حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

عدنان السيد حسين - وزير لبناني سابق

 

وفا سرايا: فيما تُكتَب الفصول الأخيرة من الانتخابات النصفية الأميركية مشكّلةً امتحاناً عسيراً لترامب وشعبية حزبه الجمهوري، يسجل واقع جديد ومصائر كثيرة على المحك، من بينها مصير رئيس استخدم سلاح العقوبات الاقتصادية في حروبه الخارجية. فها هي الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران تنفَّذ من دون أن تحمل أيّة مفاجآتٍ قاضيةٍ وعدت بها إدارة البيت الأبيض.

الرد الإيراني الرسمي والشعبي الموحّد كان واضحاً، وهو أن طهران ماضية في عدم الانصياع للتهديدات الأميركية، وأنها ستواجه وتتجاوز هذه العقوبات وتفشلها كما أفشلت سابقاتها على مدى 40 عاماً. إلى ماذا تستند طهران في قدرتها على الالتفاف والتخفيف من وطأة العقوبات الأحادية الجانب؟ كيف ستستثمر هذه المرة وقوف دول العالم إلى جانبها وتمسّكها بالاتفاق النووي؟ ماذا عن السيناريوهات والخيارات المتاحة في ظل الصراع الإقليمي والدولي المحتدم؟

وفيما الحروب الاقتصادية مشتعلةٌ، يستمرّ ترامب في مسلسل الانسحاب من الاتفاقات الدولية، ولم يكن مستغرباً إعلانه عن انسحاب بلاده من معاهدة الأسلحة النووية مع روسيا، وقبلها من معاهدة باريس للمناخ، ومن مجلس حقوق الإنسان. ولكن، ألا تشكّل كلّ هذه القرارات خرقاً للقانون الدولي؟ وما مصير هذه الاتفاقيات الدولية في المشهد العالمي الحالي؟ أين مصداقية الدولة العظمى؟ في المقابل ما هو دور المجتمع الدولي؟

هي أسئلة كثيرة نطرحها اليوم على ضيفنا في حوار الساعة الوزير اللبناني السابق الدكتور عدنان السيّد حسين.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير معالي الوزير. الكثير من الملفات كما ذكرنا في المقدّمة على المحكّ، داخلياً وخارجياً. ولكن برأيكم، هذه الانتخابات النصفية في أميركا كيف ستؤثر على السياسة الخارجية، تحديداً لإدارة البيت الأبيض وبالتعاطي مع المنطقة؟

 

عدنان السيد حسين: بالداخل هناك تأثير مهمّ، أولاً أريد أن أشكرك وأشكر الميادين قبل استكمال النقاش.

 

وفا سرايا: أهلاً وسهلاً بك.

 

عدنان السيّد حسين: الانتخابات النصفية ليست حاسمة بشكل نهائي إنما تؤشّر، ربما حسب آخر المعطيات المتوافرة أمامنا، أن هناك نوعاً من الاستمرار، ربما الديمقراطيون سيسيطرون على مجلس النواب والجمهوريون على مجلس الشيوخ، وهذا يؤدي إلى استمرار التجاذب بين المجلسين وإلى نوع من الشلل والإرباك. لا أعتقد سيكون هناك تطور كبير في الداخل الأميركي، مع الإشارة إلى أن الانتخابات النصفية، حتى الانتخابات الرئاسية في أميركا، العامل الحاسم فيها الداخل وليس الخارج.

 

وفا سرايا: صحيح.

 

عدنان السيّد حسين: السياسة الخارجية تأتي كملحق إلا إن كان هناك قضايا كبيرة جداً، وأعتقد أن الرأي العام الأميركي يهتم بموضوع البطالة والضرائب، والضمانات الصحية، أكثر من أمور الشرق الأوسط والنظام العالمي وغير ذلك. نحن مهتّمون بحكم موقعنا وبحكم مصالحنا، بالنظام العالمي ككلّ، والتأثير الأميركي. أتوقّع أن يستمرّ الرئيس الأميركي بذات السياسة، إذا استطاع أن يقنع بعض الأميركيين في الداخل بإجراءات اجتماعية صحية لصالح بعض الفئات في المجتمع الأميركي، هذا يشجّعه على نيله ولاية ثانية، وليس بالضروري أن ينجح، إنما قد يقدم على مزيد من الخطوات خلال السنتين المقبلتين، وربما الرعونة مستمرّة في السياسة الخارجية، وهذا أمر سنتوقّف عنده بالتأكيد.

 

وفا سرايا: بالتأكيد، ذكرت عاملاً مهماً، أن الناخب الأميركي ربما يهمه الوضع الداخلي أكثر من السياسة الخارجية، ولكن بطبيعة الحال ألم تكن هذه الانتخابات النصفية هي استفتاء على شعبية الرئيس؟ دائماً كنّا نلاحظ حتى في الفترات الرئاسية السابقة دكتور، الاستفتاء بالفعل على ما يقوم به الرئيس في العامين الماضيين من ولايته.

كيف يمكن أن نفسّر ربما بإشارات داخلية وليست فقط، نحن نتحدّث عن سياسة خارجية؟

 

عدنان السيّد حسين: جزئياً يمكن القول بذلك أنّ هناك استفتاء حول صلاحية الرئيس، حول مدى كفاءته في إدارة الشأن الداخلي والشأن العام في أميركا، إنما علينا ألا ننسى أيضاً أنّ الصراع بين جمهوري وديمقراطي، سواء كان الرئيس ترامب أو غيره من الجمهوريين أو كان أوباما أو غيره من الديمقراطيين، يبقى لكلّ حزب بروباغندا ويبقى لديه ديماغوجية يطرحها بوجه الآخر، لأن هذا التنافس هو تنافس دائم ومصيري، المسألة لا تنحصر بمن هو رئيس الدولة الفدرالية.

 

وفا سرايا: لأنّ هناك دوراً للمؤسّسات دائماً داخل الولايات المتحدة الأميركية.

 

عدنان السيّد حسين: بالضبط، إذا سيطر الجمهوريون على المجلسين شيء وإذا سيطروا على مجلس واحد أمر آخر، لذلك الأمور لا تؤخذ بالمطلق إنما بلا شك بنسبة معينة، يمكننا أن نقول بالنهاية والنتيجة الرسمية، يمكننا أن نحدّد إن كانت شعبية الرئيس الأميركي ترامب تراجعت أو حافظت على وضعها. أنا أتوقع شيئاً من التراجع البسيط.

