حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

محمد علي ميرزائي - باحث في الدراسات الإيرانية العربية

 

 

محمّد علوش: العقوبات الأميركية الجديدة على إيران تدخل حيّز التنفيذ اليوم، والرئيس دونالد ترامب يقول: "هذه العقوبات ستكون الأشدّ في التاريخ".

الردّ الإيراني على الإجراءات الأميركية الجديدة لم يتأخّر كثيراً. التحدّي مستمرٌ بين أميركا وإيران منذ أربعين عاماً، الجهة المهزومة دائماً كانت الولايات المتّحدة، والمنتصرة كانت إيران. يغرّد المُرشد الإيراني السيّد علي خامنئي.

تزامناً مع سريان العقوبات، الإيرانيون يخرجون في مسيرات حاشدة رفضاً وتحدّياً لها.

ما هو معلن، الأميركيون يأملون من العقوبات تعديل السلوك الأميركي في المنطقة، وكذلك يجد فيها زعماء الجمهورية الإسلامية نيّة مبيّتة لإسقاط النظام برمّته.

العالم بدوره منقسم إلى محورين، محور داعِم للعقوبات على رأسه إسرائيل ودول خليجية، وآخر رافض لها أو مُتحفّظ عليها يضمّ دول الاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا.

فهل ستنجح العقوبات الجديدة في تحقيق مراميها؟

ما الهدف منها إسقاط النظام، أم تعديل السلوك الإيراني؟

هل المنطقة بعد العقوبات إلى صراعٍ مفتوح؟ وأين قد تُترجم مفاعيله؟

ما الذي ستفعله إيران لإجهاض تلك العقوبات؟ وأيّ دور يؤمل من حلفائها؟ وكذلك من الرافضين للعقوبات عليها؟

للنقاش معنا الدكتور محمّد علي ميرزائي الباحث في الدراسات الإيرانية العربية.

حيّاكم الله، وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا محمّد علي ميرزائي، الباحث في الدراسات الإيرانية العربيّة.

هذه العقوبات ليست العقوبات الأولى التي توقّع على إيران من قِبَل الولايات المتحدة، والردود الإيرانية ليست الأولى من نوعها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، حديث الرئيس ترامب على أنّها ستكون الأشدّ في التاريخ. بتقديركم، كيف سيتعاطى الداخل الإيراني رسمياً وشعبياً مع هذه العقوبات التي هي الأشدّ وفق التوصيف الأميركي؟ 

محمّد علي ميرزائي: بسم الله الرحمن الرحيم، تحياتي لكم وللمشاهدين جميعاً.

في الحقيقة، إنّنا نركّز أحياناً على الجانب الشديد من العقوبات، لكن نتجاهل الجانب الشديد من المواجهة والصمود الإيجابي. الجمهورية الإسلامية مُعتادة على هذه العقوبات كما تفضّلتم وأشرتم منذ 40 سنة لأنّ العقوبات هي آلية وأداة من أدوات الإسقاط والإضعاف والمواجهة التي يمارسها المُستكبر على الدول المُستعمرة في العالم، لكنّ إيران أبت والثورة الإسلامية رفضت هذا المنطق. وهي بالفعل أصبحت دولة، ومجتمع مقاوِم للعقوبات. العقوبات أصبحت أميركية بعد تطوّرات من جانب الأوروبيين الذين لم يوافقوا على هذا المنطق.

لذلك اليوم الجمهورية الإسلامية والثورة أصبحت مُمانعة ومُحصّنة ضدّ هذا المنطق العقوباتي. وأنا أعتقد أن السوق الإيرانية لا تعطي أهمية لهذا التهريج والتضخيم الإعلامي. طبعاً، العقوبات تترك آثارها، لكنّها تحدث تقلّبات، ولا تجعل الاقتصاد الإيراني والشعب الإيراني وأركان الثورة تضعف، أو تتراجع إلى الخلف.

هذا ما نراه، وهذا ما نشهده. لكن إسمح لي أن أشير إلى نقطة أخرى، وهي أنّ العقوبات الأميركية ستترك بعض الآثار على الاقتصاد الإيراني طبعاً، ونحن تعوّدنا عليها. لكن من جانب آخر، أنّ مقاومة الإيرانيين، والصناعة الإيرانية، والعقل الإيراني، والصمود الأسطوري الذي تُبديه الثورة الإسلامية ستترك وتركت آثاراً وتبعات خطيرة جداً على الواقع الأميركي، والمنطقة ومُعادلاتها.

نحن نريد أن نتحدّث عن الأمرين جنباً إلى جنب، تأثيرات هذه العقوبات، وأيضاً تأثيرات الصمود أمام هذه العقوبات، ومدى تقدّم إيران. إيران تصمد أمام العقوبات.

محمّد علوش: جيّد، نحن أمام مُعادلة، عقوبات شديدة مقابلها عقوبات أشدّ. تاريخها فرض على إيران عقوبات وحصار اقتصادي، وسياسي وإعلامي. 40 سنة مضت على هذه العقوبات وما زالت مستمرّة، لم يتغيّر الموقف الإيراني في كثير من المحطّات التي فرضت عليه عقوبات، اليوم تغيّر الموقف الأوروبي، وأصبح خارج دائرة مَن يفرض العقوبات على إيران، وكأنّ الولايات المتّحدة تغرّد مُنفردة إلى جانب حلفاء لها في المنطقة. السؤال الذي يطرح نفسه الآن، كيف تستثمر إيران هذا الانفراد الأميركي  للعقوبات بين كلّ المجتمع الدولي في التعاطي معها قبل الحديث عن كيفية المقاومة الداخلية لها؟

محمّد علي ميرزائي: في الحقيقة هذا الذي أشرتم إليه غايةٌ في الأهمية الالتفات إليه. أنا أعتقد أنّ الذي عُزِل هو الطرف الأميركي، وليس الطرف الإيراني. أميركا عزلت نفسها بين الأحلاف، والمُتحالفين معها.

