلا تأشيرة، وكلّ من يريد أن يبني مصانع في سوريا، نقول له أهلاً بك، وها نحن علّمناكم الآن، أن أبناء سوريا الذين ذهبوا إلى مصر، إلى العالم، إلى الأردن، إلى لبنان، إلى تركيا، بنوا مصانع وبنوا ثقافة وبنوا حضارة، فما كان السوريون يشحذون على أبوابكم وما بيعت نساء سوريا، وليخسأ من قال إن نساء سوريا بيعت فنساء سوريا هنّ خولة رضي الله عنها، هم رجال ونساء دافعوا عن أمّة وليس عن سوريا، أقسم بالله أن سوريا اليوم دافعت عن أمّتنا العربية والإسلامية والإنسانية.

 

يحيى أبو زكريا: وستظل سوريا العربية عنواناً للكرامة، للكبرياء، للرفعة، للمجد للأناثة، هذه سوريا التي أحببناها ونحبها ونظلّ معها.

سماحة المفتي العام لا أقول للجمهورية العربية السورية، دعني أسمّيك مفتي العالم العربي والإسلامي.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: أنا خادم لهذه الأمّة.

 

يحيى أبو زكريا: مفتي خط طنجة جاكرتا، ما أحوج العرب والمسلمين إلى مواقفك. لمّا تكالبت الدنيا على بلادك عرفناك عزيزاً تدافع عن وطنك، نحتاج إلى فقهاء الأوطان، إلى فقهاء يذودون عن أوطانهم بدمائهم، بأبنائهم أيضاً. سماحة المفتي الدكتور أحمد بدر الدين حسون شكراً جزيلاً لك.

 

الشيخ أحمد بدر الدين حسون: ونحتاج إلى الميادين ونحتاج إلى إعلام له هوية وليس إعلاماً مأجوراً. إعلامكم إعلام أخذ هدفاً وخطاً وهو جَمْع الأمّة العربية وهداية الأمّة الإسلامية وتذكير الأمّة الإنسانية بالرسالة التي نحملها. شكراً لكلّ من ساهم في بناء هذا الصرح من الميادين.

شكراً لك، وأنت تنتقل من عمر المختار إلى يوسف العظمة، وأنت تنتقل من إبن باديس إلى عمر المختار وإلى عبد الكريم الخطابي وإلى أزهر مصر، أرجو أن أسمعك في مكّة، وأسمعك بجانب حضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأنت تقول له هذا الأمان، هذا عزّكم، هذا مَن جمع في قلوبنا، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

وستبقى سوريا لكم أيها العرب، وستبقى لكم سوريا بأبنائها الأعزّاء وستبقى سوريا في الميادين وتبقى الميادين في قلب سوريا.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوّة إلا بالله. شكراً جزيلاً لك، ذكرت رسول الله فاقشعر بدني. أغناني الشيخ عن الختام. في رِحاب الله.