 

وفا سرايا: كنا نتحدّث بأنّ الأداة أو السلاح الأساسي الذي تمسّك به الرئيس ترامب في السنتين الماضيتين الحروب الاقتصادية، العقوبات الأميركية التي تُفرَض على سلسلة من الدول وليس فقط على إيران، ولكن حديث الساعة، نحن نتحدّث اليوم عن دخول العقوبات بجزئها الثاني أو بالمرحلة الثانية قيد التنفيذ. حتى الآن برأيكم، منذ ثلاثة أيام، منذ الخامس من نوفمبر حتى اليوم، هل كان هنالك الأثر الاقتصادي بداية على الاقتصاد الإيراني بشكل عام؟

 

عدنان السيّد حسين: دعيني أقول شيئاً في البداية، هذا الرئيس الأميركي يختلف بالشكل عن الرؤساء السابقين، لكنّه في الجوهر ربما يلتقي مع ريغان مثلاً، وحتى مع أوباما في المراحل الأولى، بأنه أظهر ما هو تحت الطاولة في السياسة الأميركية تجاه العالم.

 

وفا سرايا: كشف القناع الحقيقيّ.

 

عدنان السيّد حسين: إذا شئت، بلغة الصحافة أنا أوافق. ليس معقولاً أن يخاطب كوريا الجنوبية، نحن حميناكم طوال هذه العقود، ادفعوا لنا المال، وكوريا الجنوبية هي حليف رئيسي للولايات المتحدة في جنوب شرقي آسيا. على هذا المنوال يخاطب كل حلفاء أميركا قبل الوصول إلى إيران.

 

وفا سرايا: قبل الخصوم، صحيح.

 

عدنان السيد حسين: معنى ذلك، هنا البراغماتية النفعية الأميركية تجلّت في صورة فيها شيء من الوقاحة، فيها شيء من البشاعة أمام العالم، أنّ الدولة الأعظم، الأقوى في هذا العالم، عالم اليوم، تبتزّ الشعوب في ثرواتها، في اقتصادياتها، في مصائرها، وبالتالي هنا يُطرَح السؤال الأكبر، ما هو هذا النظام العالمي اليوم المسيطر؟ هل هو نظام مُتكافئ؟ أبداً. لماذا تحرّكت روسيا والصين؟

 

وفا سرايا: برغم وجود قوى الآن باتت بوجه أميركا تشكّل حتى اقتصادياً، دكتور.

 

عدنان السيّد حسين: بالضبط، وقبل الدخول بالاقتصاد، ذهبوا نحو الدولار الذي هو أساس العملية الاقتصادية والمالية في النظام المالي بأكمله. ذهبوا ليقولوا للولايات المتحدة، اتفاقية برتون وودز التي أسقطها ريتشارد نيكسون في سبعينات القرن الماضي، أنتم تخلّيتم عنها كأميركيين، نحن لسنا مجبرين أن نبقى في نسق هذا النظام النقدي المالي العالمي، نحن يجب أن نفتش عن نظام آخر. هذا الدفع بالسياسة الأميركية خارج الولايات المتحدة إلى هذا الحد النفعي البراغماتي ويمكننا أن نقول الإمبريالي بكل وضوح، هذا حرك الدول الكبرى، حتى الاتحاد الأوروبي.

 

وفا سرايا: صحيح، سنأتي على الرد الأوروبي الذي كان مخالفاً لكل التوقّعات عما سبق من ملفات، خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاق النووي والتمسك به حتى الآن، وإن لم يكن تمسّكاً، يمكن القول عدم القبول بهذه العقوبات التي تفرض على إيران؟

 

عدنان السيّد حسين: يبقى الدولار هو الأساس في هذه العملية. من هنا علينا أن ننطلق، ولا يعني هذا طبعاً إغفالنا لبقية القضايا، مسألة الطاقة والنفط والغاز والزراعة.

 

وفا سرايا: سندخل بالتفاصيل نحن وأنت دكتور، ولكن إسمح لنا معالي الوزير أن نتوقف مع هذا المقال بهذا الإطار، ونحن نتحدّث أيضاً عن مواجهة إيرانية لهذه العقوبات التي اعتادت طيلة 40 عاماً على هكذا نوع من العقوبات التي تفرض عليها.

في القبس الكويتية اليوم كتب مصطفى الصراف محاولة للتحكّم في مضيق هرمز. فلنتابع.

 

القبس الكويتية: محاولة للتحكّم بمضيق هرمز، مصطفى الصراف

في مناسبات كثيرة صرّح كبار المسؤولين الأميركيين وما زال العمل على تنفيذ المخطّط نفسه يجري منذ عدّة سنوات، ألا وهو الهيمنة على جميع الدول النفطية في المنطقة، إضافة إلى تلك الدول التي تشرف على المضائق المائية كمضيق باب المندب ومضيق هرمز، للعمل على خنق وصول الطاقة إلى دول شرق آسيا والصين، لتتمّ بذلك هيمنة الصهيونية العالمية على الاقتصاد العالمي، وبالتالي للتحكّم بمصائر شعوب العالم. ولتحقيق هذا الحلم فقد تمت وعلى مراحل الهيمنة على معظم الدول النفطية في المنطقة.

ولذلك، فإنّ الصهيونية العالمية تسعى بكلّ الوسائل اليوم إلى إسقاط النظام في إيران، أو رضوخه للمطالب الأميركية بدخول بيت الطاعة، ويا دار ما دخلك شر، ولذا وكوسيلة ضغط سيهدفون إلى إقامة قواعد قريبة للتحكّم في مضيق هرمز ومواجهة إيران على نحوٍ مباشرٍ للتضييق عليها وابتزازها كجزءٍ من الحرب بالضغط عليها. ولكن هل يا ترى ستبقى شعوب المنطقة راضخةً لتنفيذ هذا المخطط الحلم؟ وإلى متى؟

لقد قاوم الشعب والنظام العراقيان هذا المخطّط، وما زالا يقاومان، كما قاوم الشعب السوري هذا المخطط وما زال يقاوم، وكذلك يفعل الشعب اليمني وسيظلّ يقاوم.

 

وفا سرايا: معالي الوزير، انطلاقاً من هذا المقال، المفارقة هذه المرة من يؤيد أميركا بإجراءاتها ضد إيران هي دول من داخل المنطقة، خصوصاً نحن نتحدّث عن السعودية، الإمارات، والعدو دائماً، كأن من كتب أيضاً بنود العقوبات الـ 12 هي إسرائيل ونتانياهو المرحّب جداً.