الصوت الأميركي أصبح صوتاً كريهاً ضمن الرأي العام العالمي والعربي والإسلامي، أنا أتحدّث عن الشعوب والمجتمعات التي تمثّل ضمير الحضارات، ولا أتحدّث عن الُدمية التي تسقط هنا وتزال هنا، أو تنصّب هنا. الأميركيون اليوم يعيشون العزلة بالمعنى الحقيقي، لذلك لا يستطيعون أن يدّعوا أنّ ما يدعون إليه يلقى ترحيباً.

كلّ الذين يتجاوبون مع المنطق الأميركي في هذه المحاولات المُجرمة، والإرهاب الاقتصادي والإنساني بالمعنى الدقيق للكلمة. كل الذين تجاوبوا معها نسبياً، تجاوبوا معها وهم أعلنوا سخطهم عليها. هذا يعني أنّ الأميركيين في مأزق أخلاقي إنساني، ويفرضون ذلك على العالم، مُستغلّين الحاجات الطبيعية للدول، والمجتمعات، والأنظمة. أيضاً، أريد أن أشير إلى نقطة أنّ الإيرانيين يردّدون نفس منطقهم الذي يقولونه منذ أربعين سنة، إنّما طوّروه.

الإيراني كان له موقف في بدايات الثورة الإسلامية، وهو موقف للمحاولة والبقاء والصمود، والمقاومة أمام مشاريع الإسقاط. هذا ما كان عليه في بداية الثورة، ولكن اليوم كما تعلم عزيزي، ويعلم المشاهد الكريم، اليوم الإيرانيون يعتبرون أنفسهم رقماً صعباً في خرائط التحوّل الاستراتيجية، والجيوسياسية في المنطقة، وفي العالم.

اليوم الإيرانيون يرون أنفسهم شركاء حقيقيين في حسم المعارك الكبرى في العالم والمنطقة. لذلك إيران تقدّمت، وطوّرت أدبيّاتها الاستراتيجية في العالم. اليوم الدول التي تسعى إلى التطبيع مع إسرائيل، لماذا تفعل ذلك؟ هل سألنا أنفسنا لماذا تتنافس الدول للتطبيع مع العدو؟

محمّد علوش: هل هذا الأمر بالعقوبات على إيران؟ لكن حضرتك في الإجابة على السؤال الأول أشرت إلى إمكانية تأثير العقوبات الاقتصادية على الداخل الإيراني. إلى أي حدّ هذه العقوبات قد تكون مؤثّرة؟ كيف تترجم في الموقف الرسمي؟ هل سنشهد بعض الليونة في الموقف الرسمي الإيراني؟

محمّد علي ميرزائي: في الحقيقة أنّ الشعب الإيراني ليس شعباً يرضى بسرعة في مسير التطوّر. اليوم يوجد شيء من الامتعاض في الشارع الإيراني في ما يتعلّق بالاقتصاد، لكن هذا طبيعي وإيجابي. إلا أنّ الإيرانيين يريدون تحقيق طموحاتهم.

ولكن بالنظر إلى عُمق العُمق، لو نظرنا إلى الاقتصاد العميق كما يُقال الدولة العميقة، الاقتصاد العميق، الثقافة العميقة، الذهنية العميقة للمواطن الإيراني تقول أنّ الإيرانيين يعلمون أنّهم طوّروا اقتصادهم، وأنّهم اليوم على علاقات مفتوحة مع كلّ العالم.

أنظر عزيزي النفط، العقوبات النفطية كانت أكبر سلاح للضغط على إيران. ترامب مع عنجهيّته وتغطرسه يستثني أكبر زبائن النفط الإيراني من العقوبات. ما هو الدليل والمؤشّرات في مثل هذا القرار؟ هو تراجع، وهو القبول بالاستسلام بأنّ إيران اليوم عصيّة على أن تعاقب نفطياً. وقال روحاني اليوم حتّى لو لم يستثنِ الأميركيون تلك الدول الثماني، كنّا نبيع نفطنا. لذلك، إيران بيدها أوراق خطيرة في المنطقة بها يستطيع الإيرانيون والثوّار الإيرانيون أن يقولوا نحن لا يمكن  أن نقبل بالاستسلام والخضوع. نحن لا نقاوم سلبياً. نحن نقاوم إيجابياً.

محمّد علوش: وعلى ذكر تصريحات الرئيس روحاني الذي قال أنّ إيران ستبيع نفطها، وستخرق العقوبات الظالمة داعياً إلى تقديم امتيازات للاستثمارات الأجنبيّة.

فرض العقوبات الأميركية جزء منها اقتصادي في مضمونه نفطي بطبيعة الحال. كيف لإيران أن تبيع نفطها، وأن تخرق العقوبات الظالمة كما يصفها روحاني؟ هل سيكون هناك نوع من التمرّد على العقوبات الأميركية؟ أم أنّ إيران ستعود إلى الأساليب السابقة التي كانت تعتمدها في إطار محاولتها للتخفيف من الحصار والعقوبات المفروضة عليها؟

محمّد علي ميرزائي: طبعاً أولاً، هناك منطق التعامل مع أوراق الضغط، ومنطق التعامل مع الساحات الكثيرة، أو سياسة واستراتيجية وإدارة الساحات المتنوّعة اقتصاداً، وسياسة، وجيوبوليتك.إيران تعرف جيداّ كيف تتعامل مع العالم.

ثانياً، العقوبات الأميركية عزيزي ليست عقوبات ذات شرعية دولية. اليوم الأوربيون هم أشدّ المقاومين أمام العقوبات الأميركية. وعلى فكرة، من أهم ما يحدث الآن، والمشاهدون سيسمعونها بتفاصيلها بعد سنوات قليلة أن الأوروبيين في ضوء التعامل الإيراني الاستراتيجي معهم يسعون للتملّص والتخلّص من الهيمنة التاريخية الاقتصادية للأميركيين عليهم. اليوم الأوروبيون يصرّون على الانفصال بالنظام البنكي الأوروبي عن الدولار، هذا مقدّمة لانهيار الاستكبار الاقتصادي للدولار الأميركي.

هيمنة الدولار ستزول، والعالم بعد سنوات قليلة سيشهد أنّ أكبر عنصر للاستعمار العالمي الأميركي، وهو عنصر الدولار قد سقط. هذا بفعل الصراع الحضاري الإيراني مع الجانب الأميركي. لذلك، أنا أعتقد أنّ العقوبات الأميركية لن تستمر، وأنّ الأميركيين سوف يعاقبون ترامب والجمهوريين قريباً من خلال تغيير معادلات أساسية في المنطقة والعالم، وفي الداخل الأميركي عبر الانتخابات.

أنا أريد أن أقول، أنّ العقوبات الأميركية هي عقوبات دولة ضدّ دولة ليست أكثر. لكن أميركا لها أوراق ضغوط على بعض الدول بقدر ما تمتلك أميركا كدولة فقط من 200 دولة، بقدر ما تمتلك أوراق الضغط على دولة مسكينة وضعيفة وتعيسة، بنفس المقدار هي تستطيع أن تفرض عقوبات على إيران من خلال منع هذه الدولة من التعامل.

لكن السؤال، هل اليوم أكبر تحالف عالمي مع إيران، وتعزيز إيران اقتصاداً وتجارةً؟ أم أكبر تحالف هو التحالف الأميركي مع العالم؟ هو الأول، هو الصحيح.

الأميركيون اليوم فشلوا في أن يشكّلوا تحالفاً دولياً لصالح إرادة العقوبات. وأنا أعتقد أنّ منطق العقوبات بات منطقاً بشعاً.

محمّد علوش: هي نقطة إيجابية لصالح إيران أن تكون الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم تغرّد مُنفردة في فرض عقوبات على إيران، في حين تنسحب قوى أساسية في العالم مثل دول الاتحاد الأوروبي وروسيا، وأيضاً دول إقليمية مثل تركيا وغيرها، إضافة إلى الصين بطبيعة الحال والهند.

لكن كيف سينعكس ذلك على الداخل الإيراني؟ سؤال يطرح نفسه.

في صحيفة الأخبار اللبنانية يرى مجيد مرادي أن العقوبات الأميركية على إيران جاءت بنتائج عكسية، حيث عزّزت اللحمة الداخلية في المجتمع الإيراني.

نشاهد معاً.

 

(الأخبار اللبنانية/ التهديد الأميركي بمفاعيل ضعيفة: مزيدٌ من الفرص الإيرانية/ مجيد مرادي):

«بعد يومٍ على إحياء ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1981، تدخل الدفعة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران حيّز التنفيذ. وخلافاً لتوقّعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم تحقّق الدفعة الأولى مكاسب مهمّة، بل على العكس أدّت إلى المزيد من التضامن بين الشعب والنظام وتوحيد الصفوف في الداخل، خصوصاً بين التيارين الرئيسين، الإصلاحي والمحافظ. وما يؤكّد صحّة هذا الإدعاء هو عدم اندلاع أية تظاهرة شعبية ضدّ النظام ولا ضدّ الحكومة طيلة تلك الشهور الثلاثة التي مضت على إعادة الحزمة الأولى، وبالتأكيد لن تندلع بعد اليوم. ما يعني أنّ الرئيس ترامب يخدم النظام الإيراني أكثر ممّا يضرّه، في حين أنّ دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيّما فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تحرص على إبقاء الاتفاق النووي، ووفّرت قناة التواصل المالي بدلاً من شبكة سويفت التي هدّدها وزير الخزانة الأميركية بالعقوبة، وتشغيل شبكة "أس. بي. واي" التي صمّمها الاتحاد الأوروبي للتعويض عن سويفت سيفتح لإيران قناة للتبادل المالي في حال إغلاق الثانية في وجهها. ومن المرجّح عدم اقتصار مفاعيلها على التبادل المالي مع إيران، فحتى الهند والصين وروسيا ستتمكّن من استخدامها في التعامل مع إيران وفي ما بينها. وأكثر من ذلك فإنّ تلك القناة تفتح مجالاً لأوروبا لتقوية اليورو أمام الدولار).

 

محمّد علوش: عودة إليك أستاذ محمّد ميرزائي.

أكثر من نقطة في المقالة، لكن أهمّها قبل الحديث عن الداخل الإيراني واللحمة ولاسيما بين ما يُسمّى التيار الإصلاحي والمحافظ. المقالة تشير إلى استبدال شبكة سويفت الأميركية المعمول بها دولياً في ما يتعلّق بالتعاملات المالية عبر العالم إلى شبكة جديدة "أس بي واي" بسبب العلاقات الأوروبية الراغبة باستمرار المصالح الاقتصادية مع إيران. كما أشرت حضرتك هذا يعطي إشارة إلى تحوّل نوعي في العلاقات الدولية في التحرّر من الدولار والضغط الأميركي عليه.