برأيكم، هكذا ضغوط ممكن أن تمارس حالياً على قوّة موجودة في المنطقة كالجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ وكيف؟

 

عدنان السيّد حسين: هناك ضغوط مستمرة وليست جديدة وكانت منذ عام 79، منذ قيام الثورة في إيران، لكن أنا لا اوافق كثيراً، إلى الحدّ الذي ذهب إليه المقال، أنه سيكون هناك تهديد لمضيق هرمز وحروب من هذا النوع، لأنّه بكل بساطة إغلاق مضيق هرمز يُضِرّ بالآخرين أكثر من الضرر بإيران، يضرّ بدول الخليج، مجلس التعاون الخليجي، بالاقتصاد الأميركي وبالاقتصاد العالمي، أكثر ممّا يلحق ضرراً بإيران. ونحن علينا أن نرى أمراً، أن إيران ليست هي فقط مضيق هرمز والخليج، إيران هي بحر قزوين، إيران هي جهة الشرق، إيران صارت مكملة لمجموعة شانغهاي، وإيران في عقود تجارية واقتصادية ذات طابع استراتيجي مع الهند، مع باكستان، ومع الصين، وبالتالي الكتلة الآسيوية صارت واضحة.

 

وفا سرايا: 35 في المئة من النفط الإيراني يذهب إلى الصين والهند.

 

عدنان السيّد حسين: إلى الصين، الدور الآسيوي لإيران دور مطلوب، وليس فقط مقبولاً، دور مطلوب، حتى روسياً، لأن روسيا هي أوروبية آسيوية، مع الصين، مع الهند، مع باقي الدول، أصبحت متنبّهة للدور الاقتصادي الأميركي الذي يريد أن يهيمن على العالم، وهذا غير مقبول في السياسات الإقليمية في جهة إيران وشرق إيران.

تبقى دول الخليج. أنا أعتقد أن السمة العامة لهذه الدول أنها تسير بالسياسة الأميركية رغم كل الإحراجات، وآخرها قضية خاشقجي، رغم كل الإحراجات، لكن هذه الدول تهدف إلى الحفاظ على أنظمة الحكم القائمة فيها ليس أكثر.

حتى يُكتَب مقال بالخليج بهذا النفس وهذا التوجّه، في جريدة القبس، على كل حال الإعلام الكويتي لديه شيء من الحرية، وكل السياسة الكويتية، يمكننا بالتصنيف أن نعتبرها في الصف الأول من موضوع المؤسّسات والديمقراطية قياساً بباقي دول مجلس التعاون، إنما لم يعد بإمكاننا أن نكمل بهذه الطريقة الفجّة. ترامب ساعد الإيرانيين والروس والصين وباقي الدول بطريقة غير مباشرة على التكاتف.

 

وفا سرايا: على الاتحاد والوحدة.

 

عدنان السيّد حسين: تماماً، وعلى مواجهة هذه السياسة الأميركية في العالم. اليوم، إذا أردت الدخول للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد نصل إلى هذه النقطة لاحقاً، وأن تجري استطلاع رأي وتجري انتخابات حول سياسة معينة للولايات المتحدة، لن تنال ذات الأصوات أو المجموع الذي كان يمكن أن تحصل عليه في أيام أوباما أو قبله. يوجد تدهور هنا بالسياسة الخارجية الأميركية، هذا أمر واضح، وهناك ارتباك انعكس بالداخل الأميركي. إذا راقبتِ إدارة ترامب، خلال سنتين تغيّرت وسقطت وتبدّلت وارتبكت.

 

وفا سرايا: حتى شخصيات بُدّلت من قبل الرئيس، ولكن هل يمكن الذهاب إلى ما يسمُى بمصير عزل أميركا دولياً، لأنه هذه المرة، نحن نتحدّث عن دول متضامنة مع إيران، ترفض هذه العقوبات الأميركية، مختلفة عما حدث منذ 40 عاماً، عام 79 معالي الوزير، وهذا يضعنا أمام سؤال، ما مصير بالفعل أميركا هذه القوّة العُظمى بمواجهة  إن كان شانغهاي، البريكس، أو هذه الدول التي تتّحد بوجه القوّة الكبرى أميركا؟

 

عدنان السيّد حسين: العزل لا، لأن الولايات المتحدة بقوّتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.

 

وفا سرايا: تمتلك أوراق قوّة.

 

عدنان السيّد حسين: ليس فقط ذلك، كنا ندرس سنة أولى علوم سياسية، ونعود وندرّس بعد ذلك، الولايات المتحدة بين محيطين لا تُغزى، الولايات المتحدة دخلت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية لكي تحصّل جوائز ترضية، وكانت تدخل الحروب متأخّرة حتى لا تنهك جيوشها وتدفع ثمن الحرب، حتى عندما دخلت حرب الخليج الثانية سنة 90، 91، شكلت تحالفاً دولياً من 33 دولة، ولأول مرة في تاريخ الحروب تحصل الولايات المتحدة على ربح مالي من هذه الحرب، لأنها لم تدفع. دفّعت اليابان وغير اليابان، وعندما قيل لليابان ما الجنود، قالوا لهم نحن ليس لدينا جيوش تخرج.

 

وفا سرايا: اليوم البديل هي الدول الخليجية التي تدفع الثمن، لأنه حتى الآن يتم الحديث عما سُمّي بحلف الناتو العربي؟

 

عدنان السيّد حسين: دول الخليج كانت تدفع، لكن الآن تدفع أكثر، ويطالبها ترامب بالدفع أكثر، لأنّه في الماضي ما جنيناه منك لا يوازي الحماية الأمنية للأنظمة، يقول ادفعوا ما يوازي هذه الحماية، بمعنى هناك مقاصّة، هناك لغة سوق، بازار في السياسة الدولية، وهذا أمر ليست معتادة عليه حتى السياسة الأميركية.

في أيام ريغان مثلاً، في ثمانينات القرن الماضي، كان التركيز مثلاً على الأسلحة الاستراتيجية وحرب النجوم، وهذه المسألة ولا مرة وصلت السياسة الخارجية الأميركية إلى هذا المستوى من الانحطاط، أن ادفعوا لنا أجرتنا ونحن نوفّر لكم الأمن. هل كانت السياسات الدولية وسياسة القوة العظمى التي تقود العالم سياسة نفعية كومبرادورية بطريقة مُنحطة لهذه الدرجة والتي تدفع حتى الشعب الأميركي، جزء منه على الأقل، يفكّر نحن إلى أين نسير؟ نحن لماذا يكرهنا هذا العالم؟ نحن أزلنا الحصار عن جارتنا كوبا، الآن نريد معاودة فرض الحصار، نحن منذ 130 أو 200 سنة نبتزّ أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، تارة نتدخّل مباشرة وأحياناً نتدخّل بالواسطة، هذه الناس لا تركّز عليها. ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة هي استعمار جديد أتى بعد الأوروبيين، هي استعمار قديم وجديد كان منذ القرن التاسع عشر عندما ذهبوا إلى هايتي وكولومبيا، وثم ذهبوا في القرن العشرين إلى الفلبين، لم يكتفوا بالقارة الأميركية.