إلى أيّ حد قد تستثمر إيران هذا الأمر؟ يقول البعض أنّ لإيران طموحات إقليمية واسعة، هذا النوع من التعاملات بعيداً عن الدولار، وفي التحرّر من قبضة الولايات المتحدة، وفي تأسيس عالم جديد أقلّه في المنطقة من التأثير الأميركي.

محمّد علي ميرزائي: إنّ سنّة التدافُع الحضاري، وهي سنّة إلهية طبعاً سبّبت حصد وإنجاز الثورة الإسلامية مكاسب عالمية ضخمة منها مثلاً قبل أسبوع قال أعضاء مجموعة الثمانية، وتعلمون تركيا ونيجيريا وإيران. هي ثماني دول شكّلها الراحل أربكان قبل سنوات، هذه المجموعة الضخمة المليارية في السكّان أعلنت أنها ستتّخذ من غير الدولار في التجارة.

يعني أنّ العالم سيشهد انقلاباً ثورياً اقتصادياً على الطرف الغربي والأميركي من خلال هذه التطوّرات. هذا بفضل وجود هذا الصراع الحضاري الإيراني مع الطرف الأميركي، هذا أولاً. وثانياً، في الواقع ليست مسألة اللحمة بين الإيرانيين، وحدها كعنوان عام هي حقيقة. والاقتصاد الإيراني ليس معملاً للمنّ والسلوى، هناك صعوبات لا ننكرها، توجد هذه الصعوبات في أميركا، فالديون الأميركية تفوق عجز الدولار الأميركي بمئات الترليونات من الدولار.

المسألة الثالثة هي أنّنا في إيران من خلال أربعين سنة نشكّل نموذجاً اقتصادياً خاصاً استطعنا من خلاله أن نحصّن الداخل كي لا ينهار أمام هذه الضغوط، وهذه أهمّ نقطة.

محمّد علوش: حضرتك تتحدّث عن الوضع الداخلي، وكان بودّي أن أفهم قبل ذلك، كيف يمكن لإيران أن تستثمر في موضوع "أس بي واي" كنظام دولي مُتّبع داخلياً على الأقلّ؟ لأنّ هناك من يقول إنّ الحاجة إلى العملة الصعبة في الداخل هي أحد الأسباب السياسية التي قد تضعف إيران بوجه الولايات المتّحدة الأميركية.

 محمّد علي ميرزائي: هذا سؤال مهمّ، في الحقيقة يجب أن نعلم أنّ بناء الاقتصاد العالمي، وبناء الاقتصاديات الداخلية في الدول المسكينة، أنا قبل الأمس كتبت في صفحتي على الفيس بوك وقلت إنّ كلّ الدولة التي تعمل على الدولار يجب أن تنتظر إنقلابات وتطوّرات خطيرة في داخلها. هذا الدولار الذي كان بنيّة النظام المالي على مرّ سنوات، اليوم لا يستطيع الإيرانيون أن يعلنوا استغناءهم التام عن الدولار الذي يشكّل قدرة اقتصادية ضخمة.

لكن السياسة الاقتصادية الإيرانية الاستراتيجية الآن ترتكز على التخلّص من هيمنة وشرّ الدولار، وهناك نجاحات، لكن يجب أن ننتظر سنوات قليلة حتى تنتهي سيطرة الدولار على الاقتصاد الإيراني نهائياً.

محمّد علوش: الربط بين الاقتصاد وحال الوفاق بين الدولة والمجتمع والتي لا يمكن تفكيكها. الداخل الإيراني وفق الأطروحة الأميركية، والرؤية التي تسوّقها الولايات المتّحدة أنّ مزيداً من الضغط الاقتصادي قد يخلق مللاً وامتعاضاً في الشارع الإيراني الذي يفترض أن ينتفض على النظام، ويستشهدون بمحطّات تاريخية.

في قادم الأيام، ما الأمور التي يمكن أن تقوم بها إيران للحدّ ممّا تفعله العقوبات على الداخل الإيراني أقلّه كقدرة شرائية للمواطن، وعلى الدولة ومؤسّساتها الاقتصادية؟

محمّد علي ميرزائي: في الحقيقة هذا الفكر والزّعم صحيح، ولكن ليس مع الشعب الإيراني. الاقتصاديات التابعة والدول التي ترتهن، وترتكز في استهلاكها وإنتاجها الاقتصادي على الواردات، لكن الداخل الإيراني يعجّ بإنتاج السيارات والبرادات واللوازم والأثاث البيتي، يتميّز بإنتاج كلّ شيء.

أنا أعطيك مثالاً عن الدواء، إيران 95% من الأدوية.

محمّد علوش: من أهم حاجاتها للأدوية.

 محمّد علي ميرزائي: إيران اليوم مُصدّرة للدواء إلى العالم، وكذلك اقتصادياً عزيزي الفاضل، فالداخل الإيراني يعجّ بالقدرات. فالإيرانيون منذ الإمام الخميني وإلى اليوم إلى الإمام الخامنئي، السياسة الكبرى هي الاقتصاد المقاوِم، وهو اقتصادٌ أهلي ليس معزولاً عن العالم، ولكنّه يرتكز على قدرات العقل الإيراني، وليس على الأيدي المُنتجة الأوروبية والأميركية.

أنا أعتقد أن هناك زلازلاً اقتصادية بهزّات متوسّطة تأتي وتذهب، هذا لا ننكره. لكن الاقتصاد العميق، وأنا أصرّ على استخدام هذا المُصطلح، الاقتصاد العميق الإيراني مقاِوم ويستمرّ، وهذه المطّبات والمُفرقعات ستنتهي. وتبقى القدرة الإيرانية للمعامل والمصانع والتقدّم التكنولوجي سيحسم الأمور للاقتصاد الإيراني.