 

وفا سرايا: ربما أمام شكل جديد من هذا الاستعمار الذي تمارسه أميركا معالي الوزير.

 

عدنان السيّد حسين: مالي تجاري واضح.

 

وفا سرايا: ولكن بما أننا نتحدّث عما جرى بالاتفاق النووي تحديداً بالعقوبات، الولايات المتحدة الأميركية استثنت ثماني دول من الحزمة الثانية من العقوبات التي فرضتها على إيران منها الصين، الهند، تركيا، اليابان، اليونان وكوريا الجنوبية وتايوان، ولكن لم تستثنِ الدول الأوروبية وهي كانت حليفة بالنسبة لها.

برأيكم لماذا لم يتم استثناء الدول الأوروبية برغم موقفها التمسّك والبقاء بالاتفاق النووي مع إيران؟

 

عدنان السيّد حسين: أولاً، استثناء الدول التي ذكرتها لمنع رفع درجة المواجهة أو العداء، لا نصل لهذه المرحلة مع هذه الدول، اليوم أيضاً القصة ليست قضية جنون، جنون العَظمة والسيطرة على العالم، هناك مصالح للولايات المتحدة مع الصين ومع روسيا ومع الهند، لا يمكنها تخطّي كل الأمور.

بالنسبة للإتحاد الأوروبي، نحن ننسى أمراً أساسياً، أنّ هناك أساساً حرباً تجارية بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ التسعينات، منذ التسعينات، وحتى كان هناك ضغط أميركي على اليابان الحليفة التقليدية بعد الحرب العالمية الثانية خلال 70 و80 سنة، إلى أين ذاهبون؟ هنا عدم استثناء الأوروبيين يعني أنّ هناك مواجهة تجاريّة، وأنا في نظري، أتوقّع أن الاتحاد الأوروبي بدوله الأساسية وخاصة ألمانيا ستكون مع الإيرانيين أكثر مما ستكون مع الأميركيين في هذا الحصار.

 

وفا سرايا: ولكن هل الوقت سيلعب دوراً في هذه العملية المُعقّدة التي دشنّت مرحلة جديدة بالتعاطي الأميركي مع إيران، تحديداً، ومع حلفائها الأوروبيين؟

هل هنالك مراحل تدريجية، تضييق الخناق بشكل تدريجي، استثنت الدول الثماني هذه، في ما بعد ستكون هناك إجراءات ربما أكثر صرامة، أكثر لتضييق الخناق على إيران؟

 

عدنان السيد حسين: لماذا نقول ذلك؟ لماذا لا نقول قد تضطر الولايات المتحدة إلى التراجع عن هذا الأسلوب الضاغط؟

 

وفا سرايا: لأنه، إسمح لي، معالي الوزير، دائماً هي تسعى من خلال سياسة ترامب التضييق من خلال هذه الضغوط للوصول إلى مفاوضات كما جرى مع كوريا الشمالية، وهي تطمح إلى ذلك، ثماني مرات دعي الرئيس روحاني لما يسمّى باتفاق جديد غير مشروط أو التفاوض حوله؟

 

عدنان السيّد حسين: أنا لماذا أقول نعم أو لا كالأسئلة الكلاسيكية الأميركية في الامتحانات، الآن هناك مرحلة اختبار، الولايات المتحدة تراقب، الدول الصناعية الكبرى تراقب، العالم، النظام الاقتصادي العالمي يموج في المتغيّرات والتحوّلات. الأمر الواضح إلى الآن من سنتين في عهد هذا الرجل الرئيس ترامب، أنّ القوة المناهضة للسياسة الاقتصادية الأميركية تتكتّل، وأنّها تزداد اعتماداً على نفسها، وزيادةً في حجم مبادلاتها التجارية. خذي روسيا، الصين، الهند، ويمكنك إضافة بعض الدول الآسيوية، مجموعة شانغهاي، زاد معدل العلاقات التجارية والمصالح التجارية.

 

وفا سرايا: حتى اليابان في آخر تصريح لها، قالت بأننا سنستورد كمية أكبر من النفط الإيراني.

 

عدنان السيّد حسين: هذه لعبة مصالح مكشوفة، كلّ دولة تبحث عن مصلحتها. لن يسلّم أحد للولايات المتحدة الأميركية، وهذه النقطة الأساسية، بأنها تستفيد من دون أن تفيد الآخرين، ولكن هذا الرئيس يريد أن يحلّ مشاكل الدَين العام الأميركي، وهذه مسألة صعبة جداً، أكثر من 20 ترليون دولار أميركي، هذا موضوع خطير جداً، ويريد حل مشكلة البطالة، حلّه جزئياً، أجرى بعض التحسّن لكنه ليس كافياً، لكن الموضوع الأساسي، الدَين العام الأميركي، أنت تريد أن تقود العالم، يقول أعطوني مالاً، لكن بالمقابل هو يهدّد الأمن في العالم.

 

وفا سرايا: قبل أن نذهب إلى فاصل، هل يمكن أن يكون الردّ الأوروبي مماثلاً لردّهم على العقوبات التجارية الأميركية على كوبا عبر سن تشريعات تحديداً عام 96 لتفادي تلك العقوبات؟ هل يمكن أن نذهب إلى هكذا خيار أوروبياً؟

 

عدنان السيّد حسين: نعم ولكن مع ملاحظة بسيطة، أقول نعم على سؤالك، مع ملاحظة أن الدول الأوروبية متفاوتة في سياساتها الخارجية، فليست هي على مستوى واحد من ردّة الفعل تجاه السياسة الأميركية. أعتقد أن الألمان هم في مقدّمة الصف المعارض لهذه السياسة الاقتصادية الأميركية.

 

وفا سرايا: ونحن نتحدّث عن هذه الحروب الاقتصادية المشتعلة، والتي أشعلها بوصول شخصية مثل ترامب، هنالك أيضاً مسلسل ما سُمّي بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية ليس فقط مع إيران، نتحدّث عن اتفاقية المناخ، مجلس حقوق الإنسان، الآن الأسلحة النووية مع روسيا.

 

عدنان السيّد حسين: وأودّ إن أضيف على ما ذكرته، انسحبت الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية، محاكمة مجرمي الحرب من قادة الدول، أخطر ما حصل، أخطر ما حصل.

 

وفا سرايا: حتى هدّدت هذه المحكمة إذا ما تعرّضت لأيّ من الحلفاء وليس فقط لمواطن أميركي.