وعلى فكرة أنا اليوم أخبركم، ولأول مرة أصبح البيت الإيراني يُراهن على المنتوج الداخلي بمقدار 90%، لماذا؟ لأنّ الواردات أصبحت غالية جداً. شراء البراد من المنتوج الإيراني كان يكلّف 30% أقل من المنتج الخارجي، الآن أصبح سعر المنتج الخارجي أربعة أضعاف المنتج المحلي، لذلك أفضّل أن أستهلك المنتجات الإيرانية.

محمّد علوش: والمنتج الداخلي تزداد معه الجودة وتتحسّن.

محمّد علي ميرزائي: عفواً فقط جملة.

محمّد علوش: تفضّل.   

محمّد علي ميرزائي: أنا أريد أن أقول إنّ ما كان ترامب يريده إضعاف الاقتصاد، لكنّه خدم الاقتصاد الإيراني والإنتاج المحلي من حيث لم يكن يريد، هذا ما أحببت أن أقول.

محمّد علوش: بعد الفاصل مشاهدينا، هل سيبقى استقرار النفط على حاله مع سريان العقوبات الأميركية؟ هل هذه العقوبات تمهيد لحربٍ عسكرية في المنطقة كما تشير إلى ذلك بعض السيناريوهات؟

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

«فاصل»

محمّد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة التي نخصّص الحديث فيها عن العقوبات الأميركية الجديدة على إيران.

صحيفة الشرق الأوسط السعودية أعدّت تقريراً عن العوامل التي تدفع إلى استقرار النفط عالمياً رغم سريان العقوبات على إيران.

نشاهد معاً.

(الشرق الأوسط/ عوامل تدفع أسواق النفط إلى تماسك حَذِر قبل بدء العقوبات الأميركية):

قبل ساعات من دخول تلك العقوبات على النفط الإيراني حيّز التنفيذ تبرز أربعة عوامل أدّت إلى هدوء نسبي في أسواق النفط العالمية، أولّها الإعلان الأميركي عن وجود بعض الاستثناءات المؤقتة لثماني دول من الحظر ، ما أدّى إلى تهدئة مخاوف بعض الدول التي تعتمد بشكل حصري على النفط الإيراني من حدوث كبوة مُفاجئة في الإمدادات.

العامل الثاني برز خلال الأسبوع الماضي أيضاً، حيث اتّجهت المخاوف إلى مزيدٍ من الهدوء بعدما أشار أكبر ثلاثة مُنتجين في العالم (روسيا والسعودية والولايات المتحدة) إلى أنّهم يضخّون بمستويات قياسية أو قرب مستويات قياسية.

كما كان العامل الثالث يتمثّل في إعلان السعودية عن قدرتها على زيادة إنتاجها إلى ما يصل إلى إثني عشر مليون برميل، وهو ما كان له أثر كبير في امتصاص المخاوف من نقص المعروض. أمّا العامل الرابع فيتصلّ بالسلوك الإيراني نفسه، إذ يرى مُحلّلون أنّ أثر العقوبات سيكون «أقلّ مما يتحدّث عنه الكثيرون». إذ إنّ الإيرانيين أتقنوا لعبة العمل في ظل العقوبات. وفي الأسبوعين الماضيين تراجعت المُراهنات الصافية على صعود الأسعار إلى أقلّ مستوى في ما يزيد على عام، وتسارع البيع يوم الخميس الماضي( ليزل) خام تكساس الوسيط الأميركي عن 65 دولاراً للبرميل.

 

محمّد علوش: نعود إليك دكتور محمّد علي ميرزائي، الباحث في الدراسات الإيرانية العربية.

كان البعض يقول إنّ إيران كانت تراهن على ارتفاع هائل في ارتفاع أسعار النفط عالمياً ممّا يخلق نوعاً من الخوف الدولي الذي ضغط في المقابل على الولايات المتّحدة الأميركية للتخفيف من العقوبات على إيران. والذي يحدث الآن كما تقول الصحيفة أنّ هناك استقراراً في أسعار النفط، وهناك تعهّد من قِبَل السعودية وغيرها لمحاولة تلافي أيّ ارتفاع في أسواق النفط.

هل هذا قد يخدم إيران في مشروعها الاقتصاد المقاوِم؟ أم أنّ هناك مُراهنة ما على تطوّر ما قد  يحدث في أسعار النفط مستقبلاً؟

 محمّد علي ميرزائي: لا، هذا يخدم. في الحقيقة أنّ وَهْم الأميركيين أنّهم سينجحون في تصفير تصدير النفط الإيراني، وإيصال الصادرات إلى الصفر، هذا كان وهماً. يعني لطالما تشدّقوا بالموضوع، لكن أخيراً تراجعت أميركا عن فرض العقوبات على النفط الإيراني.

اليوم أميركا لا تقول أنا تراجعت، ولكنّه في الحقيقة استثنت ليس ثماني دول، استثنت النفط الإيراني من العقوبات، فأصبح النفط خارج لعبة العقوبات في أقلّ تقدير إلى إشعار آخر.

النقطة الأولى، إنّ الفشل الذريع لحق بالأميركيين، ولو كانت أميركا لا تستثني الدول المستوردة للنفط الإيراني لبلغت أسعار النفط  أسعاراً خيالية قد تصل إلى مئة دولار أو أكثر. عندما تستثني أميركا هذه الدول تعني في التحديد في ما تعنيه أنّ كلام السعوديين في أنّنا سنعوض عن نقص الصادرات النفطية الإيرانية كلام هُراء لا أساس له. إذا كانت السعودية أو روسيا تستطيعان التعويض عن النفط الإيراني في السوق. فلماذا استثنت أميركا هذه الدول؟ هذا يدلّ على أنّه كلام هُراء ومن دون قيمة.

المسألة الثانية، وأنا مؤيّد لما تفضّلتم به. الحال الإيرانية تستطيع أن تمتصّ الضغوط بشكل تدريجي. اليوم تأجّل فرض العقوبات على النفط الإيراني، الآن إيران تتنفّس الصُعداء إلى إشعار آخر، والضغوط ستذهب إلى أماكن أخرى. إيران خلال هذه الفترة، في الأشهرالقادمة، ستة أشهر أو سنة ستعمل على عقد أكبر عدد ممكن من الصفقات النفطية مع كلّ هذه الدول الكبرى والضخمة. وبعد ستة أشهر لكلّ حادث حديث. لا أعتقد أنّ الإيرانيين من دون العقوبات على إيران  على النفط الإيراني يستطيعون فعل شيءٍ، أهمّ شيء في العقوبات هو مسألة النفط، ومسألة سويفت (النظام البنكي لمُبادلة الأموال)، وكلا الأمرين أحدها الأوروبيون سيحلّونها، وأظن خلال الأربعة أيام القادمة سوف تعلن أوروبا رسمياً عن القناة الحديثة للتبادل المالي مع إيران، وللشركات الإيرانية، والنفط أيضاً خارج عن لعبة العقوبات. بالتالي فشل المشروع الأميركي فشلاً كاملاً.

محمّد علوش: إذا كانت الولايات المتّحدة كما تقول حضرتك إنّها تعرف تماماً أنّه من دون عقوبات نفطية على إيران لن تحقّق المُراد. إذاً، لماذا قامت بفرض هذه العقوبات طالما استثنت بعض الدول حتّى إشعار آخر؟ لماذا إعادة مثل هذه العقوبات طالما أنّها لا تحقّق شيئاً في التعامل مع إيران؟ طبعاً من وجهة النظر الإيرانية.

تفضّل.

محمّد علي ميرزائي: هذا ليس وجهة نظر خاصّة بي فقط، أنا أقول إنّ المواقف الأميركية في عهد ترامب تتسمّ بسمتين أساسيتين: سِمة اللا أخلاقية، وسِمة اللا حكمة والمنطق. السِمة اللا أخلاقية تكمن في أنّها لا تلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات والوعود والتواقيع، يعني ترامب لا يعطي قيمة للتوقيع الذي يضعه على الأوراق. ولا يولون أيّة أهمية أو قيمة لأيّ تعهّد أميركي.

أصبحت أوروبا والعالم يسيئون الظنّ بالموقف الأميركي، ولا أحد يثق به. أميركا اليوم في أزمة ثقة، غير الأزمة الأخلاقية. السِمة الثانية هي سِمة اللا منطق.

محمّد علوش: ما الذي يريده ترامب من إيران؟

محمّد علي ميرزائي: يريد استسلام إيران وخضوعها. اليوم قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن رؤساء أربع دول توسّطت لدى الإيرانيين ليقبل روحاني باللقاء والحوار مع ترامب الذي يريد أن يبرز عضلات وهميّة. ترامب رجل لا يمتلك منطقاً ولا أخلاقاً، يريد أن يقول أنا نجحت. والعالم سيضحك عليه كما ضحك رؤساء العالم في الأمم المتّحدة على هذا الموقف.

محمّد علوش: يعني ليس هناك تراجع في الموقف الإيراني؟ كيف تفسّر لي تزامن سريان العقوبات مع تصريح نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني العميد حسين سلامة حول بقاء القوات الإيرانية في سوريا ، حيث يقول إنّه لا توجد لدى إيران أية خطة للبقاء طويلاً في سوريا؟ البعض يقرأ أنّ هناك نوعاً الليونة في الموقف الإيراني.

محمّد علي ميرزائي: اليوم هناك تنافس شديد بين الإرادة الإسرائيلية السعودية والإرادة الإيرانية في حسم القضية الكبرى للأمّة الإسلامية وفي المنطقة وبالتحديد في آسيا الغربية. اليوم إيران تلعب ضمن الخرائط الاستراتيجية الكبرى، ليست مسألة سوريا فقط. ترامب لا يريد أن تكون إيران يداً فاعلة، وطرفاً في حسم ما يتعلّق بالعالم الإسلامي والعربي كي يحتلب في الحقيقةإابن سلمان متى يشاء. لكن في الواقع أنّ هذه الخرائط الاستراتيجية لا يمكن أن تؤثّر وتنجح إلا مع مشاركة حقيقية للدور الإيراني في مجمل الأحداث في المنطقة. ترامب لا يريد أن يكون الطرف الإيراني طرفاً فعّالاً في إضعاف الموقف الإسرائيلي والسعودي. المسألة هي أكبر من الاقتصاد الإيراني، المسألة هي قضايا العالم.

محمّد علوش: من الدول المُنخرطة في مسألة العقوبات السعوديّة، والإمارات. الإمارات على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش يقول إن الدول العربية تريد لإيران أن تكون هادئة ومستقرّة، لا أن تقوم بدور مشاغب أو سلبي في العالم العربي، ولا في المحيط أو الجوار الإقليمي. هم لا يريدون إبعاد إيران كما يقول، لا يريدون إبعاد حضورها، هم يعترفون بهذا الحضور. لكن يريدون حضوراً إيجابياً.

برأيك، لماذا إيران لا تستطيع أن تقدّم هذه الرؤية، أو تقنع الدول التي ترى ضرورة فرض العقوبات لتغيير السلوك الإيراني؟

 محمّد علي ميرزائي: في الحقيقة إنّ الإماراتيين والسعوديين والبحرانيين، هذا الكيان الخليجي الموجود استسلم استسلاماً مطلقاً، ورفع يديه وقال أنا مستسلم لأميركا ولنتنياهو.