سوف نناقش كل هذه المحاور معك معالي الوزير، ولكن إسمح لنا أنت ومشاهدينا الكرام بالذهاب إلى هذا الفاصل القصير، والعودة لمتابعة حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: أرحّب بكم من جديد مشاهدينا الكرام في الجزء الثاني من حوار الساعة، الذي نستضيف فيه اليوم الدكتور عدنان السيّد حسين. معالي الوزير أرحّب بك من جديد، ولكن إسمح لنا أن نذهب إلى مقال تحديداً في صحيفة الحياة ونعود لاستئناف النقاش. جهاد الخازن كتب في صحيفة الحياة مقالاً بعنوان ترامب يحالف الإرهابي نتانياهو.

 

الحياة: ترامب يحالف الإرهابي نتانياهو، جهاد الخازن

الرئيس دونالد ترامب يقول إن هناك أشياء كثيرة مخالفة للقانون تجري في الولايات المتحدة وحولها، مثل تمويل الديمقراطيين دخول اللاجئين من هندوراس، وإن وزارة العدل ترفض التحقيق في سياسة هيلاري كلينتون وما حدث في بنغازي. هو يقلّل من أهمية أعضاء في إدارته طُرِدوا أو استقالوا أو لا يزالون يعملون، مثل تقليله من أهمية عمل المحقّق الخاص روبرت مولر في تدخّل روسيا بانتخابات الرئاسة سنة 2016.

كثيرون من مساعدي ترامب يعملون خارج نطاق القانون، إلا أنّه يدافع عنهم. الأمم المتحدة كانت قد أصدرت تقريراً عن تغيير الطقس وجده ترامب حيلة أو خدعةً سياسيّة، رغم الأدلّة المتراكمة على ازدياد الحرارة، وتأثيرها في مستقبل شعوب العالم كلها.

بأهمية ما سبق أو أهمّ، هو الحلف القائم بين دونالد ترامب والإرهابي بنيامين نتانياهو ضدّ الفلسطينيين وغيرهم. كلّ من يعارض الولايات المتحدة أو إسرائيل يُعتبَر عدواً، والأميركيون لهم وجودٌ في سوريا ضد القاعدة التي لم تعد موجودة هناك. إسرائيل تقتل الفلسطينيين داخل قطاع غزّة بتأييدٍ أميركيّ، وتزعم أنّ إيران خطرٌ عليها، فتكرّر الولايات المتحدة موقفها وتزيد عليه.

إسرائيل زعمت أنها أنقذت عاملين للسلام في سوريا الخوذ البيضاء مع أسرهم، إلا أنّها لم تفعل، بل هي تشنّ غاراتٍ جوية على مواقع داخل سوريا لإيران وحلفائها. مع ذلك، الميديا الغربية تعتبر الخوذ البيضاء مجموعة من العاملين للسلام، أو من الذين يساعدون الناس المُحاصَرين في مناطق القتال. لا أرى هذا صحيحاً، بل جزءاً من الدعاية لهذا الفريق أو ذاك.

 

وفا سرايا: معالي الوزير، ليس بالأمر الجديد أن يكون هذا الحلف القوي، فمن أهمّ ما تسعى إليه أميركا، حماية الحليف إسرائيل بالمنطقة، وحماية أمن هذا الكيان. ولكن أن تتحالف شخصيتان كترامب ونتانياهو والابتعاد عن كل الحلفاء الذين ذكرنا، معتادة أميركا على دبلوماسيتها، على سياستها حتى المرنة التي كانت في بعض الأحيان كما جرى مع أوباما، إلى ماذا يشير ذلك برأيكم؟

 

عدنان السيّد حسين: يشير إلى أنّ الإسرائيليين اليوم في هذا الكيان الغاصب كما تشيرون دائماً أنتم بحقّ، يستفيدون من هذه الفرصة لمزيد من الضغط على الحكومات العربية كي تدخل في التطبيع، الحكومات المُستعدّة أساساً أن تدخل في التطبيع.

 

وفا سرايا: هل هي مرغمة؟ هل هي تضغط أم نلاحظ بأن هنالك للأسف معالي الوزير هرولة غير طبيعية من الأنظمة الخليجية؟

 

عدنان السيّد حسين: هناك حكومات في الأساس تحت الطاولة كما قالت ليفني وزيرة الخارجية السابقة، قالت ما كان تحت الطاولة صار فوق الطاولة ولا يوجد شيء جديد، وكانت تتحدّث عن دول الخليج، أو بعضها على الأقلّ. هناك دول عربية أخرى قد تكون مرغمة لأنها تتعرّض لضغوط، فعندما ينهار مفهوم الأمن العربيّ الشامل، هذا الذي لا نقدّره نحن، نحن لا نعرف قيمة عبد الناصر ومصر، ماذا يعني ألا تأخذ مصر دورها؟ مصر تأخذ دورها من أكثر من 1000 سنة، مصر يعني القاهرة، يعني الأزهر، يعني قناة السويس من القرن التاسع عشر، يعني البحر المتوسّط، يعني البحر الأحمر، حتى لبنان هذا البلد الصغير، استفاد من الأمن العربي الذي توفّر له في عهد الرئيس فؤاد شهاب، 58، 64، ومكّنه من أن، وهذه ملاحظة عابرة يمكنك قياسها على كل الدول العربية، وقتما يغيب الدور المصري، الدول والحكومات العربية صارت طرفين.

 

وفا سرايا: اليوم محمّد بن سلمان يحمّل الرئيس الراحل عبد الناصر مسؤولية هذا الانهيار في العالم العربي، على العكس، المعادلة مقلوبة من وجهة نظر هذه الأنظمة التي تطبّع.

 

عدنان السيّد حسين: ربما نعمل محمّد بن سلمان زعيم الأمّة العربية مكان عبد الناصر الآن ونغيّر التاريخ، أو مكان صلاح الدين إن شئت ومحمّد علي والآخرين. غريب. على كل حال نحن الآن في حال ضعف وإسرائيل تستفيد من هذا المُعطى، وكما قال نتانياهو في خطابه أمام الكنيست من بضعة أسابيع. نحن نتفرّّج على ما يجري في هذه الدول العربية لكن هذا لا يعني أن كل السبب نتيجة ضعفنا، نحن ضعاف لكن هناك شر موجّه إلى هذه المنطقة تقوده هذه السياسة الأميركية، وهذا الشرّ وصل إلى درجة سرقة ومصادرة أموال الشعوب، هذا المال المودَع في الخزائن الأميركية هو لشعوب المنطقة وليس للأميركيّين، أموال النفط المودعة في الولايات المتحدة، حتى أموال الأسرة السعودية الموجودة في الولايات المتحدة، هذه أموال لهذه الشعوب، وليست أموالاً لأفراد، وبالتالي لترامب وحاشية ترامب، ومن يستفيد في هذه السياسة الأميركية.

 

وفا سرايا: برأيكم، تحديداً أشار المقال إلى أنه كان هناك تقرير صدر من الأمم المتحدة في ما يتعلق باتفاقية المناخ عن تغيير الطقس، وتجرّأ ترامب أن ينسحب من هذه الاتفاقية، تجرّأ ان ينسحب كما ذكرنا من المحكمة الجنائية الدولية ويهدّد كل هذه المنظمات الدولية وكذلك حقوق الإنسان، قبل أن نتحدّث سياسياً عن إيران وما يُحكى عن الأسلحة النووية مع روسيا.

على ماذا يستند بهذه الانسحابات؟ ومن يحاكم هكذا التي كان يعوّل عليها وندرس بكتب التاريخ، مصداقية الدولة العظيمة الولايات المتحدة الأميركية؟

 

عدنان السيّد حسين: لا توجد مصداقية، حتى هذا الذي أناقشه، لا توجد مصداقية، حتى لا نعتقد أن هذا الأمر جديد في عهد ترامب، هو أمر قديم بدأ في مؤتمر ريو عام 92 عندما وقف جورج بوش الأب، وقال أنا رئيس الولايات المتحدة، وأنا لست رئيس العالم، يُطلَب مني أن أوقف انبعاث الغازات إلى الفضاء وتهديد طبقة الأوزون، أنا لا أستطيع ذلك لأن هناك مصانع وهناك عمال أميركيون يفيدون من هذه المصانع، بكلّ وضوح. هم يريدون خيرات العالم بحجّة أنهم يقودون العالم، ولكنهم يقودون الأعمال الإرهابية للأسف، يستثمرون في الإرهاب، وهذه آخر نقطة بشعة لسياسة خارجية أميركية أن تستثمر في الإرهاب، تذهب داعش، نوجد داعش أولى وثانية غير داعش، نحن نبقى نخترع أدوات ونستثمرها ونؤلّب الناس ضد بعضها، أي أننا نستثمر في دماء الشعوب الفقيرة البسيطة، واليمن خير مثال على ذلك.

هم انسحبوا من كل معاهدات المناخ. أين مؤتمر كياوتو ونتائجه في التسعينات مع اليابان بالنسبة للمناخ؟ هذه مسألة بسيطة مكمّلة لما سبق. أين مسألة المحكمة الجنائية الدولية التي تحاكم مجرمي الحرب في العالم؟ انسحبوا منها. نتحدّث عن القانون الدولي، القانون الدولي خارج هذه السياسة الأميركية. القانون الدولي في مكان والسياسة الخارجية الأميركية في مكان آخر. أنت وقّعت مع الجمهورية الإسلامية وأعضاء مجلس الأمن الأربعة الآخرين، إضافة للولايات المتحدة يصبحون خمسة، إضافة للألمان، أنت وقّعت اتفاقاً رحّب به العالم وقيّد إيران في موضوع التخصيب مقابل رفع الحصار المالي والاقتصادي عن إيران، قال قبل أن يتحقّق من أي شيء، منذ انتخابه.

 

وفا سرايا: وعد كان له بحملته الانتخابية.

 

عدنان السيّد حسين: قبل أن يُنتخَب، أن هذا الاتفاق ليس لصالحنا وهذا خاطئ وهذا لا يبشّر بالخير ونريد إلغاءه إلى آخره. عندما أعلن عدم التزامه بالاتفاق، أولاً عندما دولة تعلن عدم التزامها بالاتفاق وهي 1 من 6، 5 زائد 1، عليها أن تنسّق مع الآخرين، لم تنسّق، وثانياً هذا الاتفاق نال غطاء دولياً من خلال مجلس الأمن الدولي وهذا لقي ترحيباً من غالبية دول العالم الساحقة إن لم نقل كل دول العالم الممثلة بالجمعية العامة للأمم المتحدة، معنى ذلك أن الولايات المتحدة هنا أصبحت خارج النظام الدولي بالمعنى القانوني. ولكن لسوء الحظ ما الذي يجعل الولايات المتحدة أن تتمادى في هكذا قضايا؟ هو ضعف منظمة الأمم المتحدة لكي تقوم بدورها، هو عدم قدرة الأمم المتحدة على أن تجدّد نفسها وأن تطوّر ميثاقها وأن تطوّر أنظمتها وتركيبة مجلس الأمن فيها، حقّ الفيتو الذي تمتلكه الولايات المتحدة ما زال يحميها، إنما هذا إلى ماذا يؤدّي؟ يؤدّي كما ذكرنا في الحلقة، إلى مزيد من التكتلات الدولية الرافضة للهيمنة الأميركية.

 

وفا سرايا: تكاثف لهذه التكتلات.

 

عدنان السيّد حسين: ولكن أين القانون الدولي؟ أولاً القانون الدولي.

 

وفا سرايا: هل على الضعيف؟ القانون الدولي هل يمارس صلاحيته على الدول الضعيفة؟

 

عدنان السيّد حسين: بالعكس هو جاء ليحمي الضعيف، الولايات المتحدة خرجت من القانون الدولي حتى تضرب الضعيف. القانون الدولي هو أتى لحماية الضعيف، هناك قانون دولي للمعاهدات، وهناك قانون دولي لقوانين الحرب البرية والبحرية والجوية. من قال إنّ السلاح النووي لغير الأغراض السلمية مسموح به في القانون الدولي؟ من قال؟ أساساً الطاقة النووية هي للأغراض السلمية وُجِدت، وليس لضرب اليابان بالحرب العالمية الثانية بالسلاح الذرّي، ونعود لنهدّد الآخرين وننزع سلاح الآخرين في ما لو كان موجوداً، ونحن لا يقترب أحد منّا، هذه هي سياسة القوّة، هذا ليس قانوناً دولياً. على الأمم المتحدة لو كان هناك اليوم قوّة لحركة عدم الانحياز وفيها كتلة 110 إلى 120 دولة، أن يعودوا للجمعية العامة ويحرّكوا قرار الاتحاد من أجل السلام في مطلع الخمسينات أيام الحرب الكورية، حتى نقول للجمعية العامة للأمم المتحدة أن تحل بدلاً من مجلس الأمن في أخذ قرارات مُلزمة.