ورأينا الإرهاصات الخطيرة للتطبيع السياسي مع إسرائيل وأميركا، هذا يعني الاستسلام. لكنّ الشعب الخليجي يأبى ذلك، لكنّهم باتجاه الاستسلام. إيران لا تريد أن تستسلم، وتقاوم، ويقاوم معها الشعب الخليجي والإسلامي، والشعب العربي برمّته، هذه النقطة الأولى.

النقطة الثانية عزيزي، إنّ الإماراتيين اليوم يرتكبون أكبر الجرائم في اليمن. اليوم الملايين من أطفال اليمن يخضعون لأبشع الجرائم، جرائم التجويع والتقتيل والأشلاء. يعني هم يقطعون أجساد أطفال اليمن بالمناشير، بهذا المنشار الذي بعض هذه الدول يقطعون أعضاء معارضيهم هنا وهناك. في الحقيقة إنّ الإماراتيين والسعوديين هم الذين حوّلوا المنطقة إلى ثكنة عسكرية أميركية، حوّلوا مياه الخليج إلى مجالٍ للمُقاتلات الأميركية لتدمير العراق والمنطقة برمّتها. اليوم اليمن والعراق وسوريا وكلّ هذه المنطقة تحترق لأجل سياسات إيران، أم لأجل سياسات إبن سلمان والعائلات الحاكمة في الخليج الفارسي.

المشكلة عزيزي هي أنّ الخلاف بين إيران وهذه الدول، إنّ هذه الدول ليست دولاً مستقلة. أنا قبل الأمس قلت، إنّ السعودية دولة عميلة والبحرين دولة عميلة للعميلة، يعني ليس كل هذه الدول في الطبقة الأولى من العمالة. بعضها تمارس عمالة في ضوء عمالة دولة أخرى. نحن نريد التشارك مع هذه الدول، ونريد الحوار معها. هم جيراننا، وشعوبهم شعوبنا، وحضارتنا مشتركة تاريخياً. لكن القرار الإماراتي ليس قراراً مستقلاً عن أميركا وإسرائيل، هذه مشكلتنا، والبحرين تريد أن تستضيف نتنياهو. والسؤال هل الشعب البحريني يريد استضافة رأس الكيان الصهيوني؟ لا يريد ذلك.

إذاً، هذه الدول في مأزق، وليست إيران. إيران سياساتها سياسات شعوب المنطقة، وقرارات هذه الدول قرارات الارتهان والتبعية. هنا مكمن النزاع العربي الإيراني في هذه المنطقة مع الأسف الشديد.

محمّد علوش: على ذِكر التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، البعض كان يقرأ فيه تحوّلاً في الموقف العربي نتيجة استجلاب الدعم الأميركي لبعض النظم العربية.

هناك من يقرأ فيه شيئاً آخر، صحيفة رأي اليوم الإلكترونية على سبيل المثال، يرى بسّام أبو شريف تعاوناً عسكرياً محموماً بين دول خليجية وإسرائيل برعاية أميركية تمهيداً لضرب إيران والمقاومة.

نشاهد معاً.

(رأي اليوم: ترامب وحلفاؤه أنهوا الاستعدادات الخاصة لشنّ الحرب على إيران والمقاومة/ بسّام أبو شريف)

لم يكترث كثيرون لما يشاهدونه من زيارات العار التي يقوم بها مسؤولون إسرائيليون إلى دول خليجية تبدو فرحة بزيارة مجرمي الحرب لها، وترحّب بهم الجوامع والملاعب والغرف المغلقة للمشاركة في الجرائم التي ترتكب ضد أمتنا العربية في فلسطين واليمن والعراق وسوريا.

فالوثائق التي أمكن الحصول عليها تؤكّد التعاون الاستخباراتي بين السعودية وإسرائيل بشكل خاص، وأنّ عمليات مشتركة تمّ تنفيذها انطلاقاً من هذا التعاون في سوريا من خلال داعش والنصرة وفصائل إرهابية أخرى.

 

وفي اليمن يعمل ضباط إسرائيليون بأعداد كبيرة في عدد من الجزر لإقامة قواعد للبحرية الإسرائيلية تحت عَلَم سعودي. التسريع في الإعلان عن هذه اللقاءات هدفه تهيئة دول الخليج لتعاونٍ عسكري مفتوح مع إسرائيل والولايات المتحدة لضرب إيران والمقاومة.

الفخ الحقيقي هو أنّ إسرائيل تريد هدوءاً على الجبهات الفلسطينية لاقتراب موعد فتح الجبهة الكبيرة التي أشرنا إليها، وبغضّ النظر عن الموقف من المجلس المركزي نرى أنّ على الفصائل أن تتخذ من قراراته منطلقاً للعمل على تنفيذها، والدعوة إلى حوارٍ سريع جداً في الأردن لرأب الصدع، وإعادة اللحمة إلى الصف الفلسطيني استناداً إلى تلك القرارات، وهي تجميد الاعتراف بإسرائيل وإسقاط أوسلو، والإصرارعلى حبّة من أرض عام 1967، والقدس الشرقية، ألا ترون ما أرى؟

 

محمّد علوش: دكتور محمّد هل تجدون أنّ التعاون العسكري، وليس مجرد تطبيع سياسي هو تمهيد لحربٍ على إيران انطلاقاً من العقوبات؟   