 

وفا سرايا: ما خطورة، معالي الوزير، أن نذهب الآن، انسحاب واشنطن من المعاهدة النووية التي وقّعت مع روسيا منذ 31 عاماً، الآن هناك تبعات ضخمة ربما لهذه الانسحابات من هكذا اتفاقيات، وليست أموراً عابرة بالمشهد الحالي الدولي؟

 

عدنان السيّد حسين: تبعاتها الخطيرة أنه يصبح الاتحاد الروسي مُتحلّلاً من هذه الالتزامات التي وقّعها مع الولايات المتحدة، أنا وأنت أجرينا عقداً ثنائياً، خرجت من العقد، بتُ أنا متحرّراً من هذا العقد، معناه هناك تفلّت باستخدامات وإنتاج الأسلحة الاستراتيجية. هذا التفلّت تفيد منه بعض الدول المارقة، الدول المارقة هي التي تستفيد من التكنولوجيا الحديثة بما فيها الطاقة النووية كي تهدّد بها الآخرين. معناه نحن أمام مشهد تراجع دور الأمم المتحدة، أي انحسار دور القانون الدولي. وبالمناسبة أريد أن أقول لك شيئاً، منذ عدّة سنوات، طرح في الأمم المتحدة فكرة عقد مؤتمر عالمي لمناقشة قضية واحدة، كيف يستعيد القانون الدولي دوره في العالم، معناها نحن في أزمة، نحن في محنة.

 

وفا سرايا: اعتراف بأن دورها متراجع.

 

عدنان السيّد حسين: وهنا ليست فقط الولايات المتحدة وحدها مسؤولة أو إسرائيل وحدها مسؤولة أو هذا الثنائي، كثير من الدول أخذت تتملّص من الالتزامات الدولية لأسباب تجارية مصلحية نفعية، وبالتالي من يتصوّر أن القانون الدولي يسير من دون قوى دولية ضاغطة من خلاله، هذا أمر سراب.

 

وفا سرايا: نحن نتحدّث عن هذا التملّص أو الانفلات من كل هذه الاتفاقيات بالنسبة لأميركا، وذكرت معالي الوزير أنه ليس بالأمر الجديد، هي كلها تحت مسمّيات بحروب تجاه تحديداً المنطقة، وبهذا المقال سوف نتابع نحن وإياك، وسنعود لمتابعة ومناقشة هذه النقطة تحديداً.

ذكر اليوم مقال بالبناء اللبنانية تحت عنوان السور الأخير للأحادية الأميركية من إدلب إلى طهران للكاتب وفيق إبراهيم. فلنتابع.

 

البناء اللبنانية: السور الأخير للأحادية الأميركية من إدلب إلى طهران، وفيق إبراهيم

الحروب الأميركية على إيران والمشرق العربي هي أحد الأهداف إنما بعناوين وهميّةٍ مختلفةٍ، وجغرافيا تبدو متباعدة بالكليومترات فقط ومترابطة بالمشروع العميق.

لدى واشنطن إمكاناتٌ ضخمةٌ تفوق إمكانات عشرات الدول في آنٍ، ومهما كان مستواها، لأنها تجمع بين التفوّق العسكري والاقتصادي والثقافي والجيو فضائي، لكنّها للمرّة الأولى، منذ تشكل نفوذها بعد عام 1945، تواجه تحالفاً يضمّ دولاً نخبوية قيد التشكيل ولديها مشاريع.

يعتبر الروس أنّ إفلات طهران من مشروع خنقها أميركياً هو تدميرٌ للسيطرة الأحادية على العالم، لذلك لم يتورّعوا عن التصريح العلني بدخولهم معركة الدفاع عن إيران بكل السبل المطلوبة اقتصادياً، وبمستوياتٍ أخرى موازيةٍ للخطة الأميركية.

وكذلك تفهم الصين معركة إيران على أنها معركة حماية الانتشار الكوني لسلعها، لذلك فهي لن تلتزم بأيّ قرارٍ أميركي معادٍ لإيران تمهيداً لإعلان حلفٍ معادلٍ لدرجات العدوان الأميركي عليها.

أما بالنسبة إلى إدلب، فالمرجّح أن بكين وموسكو تعتقدان أنها أزمة للأميركيين أكثر من كونها مشكلة لهما، لأنّ رعاية الإرهاب أمرٌ مضنٍ. هذا إضافة إلى نجاح إيران في إعادة تجميع معظم حلفائها في العراق مع رئيس الحكومة الجديد.

يتبيّن في المحصّلة أن مشروع الحائط حقيقي لكنّ السيول السورية الروسية الإيرانية لن تتأخّر في التأسيس لانهياره تحت وطأة الإصرار على سيادة سوريا والدور الإقليمي الإيراني ومشاريع إسقاط أحادية راعي البقر الأميركي.

 

وفا سرايا: زمنياً، هل يمكن القول سقطت هذه الأحادية مع تواتر هذه الأحداث الدراماتيكية في المنطقة؟

 

عدنان السيّد حسين: لسنا نحن أنا وأنت نقول، قالها الرئيس أوباما، المقال جيّد على فكرة ولكن كان يمكن إضافة جملة، إنّ الرئيس أوباما قال في العهد الأول، لم نعُد نحن وحدنا نقود هذا العالم، وهذا كان في معرض مخاطبة الروس والأوروبيين والصين.

وتعرفين، وقتها ظهرت مجموعة العشرين، وأخذت دوراً مهماً في الاقتصاد والسياسة العالمية. كان هناك نوع من المرونة في السياسة الخارجية الأميركية، لكن ليس معنى ذلك أن هناك تخلياً عن الدور الأميركي.

 

وفا سرايا: وعن الأهداف.

 

عدنان السيّد حسين: وعن الأهداف الكبرى، وللأسف أحد هذه الأهداف الكبرى ضرب التجربة الإيرانية حتى، طالما أن إيران هي خارج المنظومة الأميركية سوف تحاصَر. دعينا نراجع دولاً كثيرة في العالم. تشيلي هي في القارة الأميركية تعرّضت لمشاكل أيام ألندي، الرئيس عبد الناصر كل تجربته مع الولايات المتحدة ضغوط، ضغوط، ضغوط، ضغوط لأنه لم يسر مع السياسة الأميركية، هناك رضوخ، وحماية إسرائيل مطلب استراتيجي ثابت للأسف، اليوم الولايات المتحدة باسم الغرب كله تتصدّى لهذا الموضوع، وهناك موضوع الطاقة والمنفعة المالية التي هي أساسية. أنا أعتقد أن الإيرانيين يتعرّضون لضغوط، لكن علينا ألا ننسى أمراً أنا ذكرته على ما أعتقد على الميادين إن لم أكن مُخطئاً، عندما استفتت إيران محكمة العدل الدولية في لاهاي حول موضوع العقوبات الاقتصادية، قلت سريعاً في الأخبار على الهاتف، إنّ هذا أمرٌ سيفيد إيران، قالوا لي كيف ستستفيد طالما أنّ الولايات المتحدة لا تلتزم بحكم المحكمة، قلت لهم ستستفيد سياسياً واقتصادياً وسوف يدفع هذا القرار باقي الدول لأن تتضامن مع إيران، وأن ترفض الضغوط الأميركية، وهذا ما حصل ويحصل اليوم ويمكن أن يتعاظم.