محمّد علي ميرزائي: أريد أن أجيب بمسألتين أساسيتين. الأولى رداً على هذا السؤال مباشرة، إنّ المنطقة ومعادلاتها، والمنطقة الرخوة من إمكانيات هذه الدول التي هي بمعظمها غير ديمقراطية، وشعوبها ليست معها. الدول التي لا تؤيّدها شعوبها، وترتهن لليد الخارجية، والنظام المخابراتي الإسرائيلي الأميركي. هذه الدول لن تستطيع أن تقاوم أمام أية عملية أو افترضات في المواجهة مع إيران. الدول العربية مجرّد فتح معركة مع إيران، الشعوب العربية ستقضي عليها قضاء نهائياً. يعني لو فتحت السعودية حرباً مع بعض الدول ضد إيران، فشعوب المنطقة ستقضي عليها، وتنقلب عليها بشكل كبير، لأنّ هذه الدول لا تراهن على إرادة شعوبها، وإنما على إرادة نتنياهو. كانوا في السابق من تحت الطاولة يقومون بذلك. لكن اليوم أصبحت من فوق الطاولة.

النقطة الثانية، كل الاستراتجيين في العالم هم تحدّثوا في حال اندلاع حرب بين إيران وبعض هذه الدول، هذه الدول بعدد قليل من الصواريخ الكبرى ستفشل، وستنتهي الحرب لصالح إيران. لن تنتصر هذه الدول على الجارة الكبيرة إيران لأسباب كثيرة، الآن الحلقة لا تسمح بفتحها، تحتاج إلى حلقة استراتيجية عسكرية.

المسألة الثالثة التي أحب أن أذكرها، وهي مهمّة جداً جداً. فقد كان في السابق، الدول العربية كانت تتخفى وتتستّر وراء العناوين القومية مثل فلسطين، وفي السعودية وراء شعار خادم الحرمين الشريفين والمدينة ومكّة. وقتها أنا شخصياً محمّد ميرزائي كنت أقول: يا الله، لو كان أيّ صاروخ يمني يقصف أياً من المدن المُقدّسة عن طريق الخطأ، كيف سيتصرّف العالم الإسلامي؟ اليوم أقول: ولأنّ بن سلمان والسعودية، ولأنّ الإمارات والبحرين باتوا قاب قوسين أو أدنى من توحيد النظام الأمني العسكري السياسي العربي الُمتصهين والإسرائيلي الصهيوني، فالنظام الصهيوني والمُتصهين أصبح قريباً جداً من التوحّد. يجب على المقاومة أن تضرب هذه الدول، وشعوبها لا تعتبرها استهدافاً للمقدّسات.

هذا انتحارٌ لهذه الأنظمة. البحرين إذا استضافت نتنياهو في داخل المنامة، والإمارات كذلك غداً، ما الذي يحصل على هذه الدول من جهات كثيرة في العالم، وفي غيارى العالم؟ أعتقد أنّ الشعب لا يقول إنّنا ضربنا لأنّنا عرب، أنت ضربت لأنّك متحالف مع الصهيونية وإسرائيل. لست تضرب لأنّك سعودي، أو لأنّك في الحرمين الشريفين.

هذه العناوين تشكّل خطراً. أريد أن أقول إنّ التطبيع العربي الإسرائيلي يعرّي هذه المنطقة والأنظمة، ويجعلهم على كفّ عفريت. وكلّ المستقبل لهذه الدول سيذهب هباء منثوراً.

محمّد علوش: دكتور محمّد سألنا ما إذا كانت إيران تعتقد على الصعيد الرسمي، أو حتى على الصعيد الشعبي أنّ هذه العقوبات هي بدء لعمل عسكري أميركي وليس من دولة جارة في إطار من التحالف الدولي، وهناك تحالفات كثيرة تقوم الولايات المتحدة بإنشائها في معاركها في العالم، وقد تقوم بذلك ضدّ إيران في قادم الأيام.

  محمّد علي ميرزائي: المنطق التاريخي لا يقول بذلك، المنطق التاريخي يقول إنّ أميركا لا تستطيع أن تشنّ حرباً، هم يعلمون اليوم أمام زوارق سريعة للحرس تستسلم سفنهم الكبرى. اليوم الوجود الأميركي في الخليج الفارسي وجود مستسلم ومسالم، ليس وجوداً متعربداً ضد الإيرانيين، قادة هذا الوجود العسكري (يقيبون) بالتعامل بكلّ إيجابية مع الرسائل المحذّرة في مضيق هرمز. وفي هذه الأماكن عاجزون عن إطلاق حرب على إيران، لا حرب أميركية على إيران، لذلك يلجأون إلى العقوبات. أنا باعتقادي أنّ الأميركيين لو كانوا يستطيعون أن يربحوا المعركة ضد إيران لما فرضت العقوبات على المدنيين.

اليوم الأميركي يجلب العار والشنار وسوء السمعة على المستوى العالمي، فهم يجلبون كلّ العناصر السلبية من خلال العقوبات. لماذا؟ لأنّها فشلت في أن تفكّر بوجود أيّة حرب. إذا أصبحت حرب بين أميركا وإيران، كلّ المنطقة ستنقلب على كلّ هذه الأطراف، وأميركا تقدّر هذا الظرف. لذلك أنا شخصياً والإيرانيون، وعباقرة الاستراتيجية في إيران والمنطقة لا يتوقّعون حرباً على الإطلاق.

لا حرب في المنطقة بين إيران وأميركا، والعقوبات ستكون شديدة ولكنّها فاشلة.

محمّد علوش: شكراً لكم دكتور محمّد علي ميرزائي الباحث في الدراسات العربية الإيرانية، كنت معنا من طهران.

محمّد علي ميرزائي: شكراً لكم، بارك الله فيكم.

محمّد علوش: كما نشكركم مشاهدينا لحُسن المتابعة، وإلى اللقاء.