الإيرانيون يقودون العملية بوعي واضح وباقتدار، وهم يراكمون. الضغط على إيران، دعينا نقول كلاماً، غير مسألة النووي، إيران لن تستخدم سلاحاً نووياً حتى لو أنتجته، إيران دولة رقم 16 في البحث العلمي العالميّ، أي هي تتقدم على كثير من الدول الأوروبية، إيران الرقم 6 في النانو تكنولوجي الذي هو فرع من البيو تكنولوجي، والذي يعني تحويل المواد أو الخلايا إلى مواد أخرى وهذا يفيد بالصناعة. هذا أمر غير مسموح لدولة من العالم النامي، من عالم الجنوب.

 

وفا سرايا: عشيّة العقوبات كان هناك تصنيع طائرة كوثر، وهذا أكبر دليل على ما تتحدّث عنه معالي الوزير.

 

عدنان السيّد حسين: نعم، موضوع إنتاج الصواريخ، لا يمكنهم منع دولة من إنتاج الصواريخ، يقول الإيرانيون هذه للدفاع عن إيران إذا ما هوجمت إيران، هذا منطق قانوني مبرّر في القانون الدولي لأنه لا توجد دولة ليس لديها سلاح، لكن المنطق الأميركي، يقومون بحرب استباقية على إيران، أنّ إيران قد تستخدم هذه الصواريخ ضد الدول الأخرى في الخليج. من قال لك ستستخدمها؟

 

وفا سرايا: ذريعة بالنسبة لهم.

 

عدنان السيّد حسين: نحن لسنا ننتقد لمجرّد انتقاد السياسة الأميركية، حقيقة هي سياسة استعمارية برأيي كانت قديمة ولا تزال مستمرة، وهي تشكّل خطراً على الدور الأميركي وعلى الأميركيين وهيبة الولايات المتحدة في العالم أنها دولة تنشئ إرهاباً، ترامب الذي قال ولسنا نحن، أن الإدارة السابقة خلقت داعش. اليوم الضغط على إيران.

 

وفا سرايا: مهم ما ذكر بالمقال وما ذكرته معالي الوزير أن رعاية الإرهاب أمر مضنٍ بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، لأنه سيأتي يوم طابخ السمّ آكله كما يقال.

 

عدنان السيّد حسين: أين القانون الدولي هنا؟ نتحدّث بقانون دولي، أنا أستثمر بإرهاب وأشجّع إرهاباً، أنشئ إرهاباً يقوم على القتل؟ الحصار الاقتصادي، انتهينا من الحصار الاقتصادي، لنبقى في الموضوع الإيراني، انتهينا من الحصار الاقتصادي، الجمعية العامة للأمم المتحدة نبّهت إلى أن هذا الأمر أمر يضرّ بالشعوب ولا يضرّ بالحكّام، إن كنتم مختلفين مع المسؤولين الإيرانيين.

 

وفا سرايا: حتى أسعار النفط سوف تؤثّر على المواطن الأميركي بطبيعة الحال إذا تهدّدت وليس فقط على الشعوب الأخرى؟

 

عدنان السيّد حسين: مئة بالمئة، والحصار الاقتصادي على العراق، النفط مقابل الغذاء، لم ننسه، من 91 حتى العام 2003 قتل مليون طفل عراقي وهدّد مئات الآلاف بسوء التغذية.

نحن هنا نقوم بما نسمّيه الإبادة الجماعية، نرتكب جرائم ضدّ الإنسانية ثم نعود ونتحدّث بالقانون الدولي. أين هو القانون الدولي؟ اليوم إذا دخلت إلى صف وشرحت القانون الدولي ضدّ الجريمة الدولية وفي المقابل ترين يومياً قتل أطفال في اليمن نتيجة حصار الموانئ ومنع وصول الغذاء.

 

وفا سرايا: فتحت لي الباب بسؤال أخير، برأيكم إذا كانت الحرب الاقتصادية لم تؤتِ الثمار أو تحقّق الأهداف الأميركية التي أرادت تحقيقها، واليوم هنالك تصعيد سعودي إمارتي واضح من اليمن إلى البحرين وكذلك إيران.

هل هذه سوف تؤدّي أو ربما السيناريو المقبل إلى حرب كبرى، أم هذه الأطراف هي تبحث عن دور لها أو أوراق تساوم عليها على طاولة المفاوضات أمام التسوية الكبرى في المنطقة؟

 

عدنان السيّد حسين: لماذا لا نقول إمكانية تراجع السياسة الأميركية؟ أنّ اليوم الرئيس الأميركي يقول ما يجري في اليمن أمرٌ فظيع، هذه الفظاعة ألم نرها منذ ثلاث سنوات؟ اليوم هناك 16 مليون يمني وتقولون نقلاً عن تقارير عالمية تحت خط الجوع أو في حال جوع، من يتحمّل هذا الموضوع؟ وما الهدف؟ هذا المال الذي أنفِق في اليمن، كان يمكننا شراء اليمن يا سعوديين ويا قيادة سعودية تدّعون الحكمة، كان من الممكن شراء اليمن. أنتم ما الذي تقومون به بهذا الموضوع؟ لماذا لا نقول هذا الضغط وهذا التدمير الاقتصادي الاجتماعي للشعوب سوف يوجد حالة رافضة للسياسة الأميركية ومن يؤيّد هذه السياسة الأميركية، وليس بالضرورة أن سياسة القوة هي التي تنتصر، النازيون والفاشيون في الحرب العالمية انتصروا بالدبابات في بداية الحرب، وثمّ هُزِموا. لماذا هُزِموا؟ لأنهم لم يكونوا إنسانيين، لم يكونوا إنسانيين.

 

وفا سرايا: مهم جداً ما ذكرته على أمل أن نصل بالفعل دكتور عدنان إلى تراجع لهذا، لأنه على ما يبدو باليمن طيلة ثلاث سنوات لم نسمع هذه المُطالبات وإن كانت أميركية وهنا بات الحرج، ويمكن التصعيد الميداني تحديداً بالحديدة من قِبَل السعودية والإمارات.

على كل الأحوال للأسف انتهى وقت البرنامج. أشكرك جزيل الشكر الدكتور عدنان السيّد حسين. معالي الوزير مسرورون كنا اليوم باستضافتك في حوار الساعة.

 

عدنان السيّد حسين: أشكركم.

 

وفا سرايا: والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة. في أمان الله.